المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمود جلال خليل - مصر - 27 رمضان 1433 - الصحيفة الغائبة (2)
البريد الالكتروني

الإسم الكامل: محمود جلال خليل
الدولة: مصر
المذهب السابق: مالكي
المساهمة:

الصحيفة الغائبة (2)

كان لظهور الاسلام القبلي في أمة الاسلام على حساب الاسلام المحمدي أبلغ الاثر في طمس التعاليم الاسلامية السمحة المبعوث بها خاتم الانبياء والمرسلين رحمة للعالمين وليس فقط لجمهور المسلمين ومن ثم كان العمل على إحياء الدستور الاسلامي الذي وضعه النبي الخاتم (ص) هو واجب ليس فقط ابناء الامة الاسلامية ومن ينتمون اليها ويفتخرون بها ولكن هو واجب وأمانة في عنق كل من ينشد المجتمع الفاضل الذي تتجلى فيه قيم العدل والحرية والمساواة بين الناس , ونحن عندما نعيد قراءة التاريخ الاسلامي والاحداث العظام التي مرت بها أمة الاسلام بعد وفاة الرسول الاكرم (ص) حتى اليوم والتي كان لها أكبر الاثر على شكل الحياة في المجتمعات الاسلامية ونظم الحكم التي خضعت لها بلاد المسلمين , نقرر بداية اننا لا نريد من وراء كتاباتنا هذه ان ننتقص أحدا او نعيب عليه خلقا او دينا أو ننتصر لراي على راي او مذهب على مذهب , كما انه في يقيني ان كل انتقاص او طعن في صحابة رسول الله (ص) المنتجبين وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم اجمعين هو خدش لصفحة رسول الله (ص) وسهما يرميه به أعدائه وخصومه الكارهين له والمتربصين بهذا الدين الحنيف , لكن واقع الأمة الاسلامية اليوم وقد بلغ درجة من الانحطاط والتردي لم تعرفه الامة في تاريخها طوال اربعة عشر قرنا , لما جرى عليها من فتن كقطع الليل المظلم وصفها الامام علي بقوله : إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع , يخالف فيها كتاب الله ويتولى عليها رجال رجالا على غير دين الله , فماهي هذه الفتن وكيف كانت بدايتها ؟ هل هم اصحاب الملك العضوض الذي حذر منه رسول الله (ص) ووصف حكامه بأنهم سيتخذون مال الله دولا وعباده خولا والصالحين حربا والفاسقين حزبا ، ووصف فقهاءهم بأنهم شر فقهاء منهم خرجت الفتنة واليهم تعود يفتون بما يشتهون ويقولون مالا يعلمون , أم أنهم اصحاب الجمل وصفين والنهراوان الذين خرجوا يجرون حرمة رسول الله (ص) كما تجر الأمة عند شرائها متوجهين بها الى البصرة , فحبسوا نساءهم في بيوتهم وابرزوا حبيس رسول الله (ص) لهم ولغيرهم ؟ أم ان هذه الفتن بدأت قبل ذلك يوم قيل منا أمير ومنكم أمير ؟ وما هي الأهواء التي اتبعت والاحكام التي ابتدعت وتولى فيها رجال رجالا على غير دين الله ؟
بعد مقتل عُثمان لم يكن ثمة فرصة لتعيين من يقوم بعده بالخلافة فلا سقيفة ولا شورى , فكان من حقِّ المسلمين ولأوَّل مرَّة أن يختاروا خليفتهم وولي أمرهم فجاءوا دار الإمام عليٍّ حيث اعتزل قبل قتل عُثمان ولم يخرج من بيته , يطالبون أن يخرج إليهم ليبايعوه فرفض وقال لهم : لاحاجة لي في أمركم فمن اخترتم رضيت به , فقالوا : مانختار غيرك , واختلفوا اليه بعد ما قتل عثمان مراراً , وخرج علي الى السوق في يوم السبت لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة فاتبعه الناس وبشوا في وجهه , فدخل من حيطان بني مازن ، فألجأوه إلى نخلة وقد أخذت أيدي الناس ذراع الإمام ، تختلف أيديهم على يده ، ثُمَّ أقبلوا به إلى المسجد الشريف ، فكان أوَّل من صعد المنبر في المسجد طلحة وبايعه ثُمَّ بايعه الزبير وأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وجميع من في المدينة من المسلمين . بهذه اللهفة وفي هذا الجو المشحون بالفتن والحوادث بعد مقتل الخليفة تمَّت البيعة للإمام عليه السلام ,
وتخلَّف عن بيعته نفرٌ منهم ، فلم يهجهم ولم يُكرههم , وكان ممَّن تخلَّف عن بيعته يوم ذاك .. حسَّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وزيد بن ثابت ، ومروان بن الحكم ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وعبدالله بن عمر ، ومعاوية ومن معه في جماعة أهل الشام وعائشة بنت أبي بكر زوج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث وقفت من الإمام عليٍّ أشدَّ المواقف العدائية ,

المتحالفون ضد علي
معاوية بن أبي سفيان
ما أن تناقلت الأنباء أمر استخلاف الإمام علي ونهوضه بأعباء قيادة الأمة إلا وفزع معاوية بن أبي سفيان معلناً معارضته بعد مضي ثلاثة شهور على مقتل عثمان وقيام الإمام علي بالأمر , وقد بدأت معارضته بنشر ثوب عثمان الدامي في مسجد دمشق وشعيرات من لحيته، وأصابع زوجته نائلة معلقة فيه وقد جمد عليها الدم ، وقال : ان خليفتكم قد قُتل مظلوما وان الناس بايعوا عليا ولست أنكر أنه أفضل مني واولى بهذا الأمر ولكن انا وليّ هذا الأمر ووليّ عثمان وابن عمه والطالب بدمه ، وقتلة عثمان معه فليدفعهم اليّ اقتلهم بعثمان ثم ابايعه .
وكان رأي الامام علي في الموضوع كما يذكر ابن حجر العسقلاني أن يدخل معاوية واصحابه في الطاعة . ثم يقوم ولي دم عثمان بن عفان فيعمل الامام معه ما فيه حكم الشريعة , فدعا الامام علي أبا عمر وبشير بن عمرو بن محصن الانصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي فقال لهم : ائتوا هذا الرجل وادعوه الى الله والى الطاعة والجماعة , فأتوه , فابتدأ بشير وقال يامعاوية : انشدك الله ان تفرق هذه الامة وتسفك دماءها بينها ..
فقطع معاوية عليه الكلام وقال : ونترك دم عثمان ؟ والله لا افعل ذلك ابداً .
فذهب سعيد بن قيس يتكلم فبادره شبث بن ربعي ... فقال :
يامعاوية : والله لايخفى علينا ما تطلب ، انك لم تجد شيئا تستغوى به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم الا قولك قد قتل امامك مظلوما ، فنحن نطالب بدمه .. وقد علمنا انك ابطأت عنه بالنصر واحببت له القتل لهذه المنزلة التي اصبحت تطلب , فاتق الله يا معاوية ولا تنازع الامر اهله
قال معاوية : ان اول ماعرفت به سفهك ان قطعت على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ، ثم كذبت ولؤمت ايها الاعرابي الجلف ... انصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم الا السيف.
فأتوا عليا فأخبروه بذلك.
فهل كان معاوية مطالبا حقا بدم عثمان ؟
يقول الطبري في تاريخه : لما ثار المسلمون بعثمان في المدينة بعث إلى معاوية فيمن كتب إليه من ولاته يستمده : أما بعد 000فإن أهل المدينة كفروا واخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة فابعث إلي ّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول
فماذا فعل معاوية ؟
أرسل معاوية يزيد بن أسد القسري وقال له إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوز ولا تقل يرى الشاهد مالا يرى الغائب فإنني أنا الشاهد وأنت الغائب , قال فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان فاستقدمه حينئذ معاوية , فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان قد أرسل معه , وإنما صنع معاوية ذلك ليقتل عثمان فيدعوا لنفسه
ولما دان له حكم البلاد بعد مقتل الإمام علي لماذا لم يقتص من قتلة عثمان ؟
يقول ابن عبد ربه : قدم معاوية المدينة بعد عام الجماعة فدخل دار عثمان بن عفان , فصاحت عائشة ابنة عثمان وبكت ونادت أباها " واعثماناه " تحرض بذلك معاوية على طلب ثأره, فقال معاوية : يابنة أخي إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا, وأظهرنا لهم حلما تحته غضب, وأظهروا لنا ذلاّ تحته حقد, ومع كلّ سيفه ويرى موضع أصحابه, فإن نكثنا بهم نكثوا بنا, ولا ندري أعلينا تكون الدائرة أم لنا ولئن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض الناس !!!

عمرو بن العاص
علم معاوية ان عمرو بن العاص لم يبايع ، فقال له : يا عمرو اتبعني . قال : لماذا ا؟ قال للآخرة , فقال له : فوالله ما معك آخرة ، أم للدنيا , فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها , فقال معاوية : فأنت شريكي فيها , قال عمرو : فاكتب لي مصر وكورها , فكتب له مصر وكورها , وهو صاحب فكرة رفع المصاحف في حرب صفين لمَّا اقبال جيش الامام علي عليه واقترابه من فسطاطه فخاف الهلاك وقال لمعاوية : هل لك في أمرٍ أعرضه عليك لا يزيدنا الا اجتماعاً ولا يزيدهم الا فرقةً ؟ قال: نعم , قال: نرفع المصاحف ثُمَّ نقول هذا حكم بيننا وبينكم , ويروي ابن ابن سعد بأسانيده. أن عثمان لما عزله عن مصر قدم إلى المدينة فجعل يطعن على عثمان فبلغ عثمان , فزجره فخرج إلى أرض فلسطين فأقام بها
وهو صاحب خدعة التحكيم التي مكر فيها بأبي موسى الاشعري وقال له : أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسنُّ منِّي فتكلَّم ، وأراد عمرو بذلك كلِّه أن يقدِّمه في خلع عليٍّ ، قال له : نخلع عليَّاً ومعاوية معاً ، ونجعل الأمر شورى ، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبُّوا. فتقدَّم أبو موسى فأعلن على الملأ الحاضرين أنَّه قد خلع عليَّاً من الخلافة ثُمَّ تنحَّى. وأقبل عمرو فقام ، وقال : إنَّ هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأُثبت صاحبي معاوية! فدُهش أبو موسى وشتم عمرو وشتمه عمرو ، وانفضَّ التحكيم عن هذه النتيجة !
لما قدم عمرو بن العاص على معاوية وقام معه في شأن علي ، بعد أن جعل له مصر طعمة ، قال له : ان بأرضك رجلا له شرف واسم ، والله ان قام معك استهويت به قلوب الرجال وهو عبادة بن الصامت . فأرسل اليه معاوية فلما أتاه وسّع بينه وبين عمرو بن العاص ، فجلس بينهما . فحمد الله معاوية وأثنى عليه وذكر فضل عبادة وسابقته ، وذكر فضل عثمان وما ناله ، وحضه على القيام معه . فقال عبادة : قد سمعت ما قلت ، أتدريان لِمَ جلست بينكما كذلك ، وما كنت لأجلس بينكما في مكانكما ، ولكن بينما نحن نسير مع رسول الله « ص » في غزاة تبوك ، اذ نظر اليكما تسيران وأنتما تتحدثان ، فالتفت الينا فقال : اذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما انهما لا يجتمعان على خير ابدا ، وأنا أنهاكما عن اجتماعكما , وجاء في مسند أحمد أن خرج رسول اللّه في سفره، فسمع رجلين يتغنّيان وأحدهما يجيب الاخر وهو يقول:
يزال حـواريُّ لوح عـظامه
زوى الحرب عنه أن يُجن فَيُقبرا
فقال النبيّ: ((انظروا من هما؟))، فقالوا: معاوية وعمرو بن العاص، فرفع رسول اللّه يديه فقال: ((اللّهمّ أركسهما في الفتنة رَكساً، ودُعّهما إلى النار دَعّاً

عائشة بنت أبي بكر
بادر الامام علي بتجهيز جيشه لإخماد حركة البغاة التي قادها معاوية في الشام. وبينما كان الإمام يجهِّز جيشه لقمع معاوية ومن تبعه ، أتاه الخبر عن مسير طلحة والزبير وعائشة من مكَّة بما عزموا عليه ، فسار عليٌّ من المدينة في تعبئته التي تعبَّاها لأهل الشام.
كانت عائشة بمكة ، وقد خرجت منها قبل أن يقتل عثمان ، فلما كانت في بعض طريقها راجعة إلى المدينة لقيها ابن أم كلاب وأنباها بمقتل الخليفة عثمان, ومن المعروف أن عائشة كانت من أشد المؤلبين على الخليفة عثمان , وكثيرا ما أخرجت قميص رسول الله (ص) ونصبته في المسجد وقالت هذا قميص رسول الله (ص) لم يبل وعثمان قد أبلى سنته , بل كانت تحرض على قتله بقولها " اقتلوا نعثلا قتله الله "اقتلوا نعثلا فقد كفر " , وأخبرها أن الناس بايعوا عليا !!! فرجعت إلى مكة وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوما ، والله لأطلبن بدمه ! فقالوا لها : ولم ؟ والله إن أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلا فقد كفر . قالت : إنهم استتابوه ، ثم قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأول , فقال لها أبن أم كلاب :

فمنك البداء ومنك الغير ***** ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام ***** رجاء لنا إنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله ***** وقاتله عندنا من أمر
ولم يسقط السقف من فوقنا ***** ولم تنكسف والقمر
وقد بايع الناس ذا تدرإ ***** يزيل الشبا ويقيم الصعر
ويلبس للحرب أثوابها ***** وما من وفى مثل من قد غدر

ولما علمت أم سلمة (رض) بعزم عائشة على الخروج إلى البصرة أتتها وقالت لها يابنة أبي بكر ما أنت قائلة لو أن رسول الله عارضك بأطراف الفلوات ، قد هتكت حجابا قد ضربه عليك ؟ وقالت لها : أفأذكرك ؟ قالت : نعم . قالت أم سلمة : أتذكرين إذ أقبل عليه السلام ونحن معه ، فخلا بعلي يناجيه ، فأطال ، فأردت أن تهجمين عليهما ، فنهيتك فعصيتني ، فهجمت عليهما ، فما لبثت أن رجعت باكية ، فقلت : ما شأنك ؟ فقلت : إني هجمت عليهما وهما يتناجيان ، فقلت لعلي : ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام ، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي ! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي وهو غضبان محمر الوجه ، فقال : " ارجعي وراءك ، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان " ؟ قالت عائشة : نعم أذكر . قالت أم سلمة : وأذكرك أيضا ، وكنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر له ، فقعد في ظل سمرة ، وجاء أبوك وعمر فاستأذنا عليه ، فقمنا إلى الحجاب ، ودخلا يحادثانه فيما أرادا ، ثم قالا : يا رسول الله ، إنا لا ندري قدر ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ، ليكون بعدك مفزعا ؟ فقال لهما : " أما إني قد أرى مكانه ، ولو فعلت لتفرقتم عنه ، كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران " فسكتا ، ثم خرجا . فلما خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت له ، وكنت أجرأ عليه منا : من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم ؟ فقال : " خاصف النعل " . فنظرنا ، فلم نر أحد إلا عليا ، فقلت : يا رسول الله ، ما أرى إلا عليا . فقال : " هو ذاك " ؟ فقالت عائشة : نعم ، أذكر ذلك . فقالت لها : فأي خروج تخرجين بعد هذا , وقالت لها أيضا : أتذكرين يوم أراد رسول الله (ص) سفرا فقال ليت شعري ! أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب ؟ فرفعت يدي وقلت أعوذ بالله أن أكونها , فقال : والله لابد لإحداكن أن تكونها , اتقي الله يا حميراء أن تكونيها ! أتذكرين هذا يا عائشة , قالت نعم , وقالت ما أقبلني لوعظك , وأسمعني لقولك ! فإن أخرج ففي غير حرج وإن أقعد ففي غير بأس , فخرج رسولها فنادى في الناس : أن أم المؤمنين غير خارجة , فدخل عليها عبد الله بن الزبير فنفث في أذنها , وفتلها في الذروة والغارب , فخرج رسولها ينادي : من أراد أن يسير فليسر فإن أم المؤمنين خارجة.
روى الحاكم في مستدركه قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ، ثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي ثنا يعلى بن عبيد ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال : لما بلغت عائشة رضي الله عنها بعض ديار بني عامر نبحت عليها الكلاب فقالت : أي ماء هذا ؟ قالوا الحوأب قالت : ما أظنني إلا راجعة فقال الزبير : لا بعد تقدمي و يراك الناس و يصلح الله ذات بينهم قلت : ما أظنني إلا راجعة سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : كيف بإحداكن إذ نبحتها كلاب الحوأب . فأتاها القوم بأربعين رجلا ، فأقسموا بالله أنه ليس بماء الحوأب ! ! وأتى عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله لقد خلفته أول الليل ، وأتاها ببينة زور من الأعراب فشهدوا بذلك . فزعموا أنها أول شهادة زور شهد بها في الإسلام .

مروان بن الحكم
وهو ابن عم الخليفة عثمان وكاتبه في خلافته و كان قد خرج مع أبيه إلى الطائف حين نفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعندما أذن عثمان للحكم في الرجوع إلى المدينة رجع مع أبيه , روي أن عائشة قالت لمروان: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله. لعن أباك وأنت في صلبه , وكان مروان من أسباب قتل عثمان, وشهد الجمل مع عائشة ثم صفين مع معاوية ثم ولي إمرة المدينة لمعاوية وخرج منها في أوائل إمرة يزيد بن معاوية. وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية. فبايع بعض أهل الشام مروان. وعندما تمت له المبايعة من هؤلاء. أراد أن يستحوذ على الشام بأسرها. فكانت الواقعة بينه وبين الضحاك بن قيس. وانتصر مروان واستوثق له ملك الشام. ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها , لتبدأ سلسلة أمراء المؤمنين الذين طرد رسول الله أكبر رأس فيهم , كان مروان بن الحكم فيمن غرر بعائشة وزين لها الخروج على الإمام علي قائلا :عسى الله أن يصلح بك بين المسلمين, وكشفت الأحداث ووقائع القتال في موقعة الجمل إنه كان يرمي من وراء ذلك إلى تحين فرصة يقتل فيها طلحة بن عبيد الله زاعما أنه كان فيمن حصر عثمان بن عفان وقتله أو تسبب في قتله. . .
جاء في الأستيعاب : روى حماد بن زيد عن قرة بن خالد عن ابن سيرين قال رمي طلحة بن عبيد الله بسهم فأصاب ثغرة نحره قال فأقر مروان أنه رماه , وروى جويرية عن يحيى بن سعيد عن عمه قال رمى مروان طلحة بسهم ثم التفت إلى أبان بن عثمان فقال قد كفيناك بعض قتلة ابيك , وذكر بن أبي شيبة قال حدثنا أسامة قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال حدثنا قيس قال رمى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة بسهم في ركبته, قال فجعل الدم يسيل فإذا أمسكوه أمسك وإذا تركوه سال , قال فقال دعوه , قال وجعلوا إذا أمسكوا فم الجرح انتفخت ركبته , فقال دعوه فإنما هو سهم أرسله الله تعالى فمات فدفناه على شاطىء الكلأ , وفي الطبقات : أخبرنا روح بن عبادة قال أخبرنا عوف قال بلغني أن مروان بن الحكم رمى طلحة يوم الجمل وهو واقف إلى جنب عائشة بسهم فأصاب ساقه ثم قال والله لا أطلب قاتل عثمان بعدك أبدا , فقال طلحة لمولى له ابغني مكانا , قال لا أقدر عليه قال هذا والله سهم أرسله الله اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى ثم وسد حجرا فمات, وفيها أيضا لما قتل عثمان وسار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة يطلبون بدم عثمان خرج معهم مروان بن الحكم فقاتل يومئذ أيضا قتالا شديدا فلما رأى انكشاف الناس نظر إلى طلحة بن عبيد الله واقفا فقال والله إن دم عثمان إلا هذا هو كان أشد الناس عليه وما أطلب أثرا بعد عين ففوق له بسهم فرماه به فقتله

طلحة والزبير
على الرغم من أن طلحة والزبير كانا من أشد الناقمين على سياسة عثمان ومع أنهما سبقا الناس في البيعة للإمام علي الا انهما استأذنا الامام علي في العمرة فأذن لهما بالخروج , فأتيا مكة ولقيا عائشة فسمعا عنها طلبها بدم عثمان فوافقاها على طلبها , وطلحة هو ابن عمها والزبير ختنها , ثم جرى بينهم حديث طويل فقالت عائشة : نأتي الشام , فقال ابن عامر قد كفاكم معاوية الشام , فأتوا البصرة , فإن لي بها صنائع ولهم في طلحة هوى ، وقد بذل الإمام علي جهداً كبيراً لتحاشي هذه الفتنة ولم يأل جهداً في بذل النصح لهم وتحميلهم مغبة ما سيكون إذا نشبت الحرب، وقال لهما :
أما بعد يا طلحة ، ويا زبير، فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ، ولم أبايعهم حتى أكرهوني، وأنتما أول من بادر إلى بيعتي، ولم تدخلا في هذا الأمر، بسلطان غالب، ولا لعرض حاضر، وأنت يا زبير، ففارس قريش، وأنت يا طلحة فشيخ المهاجرين، ودفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما، ألا وهؤلاء بنو عثمان هم أولياؤه المطالبون بدمه، وأنتما رجلان من المهاجرين، وقد أخرجتما أمكما من بيتها الذي أمرها الله تعالى أن تقر فيه، والله حسبكما

المصادر
الامامة والسياسة 1 50 , الكامل في التاريخ 3 : 81 احداث سنة 35 , البداية والنهاية 7: 227 , الطبري تاريخ الامم والملوك 5 / 152 ، 153
الكامل في التاريخ 3 : 82 حيث ذكر عشرة أشخاصٍ تخلفوا عن بيعة الإمام.
قوله خليفتكم قد قتل مظلوما , وقد ادعى اكثر المهاجرين والأنصار أنه ظلم نفسه بتولية من ليس له اهلية وتقسيم المال الى أقاربه وطرد بعض من كبار الصحابة كأبي ذرّ وعمار وابن مسعود وغيرهم , ثم ان ولايته بالشام كان من جانب الخليفة عثمان لا بالاستقلال ، وتنقضي بموته ، ولابد في بقائها ودوامها أن يُجزيها ويُوليه الخليفة اللاحق ، وقد صرّح وأكدّ بعزله ، فهو غاصب ومن المخالفين الظالمين . وأما كونه وليا لعثمان , فليس له هذه الولاية ولعثمان اولاد وأقارب وأرحام قريبة ولهم أن يتحاكموا عند وليّ الأمر والقاضي المنصوب كما صرّح به الامام علي , وأما قوله فليدفعهم اليّ : هذا الكلام في غاية الوهن ، فإن القاتل على فرض معروفيّته لا يجوز ان يُدفع الى من ليس بوليّ الأمر ولا وليّ عثمان
تاريخ الأمم والملوك 5 115 - 116
واد على مسيرة ليلة من المدينة
البلاذري , شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 457 -58
العقد الفريد ط مصر 31 ه 3126 , وفي تاريخ ابن كثير 8132
الحقائق في تاريخ الاسلام ص 334, راجع الطبري ، ابن أبي الحديد ، المسعودي ، وغيرهم
الاصابة 6 / 67
أنظر : الكامل في التاريخ ٣ : ١٩٢ ـ ١٩٣ ، وسير أعلام النبلاء ٢ : ٢٦٤ مختصراً.
العقد الفريد ج4 ص 345
مسند أحمد 4 / 421 عن أبي برزة الاسلمي ولفظه ((فقالوا فلان وفلان))، وفي صفّين لنصر ابن مزاحم ص 246 الحديث عن أبي برزةكذلك، وفيه تصريح باسميهما ـ معاوية وعمرو بن العاص ـوأخرجه ابن عقيل في ص 59 من النصائح الكافية عن أبي يعلى بهذا السند، وعن الطبراني في الكبير بسنده الى ابن عباس. وأخرجه السيوطي في اللالئ المصنوعة، باب مناقب سائر الصحابة عن أبي يعلى عن أبي برزة، وأخرجه أيضاً عن الطبراني في الكبير عن ابن عباس وأخرجه عن سيف بعد أن مسخه راجعه في: 1 / 427.
النهاية لابن الأثير الجزري ج5 ص 80 , تاج العروس ج8 ص 141 , لسان العرب ج14 ص 193 , شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2 ص77
تاريخ اليعقوبي 2 : 180 ، ابن أبي الحديد 6 : 215 - 216 الإمامة والسياسة 1 : 52 ، كتاب الأوائل : 97
تاريخ الطبري ج3 ص12, تاريخ الطبري 5 : 172 ، الكامل في التاريخ 3 : 206 ، الفتوح لابن أعثم 1 : 434 ، الإمامة والسياسة 1 : 52
تاريخ اليعقوبي 2 : 181 ، ابن أبي الحديد 6 : 219 - 220 ، العقد الفريد 5 : 62 .
ابن أبي الحديد 6 : 217 - 218 ، أعلام النساء 3 : 38 ، وقريب منه في الفتوح 1 : 456 وفيه زيادة
روى الحاكم في مستدركه قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد ثنا أحمد بن نصر ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا عبد الجبار بن الورد عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خروج بعض العالمين المؤمنين فضحكت عائشة فقال انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت ثم التفت إلى علي فقال إن وليت من أمرها شيئا فأرفق بها , المستدرك على الصحيحين ج3 ص 129الإمام علي بن أبي طالب للأستاذ توفيق أبو علم ص 101, 103
مستدرك الحاكم كتاب :كتاب معرفة الصحابة رضي الله تعالى عنهم باب :ذكر إسلام أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه رقم الحديث :4613 الجزء :3 الصفحة :129 , مسند أحمد كتاب :حديث السيدة عائشة رضي الله عنها باب :حديث السيدة عائشة رضي الله عنها رقم الحديث :23733 الجزء :7 الصفحة :78 , صحيح ابن حبان كتاب :كتاب التاريخ باب :باب إخباره صلى الله عليه وسلم عما يكون في أمته من الفتن والحوادث رقم الحديث :6732 الجزء :15 الصفحة :126
الاصابة لابن حجر العسقلاني 6 / 156
الاصابة 6 / 157
ابن الأثير 3199 فضض : قطعة من الشيء , تاريخ بغداد ج3 ص 343, قال في الإصابة أصل القصة عند البخاري بدون هذه الزيادة 29 / 2.
الإستيعاب ج2 ص 768, الإصابة ج3 ص 532, الإصابة ج3 ص 532
الطبقات الكبرى ج5 ص 39
الفصول المهمة ص55 لابن الصباغ المالكي.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة