المستبصرون » مساهمات المستبصرين

ابو زهراء - الجزائر - 23 ذي القعدة 1433 - قصّتي مع الإسلام والتشيّع، البدايات والنهايات
البريد الالكتروني

الإسم الكامل: أبو زهراء
الدولة: الجزائر
تاريخ ومكان الولادة: 07 مايو أيار 1961 الجزائر العاصمة
الرتبة العلمية: أستاذ بالتعليم المتوسط
الدين والمذهب السابق: الإسلام سني مالكي
تاريخ ومكان الاستبصار: بعد انتصار الثورة الإسلامية في سنتها الأولى ببلدي
المساهمة:

قصّتي مع الإسلام والتشيّع، البدايات والنهايات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين على هدايتي إلى الإسلام الصحيح والصراط المستقيم ، صراط محمّد وآل محمّد عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم ؛ اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وسلّم تسليما كثيرا ، وعجّل فرَجهم ، والعن أعداءهم أعداء الدّين من الأوّلين والآخرين إلى يوم الدين .
ولدت سنة 1961م ونشأت كغيري من غالبية الجزائريين في بيت متواضع شبه فقير من أبوين مسلميْن طيّبيْن أمّيّيْن لا يعرفان القراءة ولا الكتابة كأكثر الآباء والأمّهات الجزائريين الذين عايشوا الحقبة الاستعمارية الفرنسية التي جثمت على صدور الجزائريين لمدّة قرن وأزيد من نصف القرن وعملت ما عملت من محاولات التشويه وطمس الشخصية الجزائرية الإسلامية؛ وقد كانا يؤدّيان الصلاة على طريقة المذهب السنّي المالكي السائد والغالب على الجزائريين دونما معرفة بالتفاصيل التي نعرفها نحن اليوم، ولا معرفة بالمذهب الشيعي مذهب أهل البيت عليهم السلام، بل ولا حتى اسمه في المخيلة أو على اللسان أو في الموروث الجماعي أو المنطوق السائد، لأنّ الجزائريين في تلك السنوات لم يكونوا مقبلين بشدّة على التديّن، فقد كانوا يتصوّرون أن الصلاة والتديّن هو من شأن الكبار وقد كان أغلب الكبار ـ الشيوخ والعجائز ـ أميّين يرمزون إلى الماضي وربما إلى التخلّف مع الاحتفاظ باحترامهم طبعا وتقديرهم. المهمّ أن الصحوة الإسلامية كانت لا تزال بعيدة أو كان يُطبخ لها بهدوء. إذن نشأت في هذه الظروف مثلي مثل كل الأتراب ومن هم أكبر مني سنّا.
وأظنّ أنّ أولى علاقتي بالتشيّع كانت وأنا لا أزال طفلا قبل المراهقة ربّما أو قبيلها لا أذكر بالتحديد، ولمّا أقول علاقتي بالتشيّع لا أقصد الاسم والمذهب والشعائر وإنما الفكرة أو الميل عن أعدائهم دون أن أشعر؛ لقد عُرضت مسرحية عن أبي ذرّ الغفاري رضي الله عنه أيام العهد الاشتراكي في الجزائر ـ وقد كان يُظنّ حينها أن هذا الصحابي الجليل صاحب مذهب اشتراكي ـ وكان التلفزيون حينها بالأسود والأبيض، فتابعتها وقد مثّل شخصيّة أبي ذرّ الفنان والممثّل القدير المرحوم عبد الله غيث والذي مثّل في فيلم الرسالة دور البطل حمزة بن عبد المطّلب سيد الشهداء. ومن المشاهد التي بقيت راسخة في ذهني وذاكرتي علاقة أبي ذرّ مع كلّ من عثمان بن عفّان ومعاوية بن أبي سفيان ، وكيف كانت هذه العلاقة سيّئة للغاية، ومحاولة معاوية شراء ذمّة أبي ذرّ ببعض المال الذي أرسله مع خادم له إليه، فأخذه أبو ذرّ ، وسرعان ما وزّعه على الفقراء والمحتاجين من المسلمين، ثم رجع الخادم إليه في الغد وطلب منه إرجاع المال إليه وهو يبكي متظاهرا، ويقول له بأن معاوية (الأمير) يطلب إرجاع المال لأنه أخطأ ولم يكن أبو ذرّ هو المقصود به، فيعتذر منه أبو ذرّ ويطلب منه إرجاءه إلى يجمع له المبلغ لأنه وزّعه على فقراء المسلمين الذي أُكلت حقوقهم، فيستشيط معاوية حنقا وغضبا على أبي ذرّ الذي لا تشترى ذمّته، ولا يكمّم فمه عن الصدح بالحقّ وهكذا ...

الصدمة الثانية هي لمّا كنت في المرحلة الأولى ـ ربما ـ من التعليم المتوسط وأنا ابلغ من العمر ثلاثة عشر عاما، في مادّة التاريخ وكان البرنامج مخصّصا للتاريخ الإسلامي، وكان غلاف الكتاب المقرّر يمثّل رسما عن حادثة موقعة صفين وخدعة رفع المصاحف على السيوف أو الرماح كما هو معروف لدينا اليوم بكلّ وضوح، ثمّ اتّضح الأمر عندما تطرّق الأستاذ في الدّرس إلى شرح وحكاية هذه الحادثة، فاستغربنا أو ربما أنا وحدي وأنكرت هذا التصرّف بيني وبين نفسي أو أعلنته للأستاذ لا أتذكّر جيّدا بصراحة. ثمّ مرّت الأيام ولم تصبح هذه الأمور من انشغالاتي واهتماماتي وأنا مجرّد طفل كغيري من أطفال الجزائر.

في الصفّ الثالث أو الرابع من مرحلة التعليم المتوسّط ـ وقبل انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران بسنتيْن اثنتيْن ربما ـ هداني الله تعالى بسبب أحد أترابي من الحيّ إلى الصلاة التي لم أكن قد أدّيت منها ولا ركعة، ولا أعرف عنها شيئا، ولا أتذكّر أننا كنا نتعلّم منها شيئا في المدرسة، صحيح كانت المساجد تصدح بالأذان للصلاة خمس مرّات في اليوم، وبحكم التعوّد عليها كنّا لا نلتفت ولا نسمع الأذان ولا نعرفه إلا في شهر رمضان عند موعد الإفطار.

لا أخفي أنّني دخلت في هذه المرحلة بكلّ كياني وإحساسي وحماسي وبصدق وإيمان؛ فأخذت أتعلّم الصلاة وأتقنها وأحرص على أدائها في المسجد جماعة، وفي هذه الفترة بدأت الصحوة الإسلامية تنتعش. وأوّل كتاب وفي الحقيقة هو كراسة اقتنيته والتزمت بما فيه هو تعليم الصلاة على المذهب المالكي وبعده كتيب للشهيد حسن البنا اسمه المأثورات وهو عبارة عن أدعية مروية في كتب أهل السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في شتى المطالب والأفعال والسلوكات مثلاً ما ندعو في الوضوء وقد التزمت به كثيرا حيث كان لا يغادر جيبي أويدي ولا زلت أحفظ بعض الأدعية منها مثلا أثناء الوضوء عند غسل اليدين إلى المرافق : (( اللهمّ اغفر لي ذنبي ووسّع في داري وبارك لي رزقي )) ولا زلت أدعو به إلى اليوم، ومن شدّة إخلاصي في هذا الدّعاء وتكراري له ـ ربما ـ فإنّ الله رزقني دارا واسعة وبارك لي في رزقي، وإنني آمل أن يغفر لي ذنبي، يا ربّ خصوصا بحبّي لآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم واتّباعي لمذهبهم. ثمّ التزمت بتلاوة القرآن يوميّا والاستماع إلى المقرئين المشهورين كالشيوخ المصريين عبد الباسط عبد الصمد ومحمود خليل الحصري ومحمّد صدّيق المنشاوي الذين كان لهم الفضل في تعلّمي للتلاوة الصحيحة، مع مطالعتي لبعض أحكام التجويد ولكن السماع كان هو الأهم، وقد ساعدني تمكّني من اللغة العربية والنطق الصحيح للحروف من مخارجها الحمد لله ربّ العالمين. وقد كنت من مقلّدي الشيخ محمد صدّيق المنشاوي ترتيلا صاحب الصوت العذب الشجي. وقرأت كتب الدكتور طه حسين في السيرة والتاريخ الإسلامي أي على هامش السيرة والوعد الحق وعليّ وبنوه الذي لم أستطع إتمامه ربما لأنه كان أكبر حجما من الكتابين السابقيْن وهو في جزأيْن اثنين، ولكن كان له أثر خفيّ عليّ .

في هذه الفترة ـ وقد أخذت أتشدّد قليلا، فقد بدأنا نتنكّر للمذهب المالكي فلم نعد نسدل أيدينا في الصلاة بل صرنا نقبض أي نتكتّف كما هو معروف اليوم ـ وقع في يدي صدفة كتيّب للشيخ عبد الرحمن الخيّر لا أذكر عنوانه الآن وهو عبارة عن دروس كان يلقيها من الإذاعة أظنّ السورية في الستينات أو السبعينات، ولغبائي أو حماقتي وبدل أن أقرأه وأطّلع على مضمونه أخذت القلم وشرعت أطمس الحروف بعد ذكر الإمام الصادق عليه السلام مثلا أو بقيّة الأئمة عليهم السلام فكنت أشطب وأحك بالقلم على الرمز :(ع) المذكور بعد أي إمام عليه السلام في كلّ صفحة، وحدث في غمرة حماستي أن محوت هذا الرمز ثم تبيّن لي أنه جاء بعد ذكر سيّدنا موسى عليه السلام فاحترت كيف أتصرّف، ثمّ يئست من هذه العملية وتركت الكتاب على حاله على ما أظنّ. وبعد تشيّعي عثرت على الكتاب مجدّدا واشتريته ثمّ أهديته. وهكذا استمرّت الأيام من دون أن نسمع عن التشيع شيئا أو نفكّر فيه، وكانت الوهابية تؤدّي مهمّتها بكل مكر ودهاء تحت غطاء الدين والصحوة، ومن كثرة تشوّقنا إلى معرفة الإسلام كنّا نتّصل بالسفارات السعودية خاصة منها ونطلب منها الكتب ونصرّ على عناوين معيّنة لكبار العلماء فنفاجأ بتسليمنا لكتيّبات أذكر منها التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب والعقيدة الواسطية لابن تيمية ولحسن الحظ أنني لم أقرأهما بتعمّق وتمعّن كبير لأن طريقتهما لم تعجبني. وقد كنت أبعث برسائل إلى الخارج أطلب الكتب، فحصلت مرّة على عنوان الربطة الإسلامية بمكّة وبعثت أطالب منهم بعض الكتب وسمّيت مثلا كتاب مبادئ الإسلام لأبي الأعلى المودودي، ففوجئت بأنهم أرسلوا لي كتيّبا: مختصر أو صحيح الكلم الطيب لابن تيمية مصحّحا ومختصرا ربما من الألباني، ـ قد تدهشون لعدم تأكّدي من بعض المعلومات، لأنّ هذا حدث لا تنسوا قبل انتصار الثورة الإسلامية أي في السبعينات ـ وراسلت كثيرا مكتبة دار الشفقة باسطنبول تركيا فبعثوا لي الكثير من الكتب الصوفية ومنها ضد الوهابية وكذا كتابا ضد الشيعة الإمامية الاثني عشرية للدهلوي وأظنه المختصر منه وفيه رأيت النسخة المصوّرة لأوّل مرّة في حياتي عن سورة الانشراح محرّفة كما هي عند الشيعة في زعم صاحب الكتاب ـ ولحسن الحظ لم أقرأ الكتاب ـ ولا أذكر الأثر الذي أحدثته في نفسي، وقد اتلفته بعد تشيّعي مع مجموعة من الكتب التي كانوا يرسلونها إليّ. وهكذا كنت أحاول أن أقرأ ما أستطيعه من كتب وبدأت أقرأ لمحمّد قطب ولسيد قطب ولعبد القادر عودة أي لتيار الإخوان المسلمين....

عندما دقّت ساعة الحسم وبعد سماعنا لأخبار انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران وكنت لا أزال في مرحلة التعليم المتوسط في الرابعة فرحنا وتحمّسنا لأننا كنّا نتوق إلى الحكم الإسلامي قبلها واستبشرنا خيرا وأخذنا نتابع أخبارها، ثمّ بدأت تثار بعض الأمور وأوّل ما أثير أن إيران شيعة وأنهم يقولون أشهد أن عليّا وليّ الله وأسمعونا تسجيلا من إذاعة إيران، ولأنّ قلوبنا كانت قد امتلأت حبّا بالثورة كان جوابنا نحن المتحمّسين للثورة ولم تتمكّن منّا السلفية والوهابية: وما لمشكلة في ذلك أوليس عليّ وليًّا لله تعالى؟ ثمّ تطوّرت الأمور إلى أن أعلنّا عن ميلنا إلى مذهب أهل البيت، فكنا نتصادم مع إخوتنا وربما تعاركنا بسبب محاولة أحدهم إثارة أنه كيف تقولون إن عليا أفضل من أبي بكر وهكذا .. وأذكر أنّنا تحدّينا القوم وجئنا بالتربة وسجدنا عليها في المسجد والإخوة المخالفين يراقبوننا ويتجسسون علينا، إلى أن حدث الصدام ذات يوم فقرّرنا أن لا نرجع إلى المسجد ونؤدّي الصلاة في بيوتنا.

واصلنا الاتصال فيما بيننا وكنا نتصل بالسفارة الإيرانية نطلب منها الكتب والمجلات وحصلنا من بعض الإخوة الذين كانوا شيعة قبل الثورة الإسلامية على بعض الكتب وأخذنا نقرأ ونتعرّف على مذهب أهل البيت أكثر وأكثر، إلى يومنا هذا بعد انفجار المعلوماتية صرت أتابع المنتديات وأشارك في بعضها وأعرض آرائي وأدافع عن المذهب وأتباعه وأردّ على الشبهات وأفنّدها، كما قمت ولا أزال بتحميل المئات من الكتب من مواقع شتى مصادر ومراجع طبعت بعضها وأحتفظ بالبعض الآخر في الكمبيوتر، وطالع ولا أزال الكثير منها صغيرها وكبيرها وحتى من كتب إخواننا السنة المنصفين. مع الالتزام بالتقية االمطلوبة نعيش في شبه عزلة إذ لا يمكننا أن نثير قضيّة أهل البيت والتشيّع حتى لا نتّهم ويشهّر بنا أو ربما نقتل دون فائدة.
هذه بعض الذكريات عن مساري واهتدائي التشيع مذهب أهل البيت عليهم السلام. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلى اله وسلّم وبارك على سيدنا محمّد وآله الطّاهرين.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة