المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمود جلال خليل - مصر - 2 محرم 1434 - من روافد كربلاء
البريد الالكتروني

الإسم الكامل: محمود جلال خليل
الدولة: مصر
المذهب السابق: مالكي
المساهمة:

من روافد كربلاء

عندما تُرجع البصر الى كربلاء وتنظر اليها من بعيد او من جديد تجد ان هذه الارواح التي أُزهقت والنفوس التي قُتلت في صحراء الطفوف , لم ترتكب جرما ولم تتعدى حدا , وانما هي فقط خُيّرت بين أن تعيش مقهورة في إذلال تحت طاعة حاكم ظالم وفي المقابل لها ما تريد من نعم الدنيا ونعيمها , أو أن تحيا الى الأبد بعقيدتها وكرامتها وشرفها , فاختارت راضية مرضية مطمئنة الى وعد الله أن تحيا الى الابد , وبالفعل كلن لها ما ارادت وعاشت ومازالت حتى اليوم , بينما هلك عدوهم وانقطع عقبه وذكره من الدنيا ..

لقد كانت كربلاء فاجعة وماساة ألمت بأمة الاسلام واضاعت قيمها ومبادئها وجلبت عليها الخزية والعار حتى اليوم بعد ان قتلت ابن نبيها سيد شباب اهل الجنة ولم يمض على رحيل جده المصطفى الا خمسين عاما لاغير , لكن هذا لا يعني اعتبار كربلاء مناسبة للحزن والبكاء والاحساس بالظلم والانكسار , نعم تبكي قلوبنا على الحسين بدل الدمع دما , ولا تنصرف عيوننا وضمائرنا ابدا عن كربلاء , بل نعي ونذكر أنفسنا دائما كيف ولماذا رفض الامام الحسين وصحابته واهل بيته عليهم السلام الانصياع ليزيد بن معاوية , كيف اجتمع ليزيد عشرات الالوف من المسلمين الذين يشهدون ان لا اله الا الله وا محمدا رسول الله , فحاصروا موكب الامام الحسين واهل بيته وصحابته وهم يومئذ اثنين وسبعين فردا لاغير فابادوهم عن آخرهم حتى الاطفال الرضع , فسفكوا دماءهم ومثّلوا بجثثهم وفصلوا رؤوسهم عن اجسادها لتتقرب بها القبائل الى الخليفة يزيد المخمور , فأمر جنده أن يطوفوا بها من قرية الى قرية ليراها الناس وهي محمولة على اسنة الرماح ؟ واذا كان عمر بن سعد بن ابي وقاص هو قائد جيش يزيد واول من رمى الامام الحسين بسهم , فاين كان بقية الاسماء المعروفة من التابعين وتابعي التابعين ومن حذى حذوهم الى يوم الدين؟

ان الدماء التي سالت على ارض كربلاء لم تجف ولم تتشربها تربة كربلاء وانما هي تسري في عروق كل من آمن بهؤلاء الابطال من بعدهم , وأحيا أمرهم وتمنى ان يكون معهم على طريق الحق , وهذه الرؤوس التي فصلت عن أجسادها وطيف بها في البلدان كمشاعل على طريق الهداية , هي رؤوس كل من آمن وصدّق بالإمام الحسين وصحابته وأهل بيته وسلك سبيلهم ونهج نهجهم وعاش حياتهم في اي بلد على ارض هذا الكوكب , حتى يخرج من دار الدنيا والفساد حرا عزيزا مكرما , فعاشوراء لم تنتهي وجرح كربلاء لم يندمل وحق الحسين لم ينقضي طالما بقي امثال يزيد على كراسيهم وممالكهم يجدون من يحبهم ويواليهم ويدافع عنهم ويرضى بحكمهم حتى اليوم , وطالما بقي حب الحسين في قلوب اتباعه وشيعته يحيون أمره ويسيرون على منهجه , وهذه نعمة من الله وجب عليهم ان يؤدوا حقها ويكونوا اهلا لها , وفضل كبير منه سبحانه أن اصطفاهم دون غيرهم من خلقه بحب الامام الحسين وأهل بيته الاطهار الابرار , بينما حرم منها كثيرا , غرتهم الحياة الدنيا , فمالوا اليها وصاروا عبيدا لها ولمن كان بيده شئ منها , لاينزرجون من الله بزاجر ولا يتعظون منه بواعظ.

والمتدبر لقوله تعالى (وَأُشرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجلَ بِكُفرِهِم ) 93 سورة البقرة , يجد أن الذين اشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم مازال احفادهم يحبون العجل ويتوارثون هذا الحب ويتناقلونه لاولادهم جيلا بعد جيل ويعبدونه ويقدسونه حتى اليوم , ويظهر اثر ذلك في اقوالهم وأفعالهم ومعابدهم وطقوسهم , والذين اشربوا في قلوبهم حب يزيد بن معاوية وسيرته ونهجه مازال أحفادهم يتوارثونه ويتناقلونه لاولادهم جيلا بعد جيل حتى اليوم , ويظهر اثر ذلك في اقوالهم وافعالهم ومعابدهم وطقوسهم , والذين اشربوا في قلوبهم حب الامام الحسين وايدوه ونصروه وزادوا عنه واستشهدوا دونه , مازالوا احفادهم يتوارثون هذا الحب ويتناقلونه وينقلوه لاولادهم وذريتهم جيلا بعد جيل حتى اليوم , ويظهر اثر ذلك في اقوالهم وافعالهم وحياتهم ومناسكهم , فتتجلى فيهم قداسة الحق وشرف التضحية .

ان ما آلت اليه الامور في كربلاء يشهد ان الامام الحسين هو الذي انتصر وهو الذي ساد قومه وهو الذي له الإمامة والقيادة وهو الذي علا ذكره وظهر أمره , فحق لاتباعه ومحبيه ان يفتخروا بإمامهم وقائدهم , ويتحلوا بالكرامة والعزة , وأن يسعدوا بالنصر والغلبة , وما يعنيه هذا من الاحساس بالغبطة والبهجة والفرحة والسعادة التي تضفي على وجوه اصحابها زينة وجمالا , فاذا استشعروا مع ذلك في أنفسهم نوعا من الفخر والزهو والسمو والخيلاء , فلا مانع ابدا , فليس لأحد من البشر قائدا كقائدهم , ولا أئمة كأئمتهم , ولا وعدا أصدق من وعدهم .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة