المستبصرون » مساهمات المستبصرين

غسان نعمان ماهر السامرائي - العراق - 14 رمضان 1434 - قصة الاستبصار القسم 1 من 4 (مقتطفات من كتاب "العودة الى الاصل")
البريد الالكتروني

الإسم الكامل: غسان نعمان ماهر السامرائي
الدولة: العراق
المذهب السابق: سني
المساهمة:

قصة استبصار
السيد غسان نعمان ماهر السامرائي
القسم 1 من 4
(مقتطفات من كتاب "العودة إلى الإصل" الجزء 1)

هذا القسم يخص المرحلة منذ ولادتي في عام 1955 وحتى تخرجي من الجامعة في عام 1977. الغاية من الفصل هو التعريف المختصر جداً بالمنطقة والنشأة والأفكار التي ترعرعت عليها في تلك المدة.

المنطقة والعائلة والتعليم
فقد نشأت في منطقة تابعة إلى قضاء الأعظمية المعروف في بغداد والمأخوذ إسمه من الإمام الأعظم وهو الإمام أبو حنيفة النعمان إمام المذهب المعروف، المدفون في المسجد الجامع المسمّى بإسمه على شط دجلة عند الجسر المعروف بجسر الأئمة كونه يربط بين الأعظمية حيث الإمام أبي حنيفة وبين الكاظمية حيث الإمام الكاظم وحفيده الجواد عليهما السلام. المنطقة التي ولدت فيها ونشأت وقضيت فيها جميع إقامتي في العراق تسمى محلة نجيب باشا وتقع في الجزء الجنوبي من منطقة الأعظمية وتبعد دقائق بالسيارة عن الإمام أبي حنيفة، وهي منطقة مختلطة بالنسبة إلى التكوين المذهبي وإن كانت سنيّة في الغالب بمعنى أن أكثر ساكنيها من أتباع المذهب السنيّ، وبالخصوص المذهب الحنفي الذي هو المذهب السائد في بغداد بالنسبة لأهل السنّة.
وهذه المنطقة من المناطق المهمة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة حيث سكنها العديد من السياسيين وضباط الجيش الذين شاركوا في الأحداث الهامة، ومن الأدباء والشعراء والفنانين وغيرهم ممن كان له الأثر، كبر أو صغر، في القرن العشرين منذ تأسيس الدولة العراقية وربما حتى السبعينيات أو الثمانينيات. فمن مشاهير هذه المنطقة من السياسيين المرحوم رفعت الحاج سرّي أحد الضباط الأحرار لثورة 14 تموز 1958 وأحد أصدقاء والدي القريبين. وهناك اللواء محمد نجيب الربيعي أول رئيس لمجلس السيادة ومجلس الرئاسة بعد ثورة 14 تموز 1958. وسكن في المنطقة ممن اشتهر من الضباط والسياسيين ومن الضباط الأربعة الذين قادوا ثورة مايس 1941 ضد الوجود البريطاني في العراق ومنهم اثنان محمود سلمان وكامل شبيب.
وسكن في محلتنا أيضاً من القادة العسكريين المعروفين الضابط الكردي المعروف عمر علي الذي كان قائد القوات العراقية التي قاتلت في المعارك المشهورة في جَنِين في فلسطين سنة 1948.
ومن سكنة شارعنا المرحوم محمد شفيق العاني رئيس محكمة التمييز أعلى سلطة قضائية في العراق. ومن الأصدقاء القريبين في محلتنا أيضاً أخصائي الريّ والجغرافية والتاريخ اليهودي، وصاحب المؤلفات في هذا المجال مثل "العرب واليهود في التاريخ"، المرحوم الدكتور أحمد نسيم سوسة (والذي كان أحد شاهدي عقد زواجي قبل وفاته بثلاث سنوات عام 1980).
وفي شارعنا من الناحية الثانية كان هناك بيت عمي، أخ والدي، مزاحم ماهر الذي عمل في فترة العهد الملكي محافظاً (كان يسمى في ذلك الوقت متصرفاً) في السليمانية في شمال العراق ومديراً لشرطة السليمانية ومديراً لشرطة البصرة. وفي نفس الشارع كان يسكن ابن عمة والدتي المرحوم الدكتور جلال العزاوي طبيب العيون الشهير وعميد كلية الطب في الأربعينيات.
والذي نذكره من هؤلاء هو فقط في الشوارع الخمسة من المحلة والذي يطلق عليها "شارع طه"، ومن سكنتها المشهورين أيضاً كامل الجادرجي الذي يسميه البعض أبو الديمقراطية في العراق، الذي أسس مع آخرين الحزب الوطني الديمقراطي في العهد الملكي.
وسكنها العديد من الأدباء ورجالات الفكر مثل المرحوم عبد الرزاق الهلالي (والد زوجتي الذي سأشير إليه في فصل قادم)، والمؤرخ جواد علي، والدكتور علي الوردي المؤرخ المعروف الذي سكن المنطقة فيما بعد.
وممن سكنها الخطاط المعروف هاشم محمد الخطاط البغدادي، وفنانون ورياضيون وتجار والكثير الكثير من غير هؤلاء في مختلف الاختصاصات من المشاهير في ذلك الوقت.
ولعلّه مما يناسب ذكره في مثل هذا الكتاب الذي يتحدث عن التحوّل المذهبي أن الشيخ الوحيد في العراق الذي كان يتمذهب بالمذهب الوهابي كان يسكن في منطقتنا وهو المرحوم الشيخ بهجت الأثري.
ولا أدري إن كان في مثل هذا التنوع الذي يضم في داخله تنوعاً في الاختصاصات وفي المهن وفي الإتجاهات السياسية والفكرية وفي الإنتماء المذهبي بل والقومي ما له أثر غير مباشر ربما على من يسكن في مثل هذه المنطقة، خصوصاً إذا كان من عائلة تتفاعل مع هذا الجو وتتأثر به وتؤثر فيه.

أما العائلة فإن والدي، نعمان ماهر الكنعاني (رحمه اللّه)، معروف في العراق كونه من الضباط القوميين العروبيين ومن شعراء العراق المعروفين، ولكن للظروف الخاصة التي مررنا بها لم أتعرف على أفكاره إلا لاحقاً. ذلك أنه بعد أن طرد من الجيش لاكتشاف تآمره على الحكم الملكي في عام 1957 وعودته إلى الجيش في يوم ثورة 14 تموز 1958 وعمله بشكل لصيق في وزارة الدفاع مع الزعيم عبد الكريم قاسم، أخذ موقف الضباط القوميين الذين رفضوا الاتجاه غير القومي للزعيم عبد الكريم قاسم مما اعتبروه خروجاً على مبادئ الثورة، فبدأوا بالتآمر عليه، ثم اكتشف الأمر وأُلقي القبض على الكثير من الضباط، فهرب والدي إلى سوريا، ثم حوكم غيابياً وحكم بالإعدام، وذلك في ربيع سنة 1959 وأنا لمّا أبلغ الرابعة من العمر، ولماّ عاد بعد سقوط عبد الكريم قاسم عام 1963 وأنا في الثامنة لم أسكن معه في دار واحدة حيث سكن في بيت منفصل مع زوجته الثانية. لذلك لم أكن قريباً منه أو أتعرف على أفكاره، ولاسيما تلك التي تخص الناحية المذهبية، إلا بعد أن وصلت إلى الجامعة. ولكني في تلك المرحلة حيث ألتقي به أو نذهب سوية إلى سامراء حيث بيت عمي الكبير أو إلى المزرعة هناك لم يكن هناك طرح لهذا الموضوع أصلاً.

أما والدتي فهي الحاجة جميلة عبد الوهاب (رحمها اللّه) من المدرسات ربما من الجيل الثاني من المدرسات في العراق، بعد الجيل الأول الذي بدأ ببعض المدرّسات من لبنان وفلسطين حيث بدأ التعليم الحكومي الحديث في العراق، وهي التي نشأتُ وعشت في بيتها وتزوجتُ وسكنتُ في ذلك البيت حتى خروجي من العراق عام 1982. والدتي من منطقة الأعظمية فهي من بغداد، فتكون ذات نشأة بغدادية، بخلاف والدي الذي نشأ في سامراء. وفيما يخص موضوعنا هذا فقد كانت والدتي محبة لأهل البيت(ع) لدرجة كبيرة جداً وكانت تشارك في مجالس الحسين في عاشوراء التي تقام في بيوت الأصدقاء أو المعارف من الشيعة في محلتنا كل عام دون انقطاع في انتماء عاطفي واضح دون الانتماء المذهبي الحنفي. ومما يجده كل من يلتقي بها أو يعرفها عن قرب أنها تمقت الطائفية وتمقت إثارة الفتن بين المسلمين وتحث على الوحدة ولا يصدها لا عن هذا المنهج ولا عن اشتراكها السنوي في مراسم عاشوراء ما يمكن أن تسمعه من نيل لبعض المقدسين عندها أو غير ذلك مما يمكن أن يطرح عادة.
بالإضافة إلي فإن أخوتي وأخواتي الأشقاء الأربعة كلهم أكبر مني تربّوا في هذا الجوّ في هذه المنطقة فنشأوا في نفس تلك الفضاءات على مستوى التعليم والنشأة والأفكار والقيم في تلك المنطقة وفي تلك المرحلة وفي مثل تلك العائلة (هناك ثلاثة غير أشقاء، في منطقة أخرى غير بعيدة، ولكن في زمان متأخر نسبيًا).

أما التعليم فقد كان في روضة الأطفال وتسمى روضة الجمهورية وبعدها التعليم الابتدائي في مدرسة الحريري الإبتدائية وهي مدرسة نموذجية معروفة في المنطقة، وكنت فيها متفوقاً حائزاً على المركز الأول منذ دخولي في السنة الأولى وحتى تخرجي منها في الصف السادس الإبتدائي، ولعل صورتي ما تزال معلّقة هناك مع صور الأوائل في كل سنة عند مدخل المدرسة. في تلك الفترة إضافة إلى التفوق في الدراسة كنت نشطاً في الرياضة وفي الفن بنوعيه التشكيلي والمسرحي، حتى أنه في آخر سنة قدمنا مسرحية في المدرسة ثم قدمناها مرة ثانية في قاعة الشعب وتم نقل هذا العرض في تلفزيون بغداد وذلك في ربيع سنة 1967 (لعله مما يبعث على السرور إلى الآن أني قمت بالدور الأول في المسرحية، دور "العراق").

أما التعليم المتوسط والثانوي فكان في الثانوية المسماة كلية بغداد في منطقة الصليخ التي هي شرق منطقة الأعظمية. هذه المدرسة، التي لا تزال موجودة، أسسها الآباء اليسوعيون الأمريكيون في الثلاثينيات ثم انتقلت إلى هذا الموقع فيما بعد وبقيت تحت إشراف الكنيسة اليسوعية وبالإدارة الأميركية ولكن بتدريس بعض من الأمريكيين القساوسة أو من غير السلك الديني وبعض من المدرسين العراقيين وذلك حتى سنة 1969 أي بعد سنتين من دراستي فيها، حيث أمّمت وخرج الآباء والإدارة الأميركية منها وأصبحت إدارة عراقية وذلك في السنوات الأربع من الدراسة حتى تخرجي سنة 1973. في هذه المدرسة أيضاً كنت من المتفوقين من البداية إلى التخرّج، وكنت من المتفوقين في الرياضة ولاسيما في لعبة كرة القدم. وقد كانت هذه الفترة هي الفترة التي تبتدئ فيها سنوات التكليف الشرعي وبداية تكوّن الوعي. وعندما أنظر إليها الآن أتساءل عما كان عليه الكثير من الأمور في تلك السنوات التي كانت من أجمل السنوات التي عشتها، أتساءل عما كانت عليه أحاسيس ومشاعر الآخرين من غير المذهب الغالب في الحكم (وهو المذهب السنيّ) بل ومن غير المسلمين، حيث كانت المدرسة تجذب الطلاب من العوائل المسيحية المتمكنة مالياً، ومثل ذلك العوائل المسلمة المتمكنة مالياً والتي كان الكثير منها من التجار الشيعة في بغداد؛ فأتساءل الآن: كيف كانت نشأة زملائي وأصدقائي من الشيعة ومن المسيحيين ومن الأكراد أيضاً في الدولة العراقية التي أسست بين 1921 وحتى سنة 2003، دولة تتميز بسيطرة السياسيين أو الضباط أو حتى المغامرين من المذهب السنيّ على الآخرين كائناً من كانوا، فكان لا بد أن يكون لذلك أثر على تنشئة الأولاد وهم ينشأون بطريقة فيها بعض الاختلاف عن بعضهم. مثلاً لا يجد الطالب السنيّ من فارق بين ما يعلمه أهله في البيت من العبادات والعقائد وما يتعلمه في منهاج التربية الدينية في المدرسة، في حين يجد الطالب الشيعي أن أهله يعلمونه كيفية ممارسة هذه العبادات ويعلمونه جملة من العقائد والأفكار التي لا يجد لها ذكراً، ربما يجد ما يناقضها، في منهاج التربية الدينية والتي يجد أنه مجبر على أن يتعلّمها ويجيب في الإمتحانات على وفقها. إن هذا وأمثاله مما يكوّن مادة تستحق الإهتمام لمعرفة السبل للحؤول دون التمييز بين المواطنين وتكوين الفجوات والعقد بدلاً من مدّ الجسور.

أما فترة الجامعة فقد شهدت نشاطاً علنياً للحزب الشيوعي العراقي بعد أن دخل فيما يسمى الجبهة الوطنية والقومية التقدمية مع حزب البعث الحاكم والحزب الديمقراطي الكردستاني، وفي فترة تكويني الفكري هذه ترسّخت نظرتي السلبية إلى حزب البعث، ربما من جانب شخصيتي التي تمقت التسلط بأي شكل كان ومن جانب آخر لما تعرض له أخي الأكبر من السجن والتعذيب بعد أن اعتقل في المسيرات التي كانت تتوجه صوب السفارة المصرية للتعزية بوفاة الرئيس جمال عبد الناصر في اليوم التالي لوفاته يوم 29 أيلول 1970. أيضاً ترسّخ الشعور المجانب للفكر الهابط أو غير الناهض الذي كنت ألمسه عندما تجري بعض النقاشات بين الطلبة الشيوعيين والطلبة البعثيين حيث كان يبدو التفوق الثقافي الواضح للشيوعيين على أولئك.

أما في التعليم الجامعي فقد دخلت في كلية الهندسة قسم الهندسة الكهربائية في جامعة بغداد وذلك في مقرها في باب المعظم، وبالحقيقة الحد الجنوبي لقضاء الأعظمية، وذلك من سنة 1973 وحتى سنة 1977. في كلية الهندسة كنت أيضاً نشطاً في الرياضة إلى حد ما، فدخلت في فريق كرة القدم حيث كنا نلعب على مستوى جامعة بغداد، وهذا في السنة الأولى فقط ثم عندما حصل لي سقطة في لعبة كرة مع فريق المحلة أثناء العطلة الصيفية بعد السنة الأولى وحصل لي انزلاق في الغضروف فمنعت من ممارسة هذه الرياضة أو غيرها.
وفيما يخص موضوع الكتاب لعل في المرحلة الجامعية هناك بعض ما يلامس بعض جوانب الكتاب بشكل غير مباشر وهو مسألة الأفكار العامة التي ربما تخص العدل والظلم مما له علاقة بالحكام، وليس ما له علاقة مباشرة في التمذهب لأنه استمر بكونه شيئاً غير مطروح بالنسبة لي أو ممن هم حولي من الأصدقاء من المذاهب المختلفة.

أما الأصدقاء فكان معظمهم من تلك المحلة وتلك المنطقة وبالتالي كانت نشأة متشابهة إلى حد ما، وإن كان هناك أثر أيضاً للحالة المالية أو للتفوق في التعليم وبعض الأمور الأخرى.
الأفكار
لا شك في أن الأفكار لا تتكون بشكلها النهائي في السنوات الأولى من حياة الإنسان ولكن من المؤكد هو أنها تبدأ بالتكون في المرحلة الثانوية من الدراسة ومن ثم تتطور وتبدأ بالتبلور في المرحلة الجامعية وما بعدها. وبلحاظ طبيعة العائلة التي نشأت فيها والحقبة التي مر بها العراق والأحداث التي مرت بها الأمة العربية ولاسيما فيما يتصل بقضية فلسطين وما حولها فإني أستطيع أن أقسم هذه الأفكار إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول ما يخص الأفكار والعقائد الدينية بشكل عام، والثاني ما يخص النظرة إلى الحاكم والحرية والعدل والإسلام، والثالث ما يخص النظرة إلى الشيعة والتشيع الذي يتعلق بشكل أخص بموضوع كتابي هذا.

الأفكار
أما الأفكار الدينية فكانت هي الأفكار التي نجدها عند المسلمين عموماً وعند أتباع المذاهب السنيّة خصوصاً. ويمكن تلخيص هذه الأفكار بأننا مسلمون أتباع الدين الخاتم والشريعة الخاتمة، دستورنا القرآن، وهو أمر يصادم الواقع على الأرض فيما يخص الحكومات، وأننا يجب أن نتبع القرآن أو الكتاب والسنة، وهو أمر آخر يصدم ما كان موجوداً على الأرض من اقتراف المحرمات ومن الانحراف بشكل عام، وأن المسلمين كانوا يعيشون أسياد أنفسهم وتحت ظل دولة الخلافة الإسلامية التي كان لها تاريخ رائع لا يكاد يشوبه شيء منذ بداية هذه الخلافة وحتى سقوط الخلافة العثمانية واحتلال المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى. وبالتالي فإن هذه الأفكار تقود بالضرورة إلى الاعتقاد بأنه لم يكن هناك إلا الخير وإلا السير على الكتاب والسنة منذ وفاة رسول الله(ص) وحتى بداية القرن العشرين، وهي دعوة عريضة جداً لا تكاد تُصدَّق حتى من الأطفال محدودي الفهم والوعي ولكنها كانت هي السائدة في أوساط أتباع المذاهب السنيّة عموماً.
وهذا يقودنا إلى النظرة إلى الحكام، حيث نشأتُ على أن الحكام المسلمين كانوا إما من القداسة بحيث لا يمكن أن يخطئوا كما العقيدة في الخلفاء الاربعة، أو أنهم كانوا يجمعون بين بعض مفاسد السلطان والحكم والصلاح والخير الذي جاء به جهادهم وفتوحاتهم ونهجهم بشكل عام كما في خلفاء بني أمية والعباس وآل عثمان الأتراك. وحتى النظر إلى الحكام الذين جاءوا بعد سقوط الخلافة العثمانية فإن التنشئة في الوسط السنيّ هي بالضرورة في صالح مساندة الحاكم إلا أن يأتي بكفر واضح صريح. وهذا ما كان يعد السلاح الأمضى في يد الأحزاب القومية كحزب القوميين العرب والناصريين وحزب البعث لإسقاط الأحزاب الشيوعية ومنها الحزب الشيوعي العراقي من أعين الناس ومن التفافهم حوله كونه الحزب الذي لا يقيم للدين وزناً، وبالتالي فكأنه، لو تسلم الحكم، سيكون أول حكم في تاريخنا لا يطبق الإسلام. بل وجرّوا التهمة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم كجزء من الحملة العامة لإسقاطه.

بكلمة أخرى فإن التنشئة السنيّة تضع لإسلام الحاكم الأسبقية على عدله، وهي نقطة اختلاف كبيرة بين السنة والشيعة في تقييم أيهما أهم في إدارة المجتمع والحفاظ على مصالح العباد.
على أنني شخصياً كنت أشعر بالميل نحو الحرية بشكل عام وكراهية الظلم بشكل عام بحيث لم أجد نفسي ميّالاً إلى هذا الحكم أو إلى هذا الحاكم أو إلى هذا الحزب أو ذاك، ربما لأني لم أكن قد وجدت ضالتي بعد في نهج العدل الذي عند أئمة أهل البيت(ع). أيضاً فإن تلك النظرة إلى الإسلام في مؤسسته السلطوية الحاكمة على امتداد التاريخ الإسلامي كانت تشكّل تناقضاً مع الإسلام الذي نُدرَّس ونُعلَّم كيف هو من حيث الخير والعدل، في صور وردية اكتشفت فيما بعد أن الكثير منها في عالم التطبيق لم يكن واقعياً حيث يصوّر المجتمع النبوي وكأن الناس في ذلك المجتمع كانوا ملائكة لا يخرج منهم إلا الخير والصلاح، كأن الناس في ذلك المجتمع كانوا قد انقلبوا انقلاباً كاملاً بمجرد أن تشهدّوا الشهادتين ودخلوا في الإسلام، مما يشكّل تناقضاً واضحاً مع الطبيعة الإنسانية التي عشتها في المجتمع والتي لا بد أن يعيشها أي إنسان في أي مكان آخر.
أردت أن أقول أن هذا التناقض في النظرة إلى الخلافة الإسلامية مع ما يُتوقع فطرياً، وتلك النظرة إلى الحاكم ووجوب طاعته إلاّ أن يخرج بكفر واضح مع ما علمناه من العدل والرحمة التي في الإسلام وفي القرآن ومع ميلي الشخصي نحو ذلك، ربما شكّل بعض الأرضية لذلك التحوّل الذي جرى بعد ذلك.

تبقى النظرة إلى الشيعة والتشيّع، وأظن أن هذه كانت نظرة غير مثقلة بطائفية بعض الأوساط السنيّة، والتي من العدل القول بأنها غير موجودة في العراق كما وجدتها في بعض دول الخليج العربي أو مما نسمع عنه في بعض الدول الإسلامية، ولكن يبقى أن هناك اختلافاً بين النظرة التي ينشّأ عليها الفرد السنيّ في العراق بين منطقة وأخرى، كما هو الحال فيما يخص كيف ينشأ عليه الفرد الشيعي أو المسيحي في مناطق مختلفة. ولكن خلاصة نظرتي إلى الشيعة كانت تتلخص في أنهم من المسلمين لهم طقوس خاصة ولهم أفكار معينة ولهم اعتقاد مبالغ فيه في علي بن أبي طالب، وربما لهم اعتقاد في النبي(ص) أقل من اعتقادنا نحن أهل السنة والجماعة. هذا من جانب، من جانب آخر هو أن الشيعة هم ما بين إيراني أو موال لإيران، بمعنى أن هناك رابطة ما بين الشيعي والتشيع وإيران. هذا الأمر الذي نشأت عليه وأخالُه السائد عند جميع أهل السنّة والجماعة، ليس في العراق فحسب بل وفي مناطق أخرى، لم يكن ليبلغ هذا المستوى من الشدة في النظرة السلبية لولا أنه مرتبط - أصلاً - بتعبئة الإنسان السني في العراق بمشاعر الكراهية والعداء لإيران. نعم أكرر بأن جميع أهل السنة في العراق، وربما معظمهم (لكي لا يقال بأني أعمم من دون عمل إحصاء علمي)، ولكن الأحداث ولاسيما الآن تبين هذه النظرة المترسخة منذ التنشئة الأولى، بأن إيران عدو تاريخي أو على الأقل هي جار غير مرغوب فيه، بحيث كنا نقرأ أو نسمع عن عمر الذي يقول "ليت بيني وبين فارس جبلاً من نار" وأمثالها بحيث تشكل حاجزاً عالياً معبأ بالكراهية لإيران. ولما كانت النظرة أو الفكرة القائمة السائدة عن الشيعي بأن له علاقة ما مع إيران فبالتالي سيوضع هذا الشيعي - أي شيعي - في زاوية غير إيجابية مطلقاً.

هنا ينبغي الإشارة إلى نقطة لعل لها أثراً في تقوية مثل هذه الحواجز وهي أن الشعور القومي العربي، وقد نشأت في بيت شديد الإحساس بالانتماء القومي العربي، مع تربية عامة عند العرب العراقيين على تسمية الشعوب الأخرى بأسمائها، فالتركي هو تركي والصيني هو صيني والفرنسي هو فرنسي والروسي هو روسي وما شئت سمِّ، ولما يأتي الدور إلى الإيراني يسمى أعجمياً أو "عِجْمِي" حسب اللهجة العامية العراقية. هذا يقول للسامع من طرف خفي بأن الفرنسي هو فرنسي وكفى والصيني هو صيني وكفى والتركي هو تركي وكفى له خصوصياته كونه كذلك، ولكن الإيراني ليس هو إيرانياً وكفى إنما هو غير عربي أيضاً، وبالتالي فإنه يختلف عنك في هذه النقطة، وهذا حسبما أرى يشكل حاجزاً نفسياً خفياً له أبلغ الأثر في عدم الانفتاح على ما يمكن أن يأتي من ذلك الجانب بحيث لو جاءت كلمة الصدق من هناك لا تقبل ولو جاء الكذب والافتراء من مكان آخر من الممكن أن يقبل لوجود الحاجز النفسي هناك وعدم وجوده هنا (الأحداث الأخيرة أوصلت الكثيرين إلى اعتبار إيران العدو الأول وإسرائيل عدواً أقل ضراوة، بل صديقاً محتملاً، أو صديقاً متحققاً بالفعل عند البعض). هذا، مع أنه لا يوجد حاجز نفسي تجاه تركيا والأتراك على الرغم من أنهم حكموا العراق لما يقرب من أربعة قرون مظلمة لاقى فيها العراقيون أصنافاً من العسف والذل والهوان والتمييز العرقي والقومي، وعلى الرغم من أنهم لم يعينوا، في أي من الولايات الثلاث التي تشكل العراق اليوم: بغداد والموصل والبصرة، والياً عراقياً واحداً، بل كان جميع الولاة دون استثناء من الأتراك العثمانيين! وتصبح المفارقة مدعاة للدراسة حقاً عندما تجد نفس الموقف من البلدين، تركيا وإيران، حتى عند القوميين العروبيين الذين يقولون بأن الوجود العثماني في البلاد العربية كان احتلالاً أجنبياً - على أن هذا موضوع آخر.

أخلص إلى القول في هذا الفصل أن نشأتي كانت في هذا الخصوص، أي في مسألة المذهبية، هي نشأة في صالح ما جرى معي بعد ذلك، بمعنى أني نشأت في منطقة مختلطة منفتحة متنوّرة، وفي عائلة لا يوجد فيها من ملامح الطائفية الكثير كما في غيرها، ولم أخرج من ذلك كله مثقلاً بتلك الأغلال التي يجد الكثيرون أنفسهم مثقلين بها فيعانون الأمرّين مع الحواجز النفسية التي بُنيت في دواخلهم رغماً عنه.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة