[ 16 ]
من كلام له (عليه السلام)
لمّا بويع بالمدينة

[وفيها يخبر الناس بعلمه بما تؤول إليه أحوالهم وفيها يقسمهم إلى أقسام]

ذِمَّتي(1) بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ(2) وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ(3): إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ العِبَرُ(4) عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ المَثُلاتِ(5)، حَجَزَهُ(6) التَّقْوَى عَنْ تَقَحُّمِ الشُّبُهَاتِ(7).

____________

1. الذّمّة: العهد.

2. رهينة: مرهونة، من الرهن.

3. الزعيم: الكفيل، يريد أنه ضامن لصدق ما يقول.

4. العِبَر ـ بكسر فتح ـ: جمع عِبرة، بمعنى الموعظة.

5. المَثُلاَتُ: العُقوبات.

6. حجزه: منعه.

7. تَقَحُّمُ الشّبُهَات: التّرَدّي فيها.

الصفحة 59
أَلاَ وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا(1) يَوْمَ بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ(صلى الله عليه وآله)، وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ(2) بَلْبَلَةً، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً(3)، وَلَتُسَاطُنَّ(4) سَوْطَ)القِدْرِ(5)، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاَكُمْ، وَأَعْلاَكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَلَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا.

وَاللهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً(6)، وَلا كَذَبْتُ كِذْبَةً، وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهذا المَقامِ وَهذَا اليَوْمِ.

أَلاَ وَإِنَّ الخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ(7) حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُها، وَخُلِعَتْ لُجُمُهَا(8)،

____________

1. عادت كهيئتها: رجعت إلى حالها الاُولى.

2. لَتُبَلْبَلُنّ: لَتُخْلَطُنّ، ومنه «تَبَلْبَلَتِ الالسُنُ»: اختلطت.

3. لَتُغَرْبَلُنّ: لتمّيزنّ كما يميّز الدقيق عند الغربلة من نخالته.

4. لَتُسَاطُنّ: من السّوط، وهو أن تجعل شيئين في الاناء وتضربهما بيديك حتى يختلطا.

5. سَوْط القِدْر: أي كما تختلط الابْزَارُ ونحوها في القدر عند غليانه فينقلب أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها، وكل ذلك حكاية عما يأولون إليه من الاختلاف، وتقطع الارحام، وفساد النظام.

6. الوَشْمَةُ: الكلمة.

7. الشُمُسُ: جمع شَمُوس وهي من «شَمَسَ» كنصر أي منع ظهره أن يُرْكَبَ.

8. لُجُمُها: جمع لِجام، وهو عنان الدّابة الذي تُلجم به.

الصفحة 60
فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ في النَّارِ(1).

أَلاَ وَإِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ(2)، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأُعْطُوا أَزِمَّتَها، فَأَوْرَدَتْهُمُ الجَنَّةَ.

حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَلِكُلٍّ أَهْلٌ، فَلَئِنْ أَمِرَ البَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ، وَلَئِنْ قَلَّ الحقُّ لَرُبَّما وَلَعَلَّ، وَلَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيءٌ فَأَقْبَلَ!
وأقول: إنّ في هذا الكلام الادنى من مواقع الاحسان ملا تبلغه مواقع الاستحسان، وإنّ حظ العجب منه أكثر من حظ العُجب به، وفيه ـ مع الحال التي وصفنا ـ زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان، ولا يَطَّلع فَجها(3) إنسان، ولا يعرف ما أقوله إلاّ من ضرب في هذه الصناعة بحق، وجرى فيها على عرق(4)،)وَمَا يَعْقِلُهَا إلاّ العَالمِونَ).

ومن هذه الخطبة
[وفيها يقسّم الناس إلى ثلاثة أصناف]

شُغِلَ مَنِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَهُ! سَاع سَرِيعٌ نَجَا، وَطَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا، وَمُقَصِّرٌ في النَّارِ هَوَى.

____________

1. تقحمت بهم في النار: أردتهم فيها.

2. الذُلُل: جمع ذَلول، وهي المُرَوّضَةُ الطائعة.

3. لا يَطّلع فَجَّهَا: من قولهم اطّلَعَ الارض أي بلغها. والفجّ: الطريق الواسع بين جَبَلَيْنِ.

4. العِرْق: الاصل.

الصفحة 61
الَيمِينُ وَالشِّمالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الوُسْطَى هِيَ الجَادَّةُ(1)، عَلَيْهَا بَاقي الكِتَابِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ، وَمِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ، وَإلَيْهَا مَصِيرُ العَاقِبَةِ.

هَلَكَ مَنِ ادَّعى، وَخَابَ مَنِ افْتَرَى، مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ، لاَيَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ(2) أَصْل، وَلاَ يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْم.

فَاسْتَتِرُوا بِبُيُوتِكُمْ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ، وَلاَ يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلاَّ رَبَّهُ، وَلاَ يَلُمْ لاَئِمٌ إِلاَّ نَفْسَهُ.