[ 182 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)

روي عن نوف البكالي قال: خطبنا بهذه الخطبة أميرالمؤمنين عليّ(عليه السلام)بالكوفة وهو قائم على حجارة، نصبها له جَعْدَة بن هُبَيْرة المخزومي،

____________

1. أُشرعت: سُدّدت وصُوّبت نحوهم.

2. الهامات: الرؤوس.

3. حَسْبُهُم بخروجهم: كافيهم من الشرّ خروجهم، والباء زائدة.

4. الارتكاس: الانقلاب والانتكاس.

5. صدّهم: إعراضهم.

6. الجِماح: الجموح وهو أن يغلب الفرس راكبه، والمراد تعاصيهم وغلوّ هم وإفراطهم. 7. التيه: الضلال.

الصفحة 404
وعليه مِدْرَعَةٌ من صُوف(1) وحمائل سيفه لِيفٌ، وفي رجليه نعلان من لِيف، وكأنّ جبينه ثَفِنَةُ(2) بعير، فقال:

[حمد الله واستعانته]

الْحَمْدُ لله الَّذِي إلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ، وَعَوَاقِبُ الاَْمْرِ، نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ، وَنَيِّرِ بُرْهَانِهِ، وَنَوَامِي(3) فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً، وَلِشُكْرِهِ أَدَاءً، وَإلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً، وَلِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً.

وَنَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاج لِفَضْلِهِ، مُؤَمِّل لِنَفْعِهِ، وَاثِق بِدَفْعِهِ، مُعْتَرِف لَهُ بِالطَّوْلِ(4)، مُذْعِن لَهُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ.

وَنُؤْمِنُ بِه إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً، وَأَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً، وَخَنَعَ(5) لَهُ مُذْعِناً، وَأَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً، وَعَظَّمَهُ مُمَجِّداً، وَلاَذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً.

____________

1. المِدْرعة: ثوب يعرف عند بعض العامة بالدراعية، قميص ضيق الاكمام، قال في القاموس: ولا يكون إلاّ من صوف.

2. الثَفِنَة ـ بكسر بعد فتح ـ: ما يمس الارض من البعير بعد البُروك ويكون فيه غلظ من ملاطمة الارض، وكذلك كان في جبين أمير المؤمنين من كثرة السجود.

3. النوامي: جمع نام بمعنى زائد.

4. الطَوْل ـ بفتح الطاء وسكون الواوـ: الفضل.

5. خَنَعَ: ذل وخضع.

الصفحة 405

[الله الواحد]

لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً، وَلَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مُوْرُوثاً هَالِكاً، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَلاَ زَمَانٌ، ولَمْ يَتَعَاوَرْهُ(1) زِيَادَةٌ وَلاَ نُقْصَانٌ، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلاَمَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ، وَالْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ.

فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّماوَاتِ مُوَطَّدَات(2) بِلاَ عَمَد، قَائِمَات بِلاَ سَنَد، دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَات مُذْعِنَات، غَيْرَ مُتَلَكِّئَات(3) وَلاَ مُبْطِئَات، وَلَوْ لاَ إقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ، لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ، وَلاَ مَسْكَناً لِمَلائِكَتِهِ، وَلاَ مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ.

جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلاَماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الاَْقْطَارِ، لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ(4) سُجُفِ(5) اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَلاَ اسْتَطَاعَتْ جَلاَبِيبُ(6) سَوَادِ الْحَنَادِسِ(7) أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ(8) فِي السَّماوَاتِ مِنْ تَلاَْلُؤِ

____________

1. يتعاوره: يتداوله ويتبادل عليه.

2. موطَّدات: مُثبّتات في مَداراتها على ثقل أجرامها.

3. التلكّؤ: التوقّف والتباطؤ.

4. ادلهمام الظلمة: كثافتها و شدّتها.

5. السُجُف ـ بضمتين ـ: جمع سِجاف ـ ككتاب ـ: الستر.

6. الجلابيب ـ جمع جِلْبَاب ـ: ثوب واسع تلبسه المرأة فوق ثيابها كأنه مِلْحَفة، ووجه الاتسعارة فيها ظاهر. 7. الحَنادس ـ جمع حِنْدِس بكسر الحاء ـ: الليل المظلم.

8. شاع: تفرق.

الصفحة 406
نُورِ الْقَمَرِ.

فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَق دَاج(1)، وَلاَ لَيْل سَاج(2)، فِي بِقَاعِ الاَْرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ(3)، وَلاَ في يَفَاعِ السُّفْعِ(4) الْمُتَجَاوِرَاتِ، وَمَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ(5) فِي أُفُقِ السَّماءِ، وَمَا تَلاَشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ(6) الْغَمَامِ، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الاَْنْوَاءِ(7) وَانْهِطَالُ

____________

1. الغَسَق: الظلمة، والداجي: الشديد الظلام.

2. الساجي: الساكن.

3. المُتَطَأطئات: المنخفضات.

4. اليفاع: التل أو المرتفع مطلقاً من الارض. والسُفْع ـ جمع سَفْعاءـ: السوادء تضرب إلى الحمرة، والمراد منها الجبال، عبّر عنها بلونها فيما يظهر للنظر على بعد.

5. ما يَتَجَلْجَل به الرعد: صوته، والجَلْجَلَة: صوت الرّعد.

6. تَلاشت: اضمحلت، وأصله من لَشِىء بمعنى خَسّ بعد رفعة. وما يضمحل عنه البرق: هو الاشياء التي تُرى عند لمعانه.

7. العواصف: الرياح الشديدة، وإضافتها للانواء من إضافة الشيء لمصاحبه عادةً. والانواء ـ جمع نَوْء ـ: أحد منازل القمر، يعدّها العرب ثمانية وعشرين يغيب منها عن الافق في كل ثلاث عشرة ليلةً منزلةٌ ويظهر عليه أخرى.

الصفحة 407
السَّماءِ(1)! وَيَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَمَقَرَّهَا، وَمَسْحَبَ الذَّرَّةِ وَمَجَرَّهَا، وَمَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا، وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى فِي بَطْنِهَا.

[عود إلى الحمد]

وَالْحَمْدُ لله الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشٌ، أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ، أَوْ جَانٌّ أَوْ إنْسٌ، لاَ يُدْرَكُ بِوَهْم(2)، وَلاَ يُقَدَّرُ بِفَهْم، وَلاَ يَشْغَلُهُ سَائِلٌ(3)، وَلاَ يَنْقُصُهُ نَائِلٌ(4)، وَلاَ يَنْظُرُ بِعَيْن، وَلاَ يُحَدُّ بِأَيْن(5)، وَلاَ يُوصَفُ بِالاَْزْوَاجِ(6)، وَلاَ يُخْلَقُ بِعِلاَج(7)، وَلاَ يُدْركُ بِالْحَوَاسِّ، وَلاَ يُقَاسُ بِالنَّاسِ،

____________

1. السماء ـ هنا ـ: المطر.

2. الوهم ـ هنا ـ: الفكرة والتوهم.

3. لا يَشْغَلُه سائل: لاحاطة علمه وقدرته.

4. النائل: العطاء.

5. الاين: المكان.

6. الازواج ـ هنا ـ: القُرَناء والامثال، أي لا يقال: ذوقرناء، ولا هو قرين لشيء، ويراد من هذا نفي الاثنينية والتعدد عنه جلّ شأنه.

7. لا يُخْلَقُ بعلاج: أي أنه لا يشبه المخلوقات في احتياج وجودها إلى معالجة ومزاولة، لانّه بذاته واجب الوجود سبحانه.

الصفحة 408
الَّذِي كَلَّمَ مُوسى تَكْلِيماً، وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظيماً، بِلاَ جَوَارِحَ وَلاَ أَدَوَات، وَلاَ نُطْق وَلاَ لَهَوَات(1).

بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ(2) لِوَصْفِ رَبِّكَ، فَصِفْ جَبْرَئيلَ وَمِيكَائِيلَ وَجُنُودَ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، فِي حُجُراتِ(3) الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ(4)، مُتَوَلِّهَةً(5) عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقينَ. وَإنَّمَا يُدرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُوالْهَيْئَاتِ وَالاَْدوَاتِ، وَمَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ، فَلاَ إلهَ إلاَّ هُوَ، أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلاَم، وَأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُور.

[الوصية بالتقوى]

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ(6)، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ

____________

1. اللهَوَات ـ جمع لهَاة ـ: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم.

2. المتكلف: هو شديد التعرض لما لا يعينه.

3. الحُجُرات ـ جمع حُجْرة بضم الحاء ـ: الغرفة.

4. المُرْجَحِنّ ـ كالمقشعرّ ـ: المائل لثقله والمتحرك يميناً وشمالاً.

5. متولّهة: أي حائرة أو متخوّفة.

6. الرياش: اللباس الفاخر.

الصفحة 409
الْمَعَاشَ; فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُدَ(عليه السلام)، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالاِْنْسِ، مَعَ النُّبُوَّهِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ(1)، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ المَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً!

أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ آلْعَمَالِقَةِ! أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ! أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ، وَأَطْفَأُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ! أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ، وَهَزَمُوا الاُلُوفَ، وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ، وَمَدَّنُوا الْمَدَائِنَ؟!

منها:

قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا(2)، وَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا، مِنَ الاِْقْبَالِ عَلَيهَا، وَالْمَعْرِفِةِ بهَا، وَالتَّفَرُّغِ لَهَا، فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا، وَحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا، فَهُوُ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الاِْسْلاَمُ، وَضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ(3)،

____________

1. الطُعْمة ـ بالضم ـ: المأكلة، أي مايؤكل. والمراد الرزق المقسوم.

2. جُنّة الحِكْمة: ما يحفظها على صاحبها من الزهد والورع، وأصل الجُنّة الوقاية، ومنه الدّرع والمجنّ، وما يتقى به.

3. عَسِيب الذَنَب: أصله.

الصفحة 410
وَأَلْصَقَ الاَْرْضَ بِجِرَانِهِ(1)، بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أَنْبِيَائِهِ.

ثم قال(عليه السلام):

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ بِهَا الاَْنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الاَْوصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَحَدَوْتُكُمْ بالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا(2). لله أَنْتُمْ! أَتَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ؟

أَلاَ إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلاً، وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً، وَأَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُاللهِ الاَْخْيَارُ، وَبَاعُوا قَلِيلاً مِنَ الدُّنْيَا لاَ يَبْقَى، بِكَثِير مِنَ الاْخِرَةِ لاَيَفْنَى.

مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ ـ وَهُمْ بِصِفِّينَ ـ أَلاَّ يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً؟ يُسِيغُونَ الْغُصَصَ، وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ(3)! قَدْ ـ وَاللهِ ـ لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الاَْمْنِ بَعْدَ خَوْفِهمْ.

____________

1. الجِران ـ ككتاب ـ: مقدّمُ عُنُق البعير من المذبح إلى المَنْحَر، والبعير أقل ما يكون نفعه عند بروكه، وإلصاق جِرانِهِ بالارض كناية عن الضعف.

2. استَوْسَقَتِ الابِل: اجتمعت وانضمّ بعضها إلى بعض.

3. الرَنِقُ ـ بكسر النون وفتحها وسكونها ـ: الكَدِر.

الصفحة 411
أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّريقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ(1)؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ(2)؟ وَأَيْنَ ذُوالشَّهَادَتَيْنِ(3)؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤوسِهِمْ(4) إِلَى الْفَجَرَةِ؟

قال: ثمّ ضرب(عليه السلام) بيده إلى لحيته، فأطال البكاء، ثمّ قال:

أَوْهِ(5) عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَأمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوا.

ثمّ نادى بأعلى صوته:

الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللهِ! أَلاَ وَإِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَوْمي هذَا، فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللهِ فَلْيَخْرُجْ.

قال نوْفٌ: وعقد للحسين(عليه السلام) في عشرة آلاف، ولقيس بن سعد في

____________

1. عماربن ياسر: من السابقين الاولين.

2. أبوالهيثم مالك بن التّيّهان ـ بتشديد الياء وكسر ها ـ: من أكابر الصحابة.

3. ذوالشهادتين: خزيمة بن ثابت الانصاري، قبل النبي شهادته بشهادة رجلين في قصة مشهورة.

4. أُبردَ برؤوسهم: أي أرسلت مع البريد بعد قتلهم إلى الفجرة البغاة للتشفي منهم رضي الله عنهم.

5. أَوْهِ ـ بفتح الهمزة وسكون الواووكسر الهاء ـ كلمة توجّع.

الصفحة 412
عشرة آلاف، ولابي أيوب الانصاري في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر، وهو يريد الرجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله، فتراجعت العساكر، فكنّا كأغنام فقدت راعيها، تختطفها الذئاب من كل مكان!