[ 82 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
وهي من الخطب العجيبة تسمّى «الغراء»

[وفيها نعوت الله جل شأنه، ثمّ الوصية بتقواه، ثمّ التنفير من الدنيا، ثمّ ما يلحق من دخول القيامة، ثمّ تنبيه الخلق إلى ما هم فيه من الاعراض، ثمّ فضله (عليه السلام) في التذكير]

[صفته جلّ شأنه]

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي عَلاَ بِحَوْلِهِ(1)، ودَنَا بِطَوْلِهِ(2)، مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَة وَفَضْل، وَكَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَة وَأَزْل(3).

أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ، وَسَوَابِغِ ـ نِعَمِهِ(4)، وَأُومِنُ بهَ أَوَّلاً بَادِياً(5)،

____________

1. عَلاَ بحَوْلِه: عزّ وارتفع عن جميع ما سواه، لقوته المستعلية بسلطة الايجاد على كل قوّة.

2. دَنا بِطَوْلِهِ: أي إنه مع علوّه سبحانه وارتفاعه في عظمته دنا وقَرُبَ من خلقه بطَوْله أي عطائه وإحسانه.

3. الازْل ـ بالفتح ـ: الضيق والشدة.

4. سوابِغ النّعَم: كوامِلُها، من سَبَغَ الظلّ: إذا عمّ وشَمِلَ.

5. أوّلاً بادياً: أي سابقاً كلّ شيء من الوجود، ظاهراً بذَاتِهِ مُظْهراً لغيره.

الصفحة 143
وَأَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً، وَأَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قَادِراً، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله) عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لاِنْفَاذِ أَمْرِهِ، وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ(1) وَتَقْدِيمِ نُذُرِهِ(2).

[الوصية بالتقوى]

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي ضَرَبَ لَكُمُ الاَْمْثَالَ(3)، وَوَقَّتَ لَكُمُ الاْجَالَ(4)، وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ(5)، وَأَرْفَغَ لَكُمُ المَعَاشَ(6)، وَأَحَاطَ بِكُمُ الاِْحْصَاءَ(7)، وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ(8)، وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابغِ، وَالرِّفَدِ(9)

____________

1. إنهاء عُذْرِه: إبلاغه، والعذر هنا كناية عن الحجج العقلية والنقلية التي أقيمت ببعثة النبي. 2. النُّذُر ـ جمع نذير ـ: الاخبار الالهية المنذرة بالعقاب على سوء الاعمال.

3. ضرَبَ الامثال: جاء بها في الكلام لايضاح الحجج، وتقريرها في الاذهان.

4. وَقّتَ الاجالَ: جعلها في أوقات محدودة لا متقدم عنها ولا متأخر.

5. الرّياش: ما ظهر من اللباس.

6. أرْفَغَ لكم المعاشَ: أي أوْسعَ، يقال: رَفَغَ عَيْشُهُ ـ بالضم ـ رَفَاغَةً، أي: اتّسعَ.

7. أحاطكم بالاحصاء: أي جعل إحصاء أعمالكم والعلم بها عملاً كالسّور لا تنفذون منه ولا تتعدّونه.

8. أرصد لكم الجزاءَ: أعدّه لكم فلا محيصَ عنه.

9. الرِّفَد: جمع رفْدة ـ كَكِسرة ـ وهي العطية.

الصفحة 144
الرَّوافِغِ(1)، وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ(2)، فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً، ووَظَّفَ لَكُمْ مُدَداً(3)، فِي قَرَارِ خِبْرَة(4)، وَدَارِ عِبْرَة، أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا، وَمُحَاسِبُونَ عَلَيْهَا.

[التنفير من الدنيا]

فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ(5) مَشْرَبُهَا، رَدِغٌ مَشْرَعُهَا(6)، يُونِقُ(7) مَنْظَرُهَا، وَيُوبِقُ(8)مَخْبَرُهَا، غُرُورٌ حَائِلٌ(9)، وَضَوْءٌ آفِلٌ(10)، وَظِلٌّ زائِلٌ،

____________

1. الرّوَافِغ: الواسعة.

2. الحجج البَوَالِغ: الظاهرة البيّنة.

3. وَظّفَ لكم مُدَداً: أي قَدّرَ لكم، والمدد جمع مدّة، أي: عين لكم أزمنةً تَحْيَوْنَ فيها.

4. في قرارِ خِبرة: أي في دار ابتلاء واختبار، وهي دار الدنيا.

5. رَنِقٌ ـ كَفَرِح ـ: كَدِرٌ.

6. رَدِغٌ: كثير الطين والوحل. والمَشرَع: مَوْرِد الشاربة للشرب.

7. يُونِقُ: يُعْجِبُ.

8. يُوبِقُ: يهلك. 9. حائِل: اسم فاعل من «حال» إذا تحوّل وانتقل.

10. وَضَوْءٌ آفِلٌ: غائب لا يلبث أن يظهر حتى يغيب.

الصفحة 145
وَسِنَادٌ(1) مَائِلٌ، حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا، وَاطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا(2)، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا(3)، وَقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا(4)، وَأَقْصَدَتْ(5) بِأَسْهُمِهَا، وَأَعْلَقَتِ(6) الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ(7) قَائِدَةً لَهُ إِلى ضَنْكَ الْمَضْجَعِ(8)، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ، ومُعَايَنَةِ الْـمَحَلِّ(9)، وَثَوَابِ الْعَمَلِ(10)، وَكَذلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ(11)،

____________

1. السِّنَاد ـ بالكسر ـ: ما يستند إليه، أودِعامة يُسْنَدُ بها السقف.

2. اطمأنّ ناكرُها; ناكرها: اسم فاعل من «نَكِر الشيءَ» من باب علم ـ أي جَهِله فأنكره.

3. قَمَصَ الفرس وغيره يقمص ـ من بابَي ضرب ونصر ـ قَمْصاً وقماصاً أي: استَنّ، وهو أن يرفع يَدَيْهِ ويطرحهما معاً.

4. قَنَصَتْ بأحْبُلِها: اصطادت بشباكها وحبالها.

5. أقْصَتْ: قَتَلَتْ مكانها من غير تأخير.

6. أعْلَقَتْ به: رَبَطَتْ بعُنُقِهِ.

7. أوْهاق المنِيّة: جمع وَهَق بالتحريك أوبفتح فسكون كما يقال نهرونهر، أي: حبال الموت.

8. ضَنْك المضْجَع: ضيق المَرْقَد، والمراد القبر.

9. مُعاينة المحَلِّ: مشاهدة مكانه من النعيم والجحيم.

10. ثواب العَمَل: جزاؤه الاعمّ من شقاء وسعادة.

11. الخلَفُ: المتأخرون. والسّلَف: المتقدمون. بِعَقْب ـ بباء الجر وسكون القاف ـ بمعنى بعد. وأصله جرى الفرس بعد جريه، يقال: لهذا الفرس عقب حسن.

الصفحة 146
لاَتُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً(1)، وَلاَيَرْعَوِي الْبَاقُونَ(2) اجْتِرَاماً(3)، يَحْتَذُون مِثَالاً(4)، وَيَمْضُونَ أَرْسَالاً(5)، إِلَى غَايَةِ الانْتِهَاءِ، وَصَيُّورِ(6) الْفَنَاءِ.

[بعد الموت البعث]

حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الاُْمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وَأَزِفَ النُّشُورُ(7)، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ(8) الْقُبُورِ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ، وَأَوْجِرَةِ(9) السِّبَاعِ، وَمَطَارِحِ الْمَهَالِكِ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ(10) إِلَى مَعَادِهِ، رَعِيلاً صُمُوتاً(11)، قِيَاماً

____________

1. لا تُقْلعُ المَنِيّةُ اخْتِراماً: أي لا تكفّ المنية عن اخترامها، أي استئصالها للاحياء.

2. لا يرعوي الباقون: أي لا يرجعون ولا يكُفّون. 3. الاجترام: افتعال من الجرم، أي اقتراف السيئات.

4. يَحْتَذونَ مِثالاً: أي يشاكلون بأعمالهم صور أعمال من سبقهم، ويقتدون بهم.

5. يَمْضُون أرْسالاً: جمع رَسَل ـ بالتحريك ـ وهو القطيع من الابل والغنم والخيل.

6. صَيّور الامر ـ كتنّور ـ: مصيره وما يؤول إليه.

7. أزِفَ النّشُور: قرب البعث.

8. الضرائح: جمع ضريح، وهو الشّقّ وسط القبر.

9. الاوْجِرة: جمع وِجار ـ ككتاب وسحاب ـ وهو الحُجْر.

10. مُهْطِعين: أي مسرعين إلى معاده، سبحانه، الذي وعد أن يعيدهم فيه.

11. رَعيلاً صُموتاً; الرّعيل: القطعة من الخيل; شبههم في تلاحق بعضهم ببعض برعيل الخيل ـ أي الجملة القليلة منها ـ لان الاسراع لا يدع أحداً منهم ينفرد عن الاخر.

الصفحة 147
صُفُوفاً، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ(1)، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاسْتِكانَةِ(2)، وَضَرَعُ(3) الاسْتِسْلاَمِ وَالذِّلَّةِ، قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ، وانْقَطَعَ الاَْمَلُ، وَهَوَتِ الاَْفْئِدَةُ(4) كَاظِمَةً(5)، وَخَشَعَتِ الاَْصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً(6)، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ(7)، وَعَظُمَ الشَّفَقُ(8)، وَأُرْعِدَتِ(9) الاَْسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي(10) إِلَى فَصْلِ

____________

1. يَنْفُذُهُمُ البَصرُ: يجاوزهم، أي: يأتي عليهم ويحيط بهم، والمراد لا يَعْزُبُ واحد منهم عن بصر الله.

2. لَبُوسُ الاسْتِكانةِ; اللّبُوس ـ بالفتح ـ: ما يلبس، والاستكانة: الخضوع.

3. ضرَعَ ـ بالتحريك ـ: الوَهْن، والضعف، والخشوع. 4. هَوَتِ الافْئِدَة: خَلَتْ من المسرّة والامل من النجاة. 5. كاظِمة: ساكنة، كاتمة لما يزعجها من الفزع.

6. مُهَيْنِمة: أي متخافية، والهيْنَمة الكلام الخفي.

7. ألْجَمَ العَرَقُ: كثر حتى امتلات به الافواه لغزارته فمنعها من النطق، وكان كاللّجام.

8. الشّفق ـ محركة ـ: الخوف.

9. أُرْعِدَت: عَرَتْها الرعدة.

10. زَبْرَة الدّاعي: صوته وصيحته، ولا يقال «زبرة» إلا إذا كان فيها زَجْر وانتهار، فانها واحدة الزبر أي الكلام الشديد.

الصفحة 148
الْخِطَابِ(1)، وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ(2)، وَنَكَالِ(3) الْعِقَابِ، وَنَوَالِ الثَّوَابِ.

[تنبيه الخلق]

عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً، وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً(4)، وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً(5)، وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً(6)، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً(7)، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً، وَمَدِينُون(8) جَزَاءً، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً(9); قَدْ أُمْهِلُوا في طَلَبِ الْـمَخْرَجِ، وَهُدُوا سَبِيلَ

____________

1. فَصْل الخِطاب: بتّ الحكومة بين الله وبين عباده في الموقف.

2. مُقايَضَة الجزاء; المقايضة: المعاوضة، أي: مبادلة الجزاء الخير بالخير والشر بالشر.

3. النكال: العذاب.

4. مربوبون: مملوكون. والاقتسار: الغَلَبَة والقهر.

5. أصل الاحتضار: حضور الملائكة لقبض الروح.

6. الاجداث: جمع جَدَث ـ بفتحتين ـ وهو القبر، واجْتَدَثَ الرجلُ: اتخذ جَدَثاً، ويقال: جَدفَ ـ بالفاء ـ. و«مُضَمّنُونَ الاجداثَ» مجعولون في ضِمْنِها.

7. الرّفات: الحُطام، ويقال رَفَتَهُ ـ كنصر وضرب ـ أي كسره ودَقّهُ أي: فتّه بيده كما يُفَت المَدَرُ والعظْمُ البالي.

8. مَدِينون: أي مَجْزِيّون، والدّين: الجزاء، قال تعالى: (مالك يومِ الدّين) 9. مُمَيّزُون حساباً: كلّ يحاسب على عمله منفصلاً عمن سواه: (ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَأُخرى)

الصفحة 149
الْمَنْهَجِ(1)، وَعُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ(2)، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيَبِ(3)، وَخُلُّوا لمِضْماَرِ الْجِيَادِ(4)، وَرَوِيَّةِ الارْتِيَادِ(5)، وَأَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ(6)، فِي مُدَّةِ الاَْجَلِ، وَمُضْطَرَبِ الْمَهَلِ(7).

[فضل التذكير]

فَيَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً(8)، وَمَوَاعِظَ شَافِيَةً، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زاكِيَةً، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً، وَآرَاءً عَازِمَةً، وَأَلْبَاباً حَازِمَةً!

____________

1. المنهج: الطريقة الواضحة التي دلت عليها الشريعة المطهرة.

2. وَعُمّرُوا مَهَلَ المُسْتَعْتِب; المُسْتَعْتِب: المسترضي، أي: أُتوا من العمر مُهْلَة مَنْ ينالُ الرضى لو أحسن العمل.

3. سُدَفَ الرّيَب; السّدَف: جمع سَدْفة ـ بالفتح ـ وهي الظلمة; والرّيَب: جمع رِيبة وهي الشبهة وإبهام الامر.

4. خُلّوا لمضمار الجيِاد; خُلّوا: تُرِكوا في مجال يتسابقون فيه إلى الخيرات. والجيادمن الخيل: كرامها. والمضمار: المكان الذي تضمّرُ فيه الخيل، والمدة التي تضمر فيها أيضاً.

5. رَوِيّة الارْتِياد: إعمال الفكر في الامر ليأتي على أسلموجوهه، والارتياد هنا: طلب مايراد.

6. وأناة المُقْتَبِس المُرْتاد; الاناة: الانتظار والتؤدة، والمقتبس: المرتاد، أي: الذي أخذ بيده مصباحاً ليرتاد في ضوئه شيئاً غاب عنه.

7. المضطَرب: مدّة الاضطراب. أي: الحركة في العمل.

8. صائبة: غير عادلة عن الصواب.

الصفحة 150
فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ، وَاقْتَرَفَ(1) فَاعْتَرَفَ، وَوَجِلَ(2) فَعَمِلَ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ(3)، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وَعُبِّرَ فَاعْتَبَرَ(4)، وَحُذِّرَ [فَحَذِرَ، وَزُجِرَ ]فَازْدَجَرَ(5)، وَأَجَابَ فأَنَابَ(6)، وَرَاجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدَى فَاحْتَذَى(7)، وَأُرِيَ فَرَأَى، فَأَسْرَعَ طَالِباً، وَنَجَا هَارِباً، فَأَفَادَ ذَخِيرَةً(8)، وَأَطَابَ سَرِيرَةً، وَعَمَّرَ مَعَاداً، وَاسْتَظْهَرَ زَاداً(9) لِيَوْمِ رَحِيلِهِ وَوَجْهِ سَبِيلِهِ(10)، وَحَالِ حَاجَتِهِ،

____________

1. اقترف: اكتسب، ومثله «قرف يقرف لعياله» أي: كسب يكسب، وفي التنزيل: (وَليَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُون)

2. وَجِلَ: خافَ.

3. بادر: سارع.

4. عُبّرَ فاعْتَبَرَ; عُبّر ـ مبني للمجهول مشدد الباء ـ: أي عرضت عليه العِبرُ مراراً كثيرة، فاعتبر، أي اتعظ.

5. ازدجر: أي امتنع عن الشيء وانتهى.

6. أناب الى الله: رجع إليه.

7. احتذى: شاكَلَ بين عمله وعمل مقتداه، أي: أحسنَ القُدْوَةَ.

8. أفاد الذخيرة: استفادها واقتناها وهو من الاضداد.

9. اسْتَظْهَرَ زاداً: حمل زاداً حمّله ظَهْرَ راحلته إلى الاخرة، والكلام تمثيل.

10. وَجْهُ السبيل: المقصد الذي يُرْكبُ السبيل لاجله.

الصفحة 151
وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ.

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ، وَاحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُّزِ(1) لِصِدْقِ مِيعَادِهِ، وَالْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ.

منها: [في التذكير بضروب النعم]

جَعَلَ لَكُمْ أسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا(2)، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُوَ(3) عَنْ عَشَاهَا(4)، وَأَشْلاَءً(5) جَامِعَةً لاَِعْضَائِهَا، مُلاَئِمَةً لاَِحْنَائِهَا(6) في تَرْكِيبِ صُوَرِهَا، وَمُدَدِ عُمُرِهَا، بِأَبْدَان قَائِمَة بِأَرْفَاقِهَا(7)، وَقُلُوب رائِدَة(8) لاَِرْزَاقِهَا، فِي

____________

1. تَنَجّزُ الوَعْدِ: طلب وفائه على عجل.

2. تعي ما عناها: تحفظ ما أهمّها.

3. تجلو: تكشف.

4. العَشَا: مقصور، مصدر من عَشِيَ فهو عَش إذا أبصر نهاراً ولم يبصر ليلاً.

5. الاشْلاء: جمع شِلْو وهو العضو.

6. الاحْناء ـ جمع حِنْو بالكسر ـ وهو كل ما اعوجّ من البدن، ومُلاءمة الاعضاء لها: تناسبها معها.

7. الارْفاق: جمع رِفّق ـ بالكسر ـ: المنفعة، أوما يستعان به عليها.

8. رائدة: طالبة.

الصفحة 152
مُجَلِّلاَتِ(1)نِعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وَحَوَاجِزِ(2) عَافِيَتِهِ. وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاَقِهِمْ(3)، وَمُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ(4).

أَرْهَقَتْهُمُ(5) الْمَنَايَا دُونَ الاْمَالِ، وَشَذَّبَهمْ عَنْهَا(6) تَخَرُّمُ الاْجَالِ(7)، لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلاَمَةِ الاَْبْدَانِ(8)، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنُفِ(9) الاَْوَانِ.

فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ(10) الشَّبَابِ إِلاَّ حَوَانِيَ الْهَرَمِ؟ وَأَهْلُ

____________

1. مُجَلِّلات على صيغة اسم الفاعل: من «جلّله» بمعنى غطّاه، أي: غامرات نعمه. يقولون: سحاب مجلّلٌ، أي يطبق الارض. 2. حواجز: موانع.

3. الخلاق: النصيب الوافر من الخير.

4. الخَنَاق: ـ بالفتح ـ: حبل يخنق به.

5. أرهقتهم: أعجلتهم.

6. شَذّبَهُمْ عنها: قَطّعَهُمْ وَمزّقهم من تشذيب الشجرة وهو تقشيرها.

7. تَخَرّمُ الاجل: استئصاله واقتطاعه.

8. لم يَمْهَدوا في سلامةِ الابدان: أي لم يمهدوا لانفسهم بإصلاحها.

9. أُنُف ـ بضمتين ـ يقال: أمر أُنُف، أي مُسْتأنَف لم يَسْبِقْ به قَدَرٌ.

10. البَضَاضَة: رخص الجلد ورقته وامتلاؤه.

الصفحة 153
غَضَارَةِ(1)الصِّحَّةِ إِلاَّ نَوَازِلَ السَّقَمِ؟ وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلاَّ آوِنَةَ الْفَنَاءِ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ(2)، وَأُزُوفِ(3) الانتِقَالِ، وَعَلَزِ(4) الْقَلَقِ، وَأَلَمِ الْمَضَضِ(5)، وَغُصَصِ الْجَرَضِ(6)، وَتَلَفُّتِ الاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَالاَْقْرِبَاءِ، وَالاَْعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ!

فَهَلْ دَفَعَتِ الاَْقَارَبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ؟(7) وَقَدْ غُودِرَ(8) فِي مَحَلَّةِ الاَْمُوَاتِ رَهِيناً(9)، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ(10)، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ(11) جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ(12) الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَمَحَا

____________

1. الغَضَارَة: النعمة والسعة والخصب. 2. الزِّيال: مصدر زَايَلَهُ مُزايَلَةً وزِيالاً: أي فَارَقَهُ.

3. الازُوف: الدنوّ والقرب.

4. العَلَز: قلق وحفة وهلع يصيب المريض والمُحْتَضر.

5. المَضَض: بلوغ الحزن من القلب.

6. الجَرَض: الريق.

7. النّوَاحِب: جمع ناحبة، وهي الرافعة صوتها بالبكاء.

8. غُودِرَ: تُرِك وبقي.

9. رَهيناً: حَبِيساً.

10. هَتَكَتِ الهَوَامّ جِلْدَتَه: جذبت جلدته فقطعتها، والهوامّ: الحيّات وكل ذي سم يقتل.

11. النّواهِك: جمع ناهِكة وهي ما يُنْهِكُ البدنَ: أي يُبْليه.

12. عَفَت: دَرَسَتْ.

الصفحة 154
الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ(1)، وَصَارَتِ الاَْجْسَادُ شَحِبَةً(2) بَعْدَ بَضَّتِهَا(3)، وَالْعِظَامُ نَخِرَةً(4) بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَالاَْرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا(5) مُوقِنَةً بَغَيْبِ أَنْبَائِهَا، لاَ تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا، وَلاَ تُسْتَعْتَبُ(6) مِنْ سَيِّىءِ زَلَلِهَا(7)!

أَوَلَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالابَاءَ، وَإِخْوَانَهُمْ وَالاَْقْرِبَاءَ؟ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ،

____________

1. الحدَثانُ: مصدر يدل على الاضطراب بمعنى ما يحدث. والمعالم: جمع مَعْلَم، وهو ما يستدل به.

2. الشَّحِبَةُ ـ بفتح الشين ـ أي: الهالكة.

3. البَضّة ـ هنا ـ: الواحدة من البضّ وهو: مصدر بَضّ الماءُ إذا ترشّحَ قليلاً قليلاً، أي بعد امتلائها حتى كأن الماء يترشح منها.

4. نَخِرة: بالية.

5. الاعْباء: الاثقال، جمع عِبْء، أي: حِمْل.

6. ولا تُسْتَعْتَبُ ـ مبني للمفعول ـ: أي لا يُطْلَبُ منها تقديم العُتْبى، أي: التوبة عن العمل القبيح، أومبني للفاعل، أي لا يمكنها أن تطلب الرضى والاقامة من خطئها السيّىء.

7. زللها: خطئها، وأصله انزلاق القدم.

الصفحة 155
وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ(1)، وَتَطَؤُونَ جَادَّتَهُمْ(2)؟! فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا، لاَهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا، سَالِكَةٌ في غَيْرِ مِضْمارِهَا! كَأَنَّ الْمَعْنِيَّ(3) سِوَاهَا، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ في إحْرَازِ دُنْيَاهَا.

[التحذير من هول الصراط]

وَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ(4) عَلَى الصِّراطِ وَمَزَالِقِ دَحْضِهِ(5)، وَأَهَاوِيلِ زَلَلِهِ، وَتَارَاتِ(6) أَهْوَالِهِ; فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ، وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ(7)، وَأَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ(8)، وَأَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ(9)

____________

1. القِدّة ـ بكسر فتشديد ـ: الطريقة.

2. تَطَأونَ جَادّتَهُم: تسيرون على سبيلهم بلا انحرف عنهم في شيء.

3. كأنّ المَعْنيّ: أي المقصود بالتكاليف الشرعية.

4. مجازكم: مصدر ميمي من جاز يجوز، أي قطع المكان واجتازه.

5. مَزالِق دَحْضِه; الدّحْض: هو انقلاب الرِّجْل بغتةً فيسقط المارّ، والمزالق: مواضع الزّلل والانزلاق.

6. التارات: النّوَبُ والدّفَعَات.

7. أنْصَبَ الخوْفُ بَدَنَهُ: أتعبه.

8. أسْهَرَ التّهَجّدُ غِرارَ نومه; الغِرار بالكسر: القليل من النوم وغيره و«أسهره التهجد» أي: أزال قيامُ الليل نومَهُ القليل، فأذهبه بالمرة.

9. الهَواجر: جمع هاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر.

الصفحة 156
يَوْمِهِ، وَظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ(1)، وَأَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ(2)، وَقَدَّمَ الْخَوْفَ لاَِمَانِهِ، وَتَنَكَّبَ(3) الَْمخَالِجَ(4) عَنْ وَضَحِ(5) السَّبِيلِ، وَسَلَكَ أَقْصَدَ المَسَالِكَ(6) إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ; وَلَمْ تَفْتِلْهُ(7) فَاتِلاَتُ الْغُرُورِ، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ(8) مُشْتَبِهَاتُ الاُْمُورِ، ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى، وَرَاحَةِ النُّعْمَى(9)، في أَنْعَمِ نَوْمِهِ، وَآمَنِ يَوْمِهِ. قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ(10) حَمِيداً، وَقَدَّمَ زَادَ الاْجِلَةِ

____________

1. ظَلَفَ الزّهْدُ شَهَوَاتِه، أي: منعها.

2. أوْجَفَ الذّكْرُ بِلسانه: أي أسرع، كأن الذكر لشدة تحريكه اللسان مُوجِفٌ به كما تُوجِفُ الناقةُ براكبها.

3. تَنَكّبَ الشيءَ: مال عَنْه. 4. المخَالج: الامور المختلجة الجاذبة.

5. الوَضَح ـ محركة ـ: الجادّة.

6. أقْصَد المسالك: أقْوَمُها.

7. لم تَفْتِلْه: لم تردّه ولم تَصرِفْه.

8. لم تَعْمَ عليه: من عمي يعمى، أي: لم تَخْفَ عليه الامورُ المشتبهة.

9. النِعْمى ـ بالضم ـ: سعة العيش ونعيمه.

10. العاجِلة: الدنيا، وسميت مَعْبَراً لانها طريق يُعْبَرُ منها إلى الاخرة، وهي الاجلة.

الصفحة 157
سَعِيداً، وَبَادَرَ مِنْ وَجَل(1)، وَأَكْمَشَ(2) فِي مَهَل، وَرَغِبَ فِي طَلَب، وَذَهَبَ عَنْ هَرَب، وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ، وَنَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ(3).

فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالاً، وَكَفى بَالنَّارِ عِقَاباً وَوَبَالاً! وَكَفَى بِاللهِ مُنْتَقِماً وَنَصِيراً! وَكَفَى بِالكِتَابِ حَجيجاً وَخَصِيماً(4)!

[الوصية بالتقوى]

أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ، وَاحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ، وَحَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً، وَنَفَثَ فِي الاذَانِ نَجِيّاً(5)، فَأَضَلَّ وَأَرْدَى، وَوَعَدَ فَمَنَّى(6)، وَزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ، وَهَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائمِ، حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ(7)، وَاستَغْلَقَ رَهِينَتَهُ(8)، أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ(9)، وَاسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ، وَحَذَّرَ مَا أَمَّنَ.

____________

1. بَادَرَ من وَجَل: أي سبق إلى خير الاعمال خوفاً من لقاء الاهوال.

2. أكْمَشَ: أسرع، ومثله انكمش، وكَمّشْتُهُ تكميشاً: أعْجَلْتُهُ، والمراد جِدّ السير في مُهْلة الحياة.

3. القُدُم ـ بضمتين ـ: المضيّ إلى أمام، أي مضى متقدماً.

4. حَجِيجاً وخصيماً: أي مُقْنِعاً لمن خالفه بأنه قد جلب الهلاكَ على نفسه.

5. النّجِيّ: من تحادثه سراً.

6. وَعَدَ فَمَنّى: أي صَوّر الاماني كذباً.

7. اسْتَدْرَج قرينَتَه; القرينة: النفس التي يقارنها الشيطان بالوسوسة. واستدرجها: أنزلها من درجة الرّشد إلى درجته من الضلالة.

8. اسْتَغْلَق رَهينتَه: جعله بحيث لا يمكن تخليصه.

9. أنْكَرَ ما زَيّنَ: تبرأ الشيطان ممن أغواه.

الصفحة 158

منها: في صفة خلق الانسان

أَمْ هذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْحَامِ، وَشُغُفِ الاَْسْتَارِ(1)، نُطْفَةً دِفاقاً، وَعَلَقَةً مِحَاقاً(2)، وَجَنِيناً(3) وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَيَافِعاً(4).

ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِساناً لاَفِظاً، وَبَصَراً لاَحِظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً; حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثالُهُ(5)، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وَخَبَطَ سَادِراً(6)، مَاتِحاً(7) فِي غَرْبِ هَوَاهُ، كَادِحاً(8) سَعْياً لِدُنْيَاهُ، فِي

____________

1. شُغُف الاسْتَار: جمع شَغاف ـ مثل سَحاب وسُحُب ـ وهو في الاصل غِلاف القلب، استعارة لِلْمَشِيمَةِ.

2. عَلَقَةً مِحَاقاً: أي خَفِيَ فيها ومُحِقَ كلّ شكل وصورة.

3. الجَنين: الولد بعد تصويره مادام في بطن أُمه.

4. اليافع: الغلام رَاهَقَ العشرين.

5. استوى مثالُه: أي بلغت قامته حدّ ما قُدّرَ لها من النماء.

6. خَبَطَ سادِراً; خَبَطَ البعيرُ: إذا ضرب بيديه الارض لا يَتَوَقّى شيئاً، والسادر: المتحيّر والذي لا يهتم ولا يبالي ما صنع.

7. مَتَحَ الماءَ: نزعه وهو في أعلى البئر; والماتح: الذي ينزل البئر إذا قلّ ماؤها فيملا الدلو. والغَرْبُ: الدّلْوُ العظيمة.

8. الكَدْح: شدة السعي.

الصفحة 159
لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ(1) أَرَبِهِ; لاَ يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً(2)، وَلاَ يَخْشَعُ تَقِيَّةً(3); فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً(4)، وَعَاشَ فِي هَفْوَتِهِ(5) أسيراً، لَمْ يُفِدْ(6) عِوَضاً، وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً.

دَهِمَتْهُ(7) فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ(8)، وَسَنَنِ(9) مِرَاحِهِ، فَظَلَّ

____________

1. بَدَوَاتُ رَأيِهِ: جمع بَدْأة وهي ما بدا من الرأي، أي ذاهباً فيما يبدوله من رغائبه.

2. لا يَحْتَسِبُ رَزِيّة: أي لا يظنها، ولا يفكر في وقوعها.

3. لا يخشع من التّقِيّة: أي الخوف من الله تعالى.

4. غَريراً ـ برَائَيْنِ مهملتين ـ: أي مغروراً.

5. عاش في هَفْوَته: عاش في أخطائه وخطيئاته الناشئة عن الخطأ في تقدير العواقب.

6. لم يُفِدْ: أي لم يستفد ثواباً ولم يكتسب.

7. دَهِمته: غَشِيَتْهُ.

8. غُبّر جماحه: بقايا تَعَنّته على الحق.

9. السَّنن ـ بفتح السين ـ: الطريقة.

الصفحة 160
سَادِراً(1)، وَبَاتَ سَاهِراً فِي غَمَرَاتِ الاْلاَمِ، وَطَوَارِقِ الاَْوْجَاعِ والاَْسْقَامِ، بَيْنَ أَخ شَقِيق، وَوَالِد شَفِيق، وَدَاعِيَة بِالْوَيْلِ جَزَعاً، وَلاَدِمَة(2) لِلصَّدْرِ قَلَقاً.

وَالْمَرءُ فِي سَكْرَة مُلْهِية، وَغَمْرَة كَارِثَة(3)، وَأَنَّة(4) مُوجِعَة، وَجَذْبَة مُكْرِبَة(5) وَسَوْقَة(6) مُتْعِبَة.

ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً(7)، وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً(8)، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الاَْعَوادِ رَجِيعَ وَصِب(9)، وَنِضْوَ(10) سَقَم، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ(11) الْوِلْدَانِ،

____________

1. ظلّ سادراً: أي حائراً.

2. اللادِمة: الضاربة.

3. الغَمْرة: الشدة تحيط بالعقل والحواس، والكارثة: القاطعة للامال.

4. الانّة ـ بفتح فتشديد ـ: الواحدة من الانّ أي التوجّع.

5. جَذْبَة مُكْرِبة: أي جذبات الانفاس عند الاحتضار. 6. السوقة من ساق المريض: نفسه عند الموت سوقاً وسياقاً; وسيق ـ على المجهول ـ أسرع في نزع الروح.

7. أبْلَس يُبْلِسُ: يئس، فهو مُبْلِس.

8. سَلِساً: أي سهلاً لعدم قدرته على الممانعة.

9. الرّجيع من الدواب: ما رجع به من سفر الى سفر فَكَلّ; والوَصَب: التعب.

10. نِضو ـ بكسر النون ـ: مهزول.

11. الحفدة ـ هنا ـ الاعوان.

الصفحة 161
وَحَشَدَةُ(1) الاِْخْوَانِ، إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ، وَمُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ(2); حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ، وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ(3)، وَعَثْرَةِ(4) الامْتِحَانِ.

وَأَعْظَمُ مَاهُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُلُ الْحَمِيم(5)، وَتَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ(6)، وَفَوْرَاتُ السَّعِيرِ، وَسَوْراتُ(7) السَّعِيرِ، لاَ فَتْرَةٌ(8) مُرِيحَةٌ، وَلاَ دَعَةٌ مُزِيحَةٌ(9)، وَلاَ

____________

1. الحشَدَة: المسارعون في التعاون. 2. مُنْقَطَع الزّوْرَة: حيث لا يُزَارُ.

3. بَهْتَةُ السؤال: حَيْرَتُهُ.

4. العثرة: السّقْطة.

5. الحمِيم ـ في الاصل ـ: الماء الحار.

6. التصلية: الاحراق. والمراد هنا دخول جهنم.

7. السّوْرة: الشدّة.

8. الفَتْرة: السكون; أي لا يَفْتُرُ العذاب حتى يستريح المعذّب من الالم.

9. دَعَة: راحة; مُزيحة: تزيح ما أصابه من التعب.

الصفحة 162
قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ، وَلاَ مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ(1)، وَلاَ سِنَةٌ(2) مُسَلِّيَةٌ، بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ(3)، وَعَذَابِ السَّاعَاتِ! إنّا للهِ وَإنّا إليهِ راجعُونَ! إِنَّا بِاللهِ عَائِذُونَ!

عِبَادَ اللهِ، [أَيْنَ] الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا(4)، وَعُلِّمُوا فَفَهِمُوا، وَأُنْظِرُوا فَلَهَوْا، وَسُلِّمُوا فَنَسُوا؟ أُمْهِلُوا طَوِيلاً، وَمُنِحُوا جَميِلاً، وَحُذِّرُوا ألِيماً، وَوُعِدُوا جَسِيماً! احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ(5)، وَالْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ.

أُولِي الاَْبْصَارِ والاَْسْمَاعِ، وَالْعَافِيَةِ وَالمَتَاعِ، هَلْ مِنْ مَنَاص(6) أَوْ خَلاَص، أَوْ مَعَاذ أَوْ مَلاَذ، أَوْ فِرَار أَوْ مجاز أوْ مَحَار(7)! أَمْ لاَ؟ (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)(8)! أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ! أَمْ بِمَاذَا تَغْتَرُّونَ؟ وَإِنَّمَا حَظُّ أَحَدِكُمْ مِنَ

____________

1. ناجزة: حاضرة.

2. السِّنَة ـ بالكسر والتخفيف ـ: أوائل النوم.

3. أطوار المَوْتات: كلّ نَوْبة من نُوَب العذاب، كأنها موت لشدّتها. وأطوار هذه الموتات: ألوانها، وأنواعها.

4. عُمّرُوا فَنَعِمُوا: عاشوا فتنعموا.

5. المُوَرّطة: المُهلكة.

6. مَنَاص: ملجأ ومفرّ.

7. مَحَار: أي مرجع الى الدنيا بعد فراقها.

8. تُؤفَكُون: تُقْلَبُون، أي تنقلبون.

الصفحة 163
الاَْرْضِ، ذَاتِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، قِيدُ قَدِّهِ(1)، مُتَعَفِّراً(2) عَلى خَدِّهِ!

الاْنَ عِبَادَ اللهِ وَالْخِنَاقُ(3) مُهْمَلٌ، وَالرُّوحُ مُرْسَلٌ، فِي فَيْنَةِ(4) الاِرْشَادِ، وَرَاحَةِ الاَْجْسَادِ، [وَبَاحَةِ الاحْتِشَادِ](5)، وَمَهَلِ الْبَقِيَّةِ، وَأُنُفِ الْمَشِيَّةِ(6)، وَإِنْظَارِ التَّوْبَةِ، وَانْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ(7) قَبْلَ الضَّنْكِ(8) وَالْمَضِيقِ، وَالرَّوْعِ(9) وَالزُّهُوقِ(10)، وَقَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ المُنتَظَرِ(11)، وَإِخْذَةِ الْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ.

وفي الخبر: أنّه(عليه السلام) لمّا خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود، وبكت العيون، ورجفت القلوب.

ومن الناس من يسمي هذه الخطبة: «الغراء».

____________

1. القِيد ـ بكسر القاف ـ: المقدار. والقد ـ بكسر القاف وفتحها ـ: القامة، والمراد مضجعه من القبر لانّه بمقدار قامة الانسان.

2. متعفّراً: قد لازم العَفَر أي التراب.

3. الخناق: الحبل الذي يُخْنَقُ به، وإهماله: عدم شدّهِ على العنق مدى الحياة.

4. الفَيْنة ـ بالفتح ـ: الحال والساعة والوقت.

5. باحَةُ الدار: ساحتها.

6. أُنُف ـ بضمتين ـ: مستأنف. والمَشِيّة ـ بتسهيل الهمزة وتشديد الياء ـ: أي المشيئة والارادة.

7. الحَوْبة: الحاجة والارَب; وانفساحها: سَعَتُها.

8. الضّنْك: الشدة.

9. الرّوْع: الخوف.

10. الزّهُوق: الاضمحلال.

11. الغائب المنتظر: الموت.

الصفحة 164