[ 85 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وفيها بيان صفات الحق جلّ جلاله ثمّ عظة الناس بالتقوى والمشورة]

قَدْ عَلِمَ السَّرائِرَ، وَخَبَرَ الضَّمائِرَ، لَهُ الاِْحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْء، وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْء، وَالْقُوَّةُ عَلى كُلِّ شَيْء.

____________

1. الاي: جمع آية، وهي الدليل. والسواطع: الظاهرة الدلالة.

2. البوالغ: جمع البالغة غاية البيان لكشف عواقب التفريط. والنّذُر: جمع نذير. بمعنى الانذار.

3. المفظعات: من «أفظع الامر» إذا اشتد.

4. الوِرْد ـ بالكسر ـ: الاصل فيه الماء يُورَدُ للريّ، والمراد به الموت أوالمحْشر.

5. بَئِس ـ كسمع ـ: اشتدت حاجته.

الصفحة 167

[عظة النّاس]

فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ، قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ(1)، وَفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغُلِهِ، وَفِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ(2)، وَلْـيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَقَدَمِهِ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ.

فَاللهَ اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ، فِيَما اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، وَاسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَة وَلاَ عَمىً، قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ(3)، وَعَلِمَ أعْمَالَكُمْ، وَكَتَبَ آجَالَكُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ (الْكِتَابَ تِبْيَاناً)، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ(4) أَزْمَاناً، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ ـ فِيَما أنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ ـ [دِينَهُ] الَّذِي رَضِيَ لِنفْسِهِ، وَأَنْهَى إِلَيْكُمْ ـ عَلَى لِسَانِهِ ـ مَحَابَّهُ(5) مِنَ الاَْعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ، وَنَوَاهِيَهُ وَأَوَامِرَهُ، فَأَلقَى إِلَيْكُمُ

____________

1. إرْهاق الاجل: أن يُعْجِلَ المُفَرّط عن تَدَارُكَ ما فاته من العمل، أي: يحول بينه وبينه.

2. الكَظَم ـ بالتحريك ـ: الحلق، أو مخرج النّفس; والاخذ بالكَظَم كناية عن التضييق عند مداركة الاجل.

3. سَمّى آثاركم: بين لكم أعمالكم وحَدّدها.

4. عَمّرَ نبيّه: مدّ في أجله.

5. مَحَابّه: مواضع حبّه، وهي الاعمال الصالحة.

الصفحة 168
الْمِعْذِرَةَ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَديد.

فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ، وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ(1)، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الاَْيَّامِ الَّتِى تَكُونُ مِنْكُم فِيهَاالْغَفْلَةُ وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ; وَلاَ تُرَخِّصُوا لاَِنْفُسِكُمْ، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الْظَّلَمَةِ(2)، وَلاَ تُدَاهِنُوا(3) فَيَهْجُمَ بِكُمُ الاِْدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ; وَالْمَغْبُونُ(4) مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ، وَالْمَغْبُوطُ(5) مَنْ سَلِمِ لَهُ دِينُهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَإِ(6) شِرْكٌ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ

____________

1. اصبروا أنفسكم: اجعلوا لانفسكم صبراً فيها.

2. الظّلَمة: جمع ظالم.

3. المُداهَنَة: إظهار خلاف ما في الطّوِيّة، والادهان مثله.

4. المَغْبون: المخدوع.

5. المَغْبُوط: المستحق لتطلّع النفوس إليه، والرغبة في نيل مثل نعمته.

6. الرياء: أن تعمل ليراك الناس، وقلبك غير راغب فيه.

الصفحة 169
لِلاِْيمَانِ(1)، وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ(2).

جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلاِْيمَانِ، الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاة وَكَرَامَة، وَالْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاة وَمَهَانَة.

لاَ تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الاِْيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَلاَ تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ(3)، وَاعْلَمُوا أَنَّ الاَْمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ، فَأَكْذِبُوا الاَْمَلَ فَإِنَّهُ غُرُورٌ، وَصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ.