[ 88 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[في الرسول الاعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وبلاغ الامام عنه]

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَة(1) مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَة مِنَ الاُْمَمِ، وَاعْتِزَام(2) مِنَ الْفِتَنِ، وَانْتَشَار مِنَ الاُْمُورِ، وَتَلَظٍّ(3) مِنَ الْحُرُوبِ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اصْفِرَار مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاس مِنْ ثَمَرِهَا، وَاغْوِرَار(4) مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ أعْلامُ الْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ الرِّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ(5) لاَِهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ(6)، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ(7)، وَشِعَارُهَا(8) الْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا(9) السَّيْفُ.

____________

1. الفَتْرة: ما بين زماني الرسالة.

2. اعتزام، من قولهم: «اعتزم الفرس» إذا مرّ جامحاً. 3. تَلَظٍّ: أي تَلَهّب.

4. اغْوِرار الماء: ذهابه. 5. متجهّمة، من «تجهمه»: أي استقبله بوجه كريه. 6. ثَمَرُها الفتنة: أي ليست لها نتيجة سوى الفتن.

7. الجيفة: إشارة إلى أكل العرب للميتة من شدة الاضطرار.

8. الشّعار من الثياب: ما يلي البدن.

9. الدّثار: فوق الشّعار.

الصفحة 176
فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللهِ، وَاذْكُرُوا تِيكَ الَّتي آبَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ(1)، وَعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ. وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلاَ بِهِمُ الْعُهُودُ، وَلاَ خَلَتْ فِيَما بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الاَحْقَابُ(2) وَالْقُرُونُ، وَمَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلاَبِهِمْ بِبَعِيد.

وَاللهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ(صلى الله عليه وآله) شَيْئاً إِلاَّ وَهَا أَنَا ذَا الْيَوْمَ مُسْمِعُكُمُوهُ، وَمَا أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالاَْمْسِ، وَلاَ شُقَّتْ لَهُمُ الاَْبصَارُ، وَجُعِلَتْ لَهُمُ الاَْفْئِدَةُ في ذلِكَ الاَْوَانِ، إِلاَّ وَقَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هذَا الزَّمَانِ. وَوَاللهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ، وَلاَ أُصْفِيتُمْ بِهِ(3) وَحُرِمُوهُ، وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطَامُهَا(4)، رِخْواً بِطَانُهَا(5)، فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ، فَإِنَّمَا هَوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ، إِلَى أَجَل مَعْدُود.

____________

1. مُرْتَهَنُون: أي محبوسون على عواقبها في الدنيا من الذل والضعف.

2. الاحْقَاب: جمع حُقب ـ بالضم وبضمتين ـ قيل: ثمانون سنة، وقيل أكثر، وقيل: هو الدهر.

3. أُصْفِيتم: أي خُصصتم، مبني للمجهول.

4. الخِطام ـ ككتاب ـ: ما جُعل في أنف البعير لينقاد به، وجولان الخطام: حركته وعدم استقراره، لانّه غير مشدود.

5. بِطان البعير:حِزامٌ يُجْعَلُ تحت بطنه، ومتى استرخى كان الراكب على خطر السقوط.

الصفحة 177