[ 36 ]
ومن كتاب له (عليه السلام)

في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الاعداء، وهو جواب كتاب كتبه إليه أخوه عقيل بن أبي طالب

فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذلِكَ شَمَّرَ هَارباً، وَنَكَصَ نَادِماً، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ طَفَّلَتِ(1) الشَّمْسُ لِلاِْيَابِ(2)، فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلاَ وَلاَ(3)، فَمَا كَانَ إِلاَّ كَمَوْقِفِ سَاعَة حَتَّى نَجَا جَرِيضاً(4) بَعْدَمَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْـمُخَنَّقِ(5)، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ الرَّمَقِ(6)، فَلاَْياً بِلاَْي مَا نَجَا(7).

____________

1. طفّلت تطفيلاً: أي دنت وقربت.

2. الاياب: الرجوع إلى مغربها.

3. ولا: كناية عن السرعة التامة، فان حرفين ثانيهما حرف لين سريع الانقضاء عند السمع، والمعروف عندأهل الغة: كلاّ وذا

قال ابن هانىء المغربي:

وأسرع في العين من لحظة * وأقصر في السمع منلا و

4. نجا جَرِيضاً: أي قد غصّ بريقه من شدة الجهد والكرب، يقال جَرَضَ بريقه يجرِض بالكسر، مثال كسر يكسر.

5. المُخَنَّق ـ بضم ففتح فنون مشددة ـ: موضع الخنق من الحيوان.

6. الرّمَق ـ بالتحريك ـ: بقية الروح.

7. لاياً: مصدر محذوف العامل، ومعناه الشدة والعسر، و"ما" بعده مصدرية; و "نجا" في معنى المصدر، أي عسرت نجاته عسراً بعسر.

الصفحة 662
فَدَعْ عَنْكَ قُرَيشاً وَتَرْكَاضَهُمْ(1) فِي الضَّلاَلِ، وَتَجْوَالَهُمْ(2) فِي الشِّقَاقِ(3)، وَجِمَاحَهُمْ(4) فِي التِّيهِ(5)، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي كَإِجمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسوُلِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) قَبْلِي، فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوَازِي(6)! فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي(7).

وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأيِي فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّ رَأْيِي قِتَالُ الْـمُحِلِّينَ(8) حَتَّى أَلْقَى اللهَ، لاَ يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً، وَلاَ تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً،

____________

1. التركاض: مبالغة في الركض، واستعاره لسرعة خواطرهم في الضلال.

2. التجْوال: مبالغة في الجول والجولان.

3. الشِقاق: الخلاف.

4. جِماحهم: استعصاؤهم على سابق الحق.

5. التيه: الضلال والغواية.

6. الجَوازي: جمع جَازِية وهي النفس التي تجزي، كناية عن المكافأة، وقوله: جزأتهم الجوازي، دعاء عليهم بالجزاء على أعمالهم.

7. قوله: ابن أمي، يريد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن فاطمة بنت أسد أم أميرالمؤمنين ربت رسول الله في حجرها، فقال النبي في شأنها: "فاطمة أمي بعد أمي".

8. المُحِلّون: الذين يحلون القتال ويجوزونه.

الصفحة 663
وَلاَ تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ ـ وَلَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ ـ مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً، وَلاَ مُقِرّاً لِلضَّيْمِ(1) وَاهِناً(2)، وَلاَ سَلِسَ(3) الزِّمَامِ(4) لِلْقَائِدِ، وَلاَ وَطِىءَ(5) الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ المُقْتَعِدَ، وَلكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي سُلِيم:

فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي * صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُ(6)
يَعِزُّ عَلَيَّ(7) أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ(8) * فَيَشْمَتَ عَاد(1) أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ

____________

1. مُقِرّاً للضيم: راضياً بالظلم.

2. واهناً: ضعيفاً.

3. السَلِس ـ بفتح فكسر ـ: السهل.

4. الزمام: العنان الذي تقاد به الدابة.

5. الوطِىء: اللين.

6. صليب: شديد.

7. يعز عليّ: يشق عليّ.

8. الكآبة: ما يظهر على الوجه من أثر الحزن.

الصفحة 664