لمشاهدة الأخبار السابقة، إنتخب العدد من هذه القائمة :


أخبار المركز (10)

إصدارات



v صدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن «سلسلة ردّ الشبهات » رقم 9 كتاب « السلف الصالح » تأليف اللجنة العلمية في المركز في مدينة النجف الأشرف.
وجاء في مقدّمة الكتاب التي كتبها مدير المركز سماحة الشيخ محمّد الحسّون: « الحمدُ لله على ما منح من الهداية، ووهب من الدلالة، وصلواته على مَن ابتعثه رحمةً للعالمين، ومصباحاً للظلام، وغيثاً للعباد، وعلى أخيه أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وآلهما الغُرّ الكرام، عليهم أفضل الصلاة ما هطل غمام ووكف (1) رُكامُ (2).
بعد رحلة نبيّ الرحمة محمّد (صلى الله عليه وآله)، انقسم المسلمون في مسألة الخليفة والإمام من بعده (صلى الله عليه وآله) إلى قسمين:
الأول: يرى أنّ هذا المنصب - الإمامة - كمنصب النبوّة، أي هو أمر تعييني وجعلي من الله سبحانه وتعالى، فكما أنّ الباري عزّ وجلّ اختار من بين خلقه أشخاصاً وجعلهم أنبياء، كذلك اختار مجموعة منهم وجعلهم أئمّة وخلفاء في أرضه، وهم اثنا عشر إماماً، أولهم أمير المؤمنين علي(عليه‌السلام) وآخرهم الحجّة المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
وهذا القسم من المسلمين هم أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام أو الشيعة الإماميّة.
الثاني: يرى أنّ منصب الإمامة والخلافة يختلف عن منصب النبوّة، وهو منصب انتخابي أو اختياري، أي أنّ الله سبحانه وتعالى أوكل هذا الأمر إلى الأمّة وأمرهم بانتخاب خليفة لهم بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
وهذا القسم من المسلمين هم أتباع مدرسة الخلفاء، أو السُنّة.
ولكلّ من هذين القسمين من المسلمين أدلّتهم على معتقدهم هذا من الكتاب والسنّة، وحاول - ولا زال - كلّ منهم إثبات معتقدهم والردّ على الطرف الآخر من خلال مقالات، أو كتب - ألّفت مستقلّة أو ضمن مواضيع أخرى - أو مناظرات جرت بينهم، حتّى قيل: إنّه ما ألّف المسلمون كتباً حول موضوع كما ألّفوا حول موضوع الإمامة ؛ لأنّ الاختلاف فيه هو الأصل والأساس في الاختلاف بين المسلمين، وكلّ الخلافات الأُخرى هي خلافات فرعية عنه.
ونتيجةً لذلك فقد انقسم المسلمون من ذلك اليوم وإلى يومنا هذا إلى شيعة وسنّة، ابتداءً بالصحابة ثمّ التابعين، ثمّ تابعي التابعين، وهكذا إلى هذا اليوم.
ثمّ حصلت تشعّبات في أتباع مذهب أهل البيت(عليهم‌السلام) وانقسموا إلى عدّة أقسام، اضمحل أكثرها وبقي منها اليوم ثلاثة: الإمامية، والزيدية، والإسماعيلية.
وكذلك تشعّب أتباع مدرسة الخلفاء إلى فرق ومذاهب كثيرة، شاءت السياسة آنذاك حصرها في أربعة مذاهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبليّة.
والنقطة المهمّة التي نريد الحديث عنها – وهي موضوع الكتاب الذي بين أيدينا – من هم الصحابة الذين تبعوا مدرسة أهل البيت(عليهم‌السلام)؟ ومن هم الصحابة الذين تبعوا مدرسة الخلفاء؟
أو نقول بشكل صريح: من هم الذين أيّدوا عليّاً(عليه‌السلام) من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين؟ ومن هم الذين أيّدوا أبا بكر وساروا على نهجه ونهج من جاء بعده، ودافعوا عن ذلك الكيان، وأسّسوا أركانه وشيّدوا بنيانه؟
أو فلنقل: من هو السلف الصالح؟ من هو سلفكم؟ ومن هو سلفنا؟
والمقارنة يمكن أن نجعلها في مرتبتين:
الأُولى: بين أمير المؤمنين علي(عليه‌السلام)، وبين كافة الصحابة.
الثانية: بين الإمام جعفر الصادق(عليه‌السلام)، وبين أئمة المذاهب الإسلامية الأُخرى.
فالحديث عن علي(عليه‌السلام) وفضائله ومناقبه، وتقدّمه على كافة الصحابة في كلّ المجالات، حديث مهم وشيّق، ولا يمكن لأحد أن ينكره مهما أوتي من قوّة البيان والبنان.
فعلي(عليه‌السلام) أوّل من أسلم، وأوّل من صلّى مع النبيّ(صلى الله عليه وآله)، ربّاه النبيّ(صلى الله عليه وآله) وتعهّده وعلّمه، وقد نزلت فيه(عليه‌السلام) آيات كثيرة، إذ قال ابن عباس: نزلت في عليّ(عليه‌السلام) ثلاثمائة آية  (3) منها على سبيل المثال لا الحصر:
﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ ﴾  (4).
﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾  (5).
﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾  (6).
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ (7).
﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ (8).
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ (9).
﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ (10).
﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾ (11).
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (12).
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (13).
﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾ (14).
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ (15).
﴿ قُل لاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ (16).
﴿ وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ (17).
﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ (18).
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾ (19).
﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ (20).
أمّا أحاديث النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) في حقّ عليّ(عليه‌السلام)، فهي معروفة وكثيرة، ولا يمكن لأي شخص إنكارها أو تأويلها، والتي منها على سبيل المثال:
حديث الدار: ((إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له واطيعوا))  (21).
وحديث الولاية: ((عليّ منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي))  (22).
وحديث الغدير: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهمّ وال من والاه وعادِ من عاداه))  (23).
وحديث المنزلة: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي)) (24).
وحديث الراية: ((لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحبُ الله ورسوله، ويحبُه الله ورسوله))  (25).
وحديث الطائر المشوي: ((اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطائر))  (26).
وحديث النجوى: ((ما انتجيته ولكنّ الله انتجاه))  (27).
وحديث الثقلين: ((إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما))  (28).
وحديث الموآخاة: ((أنت أخي في الدنيا والآخرة))  (29).
وغيرها من عشرات الأحاديث التي أفردّ لها بعض علمائنا مؤلّفات مستقلّة.
أمّا المقارنة بين الإمام جعفر الصادق(عليه‌السلام) وبين أئمة المذاهب الإسلامية الأربعة، وتفضيله(عليه‌السلام) عليهم، فهو أمر واضح وجليّ لكلّ منصف، فلا يستطيع أحد تقديم أيّ واحد منهم على الإمام الصادق(عليه‌السلام).
وتفضيله(عليه‌السلام) عليهم - أئمة المذاهب الإسلامية الأربعة - هو في الواقع تفضيل للإمام عليّ(عليه‌السلام) على كافة الصحابة، بل تفضيل لمذهب أهل البيت(عليهم‌السلام) على بقيّة المذاهب الإسلامية الأخرى.
ونحن ننقل هنا عبارات بعض كبار العلماء والمحدّثين من أتباع مدرسة الخلفاء في حقّ الإمام جعفر الصادق(عليه‌السلام)، ثمّ ننقل عبارة ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة المتضمّنة لتفضيل الإمام الصادق(عليه‌السلام) على أئمة المذاهب الإسلاميّة، وتفضيل الإمام عليّ(عليه‌السلام) على الصحابة، وأنّ منشأ كافة العلوم الإسلامية إليه(عليه‌السلام).
قال مالك بن أنس: ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علماً وعبادة وورعاً (30).
وقال المنصور الدوانيقي مؤبّناً الإمام الصادق(عليه‌السلام): إنّ جعفر ابن محمّد كان ممّن قال الله فيه: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ (31) ، وكان ممّن اصطفى الله وكان من السابقين بالخيرات (32).
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (327 هـ): سمعت أبي يقول:جعفر بن محمّد ثقة لا يُسأل عن مثله.
وقال: سمعت أبا زرعة وسئل عن جعفر بن محمّد عن أبيه وسهيل بن أبي صالح عن أبيه والعلاء عن أبيه أيّما أصح؟ قال: لا يقرن جعفر بن محمّد إلى هؤلاء (33).
وقال أبو حاتم محمّد بن حيّان (354 هـ) عنه: كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً (34).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي (325 – 412 هـ) عنه: فاق جميع أقرانه من أهل البيت(عليهم‌السلام)، وهو ذو علم غزير وزهد بالغ في الدنيا، وورع تامّ عن الشهوات، وأدب كامل في الحكمة (35).
وقال أبو نعيم (430 هـ): ومنهم الإمام الناطق ذو الزمام السابق أبو عبد الله جعفر ابن محمّد الصادق، أقبل على العبادة والخضوع، وآثر العزلة والخشوع، ونهى عن الرئاسة والجموع (36).
وأضاف الشهرستاني (479 – 548 هـ) على ما قاله السلمي عنه: وقد أقام بالمدينة مدّة يفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم، ثمّ دخل العراق وأقام بها مدّة، ما تعرّض للإمامة قط، ولا نازع في الخلافة أحداً، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ (37).
وذكر الخوارزمي (568 هـ) في مناقب أبي حنيفة أنّه قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد. وقال: لولا السنتان لهلك النعمان. مشيراً إلى السنتين اللتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام جعفر الصادق (38).
وقال ابن الجوزي (510 - 597هـ): جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين كان مشغولاً بالعبادة عن طلب الرئاسة (39).
وقال محمّد بن طلحة الشافعي ( 652هـ) عنه: هو من عظماء أهل البيت(عليهم‌السلام) وساداتهم، ذو علوم جمّة وعبادة موفورة وأوراد متواصلة وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتبّع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجايبه، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكّر الآخرة، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذريّة الرسالة، نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها وفضيلة اكتسبوها.
وأمّا مناقبه وصفاته فتكاد تفوت عدّ الحاصر، ويحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر، حتّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى، صارت الأحكام التي لا تدرك عللها، والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها، تضاف إليه وتروى عنه.
وقد قيل: إنّ كتاب الجفر الذي بالمغرب ويتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامه(عليه‌السلام)، وإن في هذه لمنقبة سنيّة، ودرجة في مقام الفضائل عليّة، وهي نبذة يسيرة ممّا نقل عنه (40).
وقال ابن خلّكان (608 – 681 هـ): أبو عبد الله جعفر الصادق... أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وكان من سادات أهل البيت، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يُذكر، وله كلام في صنعة الكيميا، والزجر والفال... ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمّد الباقر وجدّه عليّ زين العابدين وعمّ جده الحسن بن عليّ رضي الله عنهم أجمعين، فللّه درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه (41).
وقال محمّد بن خواجه پارساي البخاري في فصل الخطاب (756 – 822 هـ): اتفقوا على جلالة الصادق(عليه‌السلام) وسيادته (42).
وقال ابن الصبّاغ المالكي (784 – 855 هـ): نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان، ولم ينقل من العلماء عن أحدٍ من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث.
وروى عنه جماعة من أعيان الاُمة... وصّى إليه أبو جعفر(عليه‌السلام) بالإمامة وغيرها وصيّة ظاهرة، ونصّ عليها نصّاً جليّاً (43).
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج 1: 16 - 20:
فأما فضائل علي(عليه‌السلام) ؛ فإنها قد بلغت من العظم والجلالة والانتشار والاشتهار مبلغاً يسمُجُ معه التعرّض لذكرها، والتصدّي لتفصيلها ؛ فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكّل والمعتمد: رأيتُني فيما أتعاطى من وصف فضلك، كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر ؛ فأيقنت أنّي حيث انتهى بي القول مُنسوب إلى العجز، مقصّر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
وما أقولُ في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحدُ مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنّه استولى بنو أميّة على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكلّ حيلة في إطفاء نوره، والتحريض عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعّدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمّن له فضيلة، أو يرفع له ذكراً، حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعةً وسمُوّا ؛ وكان كالمسك كلّما سُتر انتشر عرفه، وكلّما كتم تضوّع نشره ؛ وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة، أدركته عيون كثيرة.
وما أقول في رجل تعزى إليه كلّ فضيلة، وتنتهى إليه كلّ فرقة، وتتجاذبه كلّ طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلّى حلبتها، كلّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى.
وقد عرفت أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهيّ ؛ لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. ومن كلامه(عليه‌السلام) اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ.
فإنّ المعتزلة - الذين هم أهل التوحيد والعدل، وأرباب النظر، ومنهم تعلّم الناس هذا الفن - تلامذته وأصحابه ؛ لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه(عليه‌السلام).
وأمّا الأشعريّة فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن [إسماعيل ابن] أبي بشر الأشعريّ، وهو تلميذ أبي عليّ الجبّائيّ، وابو عليّ أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعرية ينتهون بأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلّمهم، وهو عليّ بن أبي طالب(عليه‌السلام).
وأما الإمامية والزيديّة فانتماؤهم إليه ظاهر.
ومن العلوم علم الفقه، وهو(عليه‌السلام) أصله وأساسه، وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه، ومستفيد من فقهه.
أمّا أصحابُ أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمّد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة.
وأمّا الشافعيّ فقرأ على محمّد بن الحسن، فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة.
وأمّا أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعيّ، فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمّد(عليه‌السلام)، وقرأ جعفر على أبيه(عليه‌السلام)، وينتهي الأمر إلى عليّ(عليه‌السلام).
وأمّا مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عكرمة، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس، وقرأ عبد الله بن عباس على عليّ بن أبي طالب.
وإن شئت فرددت إليه فقه الشافعيّ بقراءته على مالك كان لك ذلك، فهؤلاء الفقهاء الأربعة.
وأمّا فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر.
وأيضاً فإنّ فقهاء الصحابة كانوا: عمر بن الخطّاب وعبد الله ابن عباس ؛ وكلاهما أخذ عن عليّ(عليه‌السلام).
أمّا ابن عباس فظاهر.
وأمّا عمر فقد عرف كلّ أحدٍ رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة، وقوله غير مرّة: » لولا عليّ لهلك عمر« ؛ فقد عُرف بهذا الوجه أيضاً إنهاء الفقه إليه.
وقد روت العامّة والخاصّة قوله(صلى الله عليه وآله): »أقضاكم عليّ«، والقضاء هو الفقه، فهو إذاً أفقهُهم.
وروى الكلّ أيضاً أنّه(عليه‌السلام) قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضياً: » اللهمّ اهد قلبه وثبّت لسانه«، قال: فما شككتُ بعدها في قضاء بين اثنين.
وهو(عليه‌السلام) الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر، وهو الذي أفتى في الحامل الزانية، وهو الذي قال في المنبريّة: صار ثمنها تسعا. وهذه المسألة لو فكّر الفرضي فيه فكراً طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب، فما ظنّك بمن قاله بديهة، واقتضبه ارتجالا!
ومن العلوم علم تفسير القرآن، وعنه أخذ، ومنه فرّع وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك ؛ لأنّ أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له، وانقطاعه إليه، وأنّه تلميذُه وخرّيجه. وقيل له: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوّف ؛ وقد عرفت أن أرباب هذا الفنّ في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون، وعنده يقفون ؛ وقد صرّح بذلك الشبليّ، والجنيد، وسريّ، وأبو يزيد البسطاميّ، وأبو محفوظ معروف الكرخي ؛ وغيرهم. ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم يُسندونها بإسناد متّصل إليه(عليه‌السلام).
ومن العلوم علم النّحو والعربية، وقد علم الناس كافة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبي الأسود الدؤليّ جوامعه وأصوله، من جملتها: الكلام كلّه ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف، ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة، وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم، وهذا يكاد يُلحق بالمعجزات؛ لأنّ القوة البشريّة لا تفي بهذا الحصر، ولا تنهض بهذا الاستنباط.
وإن رجعت إلى الخصائص الخلقيّة والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها.
انتهى كلام ابن أبي الحديد.
نعم، هؤلاء هم أئمتنا وقادتنا وسلفنا الصالح، منهم نأخذ أحكامنا الدينية، وبهم نقتدي، وهم الحجّة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى. لا كما يفعل الآخرون إذ يدّعون محبّة أهل البيت(عليهم‌السلام)، لكنّهم يقتدون بغيرهم ويأخذون أحكامهم وعقائدهم من مخالفيهم، فإنّ المحبّ لمن أحبّ مطيع.
والكتاب الذي بين أيدينا، محاولة جادّة لبيان السلف الصالح الذي يجب على المسلمين الاقتداء بهم، وهو خطوة تضاف إلى خطوات العلماء الآخرين في سبيل الوحدة الإسلامية الواقعية بين المسلمين.
وختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير للإخوة الأعزاء أعضاء »مركز الأبحاث العقائدية« في مدينتي النجف الأشرف وقم المقدّسة، الذين قاموا بإخراج هذا الكتاب ونخصّ بالذكر الأخ الكريم سماحة الشيخ خالد البغدادي الذي أخذ على عاتقه تأليف هذا الكتاب ، فللّه درّهم وعليه أجرهم، والحمد لله ربّ العالمين».
v   v   v
وجاء في مقدّمة المركز: الحمد لله ربّ العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
تداول الناس في العراق بعد سقوط النظام الصدامي أقراصاً ليزرية تحوي محاضرات وخطب لجملة من دعاة الحركة السلفية في العراق, يذكرون فيها جملة من الشبهات والمغالطات في حقّ التشيّع لأهل بيت النبوّة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين), فدعت الحاجة إلى الرد على هؤلاء (الدعاة) من أجل إراءة الحقيقة لمن يرغب في معرفتها والاطلاع عليها, فلخصّنا من هذه الأقراص ما تناولته عن التشيّع وجذوره خاصّة، وقد جمعنا هذه الإيرادات فوجدناها تتناول محاور رئيسية أربعة لا غير كانت تدور عليها رحى أقوال المحاضرين وتعليقاتهم, والمحاور الأربعة هي:
المحور الأوّل: ((أنّ التشيّع يعني حبّ أهل البيت عليهم السلام لا أكثر))!
ومرادهم من ذلك أنّ قول أهل البيت (عليهم السلام) وفعلهم وتقريرهم ليس بحجّة دون قول أو فعل أو تقرير غيرهم, وقد أفردنا لهذا المحور بحثاً مستقلاً فيما يخص معنى التشيّع لغةً واصطلاحاً وبيان أدلّته كتاباً وسنّةً.
المحور الثاني: ((لم يكنفي القرون الثلاثة الاُولى منذ صدر الإسلام شيعة بالمعنى الّذي يفهمه الناس اليوم, وإنّما هذا المفهوم - أي: التشيّع والشيعة - قد تبلور بعد هذه الفترة وبفعل عوامل خارجية)).
وقد أجبنا عن هذه الدعوى جواباً عملياً، وذلك بذكر ترجمة موضوعية لحياة نخبة من الصحابة والتابعين الّذين عُرفوا بتشيّعهم وولائهم لأمير المؤمنين(عليه‌السلام), وممّن لا تختلف عقائدهم بشيء عن عقائد شيعة أهل البيت في الأزمنة المتأخرة وزماننا اليوم.
ولم يفتنا في هذا المحور أن نذكر- على سبيل أنَّ لكلّ سلف عيّنة - من سلف هؤلاء (الدعاة) من الّذين يفتخرون بالولاء لهم ومتابعتهم, وما هم عليه من واقع منقول متضافر في الصفات والأحوال, وبحسب مصادر هؤلاء الدعاة أنفسهم وليس من غيرها, والغرض من ذلك أن يميّز المسلمون بين الغث والسمين في الموضوع, ومن ثمَّ ليدرك المسلم أيّ سلف صالح يجب عليه اتّباعه حقّاً!!
المحور الثالث: (( أنَّ عبد الله بن سبأ - وهو رجل يهودي - أوّل من قال بالوصية لعليّ(عليه‌السلام) )).
وقد أجبنا عن هذه الدعوى ببحث مفصّل تتبعنا فيه كلّ من ذكر ابن سبأ وقوله هذا, ولم نبق في هذا الموضوع أيّة رواية أو مقالة يمكن الاستدلال بها في هذا المجال إلا وناقشناها سنداً ودلالة.
ولم يفتنا في هذا المحور أيضاً أن نتناول بالبحث والتحقيق دور اليهود وتأثيرهم على الفكر السنّي عموماً والفكر السلفي خصوصاً، رجالات وعقائد, والغرض منه أن يتبيّن للناس أيّ الفريقين أولى بإلصاق هذه التهمة به, أي: تهمة الأثر اليهودي في فكره وعقائده؟!
المحور الرابع: ((اعتبار هؤلاء المحاضرون - بحسب ما تبيّن من كلماتهم - أنَّ الفرس هم الّذين قادوا التشيّع في القرن الرابع, وهم الّذين صاغوه بشكله الحالي, وهم الّذين تآمروا على الإسلام, وتكلّموا باسم أهل البيت, وهم الشعوبيون الّذين يبغضون العرب...)).
وقد أجبنا عن هذه الدعوى الأخيرة ببحث موجز بيّنا فيه الاُصول الفارسية لأئمّة المذاهب والحديث والتفسير والكلام عند أهل السنّة, وكان الهدف من هذا البيان إنّما هو لغرض الإشارة إلى أنّه لا ينبغي للمرء أن يكيل بمكيالين في هذا الموضوع, وإنّما ينبغي له التجرّد عن حالة التعصّب القومي ضدّ الآخر, فإنّ هذه المقاييس الّتي يتكلّم بها القوم تتنافى وروح القرآن الكريم والسنّة الشريفة الّتي لم تميّز بين الناس على أساس اللغة أو العِرق أو اللون, وإنّما جَعلت المقياس الحقيقي للكرامة عند الله سبحانه والرسول(صلى الله عليه وآله) والمؤمنين هو التقوى لا غير!! ولكننا نعلم منشأ هذا التوجّه وأبعاده، ونعلم أنّه من بقايا النَفَس (القومي) و(الشوفيني) الّذي تربّى عليه القوم، وهو يأبى عليهم أن يتّخذوا من المنهج القرآني أو النبوي منهجاً حقيقياً وفاعلاً لهم في كيفية التعامل مع عباد الله!
وسنكتفي بهذه الإشارات لما ورد في هذه الأقراص بخصوص المواضيع المتكلّم فيها, وهي - أي: هذه الأقراص - متداولة وليست مطبوعة في كتاب ما حتّى يمكن للكاتب الإحالة على الصفحة أو الجزء الّذي يرد الموضوع فيه, ولذا اكتفينا بذكر اُمّهات المطالب في كلّ موضوع في هذه المقدّمة فقط، وستكون المتون القادمة من الكتاب مخصصة للإجابة على المحاور الأربعة المذكورة لا غير.
ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق, إنّه نعم المولى ونعم النصير.

نهج المستنير وعصمة المستجير


v صدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن « سلسلة الرحلة إلى الثقلين » رقم 31 ـ وهي السلسلة التي تُعنى بنشر كتب المستبصرين ـ كتاب «نهج المستنير وعصمة المستجير» للمستبصر الفلسطيني الدكتور صلاح الدين الحسيني.
وجاء في مقدمة الكتاب التي كتبها سماحة الشيخ محمّد الحسون:
من الثوابت المسلّمة في عملية البناء الحضاري القويم، استناد الأُمّة إلى قيمها السليمة ومبادئها الأصيلة، الأمر الذي يمنحها الإرادة الصلبة والعزم الأكيد في التصدّي لمختلف التحدّيات والتهديدات التي تروم نخر كيانها وزلزلة وجودها عبر سلسلة من الأفكار المنحرفة والآثار الضالة باستخدام أرقى وسائل التقنية الحديثة .
وإن أنصفنا المقام حقّه بعد مزيد من الدقّة والتأمّل، نلحظ أنّ المرجعية الدينية المباركة كانت ولا زالت هي المنبع الأصيل والملاذ المطمئن لقاصدي الحقيقة ومراتبها الرفيعة، كيف؟! وهي التي تعكس تعاليم الدين الحنيف وقيمه المقدّسة المستقاة من مدرسة آل العصمة والطهارة (عليهم‌السلام) بأبهى صورها وأجلى مصاديقها .
هذا، وكانت مرجعية سماحة آية اللّه العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ هي السبّاقة دوماً في مضمار الذبّ عن حمى العقيدة ومفاهيمها الرصينة، فخطت بذلك خطوات مؤثّرة والتزمت برامج ومشاريع قطفت وستقطف أينع الثمار بحول اللّه تعالى.
ومركز الأبحاث العقائدية هو واحد من المشاريع المباركة الذي أُسس لأجل نصرة مذهب أهل البيت(عليهم‌السلام) وتعاليمه الرفيعة.
ولهذا المركز قسم خاص يهتم بمعتنقي مذهب أهل البيت(عليهم‌السلام) على مختلف الجهات، التي منها ترجمة ما تجود به أقلامهم وأفكارهم من نتاجات وآثار - حيث تحكى بوضوح عظمة نعمة الولاء التي مَنّ اللّه سبحانه وتعالى بها عليهم - إلى مطبوعات توزّع في شتى أرجاء العالم .
وهذا المؤلَّف - « نهج المستنير وعصمة المستجير» - الذي يصدر ضمن «سلسلة الرحلة إلى الثقلين» مصداق حيّ وأثر عملي بارز يؤكّد صحة هذا المدّعى.
على أنّ الجهود مستمرة في تقديم يد العون والدعم قدر المكنة لكلّ معتنقي المذهب الحقّ بشتى الطرق والأساليب، مضافاً إلى استقراء واستقصاء سيرة الماضين منهم والمعاصرين وتدوينها في «موسوعة من حياة المستبصرين» التي طبع منها عدّة مجلّدات لحدّ الآن، والباقي تحت الطبع وقيد المراجعة والتأليف، سائلين المولى تبارك وتعالى أن يتقبّل هذا القليل بوافر لطفه وعنايته.
ختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ من ساهم في إخراج هذا الكتاب من أعضاء مركز الأبحاث العقائدية، ونخصّ بالذكر الأخ الكريم الشيخ حكمت الرحمة، الذي قام بمراجعة واستخراج كافة مصادره، فللّه درّهم وعليه أجرهم
v   v   v
وجاء في مقدّمة المؤلّف: الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على رسول ربّ العالمين، محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، واللعن الدائم على أعدائهم الى يوم الدين .
بعد أنْ وفّقني الله بمنّه وكرمه وفضله إلى الهداية والاستبصار، وبعد أنْ قمت بإنجاز عدّة أعمال متواضعة خدمة لله تعالى، وإقراراً بربوبيته، والتزاماً بالعبوديّة له، وعنوان وفاء ومحبّة للحبيب محمّد (صلى الله عليه وآله)، وللأئمّة من أهل بيته الطاهرين المعصومين (عليهم‌السلام)، والتي كان منها كتاب «سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم وسفينة الناجين»، الذي اعتبره العديد من علمائنا الأجلاّء، ضرورة لكل باحث عن الحقيقه الغائبة المغيّبة، ولكل مستبصر يريد أنْ يزيد من عزيمته وولائه ومتابعته لأهل البيت (عليهم‌السلام)، ولكلّ منصف يريد معرفة حقائق تاريخيّة لطالما غيّبها الحاقدون المبغضون لأهل البيت (عليهم‌السلام) عن الناس، وحاولوا طمسها وإخفاءها ومنع تداولها.
وكان ممّا قدّمت أيضاً كتاب «الابتلاء سنّة إلهيّة على بساط العبوديّة» والذي حاولت فيه الإجابة عن كثير من الإشكالات التي تواجه المستبصرين وغيرهم فيما يتعلّق بحقيقة الابتلاء ومعناه.
وكذلك كتاب «محوريّة حديث الثقلين في العقيدة والأحكام»، والذي أظهرتُ من خلاله الارتباط الوثيق بين النصوص القرآنيّة وأهل البيت (عليهم‌السلام)، من خلال إظهار الروابط التي يتحقّق بمعرفتها المستبصر.
ثم إنّني أحببت أنْ أكمل طريق التعبير عن حقيقة وأحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام) من خلال البحث والكتابة، وللإجابة على كثير من التساؤلات والإشكالات، والتي طالما يطرحها العامّة علينا أتباع أهل البيت (عليهم‌السلام) هنا خصوصاً في المناطق التي يقلّ فيها عدد المؤمنين ويكثر فيها العامّة، إمّا للتشكيك بمذهب أهل البيت (عليهم‌السلام)، عن طريق أناس أو علماء يدّعون العلم والمعرفة، حتّى يُشوّهوا معتقدات وشعائر أهل البيت (عليهم‌السلام) في نظر العامّة، أو يطرحها العديد من الناس بين بعضهم البعض، حتّى يُظهروا للآخرين مدى معرفتهم واطّلاعهم على ما يجري في العالم.
وهذا أمر كثير الحصول بين المسلمين، فإذا رفع الله شأن قوم، فإنّ الجهلاء والمرائين، وكذلك الحسّاد والحاقدين المبغضين، لابدّ لهم بأنْ يثبتوا لأنفسهم مكاناً أو قيمة بين نظرائهم، خصوصاً إذا توفرت تربة خصبة لوجود عاطفة قويّة أو تفكير مستنير اتجاه من رفع الله شأنهم .
ولذلك جاء هذا البحث المتواضع والمختصر، والذي حاولت فيه أنْ أرسم معالم طريق المستبصر، والتي أدّت في النهاية إلى التوصّل إلى الحقيقة المغيّبة، وكلّ ذلك عبارة عن توصيف لما قد حصل مع مجموعة من الإخوة المؤمنين الذين هداهم الله تعالى لحقيقة الإيمان بمنّه وفضله.
فالبحث عبارة عن قالب يرتكز عليه من كتب له الله تعالى الاستبصار، بحيث يتشعّب من هذا القالب مسائل عديدة توصف طريقة التفكير، وكيفيّة مزج النداءات العقليّة مع النداءات القلبيّة، وكيفيّة الجذب من خلال مراحل الحياة، وحتّى الوصول إلى صراط النجاة القويم، فهذا الكتاب إذن، ومِن عنوانه، هو طريق لمن أراد سلوك طريق الاستنارة والهدى، وهو عصمة لمن أراد أنْ يستجير ويحتمي بسفينة الناجين وولاية أهل الحقّ المعصومين.
ومع أنّني وضعت في كلّ بحث ما يوفّيه حقّه بشكل مختصر وغير ممل، بحيث لو قرئ وبشكل منفصل، فإنّه يوصل إلى المضمون، إلا أنّني أدعو القارئ العزيز إلى مطالعة البحث كاملاً حتّى يتمّ استيعاب القالب الرئيسي، والذي يُعبّر عن وجهة نظر المستبصرين، وكيفيّة وصولهم إلى الحقيقة.
بالإضافة إلى ذلك فإنّني وأثناء البحث أتطرّق لعدد كبير من النصائح والأحكام، والتي تتعلّق بالموضوع من أجل الفائدة، وكذلك ربّما أعُبّر عن كثير ممّا يعاني المستبصر أو يعانيه من خلال ذكر روايات وأحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن حديث أئمّة أهل البيت وخطبهم عند الحاجة، وسوف يكون الاعتماد في عدد كبير من المواضيع على ما عند العامة من أدلة وتفاسير.
ولكنّني سأبدأ من لحظة اصطدام المستبصر بما خفي عنه من حقائق، ومن لحظة انقلاب الموازين والمفاهيم، ثمّ أعود للماضي وأربطه بالحاضر، وأبيّن كيفيّة ارتقاء المستبصر، وتدرجه في السلوك الإيماني، موضّحاً ذلك من خلال ما حصل معنا ومع مجموعة كبيرة من الإخوة المؤمنين، الذين أكرمهم الله تعالى، وتفضّل عليهم بالهداية وسلوك الصراط المستقيم وركوب سفينة الناجين.
ثم إنّنا في البدء وفي الختام دوماً نردّد ونقول : حمداً وشكراً لله تعالى على نعمة الإيمان والهداية، ونردّد قوله تعالى في سورة الأعراف : ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ﴾  (44) .
ونردّد ونقول قوله تعالى في سورة آل عمران : ﴿ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ﴾  (45) .
ونردّد ونقول قوله تعالى في سورة آل عمران : ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الأَبْرار﴾  (46) .
أثر الإعلام على المستبصر:
لقد أكرم الله تعالى البشريّة في هذه الأيّام بوجود العشرات من المحطّات الفضائية التي تنقل أفكار وعقائد وأحكام أهل البيت (عليهم‌السلام) من خلال ما يقدّمه العلماء الأفاضل من دروس ومحاضرات تعرف الناس حقيقة المذهب الحقّ وتفاصيله.
وكذلك فقد أكرم الله تعالى المسلمين ودين الإسلام بأهل البيت (عليهم‌السلام) وشيعتهم، فمن خلال محافظتهم ومحافظة أتباعهم وشيعتهم على الشعائر الإيمانيّة والدينيّة، والتزامهم بذلك طوال مئات السنين، صانوا خلالها الدين وأحكامه من التحريف والضياع، وواظبوا على إقامة شعائر الله، والله تعالى يقول في سورة الحجّ : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ﴾  (47)؛ لأجل ذلك فقد ظهر للعالم أجمع مدى حرص الشيعة الإمامية على حبّ أهل البيت (عليهم‌السلام)، وولايتهم، وحمل رايتهم، ومدى التزامهم بالإسلام الحقيقيّ ومبادئه الأصيلة التي أرادها الله ورسوله.
ونتيجة لكلّ ذلك، فقد ازداد عدد المستبصرين بمذهب أهل البيت (عليهم‌السلام)، وفتح الباب أمام العشرات بل المئات من الناس، لسلوك طريق الاستبصار، والعودة إلى الحقيقة الغائبة المغيّبة، واستئناف الإيمان المتمثّل بولاية أهل البيت (عليهم‌السلام) واتّباعهم والاقتداء بهديهم، ومتابعة نهجهم، وسلوك صراطهم المستقيم، حيث لا سبيل للنجاة من فتن الدنيا وضلالاتها ومحنها وإحنها، إلا باتّباعهم (عليهم‌السلام) والاقتداء بهم وبهديهم؛ لأنّ في ذلك النجاة والأمان في الدنيا والآخرة، وهذا تصديق وتطبيق لقول الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله) الذي روته عنه كلّ فئات المسلمين والذي يوجّه فيه الناس ويعبّر لهم بأوضح المعاني إلى معنى الهداية الحقيقي ويحذّرهم أيضاً من الزيغ والضلال من بعده.
فقد روت صحاح المسلمين ومسانيدهم عن كثير من الصحابة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: « تركت فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي»  (48).
وروى الحاكم النيسابوري في المستدرك والسيوطي في الدر المنثور وغيرهما كثير عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخّلف عنها غرق»  (49).
هذا بالإضافة إلى مئات الآيات القرآنيّة والأحاديث الشريفة التي تتعلّق بأهل البيت (عليهم‌السلام)، وفضيلتهم، وفضائلهم، وحقّّهم وأحقّيّتهم، وحقيقتهم، عموماً ومنها التي تختصّ بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) خصوصاً من حيث الفضائل والوصيّة بالولاية، ومنزلته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحقّه وأحقّيته، كآية التطهير، وآية المباهلة، وآية المودة، وآية الولاية، وآية التبليغ، وآية إكمال الدين وتمام النعمة، وسورة الإنسان، وسورة الكوثر، والعاديات، والبيّنة، والأعراف، وحديث الدار، وحديث الطير، وحديث المنزلة، وحديث الولاية، وحديث الثقلين، وخطبة الغدير، وحديث خاصف النعل، وكذلك الأحاديث التي تتعلّق بالسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، وكذلك بالإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، وكذلك أحاديث الأئمّة الاثنى عشر، وانّهم من أهل البيت (عليهم‌السلام)، وإنّ آخرهم الإمام المهديّ عجلّ الله تعالى فرجه الشريف، وغيرها من الآيات والأحاديث التي تتعلّق بالإمامة والولاية لأهل البيت (عليهم‌السلام)، وكذلك التي تتعلّق بأعدائهم وأحوالهم في الدنيا والآخرة، وغير ذلك ممّا يخفيه عادة العلماء عن العامّة أو يؤولونه بحسب الرأي والمصلحة، أو ما يتناسب مع الأوضاع السياسيّة، ويخفونه عنهم ولا يسمحون بالبحث عنه أو فيه.
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلنا مِنَ البَيِّناتِ وَالهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتابِ أُولئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾  (50).
كلّ ذلك أدّى إلى وجود صدمة حقيقيّة يواجهها المستبصر، أمام ما يكتشفه من حقائق، تؤدّي إلى نظرة واقعيّة جديدة بالنسبة له اتجاه العقائد والأحكام والأفكار وكذلك اتجاه المجتمع والناس. يحصل ذلك معه في فترة قصيرة وزمن سريع، يؤدّي به إلى حساسيّة عالية في المعاملات مع ذلك الواقع الجديد، وكذلك يعطي اندفاعاً ربّما يكون متهوّراً في كثير من الأحيان مع المجتمع والناس، وأقصد بالمجتمع هنا ما اجتمع عليه الأفراد وتعارفوا عليه من أفكار وسلوكيات وعادات وتقاليد ومألوفات.
ثمّ إنّه وبعد مزيد من التعمّق في علم وتراث أهل البيت (عليهم‌السلام)، تنتظم تلك الاندفاعات الناتجة عن هول الحقيقة وتأثير الصدمة، فتأخذ سلوكيّات المستبصر بالتحسّن التدريجي، فكلّما ازداد معرفة بأئمّته (عليهم‌السلام)، وتطبيقاً لفكرهم وتراثهم، فإنّه يستشعر لذّة الحقيقة والمعرفة الصحيحة الحقّة التي فيها رضى الله تعالى، ورضى رسوله والأئمّة من أهل بيته عليهم الصلاة والسلام.
نقطة الاصطدام مع الأفراد والمجتمع:
لكنّني أرى أنّ أهمّ ما على المستبصر سلوكه، هو أنْ يتعلّم كيفيّة المعاملة مع أصناف الناس وفئات المجتمع، وهذا يقتضي التدقيق من أجل معرفة تلك الفئات وكيفيّة التعامل معها، على شرط أنْ لا يتنازل عن طريقه وعقيدته وأحكامه، ولا يتعامل مع الآخرين بطريقة التهوّر والانفعالات التي تؤدّي إلى السقوط في مهاوي الفتن ومتاهاتها، وإلى الصراعات الضارّة غير المأمونة، وإلى العواقب الوخيمة.
إنّ هذه المعرفة ضروريّة جداً للمستبصر، وحاجة ملحّة له خصوصاً في البلاد التي يكثر فيها العامّة ويقلّ الخاصّة.
ومن أهمّ أسباب ضرورتها، قلّة الناصر لأهل البيت (عليهم‌السلام) ولشيعتهم، وعدم استطاعة المستبصر طرح أفكاره ومعتقداته بشكل مباشر للمجتمع والناس، وبسبب سياسات التجهيل والإخفاء والطمس لحقيقة أهل البيت وأحقّيتهم والتي مورست خلال مئات السنين عن قصد أو عن جهل، خصوصاً أن الإنسان عادة ما يكون عدوّ ما يجهل، تلك السياسات التي جعلت من المسلم ينكر الحقيقة والأحقيّة بسهولة ويسر ومن دون تفكير أو بحث، وجعلته يستسيغ الإنكار والطمس للحقائق، ويتلذّذ بعملية إلغاء الآخر، ويرفض الحوار، ويستهون التكفير، ويستخف بشعائر الإسلام وشعاراته، وجعلت من تفكيره تفكيراً جامداً، ومن مشاعره مشاعر العصبيّة النتنة المنفصلة تماماً عن العقل والفكر.
إنّ المستبصر الذي يبصر حقيقة أهل البيت (عليهم‌السلام) وأحقيّتهم في الولاية والإمامة، ويبصر عشرات الحقائق ومن خلال ما عند العامّة من مصادر تاريخيّة، ومن خلال الأحاديث وكتب السير الممتلئة بالحقائق المغيّبة، يظنّ أنّه يستطيع أنْ يبيّن كلّ الحقيقة للناس والمجتمع، فكما سهّل الله له معرفة الحقيقة ووفّقه لها، من خلال وضوحها وتجليها الذي لا يمكن أنْ يخفى على أحد، ومن خلال موافقتها للعقل والفطرة، وتوافقها مع الإرادة الإلهيّة والأوامر النبويّة، يظن أنّ طرح الحقيقة للناس والمجتمع، سوف يؤدي إلى أنْ يخضع الناس لتلك الإرادة الإلهيّة، والأوامر النبويّة الشريفة، فيقوم وبشكل اندفاعي كبير وتهوّر شديد في أغلب الأحيان بطرح الحقيقة بعنف شديد، فيؤدّي ذلك إلى ردّات فعل عكسيّة شديدة، والتي تكون قاسية جدّاً عليه ولا يتوقعها من إخوانه في الإسلام، فكلّ ما يريده، هو تقديم الحقيقة لهم رجاء تبصيرهم بها، والأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، وإلى برّ الأمان والهدى، وتجنيبهم مهاوي الضلال والزلل.
من هنا تبدأ نقطة الاصطدام بشكل غير مُتوّقع مع المجتمع والناس، ومع العادات والتقاليد، ومع ما ألفه الناس وجمدوا عليه من أفكار وعقائد، وكذلك مع عقليات ونفسيات لم يكن يظن أنّها موجودة في الأفراد، من عقول متحجّرة، ونفسيات مريضة، وحسّاد وذوي ضغائن (فطروا أنفسهم عليها) وأهل الدنيا، والمتكبرين والمرائين، والمكفّرين، وندرة نادرة جدّاً من أهل العقول السليمة والمشاعر الصادقة النبيلة.
الشعور بالغربة:
في هذا الوقت يشعر المستبصر بالغربة في مجتمعه وبين أهله وعشيرته، ويشعر بالحزن والأسى لكثرة ما يعاين من عقليّات ونفسيّات غريبة، متناقضة مع ما يعرفه عن حبّ المسلم للحقيقة، واستسلامه لأوامر الله تعالى وانقياده لها، ومتناقضة مع ما يعرفه عن المسلمين من حبهم لرسول الله وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام، والتزامهم بطاعتهم، بل على العكس من ذلك، فإنّه يبصر أنّ الحقيقة ليست هي الحقيقة، فكلّ تلك الشعارات من حبّ لله ولرسوله، وشعارات طاعة الله ورسوله، وشعارات الإخلاص وابتغاء ما فيه رضاً لله ولرسوله، لا قيمة لها نهائياً عندهم، بل إنّ الموازين هي الأخرى متناقضة لأمر الله تعالى ونهيه، ومغايرة لنهج رسوله (صلى الله عليه وآله)، ومتضاربة مع العقل والفطرة، فيبدأ الإحساس الشديد بالغربة مع المجتمع والناس، وليس للمؤمن المستبصر في هذه اللحظات إلا إيمانه الشديد، وعزيمته الصادقة، بالإضافة إلى ما يسري عنه في غربته من نصوص شرعيّة تجعله مطمئنّاً عزيزاً شامخاً راسخاً.
روى الترمذيّ والسيوطيّ والطبريّ والقرطبيّ وغيرهم كثير أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء يوم القيامة. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين إذا فسد الناس صلحوا ، ثمّ قال: ألا لا غربة على مؤمن، وما مات مؤمن في غربة غائباً عنه بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض، ثمّ قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله): ﴿ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ﴾  (51)، ثمّ قال: ألا إنّهما لا يبكيان على الكافر»  (52).
وروى في كنز العمال عن أنس قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): متى ألقى أحبابي، فقال بعض الصحابة: أوليس نحن أحباؤك؟ قال: أنتم أصحابي، ولكن أحبابي قوم لم يروني وآمنوا بي أنا إليهم بالأشواق»  (53).
وروى السيوطي في الجامع الصغير عن أنس أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من شاته»  (54). ورواه ابن عساكر عن أمير المؤمنين عليّاً (علیه السلام) ، في تاريخ دمشق والمتّقي الهندي في كنز العمّال.
وروى السيوطي في الجامع الصغير عن أنس أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر»  (55).
وروى في كنز العمال عن ابن مسعود أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «المتمسك بسنّتي عند اختلاف أمّتي كالقابض على الجمر»  (56).
هذا حال المؤمنين في زمن الضلال والجهل، وهذا هو حال المؤمن المستبصر في زمن قلّ فيه الناصر وكثر فيه النفاق والضلال، ولكنّ المؤمن المستبصر وبالرغم من كلّ ما يواجهه من ظروف ومن تقلّبات الزمان والأحوال، يبقى عزيزاً بالله قويّاً شامخاً، مؤمناً بالله تعالى ووعده ونصره للمؤمنين، صابراّ على الأذى، متحملاً في سبيل الله كلّ ذلك، مقتدياً برسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمّة من أهل البيت (عليهم‌السلام)، مستشعراً حال أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ، موقناً أنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين.
فإذا ما بيّن المستبصر حقيقة معيّنة وأقام عليها الدليل الشرعي والعقلي، فإنّ النتيجة عند أغلب الناس هي المراوغة والتشكيك والإنكار، وربّما التأويل النفسي والشهواني، أو رفض كلام الله تعالى، وحديث رسول الله، ورفض القواعد العقليّة البديهية، مقابل رأي أو هوى لشخص ممّن يسمّونهم علماء يستسلمون له ولكلامه واجتهاده، تاركين كلام الله تعالى، وأحاديث الرسول الكريم، ضاربين بها عرض الحائط، وبعد البيان وعند إفلاسهم يوجّهون لك سؤالاً ينبع من مقاييس جاهليّة لطالما حذّر الشارع المقدّس منها ومن نتائجها، وهي الاحتكام إلى ما ألفوا ووجدوا عليه آباءهم، وليس تحكيم الشرع والعقل، ويكون السؤال على الشكل التالي وبشكل استهزائي وبسخرية واستكبار:
هل أنت على صواب، وكلّ تلك الجموع من العلماء والناس على خطأ؟. أو يكون السؤال بصيغ مختلفة، لكنّها تحمل نفس مضمون السؤال المذكور. المهم أنّه يبيّن المقياس العددي الذي يحتكمون إليه، فإذا رفض أغلبيّة المجتمع مبادئ الإسلام وأحكامه فبحسب مقياسهم الديمقراطي المذكور، فإنّ النتيجة يجب أنْ تكون مقبولة وطبيعية. ثمّ بعد ذلك يواجه المستبصر التكفير والتشهير والمقاطعة، والنظرة الغريبة المريبة، وفي كثير من الأحوال يصبح العدو الأوّل للإسلام والمسلمين.
قال تعالى في سورة يونس: ﴿ بَل كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلمِهِ﴾  (57).
ضرورة التعمّق في فكر وتراث أهل البيت (عليهم‌السلام):
إنّ طبيعة التعامل مع المجتمع والناس من خلال مدرسة أهل البيت (عليهم‌السلام)، تتطلّب المزيد من الدراسة والمعرفة لأحكامه وعقائده الإسلاميّة الأصيلة من قبل المستبصر، وتتطلّب أيضاً التعمّق بدراسة أخلاق وسلوكيّات الأئمة من أهل البيت (عليهم‌السلام)، ومن ثمّ تعلّم تطبيقها، قبل التسرّع في نقل كلّ ما يعرف وإذاعته بين العوام بشكل ربّما لا يرضي الله تعالى، ولا يرضي رسول الله ولا أئمّة الهدى من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.
ولذلك حثّ الأئمّة (عليهم‌السلام) أتباعهم وشيعتهم على تعلّم كيفيّة معرفة واستنباط فئات المجتمع، وكيفيّة التعامل معها. وكذلك شدّدوا على موضوع ومضمون التقيّة، وعلى معرفة مفهومها وكيفية تطبيقها، كما أكدّوا (عليهم‌السلام) على كتمان سرّ أهل البيت، وصونه عن كلّ من لا يستحقّه، ونهوا شيعتهم أنْ يكونوا بذراً مذاييع، وأمروهم بأنْ يكونوا زيناً لهم لا شيناً عليهم، وأنْ يكونوا دعاة لهم بغير ألسنتهم، وأنْ يلتزموا بالتطبيق الصحيح المطابق لقول رسول الله وفعله وتقريره والأئمّة من أهل بيته عليهم الصلاة والسلام.
رويَ في بحار الأنوار، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال لكميل بن زياد في وصيّة طويلة :
«يا كميل، إذا جادلت في الله تعالى فلا تخاطب إلا من يشبه العقلاء.
يا كميل هم على كلّ حال سفهاء كما قال الله تعالى : ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾  (58).
يا كميل، في كلّ صنف قوم أرفع من قوم، وإيّاك ومناظرة الخسيس منهم، وإنْ أسمعوك فاحتمل وكن من الذين وصفهم الله تعالى بقوله : ﴿ وَإِذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾  (59).
يا كميل، قل الحقّ على كلّ حال ، ووازر المتّقين ، واهجر الفاسقين .
يا كميل، جانب المنافقين ، ولا تصاحب الخائنين .
يا كميل، إيّاك إيّاك والتطرّق إلى أبواب الظالمين، والاختلاط بهم والاكتساب منهم، وإيّاك أنْ تطيعهم، وأنْ تشهد في مجالسهم بما يسخط الله عليك .
يا كميل، إذا اضطررت إلى حضورهم، فداوم ذكر الله تعالى والتوكل عليه و استعذ بالله من شرّهم ، واطرق عنهم وانكر بقلبك فعلهم ، واجهر بتعظيم الله تعالى لِتُسمعهم، فإنّهم يهابوك، وتكفى شرّهم .
يا كميل، إنّ أحبّ ما امتثله العباد إلى الله، بعد الإقرار به وبأوليائه ، التجمّل والتعفّف والإصطبار .
يا كميل، لا بأس بأنْ لا يعلم سرّك.
يا كميل، لا ترينّ الناس افتقارك واضطرارك، واصطبر عليه احتسابا بعزّ وتستّر.
يا كميل، لا بأس بأنْ تُعلم أخاك سرّك.
يا كميل، ومَن أخوك ؟. أخوك الذي لا يخذلك عند الشدّة، ولا يغفل عنك عند الجريرة، ولا يخدعك حين تسأله، ولا يتركك وأمرك حتّى تعلمه، فإنْ كان مميلاً أصلحه.
يا كميل، المؤمن مرآة المؤمن يتأمّله، ويسدّ فاقته، ويجمل حالته.
يا كميل، المؤمنون إخوة ، ولا شيء آثر عند كلّ أخ من أخيه.
يا كميل، إذا لم تحب أخاك فلست أخاه .
يا كميل إنّما المؤمن من قال بقولنا ، فمن تخلّف عنّا قصر عنّا ، ومن قصر عنّا لم يلحق بنا ، ومن لم يكن معنا ففي الدرك الأسفل من النار…»  (60).
وروي في الكافي قال: خرجتْ هذه الرسالة من أبي عبد الله (علیه السلام) إلى أصحابه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد: فاسألوا ربّكم العافية، وعليكم بالدعة والوقار والسكينة، وعليكم بالحياء والتنزّه عمّا تنزّه عنه الصالحون قبلكم، وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحمّلوا الضيم منهم، وإيّاكم ومماظتهم، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام، فإنّه لا بدّ لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقيّة التي أمركم الله أنْ تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم، فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنّهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر، ولولا أنّ الله تعالى يدفعهم عنكم، لسطوا بكم، وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر ممّا يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة، وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف، لا تُحبّونهم أبداً ولا يُحبّونكم، غير أنّ الله تعالى أكرمكم بالحقّ وبصّركموه ولم يجعلهم من أهله، فتجاملونهم وتصبرون عليهم، وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شيء، وحيلهم وسواس بعضهم إلى بعض، فإنّ أعداء الله إنْ استطاعوا صدوكم عن الحقّ، فيعصمكم الله من ذلك، فاتّقوا الله وكفّوا ألسنتكم إلا من خير» إلى أن قال :
«فاتقوا الله أيّتها العصابة الناجية إنْ أتمّ الله لكم ما أعطاكم به، فإنّه لا يتمّ الأمر حتّى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم، وحتّى تبتلوا في أنفسكم وأموالكم، وحتّى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا فتصبروا وتعركوا بجنوبكم، وحتّى يستذلّوكم ويبغضوكم، وحتّى يحملوا عليكم الضيم فتحملوا منهم، تلتمسون بذلك وجه الله والدار الآخرة، وحتّى تكظموا الغيظ الشديد في الأذى في الله عزّ وجلّ يجترمونه إليكم، وحتّى يُكذّبوكم بالحقّ ويعادوكم فيه ويبغضوكم عليه، فتصبروا على ذلك منهم، ومصداق ذلك كلّه في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل (علیه السلام) على نبيّكم (صلى الله عليه وآله) ، سمعتم قول الله عزّ وجلّ لنبيّكم (صلى الله عليه وآله): ﴿ اصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَهُمْ ﴾  (61). ثمّ قال: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا ﴾  (62). فقد كُذّب نبيّ الله والرسل من قبله، وأوذوا مع التكذيب بالحقّ، فإنّ سرّكم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الأصل ، أصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله أنْ يخلقهم له في الأصل، ومن الذين سمّاهم الله في كتابه في قوله: ﴿وَجَعَلناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾  (63). فتدبّروا هذا، واعقلوه ولا تجهلوه، فإنّه من يجهل هذا وأشباهه ممّا افترض الله عليه في كتابه ممّا أمر الله به ونهى عنه، ترك دين الله وركب معاصيه، فاستوجب سخط الله، فأكبّه الله على وجهه في النار»  (64).
وروي عن ميسرة قال، قال أبو جعفر الباقر (علیه السلام): «يا ميسرة، ألا أخبرك بشيعتنا، قلت: بلى جعلت فداك. قال: إنّهم حصون حصينة في صدور أمينة، وأحلام رزينة، ليسوا بالمذاييع البذر (65)، ولا بالجفاة المرائين، رهبان بالليل، أسد بالنهار»  (66).
وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (علیه السلام) قال: «إنّما الشيعة من لا يعدو سمعه صوته، ولا شجنه بدنه، ولا يحبّ لنا مبغضاً، ولا يبغض لنا محبّاً، ولا يجالس لنا غالياً ولا يهرّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس وإنْ مات جوعاً، المتنحّي عن الناس، الخفيّ عليهم، وإنْ اختلفت بهم الدار لم تختلف أقاويلهم، إنْ غابوا لم يفقدوا، وإنْ حضروا لم يؤبه بهم، و إنْ خطبوا لم يزوّجوا، يخرجون من الدنيا و حوائجهم في صدورهم، إنْ لقوا مؤمناً أكرموه، وإنْ لقوا كافراً هجروه، وإنْ أتاهم ذو حاجة رحموه، وفي أموالهم يتواسون. ثمّ قال: يا مهزم، قال جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام) ، يا علي، كذب من زعم أنّه يحبني ولا يحبّك أنا المدينة و أنت الباب و من أين تؤتى المدينة إلا من بابها»  (67).
وروي في التفسير المنسوب للإمام العسكري (علیه السلام) أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: «إِنَّ شيعتنا مَنْ شَيَّعَنَا، وَاتَّبَعَ آثَارَنا، واقتدى بِأَعْمَالِنا»  (68).
وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام) قال : «امتَحِنُوا شيعتنا عِنْدَ مَواقِيتِ الصَّلاة، كَيْفَ مُحَافَظَتُهُمْ عليهَا؟ وَإِلَى أَسْرَارِنَا، كَيْفَ حِفْظُهُمْ لَهَا عِنْدَ عَدُوِّنَا؟، وَإِلَى أَمْوَالِهِمْ، كَيْفَ مُواساتُهُمْ لإخْوَانِهِمْ فِيهَا»؟ (69).
وروى سليمان بن مهران أنـّه قال : دَخَلتُ علی الصَّادقِ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ (علیه السلام) وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ الشِّيعَةِ وَهُوَ يَقُولُ: «مَعَاشِرَ الشِّيعَةِ، كُونُوا لَنَا زَيْناً وَلا تَكُونُوا علينا شَيْناً، قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، وَاحْفَظُوا أَلسِنَتَكُمْ وَكُفّوها عَنِ الفُضُولِ وَقُبْحِ القَوْلِ»  (70).
وروي في الكافي عن عمرو بن أبي مقدام أنـّه قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عبد الله الصادق (علیه السلام) يَقُولُ«خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حتّى إِذَا كُنَّا بَيْنَ القَبْرِ وَالمِنبَرِ، إِذَا هُوَ بِأُنَاسٍ مِنَ الشِّيعَةِّ، فَسَلَّمَ عليهِمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي وَاللهِ لأحبّ رِياحَكُمْ وَأَرْوَاحَكُمْ، فَأَعِينُونِي علی ذَلِكَ بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ وِلاَيَتِنَا لاَ تُنَالُ إِلاَّ بِالوَرَعِ وَالاجْتِهَادِ، مَنِ ائتمّ مِنْكُمْ بِعَبدٍ فَليَعْمَل بِعَمَلَهِ، أَنْتُم شِيعَةُ اللهِ، وَأَنْتُم أَنصَارُ اللهِ، وَأَنْتُمُ السَّابِقُونَ الأولون، وَالسَّابِقُونَ الآخِرُونَ، وَالسَّابِقُونَ في ‌الدُّنْيَا وَالسَّابِقُونَ فِي الآخِرَةِ ، قَدْ ضَمِنَّا لَكُمُ الجَنَّةَ بِضَمَانِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ، وَضَمانِ رَسُولِ اللهِ ، وَاللهِ ما علی‌ دَرَجَةِ الجَنَّةِ أَكْثَرُ أَرْواحاً مِنْكُمْ، فَتَنافَسُوا فِي‌ فَضَائِلِ الدَّرَجَاتِ، أَنْتُم الطَّيِّبُونَ، وَنِسَاؤُكُمُ الطَّيِّباتُ ، كُلُّ مُؤمِنَةٍ حَوْراءُ عَيْنَاءُ ، كُلُّ مُؤمِنٍ صِدّيقُّ. وَلَقَدْ قَالَ أَميرُ المؤمِنِينَ لِقَنبرٍ: يَا قَنبرُ ؛ أَبْشِرْ وَبِشِّرْ وَاستَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ وَهُوَ علی أُمَّتِهِ سَاخِطٌ إِلاَّ الشِّيعَةَ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شيء عِزاً وَعِزُّ الإسلامِ الشِّيعَةُ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَيءٍ دِعَامَةً وَدِعامَةُ الإسلامِ الشِّيعَةُ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَي‌ءٍ ذِرْوَةٌ و ذِروَةُ الإسلامِ الشِّيعَةُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَيءٍ سَيِّداً وسَيِّدُ المَجَالِسِ مَجَالِسُ الشِّيعَةِ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَي‌ءٍ شَرَفاً وَشَرَفُ الإسلاَمِ الشِّيعَةُ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَي‌ءٍ إماما وَإِمَامُ الأرض أَرْضٌ تَسكُنُهَا الشِّيعَةُ»  (71).
وجوب إحياء أمر أهل البيت (عليهم‌السلام):
بالمقابل فإنّ الواجب على المستبصر أنْ يحيي أمر أهل البيت (عليهم‌السلام)، ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، ويربّي نفسه ومن معه على أخلاق أهل البيت (عليهم‌السلام)، وعلى عقائدهم وأحكامهم، مع المحافظة على عدم تجاوز المحاذير التي حثّ على الحذر منها واجتنبها أئمتنا (عليهم‌السلام)، فيعيش مع واقعه وأفراد مجتمعه كواحد منهم، بينما في داخله بركان يغلي حبّاً وولاءً وصدقاً وإخلاصاً ومتابعة واقتداءً لأهل البيت (عليهم‌السلام)، وكذلك حزناً وألماً عند ذكر مظلوميات أهل البيت (عليهم‌السلام)، أو عند رؤية ما يعانيه المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها من ظلم وبطش وتقتيل وتكفير.
ولذلك فإنّ المؤمن المستبصر يحاول دوما أن يجمع بين شخصيّتين، وهذا يوجب عليه التدقيق في أحوال الناس الذين يعايشهم، حتّى يطّلع على فئاتهم ويتعرّف على أصنافهم وأقسامهم، ويتعلّم كيف يتفاعل مع واقعه من خلال تطبيق ما أمر به الأئمّة الأطهار من أهل بيت العصمة والرسالة (عليهم‌السلام)، حتّى يعيش في أمن وأمان وراحة بال وطمأنينة، وهو العنوان الذي وعد الله تعالى به أولياءه المؤمنين المتّقين، المطيعين للرسول الكريم، والموالين لأولياء الله تعالى الأئمّة المعصومين عليهم جميعا أفضل الصلوات وأتمّ التسليم.
قال تعالى في سورة يونس : ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٭ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ٭ لَهُمُ البُشْرى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾  (72).
وقال تعالى في سورة الزمر : ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ٭ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلبابِ﴾  (73).
فئات المجتمع وأصناف الناس:
وبناء على ذلك، فإنّ المؤمن المستبصر المدقّق في أحوال المسلمين الذين يعيش معهم وبينهم، يستطيع أنْ يصنّفهم ويقسّمهم إلى عدّة أصناف وأقسام، لابدّ للمستبصرين من معرفتهم، ولابدّ لكلّ منصف محبّ للحقّ أنْ يميّزهم، حتّى يعرف كيفيّة التعامل معهم في غربته ووحدته، وحتّى يستطيع المحافظة على عقيدته وإيمانه، وحتّى يعرف متى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومتى تتحقّق شروطه ومتى لا تتحقّق، حتّى تكون أفعاله وتصرّفاته مقبولة، وسلوكه متوافق مع ما فيه رضا لله تعالى ورسوله والأئمّة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام أمام كلّ تلك الفئات.
ومن تلك الفئات، فئة المكفّرين النواصب من العلماء، وكثير من العوام، والذين يطعنون في مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام)، وينصبون العداء لهم عن علم أو بسبب الضلال والجهل الذي أخذوه عن ضلال وجهّال ممّن سبقهم، ويدّعون أنّهم عن البدع يترفّعون، لكنّهم بينها يضطجعون كما قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).
يقول الإمام عليّ (علیه السلام) في خطبة له من نهج البلاغة: «... وآخر قد تسمّى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جهّال، وأضاليل من ضُلاّل، ونصب للناس شركاً من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحقّ على أهوائه، يؤمن من العظائم، ويُهوّن كبير الجرائم، يقول : أقفُ عند الشبهات وفيها وقع، واعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان، والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، ولا باب العمى فيصدّ عنه، فذلك ميت الأحياء، فأين تذهبون»  (74)؟.
وهؤلاء هم خوارج العصر الحديث، الذين يُصلّون ويصومون ويقرؤون القرآن ويدعون إلى الإسلام، وكلّ همهم هو تكفير المسلمين، خصوصاً أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم‌السلام)، فهم دوماّ يكفّرونهم ويستهزؤون بهم ويثيرون حولهم الشبهات، ويكيلون لهم التهم، بل تجاوز الأمر إلى أكثر من ذلك بأنْ أباحوا دماء المؤمنين من أتباع أهل البيت (عليهم‌السلام)، وما ذنبهم إلا أنْ آمنوا بالله وأطاعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والتزموا بالشريعة السمحاء، وعملوا على تطهير أنفسهم باتّباع أهل البيت (عليهم‌السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
قال تعالى في سورة البروج : ﴿ وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيد ٭ الَّذِي لَهُ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ﴾  (75).
وقال تعالى في سورة الأعراف : ﴿ وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾  (76).
وهؤلاء المكفّرون والتكفيريون النواصب (الذين يعادون الله ورسوله، ويحاربون أحباب الله من المؤمنين الموقنين بوعد الله ونصره) قد وصفهم القرآن الكريم وحذّر منهم الرسول الكريم، حتّى لا ينخدع الناس بهم وبكذبهم وفتنتهم، فالله متمّ نوره ولو كره المبغضون والمكفّرون الحاقدون؛ لأنّهم وللأسف الشديد استطاعوا بمظاهرهم وغرورهم أنْ يخدعوا ويضلّلوا كثيراً من الناس، ويضعوهم في دائرة المجرمين لكي يلاحقوا المؤمنين ويستهزؤوا بهم، ويتّهمونهم بالضلال، وحتّى لا يبصروا الحقّ وإن أبصروه تكرهه نفوسهم، فيدخلون في قائمة من يحارب الله ورسوله. 
قال تعالى في سورة المطففين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ٭ وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ٭ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ٭ وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ٭ وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾  (77).
وقال تعالى في سورة الزخرف : ﴿ لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلحَقِّ كارِهُونَ﴾  (78).
وقال تعالى في سورة المجادلة : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾  (79).
وقال تعالى في سورة المائدة : ﴿ إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾  (80).
وقال تعالى في سورة الأحزاب : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً﴾  (81).
وروى الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «سيكون في أمّتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجع حتّى يرد السهم على فوقه، وهم شرار الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله، ما سيماهم؟ قال: التحليق»  (82).
وهناك فئة ثانية يعايشها المستبصر، وهم كما ذكرت الذين إذا رأوا شيئاً رفعه الله وأعلا شأنه، فإنّهم لحسدهم يعملون لوضعه والحطّ من شأنه، وبسبب الأمراض النفسيّة التي تعشعش في عقولهم وقلوبهم، فإنّهم لا يتحملون رؤية من هو أفضل منهم، ولا يستطيعون أن يرتفعوا إلى منزلته، فيقاومونه بمحاولات التحقير والاستهزاء والطعن، وكلّ ذلك حسد من عند أنفسهم.
قال تعالى في سورة النساء : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾  (83).
وقال تعالى في سورة الأنفال : ﴿ إِذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾  (84).
وفئة ثالثة قد ألفوا ما وجدوا عليه آباءهم وعلماءهم، فلا يقبلون سماع أو رؤية غيره ممّا هو موجود عند غيرهم، جمدت عقولهم وأفكارهم على ما ورثوا من عادات وتقاليد وجهالات لا يعرفون غيرها، ولا يستطيعون تغييرها، بل لا يقبلون البحث في واقعها، وهذا الواقع في المسلمين يمثّل شريحة كبيرة جدّاً منهم، فتقول مثلاً : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كذا، فيقول : قال آباؤنا وعلماؤنا أو قال ابن تيمية : كذا وكذا. وكما الفئة الأولى لها أصول وجذور منذ زمن بعيد كذلك هذه الفئة أيضاً لها جذور بعيدة، ويحضرني الحديث المرويّ في سير أعلام النبلاء «عن ابن عبّاس قال: تمتّع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عبّاس: فما يقول عرية؟ قال: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. قال: أراهم سيهلكون، أقول : قال رسول الله، ويقولون : قال أبو بكر وعمر»  (85).
ولقد حذّر القرآن الكريم والحديث الشريف من هذه المحاكاة العمياء للآباء والأجداد، والجمود عليها، ورفض وإنكار ما سواها، كما أنّ الشارع المقدّس قد حذّر ونهى عن التقليد في المعتقدات.
قال تعالى في سورة البقرة : ﴿ وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَل نَتَّبِعُ ما أَلفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾  (86).
وقال تعالى في سورة المائدة ﴿ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾  (87).
وقال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُل إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾  (88).
وفئة رابعة قد استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة، وشغلهم طول الأمل، فهم يعتبرون الدنيا دار خلود وبقاء، حتّى أنّهم يرفضون كلّ ما يذكّرهم بحقيقة دنياهم الفانية، ويتمسكون بكلّ ما يذكّرهم بها، ويملكون من الاستعداد لبيع القيم والمبادئ بعرض من الدنيا قليل، وهؤلاء تجد منهم من يبيع الدين بالدنيا، وتجد منهم أيضاً من يتّخذ الدين مطيّة لتحقيق مآربهم الدنيويّة، فيُصلّون في الصفوف الأولى، ويقومون بالعبادات وأعمال البرّ والتقوى أمام الناس، ويطلقون اللحى، يراؤون فيها من أجل الشهرة والسمعة، حتّى تتحقّق لهم من وراء ذلك عمليات النصب والاحتيال على عباد الله تعالى. وفي الحقيقة فإنّ هذا الصنف من الناس يعمل على الصدّ عن سبيل الله، ولا يمكن له أنْ يحبّ الحقيقة لأنّها تضر بمصالحه، وبسبب حبّهم للدنيا وزينتها، فإنّ ديدنهم السخرية من المؤمنين، والعمل على إبقاء العادات والتقاليد الفاسدة، وصدّ الناس عن رؤية فساد الواقع، حتّى تبقى مجريات الأمور تصبّ في صالحهم ومصلحتهم، فهم على حسب اعتقادهم عليّة القوم والمجتمع بسبب أموالهم ودنياهم، فلا يجوز أنْ يوجد بينهم من هو أفقه منهم.
قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾  (89).
وقال تعالى في سورة البقرة : ﴿ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾  (90).
وقال تعالى في سورة البقرة : ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾  (91).
وقال تعالى في سورة آل عمران : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالبَنِينَ وَالقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعامِ وَالحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾  (92).
وفئة خامسة لا يدرون ماهم عليه، ولا يوجد عندهم استعداد لمعرفة ماغاب عنهم من الحقيقة، بل أكثر من ذلك، إذ إنّهم لا يريدون أنْ يعرفوا حقيقة ماهم عليه أصلاً، بل إنّهم لا يستطيعون إعمال عقولهم وحواسّهم إلا لخدمة شهواتهم الحيوانيّة، وهؤلاء لا يهمّهم دينهم فضلاً عن أهل البيت (عليهم‌السلام)، وإذا ما حاولت أنْ تستفزّ عقولهم وحواسّهم أو تستنهضها، فإنّهم لا يسمعون ولا يعقلون ويولّون مدبرين، قد طغت عليهم قوى الشهوة، فأظلمت عقولهم وقلوبهم فصاروا دون البهائم.
قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالأَنْعامِ بَل هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾  (93).
وقال تعالى في سورة الفرقان: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعامِ بَل هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾  (94).
وقال تعالى في سورة الروم : ﴿ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَما أَنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾  (95).
وفئة سادسة يعرفون الحقيقة والأحقيّة، ويدركونها بل إنّهم مستيقنون منها ولكنهم لخوفهم على أنفسهم وعلى مناصبهم ومصالحهم الدنيوية ومراكزهم فيها، فإنّهم يجحدون الحقيقة وينكرونها ويعادونها ابتغاء مرضاة أسيادهم، ومناصبهم ومصالحهم، وخشية أنْ تصيبهم دائرة، ولأجل المناصب والمصالح الدنيوية، فإنّهم يصبّون غضبهم على الحقيقة وأتباعها، بل ويعتبرونهم العدو الأوّل للإسلام والمسلمين، وبالتالي تستشري فيهم وبينهم الأمراض وعوارضها، وأهمّها جحد الحقيقة وإنكارها وبغضها والعداوة والبغضاء لحملتها.
قال تعالى في سورة النمل : ﴿ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾  (96).
وقال تعالى في سورة المائدة : ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾  (97).
وفئة سابعة من الناس يحبّون أهل البيت ويطربون عند سماع أخبارهم وفضائلهم، ولكنّهم لا يريدون دراسة التاريخ والبحث فيه، ولا ينتمون إلى مذهب معيّن، بل يقولون بكل ما يسمعون، ويأخذون من كلّ عالم، ويفضلون فصل الشريعة عن الحقيقة، ولذلك تجدهم إلى التصوّف أقرب، فيحبّون أهل البيت(عليهم‌السلام)، وفي نفس الوقت يترضّون على أعدائهم، أي أنّهم يدّعون محبّة أهل البيت (عليهم‌السلام)، وفي نفس الوقت يوالون أعداءهم، وهذا الواقع غير مقبول شرعاً وعقلاً، لأنّ الأصل في المحبّة هو الاتباع والاقتداء، والولاية لأولياء الله والبراءة من أعدائهم، ولا يمكن للمحبّة أنْ تكون إلا بعد المعرفة، فمن ادّعى المحبّة من دون معرفة فهو كاذب، كما أنّه لا يمكن للمحبّة أنْ تتجسّد إلا بالاتّباع والاقتداء والسلوك، وعنوان تجسّدها الولاء والبراءة، فمن ادّعى المحبّة من غير اقتداء فهو كاذب.
قال سبحانه وتعالى في سورة المجادلة : ﴿ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾  (98).
وقال تعالى في سورة آل عمران : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾  (99).
وقال تعالى في سورة التوبة : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾  (100).
وقال تعالى في سورة الممتحنة : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾  (101).
وفئة ثامنة هي من أهل الدوافع، وليس الدوافع النفسيّة المريضة فقط، بل من دافع الفضول الشخصيّ أو الدافع الاخباراتي لحساب أعداء الله ورسوله وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فهؤلاء يسعون وراء المؤمنين المستبصرين ويتبنون أفكارهم، بل وربّما يجعلون أنفسهم في المقدّمة ويظهرون الانفعالات الشديدة المتعاطفة مع المؤمنين، ويتقرّبون منهم، من أجل أنْ يكونوا على قرب شديد من المؤمنين، حتّى يكشفوا أحوالهم وأعدادهم وأماكن تواجدهم، ويعملون على معرفة كلّ صغيرة وكبيرة عنهم، خدمة لدوافعهم النفسيّة المريضة، من أجل التشهير بالمؤمنين، وإشاعة الشائعات الكاذبة، والافتراءات المضلّلة للبسطاء من المسلمين، أو تقوم هذه الفئة بتلك الأعمال، عمالة لمن يؤزهم من الجهات الاستخباراتيّة الشيطانية، حتّى تكون تلك الجهات على معرفة بالمؤمنين من أجل استغلال أوضاعهم، لإثارة الفتن بين المسلمين، ومن أجل تحقيق مآرب سياسيّة معيّنة لصالح أعداء الله ورسوله وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وهناك هدف آخر لهذه الفئة، وهو امتصاص عواطف الناس إذا ما توجّهت نحو الحقيقة، ثمّ وفي اللحظة المناسبة يقومون بتوجيه مسار عواطف الناس إلى حيث يشاء هؤلاء الموجّهون، إرضاءً لدوافعهم الشيطانيّة والنفسيّة الخبيثة الموجّهة. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصامِ ٭ وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ﴾  (102).
وهذه الفئة لا تقلّ خطورة عن فئة التكفيرين والنواصب، بل إنّ التكفيرين حالهم مكشوف ومعروف للقاصي والداني، ولكنّ هذه الفئة أكثر خطورة منهم لأنّهم يعملون تحت ستار الإيمان، ومعلوم أنّ المؤمن المستبصر الحقيقي، قلبه رهيف سريع التعاطف مع إخوانه المؤمنين، فلربّما يقع في المخاطر،وهو يظن أنّه في خدمة الله تعالى ورسوله وأئمّته عليهم الصلاة والسلام، فالحذر الحذر إخواني المؤمنين، خصوصا أنّ المنطقة مقبلة على تغيير شامل نحو الخير والعدل، وأعلام التغيّر واضحة للعيان، ودلائل قرب الفرج كثيرة، والتقيّة واجبة حتّى يظهر الإمام المهدي عجلّ الله تعالى فرجه الشريف.
قال تعالى في سورة الحجرات : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾  (103).
قال تعالى في سورة النور : ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ٭ وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ٭ يعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٭ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٭ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ٭ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ وَالمُنْكَر﴾  (104).
وقال تعالى في سورة الأحزاب : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ﴾  (105).
وقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً ٭ مَلعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ٭ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾  (106).
وهناك فئة تاسعة وهم قلّة من الناس متعطّشون لمعرفة الحقّ واتّباعه؛ لأنّهم أدركوا أنّ هذه الحياة الدنيا قصيرة وفانية، وهي دار ممر، مطيّة للمؤمن يسعى من خلالها للوصول الى رضوان الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الله سوف يسألهم عن أعمالهم وتصرّفاتهم وسلوكهم ، فهم دائما يبحثون عن الحقّ، وإذا ما وجدوه فإنّهم يسارعون لاتّباعه والاقتداء بهديه بصدق وإخلاص وإرادة حقيقيّة.
قال تعالى في سورة المائدة : ﴿ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾  (107).
وفئة عاشرة من الناس هي فئة المتذبذبين الذين يتنقّلون بين كلّ ما ذكرنا من الفئات، ولا يستقرّ لهم قرار، تارة مع هؤلاء وتارة مع أولئك، يميلون مع الواقع حيث يميل، ليس لهم شخصيّة واضحة، بل في الحقيقة شخصية ضعيفة ذليلة لا تملك موقفاً، وربّما تتقلّب في الدقيقة الواحدة في أكثر من موقف، ولشدّة ضلالهم ليس لهم سبيل واضح، وهم كما قال الله تعالى فيهم في سورة النساء: ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾  (108).
هذا بالإضافة إلى فئة المؤمنين الصادقين الصابرين الذين عرفوا الله فعرفهم وصدقوا في حبّهم وإخلاصهم، فأكرمهم الله تعالى بمعرفة نبيّهم وأئمّتهم، فاتّبعوهم بإرادة قويّة وعزيمة صادقة، فأعزّهم الله تعالى بكرامته لهم، يوالون من والى الله تعالى ونبيه والأئمّة المعصومين، ويعادون أعداءهم، فهم تحت الأمر الإلهي يتوجّهون إلى حيث يوجههم بصدق وثبات وعزّة منيعة، فلله العزّة ولرسوله وللمؤمنين.
هكذا رأيت الواقع الذي يحيط بالمؤمن المستبصر، يجد نفسه وحيداً فريداً، وحالة غريبة بين كل تلك الفئات المذكورة، يتألّم ممّا يراه حوله من دفن وطمس للحقيقة، ومن إنكار وتشكيك فيها وفي أتباعها، ويتألّم لأولئك الذين يبحثون عنها دون جدوى وعلى غير هدى، وهو لا يستطيع أنْ يجيب عن اشكالاتهم وتساؤلاتهم ، مع أنّه يعرفها ويعرف الإجابة عليها، خوفاً من ردود الفعل اللامسؤولة، والتي يندفع بها أغلب الناس في أغلب المناسبات.
التناقض بين الشريعة والمألوف:
بعد كلّ ذلك، فإنّ المستبصر يتعامل وبشكل عام مع واقع نفسي تحكمه عادات وتقاليد ومألوفات تتناقض مع الشريعة المقدّسة، ومع تعاليمها وأخلاقياتها، من خلال مجتمع يسهل فيه تكفير المسلم للمسلم، ويهون فيه دم المؤمن وماله وعرضه، ويكثر فيه الحسد والحسّاد، والكبر والرياء، وحبّ الدنيا وشهواتها على حساب الآخرة، مجتمع تطغى عليه العصبيّات والضغائن، وحبّ الشائعات والافتراءات، وحبّ الفاحشة والرذيلة، وطغيان المادة، مجتمع ألف النفاق والرذيلة، وطُمست فيه الحقيقة والفضيلة، وطغى فيه الحكم بالرأي النفسي والشهوي، وحسب المصلحة المادية والدنيوية الفانية، مجتمع لم يبقَ فيه من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه.
إنّ كلّ ما ذكرت، وأكثر من ذلك يعيشه المؤمن المستبصر مع ثلّة قليلة جدّاً من المؤمنين الثابتين على عهد الله تعالى، والمستيقنين بعزّ الله ونصره، والمطمئنين بوفاء الله لوعده، ولذلك وبالرغم من كلّ ما يواجهه المؤمن المستبصر، فإنّه دائماً يستشعر العزّة بالله تعالى والسكينة بذكر الله وطاعته، والقوّة بتمسّكه بالحقّ، والإقرار الدائم والمستمر بولاية أهل البيت وإمامتهم.
أورد المتقي الهندي في كنز العمّال عن أبي أمامة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ لعدوّهم قاهرين، لا يضرّهم من خالفهم إلا أصابهم من لأواء، وهم كالإناء بين الأكلة، حتّى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس»  (109).  والحديث عزاه المتقي إلى جرير الطبري، كما رواه أحمد في مسنده (110) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (111)
ومن الضروري جدّاً في هذا المقام تذّكر وصيّة لأمير المؤمنين (علیه السلام) ، أوصى بها المؤمنين الذين يعايشون واقعاً كواقع المستبصرين، فيها توجيه جميل لكيفيّة التعامل مع كلّ الظروف التي تحيط بالمؤمنين المستبصرين.
فقد روي في كتاب وسائل الشيعة،عن الأصبغ بن نباتة قال : قال أمير المؤمنين (علیه السلام) : « كانت الحكماء فيما مضى من الدهر تقول : ينبغي أنْ يكون الاختلاف إلى الأبواب لعشرة أوجه :
أولها: بيت الله عزّ وجّل، لقضاء نسكه، والقيام بحقّه وأداء فرضه .
والثاني: أبواب الملوك الذين طاعتهم متّصلة بطاعة الله وحقّهم واجب ، ونفعهم عظيم ، وضررهم شديد .
والثالث: أبواب العلماء الذين يستفاد منهم علم الدين والدنيا .
والرابع: أبواب أهل الجود والبذل، الذين ينفقون أموالهم التماس الحمد ورجاء الآخرة.
والخامس: أبواب السفهاء الذين يحتاج إليهم في الحوادث، ويفزغ إليهم في الحوائج .
والسادس: أبواب من يتقرّب إليه من الأشراف لالتماس الهبة والمروّة والحاجة.
والسابع: أبواب من يرتجى عندهم النفع في الرأي والمشورة وتقوية الحزم وأخذ الأهبة لما يحتاج إليه.
والثامن: أبواب الإخوان لما يجب من مواصلتهم ويلزم من حقوقهم.
والتاسع: أبواب الأعداء، الذين تسكن بالمداراة غوائلهم، وتدفع بالحيل والرفق واللطف والزيارة عداوتهم.
والعاشر: أبواب من ينتفع بغشيانهم ويستفاد منهم حسن الأدب ويؤنس بمحادثتهم»  (112).
من معاناة المستبصرين، رفض المسلمين تطبيق أحكام الشريعة:
وأحبّ أنْ أصف للقارئ العزيز بعض الحالات ممّا حصل معنا أو مع بعض الإخوة المؤمنين المستبصرين التي نراها كلّ يوم عندنا، وأظنّ أنّها تحصل كثيراً مع المؤمنين في مناطق كثيرة من العالم، ومنذ الزمن الغابر وحتّى اليوم، حيث إنّ الفقه الإسلامي عند أهل السنّة والجماعة يحتوي على مئات الأحكام التي خالفوا فيها أوامر الله ورسوله، وتركوها مقابل رأي لفلان أو فلان من الناس، وما سأذكره من حالات هو مجرد أمثلة لبيان حقيقة ما يواجهه المؤمن المستبصر، لكنّ الحقيقة أنّها ليست محصورة في مثال أو مثالين، بل إنّ أغلب المواضيع عندهم تنطبق على طبيعة ما جمدت عليه عقولهم وأحبّته نفوسهم ومالت إليه.
فإذا ما وقع سؤال أو إشكال بين العامّة، ووجدوا جواباً عند المؤمنين المستبصرين على إشكالاتهم أو أسئلتهم، فإنّهم يطربون ويسرّون لذلك الجواب خصوصاً إذا كان مع الجواب ذكراً لأحد رموزهم، فيسلّمون للإجابة تسليماّ مطلقاً. ولكن عند معرفتهم أنّ الجواب من طريق العترة الطاهرة وأتباعهم وشيعتهم، عندها يبدأ التشكيك والخوف من الصدوع بالحقّ الواضح البيّن، ثمّ يبدأ التأويل ويكثر، وذلك لدفع الحقّ وفرض الباطل، وإقصاء المعاني الحقيقيّة للدليل المعروض، من خلال التشكيك في المعنى، والتلوّن في الأخذ والردّ وتحريف الكلم عن مواضعه، وهذا من أشدّ ما يعانيه المستبصر في معاملته مع كلّ تلك الفئات.
بينما لو قيل أنّ ذلك الأمر فرضه الصحابيّ الفلاني وخالف فيه رسول الله، فإنّ طربهم وسرورهم سيستمرّ ويستمر؛ لأنّ فيه اقتداء واتّباع لمن عصى الله ورسوله، وكأنّ فطرة البعض على غير الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وسأضرب عدة أمثلة لتوثيق رأيي هذا الذي طرحته الآن.

كتب تحت الطبع

ولاية أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن والسنّة


v يصدر قريباً عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن «سلسلة الرحلة إلى الثقلين» رقم 34 كتاب « ولاية أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن والسنّة » للمستبصرة اليمنية السيدة حَسينة حسن الدريب «أم محمد صادق». وقد ذكرت المؤلّفة في أول كتابها هذا قصة استبصارها وركوبها سفينة النجاة، سفينة علي والزهراء والحسن والحسين والتسعة المعصومين من أولاد الحسين عليهم السلام، ثم أشارت إلى الأدلة العلمية على ولاية أهل البيت عليهم السلام من الكتاب والسنة مثل: حديث الدار والإنذار، وآية الولاية، وإكمال الدين، وحديث السفينة، وعلي خير البريّة وغيرها.

زيارات

v في يوم الجمعة العشرين من شهر شوال من هذه السنة 1430 هـ، قام مدير مركز الأبحاث العقائدية سماحة الشيخ محمّد الحسون ومعه بعض أعضاء المركز، بزيارة لسماحة آية الله الشيخ محمّد جواد الفاضل اللنكراني حفظه الله ورعاه. وفي بداية اللقاء قدّم سماحة الشيخ الحسون تقريراً كاملاً عن عمل المركز والمنهاج العلمي الذي يتبعه في الدفاع عن مذهب أهل البيت عليهم السلام، وكذلك وضحّ أقسام المركز وكيفية العمل فيها.
ثمّ تفضّل سماحة الشيخ اللنكراني وبيّن ما يتعرّض له مذهب أهل البيت عليهم السلام من هجوم شرس من قبل الأعداء، وضرورة التصدّي والوقوف لهذه الهجمة العنيفة. وفي ختام كلامه أثنى سماحته على المركز واصداراته وتمنّى لإعضائه المزيد من التوفيق والتسديد.



v في يوم الثلاثاء الثامن من ذي القعدة من هذه السنة 1430 هـ، قام وفد من صحيفة «اُفق حوزة» التي تصدر عن مديرية الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة، قام بزيارة لمركز الأبحاث العقائدية، واجتمع بداية بمدير المركز، ثمّ عقدت جلسة حوار علمية حضرها أعضاء المركز.
وفي البداية أوضح مدير المركز سماحة الشيخ الحسون لضيوفه ما شاهده من انتشارمذهب أهل البيت عليهم السلام في كل أنحاء العالم، ونقل لهم صوراً حيّة عن الدول التي زارها والتقى فيها بأعداد كبيرة من المستبصرين. ثمّ أوضح لهم المنهج العلمي الذي يسير عليه المركز في الدفاع عن مذهب أهل البيت عليهم السلام، وهذا المنهج في الواقع هو منهج الأئمة الأطهار عليهم السلام والذي يوصي به الآن مراجع الدين.
ثمّ بدأ سماحة الشيخ حسن مولائي، رئيس تحرير هذه الصحيفة، ببيان الأهداف التي من أجلها أوسست هذه المجلّة، الذي تسير عليه في نشر المعارف الإسلامية.
وفي ختام الجلسة استمع من أعضاء المركز إلى بعض الملاحظات والمداخلات، واتفق الطرفان أخيراً على استمرار التعاون بينهما في سبيل الدفاع عن المذهب الحقّ ونشر الدين الإسلامي الأصيل.





v في الثالث عشر من شهر ذي القعدة، يوم الأحد من هذه السنة، قام مدير المركز بزيارة لسماحة آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي حفظه الله، حيث قدّم له مجموعة من الإصدارات الأخيرة للمركز، وأثنى سماحته على عمل المركز واصداراته خصوصاً «موسوعة من حياة المستبصرين ».

نشاطات



v نشرت صحيفة « اُفق حوزة » الصادرة عن مديرية الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة، في عددها 244 الصادر 29 مهر من هذه السنة 1388 هـ ش الموافق لليوم الثاني من شهر ذي القعدة 1430 هـ، نشرت زيارة رئيس علماء أندينوسيا إلى مركز الأبحاث العقائدية ولقائه بأعضاء هذا المركز، وكذلك نشرت مقتطفات من حديثه في تلك الزيارة، حيث جاء فيها:
رئيس هيئة العلماء في أندونيسيا: اعترف علماء مصر
بصحة التعبّد وفق مذهب أهل البيت عليهم السلام
«في الرحلة التي قمت بها إلى جامعة الأزهر لتلقّي العلوم الدينية توصّلت إلى أنَّ التعبّد وفق مذهب أهل البيت عليهم السلام صحيح، وشاهدت أنَّ بعض علماء مصر أيضاً قد اعترفوا بصحة مكتب ومذهب أهل البيت عليهم السلام».
حسب التقارير الواردة عن «مركز خبر الحوزة » بيّن السيّد عمر شهاب رئيس هيئة العلماء في أندونيسيا في تفقّده لـ «مركز الأبحاث العقائدية » التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني، بيَّن هذا الأمر، وأكدّ على ضرورة تقوية الوحدة بين المسلمين واستحكامها قائلاً:
نعتقد أنَّ الوحدة بين المسلمين يجب أن تكون عامة وشاملة، نحن نختلف مذهبيّاً، وهذا أمر طبيعي، ولكن يجب أن لا يجرنا هذا الاختلاف إلى التفتّت والانقسام عن بعضنا البعض، بل ينبغي أن نجتمع تحت خيمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
كما قال مفتي أندونيسيا الأعظم: نعلم أنَّ هذه الاختلافات بين المسلمين والمنافقين كانت موجودة في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستمرّت حتى زماننا هذا، ولكن الأمّة الإسلاميّة ومادامت متمسّكة بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تدع أي فرصة لاستفادة الأعداء والمنافقين من هذه الاختلافات، ما يكون سبباً للتشتت بين المسلمين وانقسامهم.
وأضاف السيّد شهاب: إنّّ الله سبحانه وتعالى خلق الأمم ذات طبائع مختلفة، ليتعرّفوا على بعضهم البعض، ولذا يُتراءا من الضروري أن توثَّق الروابط بين إيران وأندونيسيا ويتبادلون العلوم والثقافات والتقنيات فيما بينهم.
كما أشار هذا العالِم الإسلامي إلى زيارته للمراكز العلميّة والثقافية في إيران وخاصة في مدينة قم المقدّسة، وقال: عند التقائي بعلماء الشيعة الكبار شاهدت منهم التواضع وابتعادهم عن الكبر، علماء الشيعة وكبارهم يستندون في بيان معتقداتهم إلى الأدلّة والبراهين، وإتيانهم بهذه الأدلّة والبراهين يدلّ على أنّ هذا المذهب على الحقّ.
وأضاف رئيس هيئة العلماء في أندونيسيا: ليست هناك اختلافات معمّقة بين مذهب أهل البيت ومذهب السنّة، إنَّ الذي شاهدته في المذهب السنّي هو الاعتقاد بالله تعالى، القرآن، الرسول الأكرم والسنّة النبويّة، كما أنّهم يعتقدون بالقضاء والقدر و...، وهذه المعتقدات موجودة عند الشيعة أيضاً.
وقال المفتي الأعظم في أندونيسيا: كان المنافقون موجودين في جامعة المسلمين في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لإيجاد الفرقة فيما بينهم، كما أنّهم وفي يومنا هذا قومون بتكفير الشيعة.
نرجوا من الله أن يهديهم لأن الفرقة مخرِّبة والوحدة الإسلامية بناءّة.
رئيس هئية علماء أندونيسيا وضمن الإشارة إلى بعض النشاطات التي يقوم بها المنافقون والوهابيون في أندونيسيا قال: يقول المنافقون في أندونيسيا: إنَّ مذهب الشيعة الإماميّة مذهب مجوسي، وأتباع هذا المذهب يقومون بعبادة الأحجار والأخشاب، ويطلبون حوائجهم من هذه الأحجار والأضرحة الفلزية للقبور.
هذا والحال أنَّ الشيعة يقومون بتبيين مسألة التوسّل بوضوح، وذلك استناداً إلى الأدلّة العقلية والنقلية.
وأضاف قائلاً: المنافقون والوهابية يقولون بأنَّ الشيعة يعتقدون بقرآن آخر أكبر من هذا القرآن الذي بأيدينا، لا توجد فيه المعوذتان، وهذه إشارة إلى بعض المشكلات التي قاموا بإيجادها ضدّ الشيعة في أندونيسيا.
أضاف عمر شهاب: هذا والحال أنَّ علماء الشيعة يسعون دائماً إلى التقريب وإيجاد الوحدة بين المذاهب الإسلامية.
يجب أن ننقل هذه المعلومة إلى الجوامع العلمية وكبار أندونيسيا، وفي حال انتقالها ستكون سبباً في تقوية واتّساع الروابط بين هؤلاء وبين علماء المذهب الشيعي.
وأنهى المفتي الأعظم لأندونيسيا كلامه قائلاً: إنَّ البعض وإن كانوا مسلمين في الظاهر، لكنّهم يحملون أفكاراً يهودية، إنّهم يسعون دائماً إلى إقصاء إيران عن المجتمع الدولي وإشعال فتيل الفتنة والاختلاف بين المسلمين الشيعة.
وفي هذا اللقاء عبّر مدير مركز الأبحاث العقائدية حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد الحسّون عن سروره بزيارة المفتي الأعظم في أندونيسيا إلى مدينة قم المقدسة، وأضاف: المباني التي أُسّس المركز وفقها هي الدفاع عن مذهب أهل البيت عليهم السلام بالاستناد إلى الأدلّة والبراهين العقلية والنقلية، وهذا ما يؤكّد عليه القرآن الكريم.
وأضاف سماحته: نشاهد تطوراً بنّاءً في مجال تبيين الأفكار الحقّة لأهل البيت عليهم السلام بين الأُمّة الإسلامية وحتى بقيّة الأُمم، وهذه النشاطات كانت سبباً في تسليط الضوء علينا من قبل الموافقين والمخالفين، ولقد قمنا بنشاطات ثمينة في مجال تقوية الوحدة الإسلامية.
وقال الشيخ محمّد الحسّون في نهاية اللقاء: لم تسبّب نشاطات هذا المركز أي نوع من العداوة والبغضاء عند الجوامع العلمية لأهل السنّة ولقد قمنا بطبع العديد من الكتب الاعتقادية ونشرها في سائر أنحاء العالم.






v أجرت مجلّة «صدى الروضتين » الصادرة عن قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة في مدينة كربلاء المقدسة، في عددها 116 الصادر في السادس عشر من جمادى الأخرة من هذه السنة 1430 هـ، أجرت لقاء مع مدير المركز سماحة الشيخ محمّد الحسون، جاء فيه:
مركز الأبحاث العقائدية..... خيرُ مدافع عن المذهب الحق وناشر لعلومه
أهل البيت (عليهم‌السلام)عنوان مضيء في حياة الإنسانية، وعنوان شامخ في حركة التاريخ وللمسيرة الإسلامية، نطق به الوحي الإلهي، ونطق به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولهج بذكره المسلمون من جميع المذاهب، وهم أعلام الهدى وقدوة المتقين، وهم مأوى أفئدة المسلمين من جميع أقطار الأرض، عرفوا بالعلم والحكمة والإخلاص والوفاء والصدق والحلم، وسائر صفات الكمال في الشخصية الإسلامية، فكانوا قدوة للمسلمين، ورواد الحركة الإصلاحية والتغيرية في المسيرة الإسلامية.
لكن أعداء الحقيقة أغاظتم هذه الصفات والأخلاق والمنزلة العظيمة فدأبوا على محاربتها بشتى الوسائل مهما كانت خستها، فبدأوا بالتحريف والتنكيل، وهذا الأمر لم يقتصر في حياة الأئمة الأطهار(عليهم‌السلام) بل طال شيعتهم ومحبيهم ومواليهم من بعدهم...
وهذا الأمر استمر إلى يومنا هذا ... فكان لابد من إنبثاق مراكز متخصصة تهتم بالدفاع عن المذهب الحق، دفاعاً يليق بعظم المسؤولية وحجم الهجوم.... وفقاً لضوابط وتعاليم أئمة الهدى.... أئمة الخير والسلام.... وسبل النجاة..... فكان تأسيس مركز الأبحاث العقائدية في مدينة قم المقدسة نقطة أولى نحو رد الشبهات التي ترد على المذهب الحق.
ولمعرفة تفاصيل أكثر عن منهجية وطبيعة عمل هذا المركز الكبير بالعنوان والمضمون كان لجريدة صدى الروضتين هذا اللقاء مع فضيلة الشيخ محمّد الحسّون (دام توفيقه) مدير المركز:
بداية أرحب بكم أيها الإخوة الأعزاء من العتبة العباسية المقدسة....
الحقيقة إن مركز الأبحاث العقائدية هو أحد المراكز والمؤسسات التابعة لمكتب المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف)، المقر الرئيسي هنا في مدينة قم المقدسة، تأسس سنة 1419 هـ، صاحب فكرة التأسيس هو فضيلة الشيخ المرحوم فارس الحسّون (طيب الله ثراه).
الهدف الرئيسي لإنشاء هذا المركز هو الدفاع عن مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام) ورد الشبهات التي ترد، بالطريقة العلمية والمنهج العلمي بعيداً عن المهاترات والأساليب التي تخالف الأخلاق التي علمنا إياها أئمة أهل البيت (عليهم‌السلام).
كيف هي العلاقة مع بقية المؤسسات.... ومدى التعاون؟
المركز له علاقات طيبة مع أكثر المؤسسات العلمية سواء أكانت داخل ايران أو خارجها وذلك لأن القضية هي واحدة، وهي الدفاع عن مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام)، والمركز يقدم للآخرين كل ما يستطيع وبمجال إختصاصه، أي ما يتعلق بمسألة العقائد، والمركز فيه مكتبة عقائدية تضم أكثر من عشرين ألف كتاب، أغلبها تخصصية عقائدية، فيها بعض كتب اللغة والتأريخ التي قد يحتاجها الباحثون.... أما الأغلبية فتضم كتب عقائدية ومصادر لا توجد إلا في المكتبات النادرة نسخة أو اثنتين، لذلك نحن لا نسمح إلا لأعضاء المركز بمطالعتها، وبعض الضيوف، لأننا جمعنا كتب الشبهات التي تهاجم مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام) وفيها كتب خطيرة لا يمكن لأي أحد الإطلاع عليها، ومع ذلك نحن نسمح لأصحاب التخصص من أجل الاستفادة من هذه المصادر.
هناك بعض الأقاويل على المؤسسات والمراكز على أنها تنغلق على خط معين؟
التخصص هنا تخصص عقائدي فيما يتعلق بمذهب أهل البيت (عليهم‌السلام) ولدينا علاقات طيبة مع جميع المراجع والكثير من مكاتب المراجع يستفيدون منا، فحينما نحصل على شبهة معينة أول ما نقدم هذه الشبهة الجديدة مباشرة إلى كل المكاتب وإلى كل المرجعيات أو حينما نحصل على قضية عقائدية اثيرت من بعض الجهات أو الشخصيات أو من الفضائيات فنحن أول المبادرين للرد عليها.
فالمركز عقائدي تخصصي محسوب علي مكتب السيد السيستاني (دام ظله الوارف) ولكن هو لكل الحوزة ولكل المراجع ولكل اتباع مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام) بل لكل المسلمين في العالم.
كيف يتم التعامل مع الشبهة؟
يسير المركز بمنهج بحثي علمي، فهو ليس مركزاً إعلامياً أو ثقافياً وكل ما يخرج عنه يحسب على المرجعية ويحسب على المذهب، ولذلك تشاهد مثلاً قناة المستقلة وعلى مدى سنوات تركز دائماً على مركز الأبحاث العقائدية، وحتى إلى قبل أيام دعيت شخصياً، وهذا يدل على أهمية وثقل المركز، كما إن أبحاثنا نطرحها بشكل علمي حديث والحمد لله لم ترد أي إشكاليات على إصداراتنا.
ونحن بدورنا نريد ان نرد على هذه الشبهات، وكان سؤالك في محله لأننا في البداية يجب ان نعرف ما هي نوعية هذه الشبهات المثارة على مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام) واين نجدها؟
في كتب المخالفين والنواصب (محمد عبد الوهاب وابن تيمية) من اعداء المذهب الحق، ولذلك في البداية قمنا بجمع هذه الكتب وبالأخص الكتب القديمة وهذا هو المهم، لأن المخالفين لا يمتلكون جديدا وكل الشبهات التي تطرقوا لها موجودة في الكتب السابقة والقديمة.
شكلت لجنة علمية لدراسة هذه الشبهات فرأيناها شبهات متكررة يعني يأتي شخص في القرن الرابع مثلاً أو الخامس ويطرح شبهة على مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام)، وبعد خمسين عاماً يطرح نفس هذه الشبهة لكن بعنوان آخر ولذلك قمنا بتصفية هذه الشبهات وتصنيفها وارجاعها إلى جذورها.
وقام المركز بطباعة موسوعة حملت عنوان (الرأي الآخر) وجاءت بـ 8 مجلدات وبواقع عشر دورات، من أجل الإطلاع على ما ورد من شبهات على مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام).
وهنا قد يرد سؤال عن موقف علمائنا من الماضين إلى الآن ألم يسمعوا عن هذه الشبهات ويردوا عليها حتى اننا نأتي ونرد عليها؟
نقول علماؤنا الماضون طيب الله ثراهم والحاضرون دام ظلهم قد التفتوا إلى هذه الشبهات واجابوا عليها كثيراً من (السيد المرتضى وحتى قبل قرن وقرنين)، ولكن كتاباتهم علمية ودقيقة وصعبة الفهم على كل إنسان، وهنا يأتي دور المركز بالردّ على هذه الشبهات وفق اجوبة علمية ولكن باسلوب سلس يفهمه الجميع، وليس كأسلوب حوزوي معقد لا يفهمه إلا رجل الدين وطالب العلم الذي قد قضى من عمره سنوات في الحوزة العلمية، فهنا شكلت لجنة أخرى لجمع ما كتبه علماؤنا في ردّ هذه الشبهات على شكل ملفات، وأصبح لدينا لكل شبهة ملف علمي، يضم أصل الشبهة وأول من أثار هذه الشبهة والنص الرئيسي لهذه الشبهة والمصادر الرئيسية وفي مكان آخر ما كتبه علماؤنا في الجواب على هذه الشبهات.
هيكلية العمل في المركز؟
المركز يعمل بواسطة عدة لجان أو أقسام منها قسم ردّ الشبهات، وقسم الموقع الإلكتروني، وقسم المستبصرين، قسم طباعة الكتب الخاصة بالمستبصرين، حيث تبنينا كتبهم لان المستبصر يعيش في دولة لا تمتلك مصادر فنسهل لهم امر التعامل مع المصادر اما نقلها لهم بالواسطة أو من خلال الاعتماد على قرص المعجم الفقهي وبهذه الطريقة استطاعوا تأليف عدة كتب قمنا بطباعتها وهم من دول متعددة من دولة فلسطين أو في الجزائر أو تونس أو المغرب.
هل للمركز مشاركات خارجية؟
المركز لا يستطيع ان يشارك في كل مهرجان نعم في معارض الكتاب نحن نشارك وفي كثير من المعارض طبعاً لن يسمح لنا بالمشاركة، وكثير من الدول عندما نقدم للمشاركة لا يسمحون لنا بالمشاركة فهدفنا ايصال الكتاب العقائدي الشيعي إلى تلك الدولة حيث شاركنا في المغرب سنتين وكذلك في تونس عدة مرات.
كيف ترون مهرجان ربيع الشهادة؟
في السنة الماضية شاركت فيه شخصياً وتحديداً يوم افتتاح مكتبة العتبة العباسية المقدسة، وكان مهرجاناً جيداً، ولا اقول انه لا توجد سلبيات ولكان اقامة مهرجان في العراق في كربلاء في ظل الظروف الأمنية الحرجة وينجح بهذا النجاح وبهذا الشكل فإنه يستحق الثناء.
وحتى نقول في الكلمة الختامية نرى انه مهرجان اقيم لمدة 5 أو 6 أيام ولكن لو ندقق في الجهود المبذولة في العتبتين الحسينية والعباسية المقدستين وما بين الحرمين وكل الأخوة في كربلاء نرى انهم بذلوا جهوداً كبيرة من اجل انجاح هذا المهرجان الكبير.
كيف ترون تقبل الآخر لمذهب أهل البيت عليهم السلام؟
خلال العقود الأربعة الأخيرة هنالك انتشار كبير لمذهب أهل البيت (عليهم‌السلام) في كافة انحاء العالم، ليس فقط في ما تفضلتم المغرب أو تونس أو بالأخص في الدول العربية والسبب الرئيسي وحسب استقراءنا ومتابعتنا فان اتباع مدرسة أهل البيت (عليهم‌السلام) سابقاً لم يمتلكوا وسائل إعلام سوى المنبر الحسيني وهو موجود في كل مكان وقد حقق الكثير، فلم نملك فضائيات ولا إذاعات ولا تلفزيون محلي ولا انترنت ولا غرف محادثة (البالتوك) بينما في هذه العقود الأخيرة عندما جاءت هذه الوسائل وأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم‌السلام) دخلوا هذا المضمار وبقوة بالرغم من الهجوم المضاد من الآخر المدعوم بقوة دول، أخذ الناس يعرفون مذهب أهل البيت وبالأخص بعد سقوط النظام في العراق، فترى انبثاق عشرات الفضائيات والاذاعات ومئات المواقع التي باتت تتنافس وبقوة مع الآخر.
وهذا الأمر جعل الاستعمار وبعض دول الجوار يحاولون ان يقضوا على العراق أو على الأقل يخلخلوا الوضع الأمني فيه ويسعون لعدم استقراره امنياً واقتصادياً باعتباره يمثل هوية التشيع.
وفقكم الله تعالى وجميع المؤمنين لخدمة هذا المذهب الحق.

---------------------------------------------------------------
1. وَكَفَ: قَطَرَ، الصحاح 4: 1441 » وكف « .
2. الرَكامُ: السحاب المتراكم، الصحاح 5: 1936 » ركم « .
3. اُنظر الصواعق المحرقة: 127.
4. السجدة: 18، الكشّاف: 18، الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة3: 36، أنوار التنزيل 2: 236، الكشف والبيان7: 333.
5. التوبة: 19، جامع الأصول8: 663، معالم التنزيل 3: 20، ربيع الأبرار 3: 423، الدر المنثور 4: 144.
6. البقرة: 274، الكشّاف 1: 398، الصواعق المحرقة: 160.
7. الفاتحة: 7، معالم التنزيل 1: 29.
8. هود: 18، معالم التنزيل 3: 198.
9. الأحزاب: 58، الكشّاف 3: 273، أنوار التنزيل 2: 247، معالم التنزيل 4: 487.
10. الحاقّة: 12، الكشّاف: 24، الكشف والبيان 10: 28.
11. االصافات: 24، الصواعق المحرقة: 159.
12. المجادلة: 12، الكشّاف4: 76، أنوار التنزيل 2: 461.
13. البيّنة: 7، الصواعق المحرقة: 161، النهاية في غريب الحديث والأثر 4: 106، » قمح«، الدر المنثور 8: 589.
14. المطفّفين: 29، الكشّاف 4: 233.
15. الإنسان: 8، الكشّاف 4: 197، معالم التنزيل 5: 498
16. الشورى : 23، الكشّاف 3: 467، أنوار التنزيل 2: 357، الصواعق المحرقة : 162، الكشف والبيان 8: 31.
17. الزمر: 33، الدر المنثور 7: 228، معالم التنزيل 4: 484.
18. آل عمران : 61، صحيح مسلم 4: 187، سنن الترمذي 5: 638، فرائد السمطين 1: 377، جامع الأصول 8: 650، الكشّاف 1: 434، أنوار التنزيل 1: 161، الكامل في التاريخ 2: 293، مصابيح السنّة 4: 183، الصواعق المحرقة: 148.
19. الأحزاب: 33، صحيح مسلم 4: 1883، مصابيح السنّة 4: 183، معالم التنزيل 4: 464، سنن الترمذي 5: 663.
20. المائدة: 55، معالم التنزيل 2: 272، الكشّاف 1: 623، أنوار التنزيل 1: 280، التفسير الكبير 12: 26.
21. معالم التنزيل 4: 278، تفسير الطبري 19: 74، السنن الكبرى 9: 7، تفسير ابن أبي حاتم 9: 2826.
22. المستدرك على الصحيحين 3: 134، مسند أبي داود الطيالسي: 360، مسند أحمد بن حنبل 1: 545.
23. مسند أحمد بن حنبل 5: 501، فضائل الصحابة للنسائي: 15.
24. انظر صحيح البخاري 5: 24 و6: 3، صحيح مسلم 4: 1870.
25. صحيح البخاري 4: 73، صحيح مسلم 3: 1440، جامع الأصول 8: 654، مصابيح السنّة 4: 171.
26. سنن الترمذي 5: 595، فضائل الإمام علي(عليه‌السلام) لأحمد بن حنبل: 42، مجمع الزوائد 9: 125، المستدرك على الصحيحين 3: 830 حلية الأولياء 4: 356.
27. سنن الترمذي 5: 639، مصابيح السنّة 4: 173، جامع الأصول 8: 658.
28. سنن الترمذي 5: 662، مسند أحمد بن حنبل 5: 492، مصابيح السنّة 4: 190، جامع الأصول 1: 278.
29. جامع الأصول 8: 649، مصابيح السنّة 4: 173، الصواعق المحرقة: 176.
30. تهذيب التهذيب: 2: 104.
31. فاطر: 32.
32. تاريخ اليعقوبي: 3: 17.
33. الجرح والتعديل: 2: 487.
34. الثقات: 6: 131.
35. الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1: 58.
36. حلية الأولياء 1: 72.
37. الملل والنحل 1: 147.
38. مناقب أبي حنيفة 1: 172، والتحفة الاثنى عشرية: 8.
39. صفوة الصفوة 2: 94.
40. مطالب السؤول 2: 56.
41. وفيات الأعيان 1: 327.
42. ينابيع المودّة 3: 160.
43. الفصول المهمّة: 222.
44. الأعراف : 43.
45. آل عمران : 8 .
46. آل عمران : 93.
47. الحج : 32.
48. أنظر حديث الثقلين في سنن النسائي 5 : 130، سنن الترمذي 5 : 329، مسند أحمد 5: 182، المستدرك على الصحيحين 3 : 193، وغيرها.
49. أنظر المستدرك على الصحيحين 2 : 343 ، 3 151، الدر المنثور 3 : 334.
50. البقرة : 159.
51. الدخان : 29.
52. سنن الترمذي 4 : 129، الدر المنثور 6 : 30، تفسير الطبري 25 : 162، تفسير القرطبي 16 : 140 – 141 واللفظ للأخير.
53. كنز العمّال 14 : 51.
54. الجامع الصغير 2 : 759، تاريخ دمشق 54 : 414، كنز العمّال 11 : 137.
55. الجامع الصغير 2 : 759.
56. كنز العمّال 1 : 184.
57. يونس، 39.
58. البقرة، 13.
59. الفرقان، 63.
60. بحار الأنوار، 74 : 269.
61. الأحقاف، 35.
62. الأنعام، 34.
63. القصص، 41.
64. الكافي 8 : 2 – 5.
65. البذر : القوم الذين لا يكتمون الكلام.
66. مشكاة الأنوار : 126.
67. مشكاة الأنوار، 125.
68. تفسير الامام العسكري : 307.
69. قرب الاسناد : 78.
70. الأمالي، الشيخ الصدوق، 484.
71. الكافي، 8 : 212 – 213.
72. يونس : 62 – 64.
73. الزمر : 17 – 18.
74. نهج البلاغة بشرح الشيخ محمّد عبده 1 : 153.
75. البروج : 8 – 9.
76. الأعراف : 82.
77. المطففين : 29 – 33.
78. الزخرف : 78.
79. المجادلة : 20 – 21.
80. المائدة : 33.
81. الأحزاب : 57.
82. المستدرك على الصحيحين 2 : 147.
83. النساء : 54 – 55.
84. الأنفال : 49.
85. سير أعلام النبلاء 15 : 243.
86. البقرة : 170.
87. المائدة : 104.
88. الأعراف : 28.
89. إبراهيم : 3.
90. البقرة : 86.
91. البقرة : 212.
92. آل عمران : 14.
93. الأعراف : 179.
94. الفرقان : 44.
95. الروم : 52 – 53.
96. النمل : 14.
97. المائدة : 52.
98. المجادلة : 22.
99. آل عمران : 118.
100. التوبة : 23.
101. الممتحنة : 1.
102. البقرة : 204 – 205.
103. الحجرات : 12.
104. النور : 15 – 21.
105. الأحزاب : 58.
106. الأحزاب : 60 – 62.
107. المائدة : 83.
108. النساء : 143.
109. كنز العمّال 14 : 46.
110. مسند أحمد 5 : 269.
111. مجمع الزوائد 7 : 288.
112. وسائل الشيعة 12 : 83.