لمشاهدة الأخبار السابقة، إنتخب العدد من هذه القائمة :


أخبار المركز (16)

إصدارات المركز

موسوعة حديث الثقلين



v صدر عن مركز الأبحاث العقائدية الحلقة الأولى من (موسوعة حديث الثقلين) في أربعة مجلّدات، وقد أثبت المؤلّفون فيها تواتر هذا الحديث بصيغة (كتاب الله وأهل بيتي) عند الشيعة الإمامية في مجلدين، والزيدية في مجلد واحد، والإسماعيلية في مجلد واحد أيضاً، والعمل مستمر في الحلقات الأُخرى لهذه الموسوعة حيث يتمّ إثبات تواتر هذا الحديث بهذه الصيغة أيضاً في مصادر أتباع مدرسة الصحابة علماً بأنّ الحلقة الأخيرة من هذه الموسوعة يخصّص لدراسة دلالة هذا الحديث.
وجاء في مقدّمة هذه الموسوعة التي كتبها مدير مركز الأبحاث العقائدية سماحة الشيخ محمّد الحسون ما يلي:
الحمدُ  للّه  ربّ  العالمين  ،  والصلاة  والسلام  على  خير  خلق  اللّه  أجمعين  ،  أبي  القاسم  محمّد  ،  وعلى  أهل  بيته  الطيّبين  الطاهرين  الذين  أذهب اللّه  عنهم  الرجس  وطهّرهم  تطهيراً  ،  واللعن  الدائم  على  أعدائهم  ومبغضيهم ومنكري  فضائلهم  من  الآن  إلى  قيام  يوم  الدين  .
الحمد  للّه  على  إكمال  الدين  وإتمام  النعمة  ،  والحمد  للّه  الذي  جعلنا  من المتمسّكين  بولاية  أهل  البيت (عليهم السلام)  .
كثر  الحديث  في  السنوات  الأخيرة  عن  الوحدة  الإسلامية  ،  والطُرق والوسائل  التي  تؤدّي  إلى  وحدة  المسلمين  وتماسكهم  ،  وعدم  تباغضهم وتناحرهم  الذي  يؤدي  إلى  إضعافهم  جميعاً  .
وتعدّدت  الأطروحات  والنظريّات  والآراء  التي  تُحقّق  ذلك  ،  وكثرت المؤتمرات  التي  عُقدت  من  أجل  تحقيق  الوحدة  الواقعية  ،  والتي  شاركنا  في بعضها  بتقديم  مجموعة  من  البحوث  .
وكذلك  أجرت  بعض  الفضائيات  حلقات  خاصّة  وندوات  علميّة  ، استُضيف  فيها  عدد  من  الفضلاء  والباحثين  من  مختلف  المذاهب  الإسلامية  ، من  أجل  التوصّل  لصيغة  معيّنة  تؤدّي  إلى  وحدة  المسلمين  ،  وقد  كان  لنا حضور  في  بعضها  .
إلاّ  أنّنا  ـ  وعلى  الرغم  من  كثرة  المؤتمرات  والندوات  والنداءات المخلصة  التي  وجهها  زعماء  المسلمين  ـ  لم  نشاهد  تقدّماً  ملحوظاً  في  هذا المجال  ،  ولازالت  الفاصلة  كبيرة  بين  المسلمين  ،  بل  نشاهد  أكثر  من  ذلك  ، فقد  كادت  الفتنة  الطائفية  أن  تقع  بين  بعض  المسلمين  في  البلاد  الإسلامية  .
ففي  العراق  الجريح  :  هُدّمت  مساجد  ،  وخُرّبت  حسينيات  ،  واعتدي  على مراقد  طاهرة  لأهل  البيت (عليهم السلام)  ،  وقُتل  عدد  ليس  قليلاً  من  العلماء  والفضلاء  ، بل  أصبح  القتل  على  الهوية  .
وكلّ  هذا  يحصل  ،  ولم  تتحرّك  ضمائر  الكثير  من  أصحاب  الرأي  والقرار في  البلدان  الإسلامية  ،  بل  ـ  ومع  الأسف  الشديد  ـ  حصل  خلاف  ذلك  ،  إذ أخذ  البعض  يُثير  الطائفية  ،  ويُحرّض  على  اقتتال  المسلمين  فيما  بينهم  ، بواسطة  خطب  ناريّة  أو  بيانات  طائفية  .
ونحن  نعتقد  أنّ  أفضل  سبيل  لوحدة  المسلمين  الواقعيّة  ـ  لا  الوحدة الصوريّة  التي  تُحتّمها  المصالح  السياسيّة  ـ  هو  التمسّك  بالقرآن  الكريم  وأهل البيت (عليهم السلام)  ،  استناداً  إلى  حديث  الثقلين  الذي  أجمع  عموم  المسلمين  ـ  على اختلاف  مذاهبهم  ومشاربهم  ـ  على  صحّته  وتواتره  وصدوره  من  نبيّ  الرحمة  بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)  :  «كتاب  اللّه  وعترتي  أهل  بيتي»  .
وإن  كان  هذا  الحديث  له  صورة  أُخرى  وهي  «كتاب  اللّه  وسنّتي»  ،  إلاّ  أنّ هذه  الصورة  انفرد  بها  بعض  المحدّثين  ،  وتمّت  المناقشة  في  سنده  في  كتب خُصّصت  لهذا  البحث  .
ومن  هذا  المنطلق  ،  رأى  مركز  الأبحاث  العقائدية  ،  ضرورة  تسليط  الضوء  على  هذا  الحديث  النبوي  الشريف  ،  وبيان  تواتره  في  مصادر المسلمين  عموماً  ،  فجاءت  هذه  الموسوعة  المباركة  ،  الحاوية  لمصادر  هذا الحديث  عند  أتباع  مدرسة  أهل  البيت (عليهم السلام)  :  الإمامية  ،  والزيدية  ، والإسماعيلية  .  ثمّ  مصادره  عند  أتباع  مدرسة  الخلفاء  .
والهدف  من  هذه  الموسوعة  هو  إثبات  تواتر  هذا  الحديث  ـ  المحصّل والمنقول  ـ  وإثبات  كونه  مجمعاً  عليه  ومشهوراً  وصحيحاً  ،  وبيان  قيمته ومركزيّته  في  مدرسة  أهل  البيت (عليهم السلام)  من  خلال  كثرة  نقله  والاعتماد  عليه والاحتجاج  به  .  وكذلك  موقعه  عند  المخالفين  .
وكان  منهجنا  فيه  كما  يلي  :

أولاً  :  ذكرنا  مصادر  الحديث  المعتمدة  عند  أتباع  أهل  البيت (عليهم السلام)  فكانت  مائة  وعشرين  مصدراً  عند  الإمامية  ،  ابتداءً  بكتاب  سليم  بن  قيس  الهلالي  الكوفي (ت  حدود  76  ـ  80  هـ )  ،  وانتهاءً  بكتاب  مجمع  الفائدة  والبرهان  للمقدّس الأردبيلي  (ت  993  هـ )  .
وكانت  مصادر  الزيدية  مائة  وثلاثة  وعشرين  مصدراً  ،  ومصادر  الإسماعيلية  عشرين  مصدراً  .
أمّا  مصادر  أتباع  مدرسة  الخلفاء  فلم  يتمّ  العمل  بها  لحدّ  الآن  حتى  نذكر عددها  ،  وإن  شاء  اللّه  نستوفي  البحث  عنها  في  مقدّمة  خاصّة  بها  عند  إكمالها وطبعها  .

ثانياً  :  نبدأ  أولاً  بذكر  نصّ  الحديث  من  المصدر  .
ثمّ  نذكر  ترجمة  مؤلّفه  ،  وتوثيقه  ونزاهته  ومكانته  العالية  عند  أصحاب التراجم  والسير  .
ثمّ  نثبت  نسبة  هذا  الكتاب  لمؤلّفه  وقيمته  العلمية  ومقبوليته  عند  العلماء  .
كلّ  ذلك  من  أجل  أن  لا  يردّ  علينا  أحدٌ  ويقول  بأنّ  ذلك  الكتاب  لم تثبت  نسبته  لمؤلّفه  ،  أو  أنّ  مؤلّفه  ضعيف  وغير  معتمد  عليه  .
وإذا  كان  للمؤلّف  عدّة  كتب  ذكرَ  فيها  هذا  الحديث  ،  نذكرها  جميعاً  مرتّبة  حسب  عدد  الأحاديث  الواردة  فيها  ،  فنقدّم  الكتاب  الذي  ينقل  أربعة أحاديث  على  الذي  ينقل  ثلاثة  مثلاً  .

ثالثاً  :  ذكرنا  مصادر  الإماميّة  ابتداءً  من  القرن  الأوّل  الهجري  وحتى  آخر القرن  العاشر  فقط  ،  ولم  ننقل  من  المصادر  التي  بعده  ;  وذلك  لكثرة  تلك المصادر  وصعوبة  حصرها  ،  وأنّ  أغلبها  ينقل  من  المصادر  الرئيسية  في القرون  السابقة  ،  أي  لا  جديد  فيها  .
وإنّما  نقلنا  من  المصادر  في  القرن  السابع  حتى  العاشر  ،  مع  أنّ  بعضها أيضاً  ينقل  من  المصادر  المتقدّمة  عليها  ،  وذلك  لأهمية  تلك  المصادر العلمية  ،  ككتب  السيد  ابن  طاووس  والعلاّمة  الحلّي  ،  وأنّ  كثيراً  منها  نقلت  هذا  الحديث  من  مصادر  متقدّمة  لم  تصل  إلينا  .

رابعاً  :  ذكرنا  المصادر  مرتبةً  ترتيباً  زمانياً  حسب  القرون  ،  الأقدم  فالأقدم  .
خامساً  :  المصادر  المفقودة  ،  نقلنا  عنها  بواسطة  مصادر  معتمدة  أُخرى متوفّرة  لدينا  .

ملاحظات  ثلاث  :

الأولى  :  إنّ  للشيعة  الإماميّة  أدلّتهم  الخاصّة  في  موضوع  الإمامة  ،  ومَن  هو القائم  بالأمر  بعد  رسول  الله (صلى الله عليه وآله)  ،  منها  الأدلّة  العقليّة  المذكورة  في  مضانّها من  كتبهم  الكلاميّة  .
فهم  يستدلّون  عقلاً  على  أصل  وجوب  نصب  الإمام  وشروطه  بأدلّة عديدة  ،  منها  الأدلّة  النقليّة  التي  تكون  منزلتها  بعد  العقليّة  كداعمة  ومؤيّدة  لها في  إثبات  أصل  الإمامة  ،  ومعينة  لمن  له  هذا  المقام  وهذا  المنصب  الإلهي  ، وهي  كثيرة  مذكورة  في  كتبهم  وفي  كتب  العامّة  ،  والتي  منها  حديث  الثقلين موضوع  البحث .
فموقع  البحث  فيه  ;  هو  من  حيث  كونه  صادراً  من  النبيّ  الأكرم (صلى الله عليه وآله) كإرشاد  لدليل  العقل  ،  ومعيّن  وحاصر  به  الأشخاص  القائمين  بالأمر  بعده  .
وأمّا  نقله  عن  مصادر  الشيعة  ;  فهو  من  جهة  إظهار  حجّتهم  أمام مخالفيهم  ،  وأنّ  ما  ورد  في  مصادرهم  وأسانيدهم  حجّة  لهم  وعليهم  وإن  لم يقبل  به  غيرهم  .
ثمّ  إنّ  تسالمهم  على  الأخذ  بالأدلّة  اليقينيّة  في  باب  العقائد  عامّة  والإمامة خاصّة  ،  ومن  ثمّ  تمسّكهم  بحديث  الثقلين  نابع  من  تواتره  عندهم  .
وإذا  ثبت  تواتره  عندهم  ،  لا  حاجة  لهم  للبحث  في  أسناد  رواياته  واحداً بعد  واحد  .
فما  نلحقه  بهذا  القسم  إن  شاء  الله  من  البحث  في  الأسانيد  بإفرادها  ،  ما هو  إلاّ  من  باب  التنزّل  مع  الخصم  ،  وردّ  مدّعاه  في  أسانيد  الإماميّة  بالضعف  ، كما  ناقشها  بعضهم  .
فمن  باب  البحث  العلمي  والتدرّج  خطوة  فخطوة  ،  رأينا  أن  نورد  البحث عن  أسانيد  الروايات  في  ملاحق  خاصة  إن  شاء  الله  .

الثانية  :  استدلّت  الزيدية  بحديث  الثقلين  على  إمامة  أمير  المؤمنين  علي بن  أبي  طالب (عليه السلام)  ،  وكونه  هو  الخليفة  الواقعي  بعد  النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)  إذ  رووا هذا  الحديث  وأخرجوه  في  أُمّهات  مصادرهم  المعتمدة  عندهم  بصيغته الصحيحة  «كتاب  اللّه  وعترتي  أهل  بيتي»  ،  والتي  نقلنا  قسماً  منها  ،  ابتداءً بكتاب  المسند  المنسوب  لزيد  بن  علي  (ت  121  هـ )  ،  وانتهاءً  بكتاب  الأزهار  في  ما جاء  في  إمام  الأبرار ،  لسليم  بن  أبي  الهذّام  (ت  القرن  العاشر)  .
وتتّفق  الزيدية  مع  الإمامية  في  إمامة  الأئمة  الثلاثة  الأوائل  من  الأئمّة الاثني  عشر  الذين  يعتقد  بهم  الإمامية  ،  وهم  :  علي  ،  والحسن  ،  والحسين (عليهم السلام)  .
لكنّهم  يختلفون  معهم  ابتداءً  من  الإمام  الرابع  ،  فالإمامية  تعتقد  أنّه  علي  ابن  الحسين  زين  العابدين (عليه السلام)  ،  والزيدية  تعتقد  أن  الإمامة  لمن  قام  بالسيف  من  ولد  فاطمة  .  فبعد  استشهاد الإمام  الحسين (عليه السلام)  انقسم  الشيعة  إلى  قسمين  :

الأوّل  :  قال  بإمامة  علي  بن  الحسين  زين  العابدين (عليه السلام)  ،  ومن  بعده  أولاده المعصومين (عليهم السلام)  أي  أنّ  الإمامة  منحصرة  في  وُلد  الحسين (عليه السلام)  دون  إخوانه أبناء  علي  بن  أبي  طالب (عليه السلام)  .

الثاني  :  قال  بأنّ  الإمامة  بعد  الحسين (عليه السلام)  هي  في  وُلد  الحسن والحسين (عليهما السلام)  ،  دون  باقي  إخوتهم  من  أبناء  علي (عليه السلام)  ،  فمن  قام  منهم  من  وُلد الحسنين (عليهما السلام)  ودعا  إلى  نفسه  وجرّد  سيفه  فهو  الإمام  المفروض  الطاعة  بمنزلة  علي  بن  أبي  طالب (عليه السلام)  ،  وإمامته  موجبة  من  اللّه  على  أهل  بيته  وسائر الناس  .
وهذا  القسم  سُمىّ  بالسرحوبيّة  ـ  على  قول  ـ  أو  بالجاروديّة  نسبة  إلى أبي  الجارود  زياد  بن  المنذر  الهمداني  الكوفي  .
وسمّي  قسم  آخر  منهم  بالصباحيّة  ،  نسبةً  إلى  صباح  بن  يحيى  المزني الكوفي  .
وقسم  آخر  منهم  سُمّي  باليعقوبيّة  ،  نسبةً  إلى  يعقوب  بن  عدي  .
فاجتمعت  هذه  الأقسام  الثلاثة  ـ  السرحوبيّة  أو  الجاروديّة  ،  والصباحيّة  ، واليعقوبيّة  ـ  وخرجت  مع  زيد  بن  علي  بن  الحسين  في  ثورته  ضدّ  الأمويين أيام  حكم  هشام  بن  عبد  الملك  سنة  122هـ  ،  وسمّوا  جميعاً  بالزيديّة  ; لأتباعهم  زيد  بن  علي  .
وهذا  لا  يعني  بأنّ  هذه  الأقسام  الثلاثة  متّحدة  في  كافّة  آرائها  وأفكارها  ، بل  هي  تختلف  في  السُنن  والشرائع  والفرائض  والأحكام  والسير  ،  فالكلّ يتّفقون  على  تقديم  الإمام  علي  بن  أبي  طالب (عليه السلام)  على  غيره  من  الصحابة  ، ويختلفون  في  مسألة  التبرّي  من  مخالفيه  .
وبعد  استشهاد  زيد  بن  علي  انقسم  الزيديّة  إلى  قسمين  :

الأوّل  :  البتريّة  ،  نسبة  إلى  كثير  بن  إسماعيل  النواء  ،  المعروف  بكثير  النوا  .

الثاني  :  الجاروديّة  نسبة  إلى  أبي  الجارود  الهمداني  .
وكانت  البتريّة  فرقة  كوفيّة  قريبة  في  آرائها  من  جماعة  أهل  الحديث وفقهاء  مذاهب  السنّة  في  مابعد  .
أمّا  الجاروديّة  فكانت  أفكارها  قريبة  من  الإماميّة  ،  من  حيث  إنكارها خلافة  الخلفاء  الأُول  ،  والقول  بإمامة  علي  والحسن  والحسين (عليهم السلام) بالنصّ  من  النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)  .
وقد  تغلّبت  آراء  الجاروديّة  في  الزيديّة  عموماً  ،  وأصبح  مبدأ  الثورة  على الحاكم  الظالم  هو  الميّزة  الأساسية  لهم  ;  لذلك  ثار  كثير  من  دعاة  الزيديّة  على الحكّام  الظلمة  في  أيام  الأمويين  والعباسيين  ،  مثل  :
يحيى  بن  زيد  بن  علي  ،  الذي  ثار  في  خراسان  سنة  125هـ  .
ومحمد  بن  عبد  اللّه  بن  الحسن  ،  الذي  ثار  في  المدينة  المنورة  وأخوه إبراهيم  بن  عبد  اللّه  الذي  ثار  في  البصرة  سنة  145هـ  .
والحسين  بن  علي  ،  الذي  ثار  في  فخَّ  بين  مكّة  والمدينة  سنة  169هـ  .
ومحمد  بن  إبراهيم  ومحمّد  بن  زيد  ،  ثارا  في  البصرة  سنة  199هـ  .
واستمرّت  معارضة  الزيديّة  للحكّام  الظلمة  وأخذت  أشكالاً  مختلفة  ، إلى  أن  تأسّست  أوّل  إمامة  زيديّة  في  اليمن  سنة  284هـ   على  يد  الإمام  الهادي  يحيى  بن  الحسين  بن  القاسم  بن  إبراهيم  بن  إسماعيل  بن  إبراهيم  بن الحسن  ابن  الحسن  بن  علي  بن  أبي  طالب (عليه السلام)  .
ومن  بعده  تعاقب  الأئمّة  على  دول  تمتدّ  فتسيطر  على  كلّ  اليمن  أحياناً  ، وتنكمش  إلى  دويلة  صغيرة  في  الشمال  أحياناً  أُخرى  ،  بل  وقد  تختفي  نهائياً لبعض  الوقت  بحسب  الظروف  السياسية  في  البلاد  ،  حتى  أُعلن  إلغاء  الإمامة رسمياً  عند  قيام  الثورة  في  26  سبتمبر  سنة  1962 م  وأُعلن  عن  تشكيل الجمهورية  العربيّة  اليمنيّة  .
وعلى  كلّ  حال  ،  فإنّ  الزيديّة  وإن  كانت  تتّفق  مع  الإماميّة  في  بعض المعتقدات  الأساسية  ،  كالقول  بإمامة  علي  والحسن  والحسين (عليهم السلام)  ،  إلاّ  أ نّها تختلف  معها  في  أُمور  جوهريّة  ،  أوّلها  عدم  القول  بإمامة  الأئمّة  الاثني عشر (عليهم السلام)  الذي  يعتبره  الشيعة  الإمامية  الركيزة  الأساسية  لمذهب  أهل البيت (عليهم السلام)  ،  إضافة  إلى  اختلافهم  في  بعض  الأحكام  والشرائع  والسنن وغيرها  .

الثالثة  :  بعد  وفاة  الإمام  السادس  من  أئمّة  أهل  البيت (عليهم السلام)  ،  الإمام  جعفر الصادق (عليه السلام)  سنة  148  هـ  ،  انقسم  الشيعة  إلى  قسمين  :

الأول  :  قالوا  بإمامة  ولده  الإمام  موسى  الكاظم (عليه السلام)  .

الثاني  :  قالوا  بإمامة  ولده  إسماعيل  ،  وإليه  تنسب  الإسماعيلية  .
والإمامية  يعتقدون  بأنّه  مات  في  حياة  أبيه  سنة  133  هـ  والإسماعيلية يعتقدون  بأنّه  لم  يمت  في  حياة  والده  بل  غاب  ،  وبقي  بعد  وفاة  أبيه  حتى توفّي  سنة  158  هـ  .
وعلى  هذا  فإنّ  الإسماعيلية  يتّفقون  مع  الإمامية  في  إمامة  الأئمّة  الستّة الأُول  ،  لكنّهم  يختلفون  معهم  ابتداءً  بالإمام  السابع  .
والإسماعيليون  جعلوا  الإمامة  «إحدى  دعائم  الدين  ،  وسمّوها  الولاية»  .
وقالوا  :  « إنّها  أفضل  دعائم  الدين  وأهمّها  بعد  النبوّة  ،  وإنّه  لا  يستقيم الدين  إلاّ  بها »  .
فالإمامة  عندهم  هي  «المركز  الذي  تدور  عليه  دائرة  الفرائض  ،  فلا  يصحّ وجودها  إلاّ  بإقامتها»  .
وقالوا  بنظرية  النصّ  أيضاً  ،  أي  أنّ  الأئمة  منصوص  عليهم  من  قبل  النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)  .
وقالوا  :  «إنّ  الإمامة  تستمرّ  مدى  الدهر  ،  وأنّها  بدأت  بالتسلسل  من  عهد آدم  ،  وأنّ  الكون  لا  يستطيع  البقاء  لحظة  واحدة  دون  إمام  ،  وأنّه  لو  فقد  ساعة لمات  الكون  وتبدد  .
فهي  تعادل  درجة  الإيمان  ،  أو  القلب  في  الجسم  ،  أو  العقل  بالنسبة للإنسان  .
بالإضافة  إلى  ذلك  ،  فالإمام  هو  الذي  يحرّم  الحرام  ويحلّ  الحلال  ،  ويقيم حدود  اللّه  ،  ويذبّ  عن  دين  اللّه  بموجب  نصوص  القرآن  ،  ويدعو  إلى  سبيل ربّه  بالحكمة  والموعظة  الحسنة»([1])  .
فهم  يعتقدون  بأنّ  الإمام  والخليفة  بعد  النبي  محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)  هو  علي  بن أبي  طالب (عليه السلام)  ،  ويستدلّون  على  ذلك  بأدلّة  كثيرة  ،  منها  حديث  الثقلين بصيغته  الصحيحة  «كتاب  اللّه  وعترتي  أهل  بيتي»  .
ونحن  قد  سعينا  قدر  الإمكان  إلى  تتبّع  مصادرهم  الرئيسية  التي  نقلت هذا  الحديث  ،  أو  التي  حكت  عنها  .
لكنّ  المشكلة  التي  واجهناها  هي  عدم  توفّر  الكثير  من  المصادر  ،  إذ لازال  الكثير  منها  مخطوطاً  ومحفوظاً  في  خزاناتهم  الخاصّة  .
ومع  ذلك  كلّه  فقد  استطعنا  الوقوف  على  بعض  هذه  الكتب  وأثبتنا  ما ورد  فيها  من  الأحاديث  ،  فكان  ما  عثرنا  عليه  هو  عشرون  مصدراً  ،  ابتداءً بكتاب  شرح  الأخبار ،  للقاضي  النعمان  بن  محمّد  بن  حيون  المغربي  (ت 363  هـ ) ،  وانتهاء  بكتاب  الأزهار  ،  لحسن  بن  نوح  بن  يوسف  (ت  939 هـ ) .

شكر  وتقدير


ختاماً  نتقدّم  بجزيل  الشكر  والتقدير  لكافّة  الإخوة  الأعزاء  في  مركز الأبحاث  العقائدية  الذين  ساهموا  في  إخراج  هذه  الموسوعة  ،  ونخصّ  بالذكر الأخ  العزيز  سماحة  الشيخ  محمّد  رضا  السلامي  ،  الذي  أخذ  على  عاتقه تأليف  ما  يتعلّق  بقسم  الإمامية  من  هذه  الموسوعة  ،  وكذلك  الأخ  العزيز سماحة  الشيخ  رافد  التميمي  الذي  قام  بتأليف  ما  يتعلّق  بالزيدية  والإسماعيلية  من هذه  الموسوعة  .
والحمد  للّه  ربّ  العالمين

وفي بداية الجزء الثالث من هذه الموسوعة المخصّص لاثبات تواتر هذا الحديث بهذه الصيغة المتعلّق بمصادر الشيعة الزيدية ورد ما يلي:

توطئة:
إنّ  حديث  الثقلين  من  الأحاديث  المتواترة  والمقطوع  بصحتها  عند  جميع طوائف  المسلمين  وقد  تلقّوه  بالقبول  على  اختلاف  آرائهم  ومعتقداتهم .
ومن  تلك  الفرق  التي  نقلته  واعتمدت  عليه ،  بل  وأسّست  عليه  كثيراً  من عقائدها  الفرقة  الزيديّة ،  فقد  تلقّوه  بالقبول  وعدّوه  من  الأخبار  المتواترة والمجمع  على  صحتها .
قال  الهادي  إلى  الحق  يحيى  بن  الحسين  ( ت  298 هـ )  في  أصول  الدين : وأجمعوا  أنّ  رسول  الله (صلى الله عليه وآله)  قال :  « إنّي  تارك  فيكم  الثقلين . . . »([2]) .
وقال  أحمد  بن  الحسين  الهاروني  ( ت  411 هـ )  في  التبصرة    بعد  أن  نقل حديث  الثقلين :  الذي  يدل  على  هذا  الخبر  هو  تلقّي  الأمّة  له  بالقبول ،  وكل خبر  تتلقّاه  الأمّة  بالقبول  فيجب  له  أن  يكون  صحيحاً  مقطوعاً به ([3]) .
بل  قد  عدّوا  هذا  الحديث  من  ضروريات  الشريعة  كالصلاة  والصيام ،  قال عبد الله  بن  حمزة  ( ت  614 هـ )  في  شرح  الرسالة  الناصحة  بعد  أن  ذكر  الحديث  ـ :  وهذا  الخبر  ممّا  أطبقت  الأمّة  على  نقله ،  واعترفت  بصحّته ،  فجرى  مجرى الأخبار  في  أصول  الشريعة  كالصلاة  والصوم  وما  شاكل  ذلك([4]) .
ولحديث  الثقلين  المركزيّة  والمحوريّة  لكثير  من  عقائد  الزيديّة  الأساسية التي  تبتني  عليها  أُصولهم ،  فقد  استخدموه  في  مختلف  استدلالاتهم  حيث استدلّوا  به  في  العقائد  على  استمرار  الإمامة  مثلاً ،  واستدلّوا  به  في  أُصول  الفقه لإثبات  حجّيّة  إجماع  العترة  مثلاً ،  وكذا  استدلّوا  به  في  الفقه  والتفسير  وغيرها من  العلوم .
ولكن  عندما  نلاحظ  كلماتهم  المثبتة  لتواتر  هذا  الحديث  أو  الإجماع  عليه مثلاً ،  نجدهم  يستدلّون  على  ذلك  بنقل  الأمّة  له ،  أو  إجماعهم  عليه  وما  شاكل ، وهو  الأمر  الذي  يبعث  على  السؤال  بأن  يقال :  هل  بإمكان  الزيديّة  إثبات  تواتر الحديث  من  خلال  طرقهم  الخاصّة  بهم ،  أو  لا  يمكنهم  ذلك ؟
ومن  خلال  بحثنا  هذا  وتتبعنا  لكتب  الزيديّة  التي  أُلّفت  من  البدء  إلى أواخر  القرن  العاشر  حسب  منهج  هذه  الموسوعة  سنبيّن  الجواب  عن  السؤال المتقدّم ،  ونعطي  نظرة  حول  قيمة  ومحوريّة  حديث  الثقلين  في  الفكر  الزيدي .
ومن  خلال  بحثنا  قد  تمّ  العثور  على  (123)  كتاباً  ورسالة  ذكرت  حديث الثقلين  من  ضمن  مئات  الكتب  التي  اطلعنا  عليها ،  وقد  ذكر  الحديث  في  هذه المصادر  (440)  مرّة ،  بعضها  مسندة  بأسانيد  الزيديّة ،  وبعضها  مسندة  بأسانيد غيرهم ،  وأكثرها  مرسلة .
ثمّ  سنُفرد  الكلام  لأقوال  من  صرّح  بتواتر  الحديث  أو  شهرته  أو  إجماع الأمّة  على  قبوله  وما  شاكل  هذه  الكلمات  والتصريحات ،  وإليك  البحث :
وفي بداية الجزء الرابع من هذه الموسوعة المخصّص لاثبات تواتر هذا الحديث بهذه الصيغة المتعلّق بمصادر الشيعة الإسماعيلية ورد ما يلي:

توطئة:
تعتبر  الفرقة  الإسماعيليّة  من  الفرق  الشيعية  التي  ما  يزال  لها  أتباع  في بعض  الدول  الإسلامية  ،  كالهند  وباكستان  .
تعتمد  هذه  الفرقة  بشكل  أساسي  على  التأويلات  الباطنية  ،  والرموز الفلسفية  الخفيّة  في  إثبات  عقائدها  ،  وتأطيرات  مذهبها  ومعتقدها  .
وقد  واجهت  هذه  الطائفة  الكثير  من  الاضطهاد  والقتل  والتشريد  ،  الأمر الذي  جعل  عندهم  عقيدة  الخفاء والعمل  السرّي  من  أهم  واجبات  دعوتهم  ، حتّى  ألّفوا  في  ذلك  كتباً  عديدة  ،  وقسّموا  حالاتهم  إلى  حالات  الظهور وحالات  التستّر  ،  وعرف  عندهم  مصطلح  « دور  الستر »  يعني  فترة  الخفاء والتستر  .
وهذه  العقيدة  وإن  نفعتهم  في  حفظ  نفوس  دعاتهم  وأتباعهم  ،  إلاّ  أنّها  ولأجل  إصرارهم  عليها  في  كل  مكان  وزمان  أدّت  إلى  ضياع  الكثير  من تراثهم  الفكري  والعلمي  ،  الأمر  الذي  جعل  من  الصعوبة  على  الباحثين  ـ  وحتّى  الإسماعيليّة  منهم  ـ  العثور  على  الكتب  الإسماعيليّة  والاستفادة  منها  ، لا سيّما  الكتب  التي  لم  تر  النور  لحد  الآن  .
ومن  الأسباب  التي  أدّت  إلى  خفاء  أو  اختفاء  مؤلّفاتهم  أيضاً  هو احتواؤها  على  علوم  غريبة  ،  تعتمد  على  نظريات  دقّية  اصطلاحية  ،  بحيث يصعب  على  الكثير  ،  بل  الأكثر  تقبّلها  ،  أو  حتّى  فهمها  .
قال  الباحث  الإسماعيلي  عارف  تامر  في  مقدّمة  كتاب  تاج  العقائد  :  « ممّا  هو  معلوم  أنّه  حتّى  وقت  قريب  كانت  الكتب  التي  تمثّل  الفلسفة الإسماعيليّة  لا  تزال  في  كهف  الستر  والتقية  ،  فهي  كانت  محفوظة  بشكل مخطوطات  في  مجموعات  خاصّة  ،  سواء  في  سورية  أو  فارس  أو  اليمن  ،  وكانت  أيضاً  هناك  صعوبات  جمّة  تقف  في  وجه  الأعضاء  الإسماعيليين أنفسهم  حينما  كانوا  يفكّرون  بنشرها  أو  دراستها([5])   .
قال  الدكتور  الإسماعيلي  مصطفى  غالب  في  مقدّمة  كتاب  الافتخار  :  « ولابدّ  لنا  ـ  ونحن  في  معرض  الحديث  عن  التراث  الفاطمي  الذي  شغل أذهان  العلماء  قديماً  وحديثاً  ـ  من  أن  نهمس  في  آذان  أولئك  المتعصّبين المتزمّتين  الذين  لا  يزالون  حتّى  في  هذا  العصر  الذي  وصل  فيه  الإنسان  إلى القمر  ،  يتعاملون  مع  أنفسهم  وكأنّهم  يعيشون  في  كهوف  الستر  والتقية  ،  وسراديب  الكتمان  ،  لذلك  يرون  أنّه  لا  يقتضي  أن  يتعرّض  أيّ  باحث  أو  عالم  أو  مؤرّخ  للعقائد  السرّية  الباطنية  ;  كونها  من  الأشياء  المقدّسة »([6])   .
ولأجل  هذه  الأُمور  فقد  واجهنا  في  موسوعتنا  هذه  بعض  المشاكل الأساسية  :
منها  :  ضياع  كثير  من  الكتب  الإسماعيليّة  ،  وعدم  وصولها  إلى  زماننا هذا  .
ومنها  :  التخفّي  والتحفّظ  على  كثير  من  الكتب  التي  وصلت  من  قبل بعض  المتعصّبين  .
ومنها  :  عدم  انتشار  كثير  من  الكتب  المتوفّرة  لدى  علماء  الإسماعيليّة في  الدول  الإسلامية  .
لذلك  واجهنا  صعوبة  في  جمع  المصادر  الإسماعيليّة  التي  ذكرت حديث  الثقلين  ،  لذا  تجد  أنّ  عدد  الكتب  التي  نقلنا  منها  الحديث  ينقص بكثير  عن  كتب  الإمامية  الاثني  عشرية  ،  وعن  كتب  الزيدية  ،  ولكن هذا  العدد وإن  كان  قليلاً  بذاته  إلاّ  أنّه  كثير  بالنسبة  لما  تقدّم  من  مشاكل  حول  كتب  الإسماعيليّة  .
هذا  بالإضافة  إلى  منهج  الموسوعة  المتّبع  الذي  هو  إلى  القرن  العاشر  .
فمن  بين  عشرات  الكتب  الإسماعيليّة  التي  بحثناها  عثرنا  على  عشرين مصدراً  نقلت  حديث  الثقلين  .
وكذا  واجهنا  صعوبة  في  ترجمة  المؤلّفين  ،  وتوثيق  كتبهم  ;  لنفس الأسباب  المتقدّمة  .

خواطر وتأمّلات



v صدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن (سلسلة الرحلة إلى الثقلين) رقم 35 كتاب (خواطر وتأمّلات) للمستبصر السوري السيّد ضياء الدين الحبش.

وجاء في مقدّمة المؤلّف:
يقول أحد الفلاسفة: إنّ للقلب اعتبارات لا يعرف العقل عنها شيئاً، أو نحو هذا القول.
ولست الآن بصدد إثبات صحّة هذا القول، أو عدم صحّته، إنّما الذي أريد قوله أنّني عشت مثل هذه الحالة ساعة كتابة هذه الأبيات، لدرجة أنّي ما عدت أعرف أنّ هذه القصيدة صدرت مني في حالة تأمّل أم في حالة تأثّر، أم في حالةٍ جمعت كلا الأمرين!
فكُلّ ما أعرفه، أنّني مررت يوماً بمقام السيّدة زينب بنت علي ¥ في دمشق، وكنت آنذاك أعاني من آثار حالة نفسية، نتيجة لجملة من الأحداث تعاقبت في حياتي.
إذ فقدت في هذه الأحداث من أبت الدنيا إلا أن تُفْـقدنيه!
ممّا أثار في نفسي أمواجاً من التداعيات الشعورية، وشحذ فيَّ الحسّ الانفعالي، وقوّة التأمّل في حقيقة هذا الكون، وطبيعته المكونة من الأضداد، بحيث يمكن أن يتحوّل الإنسان بلحظة من ذروة السعادة والسرور إلى هوّة الحزن العميق!
وفي هذه الأجواء جادت النفس بالأبيات التي ستأتيك بعد قليل.

رحلة التساؤلات

هذه الظروف جعلت أسئلة كثيرة تدور في رأسي، وجدت لبعضها جواباً، ولم أجد للكثير منها أية إجابة مقنعة، مثلاً:
ما سرّ ذهاب الأشياء الجميلة من الحياة بسرعة مذهلة؟

أم أنّ هذه الأشياء لم تذهب بسرعة، لكن تعلّقنا الشديد بها يولّد فينا هذا الشعور بعد رحيلها.

لماذا يُعذَّب المخلصون؟   لماذا يُقتَل المصلحون؟

وهكذا عشت حالة من التداعي الفكري، وتطوّرت الأسئلة في ذهني حتّى وصلت إلى سؤال رهيب:

إن كان قابيل قد امتدّت يده لقتل أخيه، فما الضابط بعد هذا لسلوك البشر؟

كيف يمكن أن يطمئن الإنسان إلى الإنسان مع ما عرفناه من سلوك أبناء الأنبياء؟

وإذا كان إخوة يوسف عليه السلام ـ وهم أيضاً أبناء الأنبياء ـ قد خطّطوا لقتله، بل نفّذوا جريمتهم بذلك العنف الذي يكشفه القرآن الكريم، فأيّ معيار يبقى بعد هذا لتصرّفات البشر؟
هذه الأسئلة كانت تضغط على عقلي وقلبي لتقذفني في أجواء من الخوف والقلق فأجدني مندفعاً لأطمئن نفسي فأناجيها:
إنّ الله الذي قصّ لنا هذه القصص في دستوره العظيم ـ القرآن ـ الذي أنزله ﴿هُدى للنَّاسِ وبيّناتٍ منْ الهدى والفرقانِ﴾([7])، وللعبرة والاعتبار، وليرينا منطقة الخطر في عالم الإنسان، لابدّ أنّه بيّن لنا ودلّنا ـ بما لا يدع للشك مجالاً ـ أنّ هناك نماذج من البشر، طُهّرت قلوبهم من نوازع الشرّ والجريمة، لتستقرّ فيهم الأخلاق الفاضلة، والسجايا النبيلة، ليجسّدوا السلوك الإنساني في أسمى درجاته، فعدت إلى النور الإلهي العظيم في القرآن الكريم، وأجهدت نفسي في الدراسة والتأمّل، لأجد هذه النماذج الإنسانيّة الكريمة:
ففي مقابل قابيل كان هناك هابيل، الإنسان الطيب النبيل، الذي قال تعالى في شأنه: ﴿إنَّما يَتَقَبَلُ اللهُ منَ المُتَقِين﴾([8])، وفي مقابل إخوة يوسف، كان هناك يوسف الطاهر النبيل، الذي قال تعالى في شأنه:﴿إنّه منْ عِبادِنا المُخْلَصِين﴾([9]).
وبذلك انفتح قلبي على الله، وأشرق ذهني بهديه، ولمت نفسي لأنّها اقتربت يوماً من اليأس، ولأنّها عاشت لحظات من التشاؤم في ابتعادها عن نور الله، وهديه القويم.
وأخيراً قرّت في نفسي حقيقة رائعة، وهي أنّ الله سبحانه ترك لنا من البشر هداةً مهديين يهدون إلى الحقّ وبه يعملون، وأمثالهم موجودون على امتداد الزمن، وتعاقب الأ ُمم والرسالات.
هذا هو حكم العقل، وكذلك حكم النقل، الذي ستجده في ثنايا هذا الكتاب.
أما من جهة العقل، فإنّه لولا وجود هؤلاء الهداة لم يكن للحياة أيّ معنى، ولوجد الذين يبحثون عن الأعذار ما يطلبون من مبرّرات لانحرافاتهم وضلالهم، فلا تثبت حجّة عليهم، ولا ضابط ولا مقياس يكون قدوة لهم.

ثمرة الحزن

تلك التجربة الشخصيّة القاسيّة فتحت أمام فكري آفاقاً واسعة، راح العقل يجوب فيها ليعيش في التفكّر الدقيق، والتأمّل العميق، فعرفت كيف يتخلّق الصفاء في ظروف الحزن؟! وكيف تنغسل القلوب في أجواء الألم؟!
فهذه الخواطر التي بين يديك، ترتبط بتجربة شخصيّة مؤلمة ومحزنة، إلا أنّها كانت سبباً لتولّد هذه الأفكار والتساؤلات.
عرفت من خلالها كيف يولد الفكر من رحم الحزن؟! وكيف تكون المعاناة والابتلاء أجواءً ملائمة للنضوج الفكري والعقلي؟! هذا، إذا صادفت في طريقها أخلاقاً من الصبر والتعقّل.
ولقد كانت أشدّ لحظات التأثّر ـ في تلك التجربة ـ ساعةَ زرت ذلك المقام الشريف لأوّل مرّة، حيث امتزج في ذهني وقلبي الحزن من جانبين:

الأوّل: رحيل هذه السيّدة الكريمة مع أخيها الحسين، وإخوته وأبنائه وأصحابه، بعد تلك الفاجعة الرهيبة، التي فجعت بها الإنسانيّة جمعاء، مصيبة كربلاء، والتي امتدّت آثارها في حياة كُلّ فرد من المسلمين، إن لم نقل من البشر.

والثاني: رحيل من رحل من فوق الأرض إلى عمق الذات وصميم الوجدان، ليفجّر من هناك الشجون والأفكار!

ضياء الدين الحبش
دير الزور8/7/2002م

النصv

أيقظتَ أشياءً في القلب ياطللُ       يشقى الفؤادُ بها، والدمع ينهملُ!

تبكي وأبكي فهذا الحزن يجمعنا       أنا رحلتُ، وعنك الأهل قد رحلوا!

عهدُ الأحبة أطيافٌ بخاطرتي       أيامَ لاندري ما الحزنُ ما الوجَلُ!

إذ كانت الدنيا تختال ناضرةً!       مزدانةً نشوى تلفّها الحللُ!

واليوم لا أدْري ما بالها وَجَمتْ!       أشياؤها حيرى، في وجهها كَللُ!

وقفتُ محزوناً في ربعِهِم أسِفاً!       حيرانَ لا أقوى أعيتني الحِيَلُ

أمّا الرّفاق فقد تاهت خواطرهم       في سرّ أحزاني، قالوا وقد ذُهلوا:

أتلفت نفسك تَحناناً لسالفةٍ       مهلاً تأسَّ، هداك الله يا رجلُ

لا أملك الحزنَ يا صَحبي فأكتمه       وأين لي عنه منأى ومرتَحلُ؟!

هل كان من ذنبٍ كنّا اقترفناه       حتّى تفرّقْنا كُلٌّ له سُبُلُ؟

أم هكذا الدنيا في أصل فطرتها       في الشرّ قد جُبلت، والناس قد جُبلوا؟!

نعيش في(صِفِّينَ) أم صِفّينُ تسكننا؟       أم لانزال دُمىً يقودنا الجَمَلُ؟

أدبرتِ راحلةً أم جِئتِ مظلمةً؟       ترتدُّ ذكراك أم أيّامُك الأُوَلُ؟

أقول فيكَ؟ وأيُّ القول يسعفني؟       أيُّ البيان، وقد ضاقت به الجُملُ؟

يا صاحبَ الخلق العظيم، يا بشراً،       قامت بدعوته الأخلاق والمثُلُ!

يا (مصطفى) للبرايا كُلّها، فلهم       في كُلّ قولٍ وفعلٍ منك مُنتهلُ!

يا فطرةَ الله في أرقى مراتبها       نورٌ، وحقٌ، في الأطهار ينتقلُ!

حتّى طلعْتَ على الأكوان فازدهرت       ما حدَّ نورَك لا أفقٌ ولا أجَلُ!

فأيّ دنيا، هم أدرى بها عجبا       أنّى يقارب ساحَ العصمة الخَطَلُ؟!

كانت قريش على الأصنام عاكفةً       تدعو (مناةَ) لغير الله تبتهلُ

تقضي لياليها في الرجس غارقةً       بالخمر تلهو وبالأزلام تحتفلُ

وتدفن الأنثى في يوم مولدها       لترتقي شرفاً، يا بئس ما فعلوا!

ويورثون ابناً زوجاتِ والده       ما ذاك عندهم إثم ٌ ولا زَلَلُ!!

سموتَ فكراً وأخلاقاً وعاطفةً       والناس حَولَك في أفكَارِهم عَطَلُ!

وكُنتَ صادقَهم في أوج ضلّتهم       والفصلَ بالحجر الميمون إذ حَمَلوا

بك اصطفى الله للأديان خاتمةً       وبشَّرتْ أنبياءُ الله والرسُلُ

فاقرأ بإذن الله ماحباك به       وحي الرسالة نور الله مكتملُ

آيات نورٍ صُبّت في محاضنها       قلب زكيٌ لا رجسٌ ولا عِللُ

هذي خديجةُ طول العمر تذكرها       من دارها شرعت دعواك ترتجلُ

حبٌّ، وَجودٌ، وتصديقٌ، وتضحيةٌ       عينُ الكمال، وأيُّ الناس يكتملُ؟!

اجهر بها فغداً يأتيك ناصرها       طوبى لصحبك ما عانوا وما اعتقلوا!

جاشت قريش بأحقادٍ لهاديها       واستحسدت وغدت بالغيظ تشتعلُ!

دعاهُمُ يوماً في الدار فاجتمعوا       وقال: أنذركم فشرككم خَطَلُ

من منكمُ يرضى في الله ينصرني       له الوصايَة من بعدي فما قبلوا

فقام سيف الله الفارس الفَرِسُ       وقال: ها أنذا وصيّك الجَدِلُ

وكان ناصره إذ جار ظالمه       من كان يكلؤه حبَّاً ولا يَكِلُ

قالوا لكافله: خذ ذا له بدلاً       عمارة (الغرنوق) نِعْم ذا الرجلُ

فقال: قُبّحتم أغذو لكم ولداً       لتقتلوا ولدي فبئس ذا البدلُ!

وقد علمتُ بأن الخير شرعته       تبغونها عِوَجاً والله لن تصلوا

قالوا: (كفرتَ) بدين الله واعجباً       كيف الفؤادُ على الضدّين يشتملُ؟!

طابت سجايانا زلفى لجنته       فما سجيّةُ مَنْ مِنْ جنّة نزلوا؟!

يا زائرَ (الدنيا) غادَرْتنا عَجِلاً       والطهْرُ يسمو عن (الدنيا) فيرتحلُ

(شيخ الأباطح) كان الحصنَ والسندا       حتّى قضى نحباً لولاه لم ينلوا

وعمَّ عامٌ من الأحزان منبعها:       (عمٌّ وزوجٌ) قد وافاهم الأجل!

والحزن فيض من الأعماق يرسله       شوق القلوب براها الخوفُ والأملُ

كمثل يعقوب، كاد الشوق يهلكه       أيُّ القلوب لذاك الخطب يحتملُ؟!

ومثل حزني! وحزن أمة فُجعت       تبكي الحسين دماً، فخطبها جَلَلُ!

وقلّب الأشرار الأمر إذ عجزوا       عن طمس نورهِمُ برغم ما اختتلوا

في هيئة (النجديْ) إبليسُ خادَعَهم       فاستبشروا نجحاً من غَيِّه نهلوا

لكنّهم نكصوا لمّا رأوا أسداً       يدرون صولته في الفرش مشتمِلُ!
________________________________________
[1] انظر: تاريخ الإسماعيلية، لعارف ثامر 1: 75 ـ 76.
[2] أصول الدين: 79، ضمن المجموعة الفاخرة.
[3] التبصرة :  67.
[4] شرح  الرسالة  الناصحة  1 :  117.
[5] تاج  العقائد  :  7  ،  مقدّمة  المحقّق  .
[6] الافتخار  :  7  ،  مقدّمة المحقّق  .
[7] البقرة (2): 185.
[8] المائدة (5): 27.
[9] يوسف (12): 24.
v النص مؤلّف من مائة بيت، نصف في هذا الجزء، ونصف في الجزء الثاني إن شاء الله.

كتب تحت الطبع

مدخل إلى تاريخ التشيّع في تونس



v يصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن (سلسلة الرحلة إلى الثقلين) رقم 39، كتاب (مدخل إلى تاريخ التشيّع في تونس) للمستبصر التونسي المحامي الاُستاذ عبد الحفيظ البناني (أبي علي)، تناول فيه تأريخ دخول التشيّع إلى المغربي العربي عموماً وإلى تونس خصوصاً وهو كتاب تاريخي مُوثق بالأدلّة، يدلّ على تضلّع مؤلّفه وإلمامه الكبير في هذا الموضوع.



عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشبهة



v يصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن (سلسلة ردّ الشبهات رقم 11) كتاب (عقيل بن أبي طالب بين الحقيقة والشبهة) للاُستاذ الدكتور علي صالح رسن المحمداوي، تناول فيه الملابسات المتعلّقة بهذه الشخصية الإسلامية التي عاشت أوائل أيام البعثة النبوية المشرّفة.

زيارات

v في يوم السبت الثالث والعشرين من شهر شوال 1431 هـ، قام أمين عام مسجد الكوفة والمزارات الملحقة به، السيد موسى الخلخالي والوفد المرافق له بزيارة لمركز الأبحاث العقائدية والتقى بمديره سماحة الشيخ محمّد الحسّون، وقد عرض السيد الخلخالي النشاطات العمرانية والثقافية في هذه الأماكن المباركة، وتمّ الاتفاق على أن يقوم المركز بتزويد مكتبة مسجد الكوفة بالكتب وبعض المستلزمات التي تحتاجها المكتبة، علماً بأنّ المركز سبق وأن بعث مجموعة من الكتب لهذه المكتبة المباركة.





v     v     v

v في بداية شهر محرّم الحرّام 1432 هـ، قام مدير مركز الأبحاث العقائدية بزيارة تبليغية إلى دولة سنغافورا، وهي الزيارة الثانية له، إذ سبق له أن زارها في محرّم الحرّام من السنة السابقة. وفي هذه الزيارة قام سماحته باللقاء مع مجموعة من المؤمنين هناك، والقاء محاضرات في حسينية الزهراء عليها السلام، وكذلك في حسينية الخوجة. وقد حضر سماحته مأتم العزاء المشترك الذي أقامه المؤمنون هناك في يوم العاشر من محرّم الحرّام وتمت قراءة مقتل الإمام الحسين عليه السلام باللغة العربية والانگليزية والاردو.






v     v     v

v في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر محرّم الحرام 1432 هـ، قام سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسين النمر والوفد المرافق له بزيارة لمركز الأبحاث العقائدية، والتقى فيها بمدير المركز واطلع على النشاطات المختلفة للمركز والكتب التي طبعت والتي تحت الطبع والاعمال العلمية التي يقوم بها المركز، وفي نهاية الزيارة اتفق الطرفان على ضرورة  التواصل بين كافة العلماء والشخصيات الثقافية من أجل خدمة الدين الإسلامي العزيز.




نشاطات

v في اليوم الرابع عشر من شهر شوال 1431 هـ، قام مدير مركز الأبحاث العقائدية بالقاء محاضرة علمية في المدرسة الحجتيّة في مدينة قم المقدّسة، حضرها جمع من طلبة العلوم الدينية، وكانت المحاضرة بمناسبة أيام هدم الوهابية لقبور البقيع، وقد أشار سماحته في محاضرته إلى الأساليب التي يتبعها الوهابية في هذه الأيام في محاربة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وأجاب في نهاية المحاضرة على أسئلة الحاضرين.



v     v     v

v شارك مركز الأبحاث العقائدية في معرض الكتاب الذي اُقيم في مدينة قم المقدّسة في شهر ذي القعدة 1431 هـ، بمناسبة زيارة سماحة السيد القائد آية الله العظمى السيد الخامنئي إلى مدينة قم المقدّسة، وكانت غرفة المركز بحمد الله تعالى من الغرف المميّزة بعرضها للكتب العلمية.



v     v     v

v في موسم الحجّ لهذه السنة كان لمركز الأبحاث العقائدية حضور فعال تمثّل بمدير المركز سماحة الشيخ محمّد الحسّون، حيث قام بلقاء الإخوة الحجاج من بقاع مختلفة من أنحاء العالم، كما قام بزيارة بعض الحملات القادمة من دول مختلفة لحجّ بيت الله الحرام.

v     v     v

v بمناسبة وفاة العلاّمة الشيخ محمّد علي العمري في المدينة المنورة، قام موقع (خبر حوزة ) بلقاء خاص مع مدير مركز الأبحاث العقائدية تحدّث فيه عن هذه الشخصية.



ومما جاء فيه:

هل هناك بديل لقائد شعية السعودية؟

مدير مركز الأبحاث العقائدية: يعدّ المرحوم الشيخ محمّد علي العمري شخصية جامعة ولا يمكن ملئ الفراغ الناشيء عن رحيله.

حجة الإسلام والمسلمين الشيخ الحسّون وفي لقاء مع مركز خبر الحوزة أشار إلى أنّ الشيخ العمري كان شخصية اجتماعية قوية وقد تصدّى لحل مشاكل شيعة الحجاز لمدة 60 عاماً، كما اسسّ عدة حسينيات وحوزات علمية هناك.

كما أشار إلى أنَّ الشيخ العمري كان متواصلاً مع الشباب وطالما كان يحبذهم على مواصلة التحقيقات العلمية.

وكان يعتقد بضرورة المباحثات العلمية، وفي هذا المجال كانت له عدّة مباحثات مع المخالفين وحتى مع الفرقة الوهابية، وفي نفس الوقت كان يذبُ عن مذهب أهل البيت عليهم السلام بشدّة، وتعرض إثر ذلك إلى السجن عدّة مرّات.



أضاف الشيخ الحسّون قائلاً: كان الشيخ العمري الوكيل المعتمد عند المراجع منذ زعامة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم.

الشيخ الحسّون وضمن الإشارة إلى لقاءآته بالشيخ العمري في موسم الحجّ قال: كان يعتقد المرحوم أنَّ الحوزات العلمية ينبغي أنّ تتقدّم بمستوى المتطلبات الحديثة وأنَّ الاقتصار على تعلم الفقه والأصول ليس كافيا للطلاب بل يجب أن يكونوا مختصين بالعلوم الحديثة أيضاً.