جيرانه، وتوجع لرزيته إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه، وشمروا

لابرازه، كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى، ولا الحبيب المبدى(1):

وحل أحب القوم كان بقربه * * * يحث على تجهيزه ويبادر

وشمر من قد أحضروه لغسله * * * ووجه لما فاض للقبر حافر

وكفن في ثوبين واجتمعت له * * * مشيعة إخوانه والعشائر

فلو رأيت الاصغر من أولاده، وقد غلب الحزن على فؤاده، ويخشى من الجزع عليه، وخضبت الدموع عينيه، وهو يندب أباه، ويقول: يا ويلاه وا حرباه(2):

لعاينت من قبح المنية منظرا * * * يهال لمرآه ويرتاع ناظر

أكابر أولاد يهيج اكتئابهم * * * إذا ما تناساه البنون الاصاغر

وربة نسوان عليه جوازع * * * مدامعهن فوق الخدود غوازر
ثم اخرج من سعة قصره، إلى ضيق قبره، فلما استقر في اللحد وهئ عليه اللبن، احتوشته أعماله، وأحاطت به خطاياه، وضاق ذرعا بما رآه، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب، وأكثروا البكاء عليه والانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه، وآيسوا من النظر إليه، وتركوه رهنا بما كسب وطلب:

فولوا عليه معولين وكلهم * * * لمثل الذي لاقى أخوه محاذر

____________

1- المبدى: المقدم، المفضل.

2- وا حرباه: كلمة يندب بها الميت، وتستعمل للتأسف.


الصفحة 512
كشاء رتاع آمنات بدالها بمديته بادي الذراعين حاسر

فريعت ولم ترتع قليلا وأجفلت * * * فلما نأى عنها الذي هو جازر
عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفبأفعال الانعام اقتدينا، أم على عادتها جرينا؟! عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى، واعتبر بموضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى:

ثوى مفردا في لحده وتوزعت * * * مواريثه أولاده والاصاهر

وأحنوا على أمواله يقسمونها * * * فلا حامد منهم عليها وشاكر

فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها * * * ويا آمنا من أن تدور الدوائر
كيف أمنت هذه الحالة، وأنت صائر إليها لا محالة؟! أم كيف ضيعت حياتك، وهي مطيتك إلى مماتك؟! أم كيف تشبع من طعامك، وأنت منتظر حمامك؟! أم كيف تهنأ بالشهوات، وهي

مطية الآفات؟!:

ولم تتزود للرحيل وقد دنا * * * وأنت على حال وشيك مسافر

فيا لهف (1)نفسي كم أسوف توبتي وعمري فان والردى لي ناظر

وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت * * * يجازي عليه عادل الحكم قاهر
فكم ترقع بآخرتك دنياك، وتركب غيك وهواك؟! أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين، أبهذا أمرك الرحمن؟! أم

____________

1- فيها لهف: كلمة يتحسر بها على ما فات.


الصفحة 513
على هذا نزل القرآن؟! أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب، وشر

المآب؟! أما تذكر حال من جمع وثمر، ورفع البناء وزخرف وعمر؟!

أما صار جمعهم بورا، ومساكنهم قبورا؟!

تخرب ما يبقى وتعمر فانيا * * * فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر

وهل لك إن وافاك حتفك بغتة * * * ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر

أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي * * * ودينك منقوص ومالك وافر؟!>

وهو متعلق بأستار الكعبة " نثرا ونظما "

الاصمعي.(1): كنت أطوف حول الكعبة ليلة، فإذا شاب ظريف الشمائل، وعليه ذؤابتان وهو متعلق بأستار الكعبة، ويقول: نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت الملك الحي القيوم، غلقت الملوك أبوابها، وأقامت عليها حراسها، وبابك مفتوح للسائلين، جئتك لتنظر إلي برحمتك يا أرحم الراحمين.

ثم أنشأ يقول(2):

يا من يجيب دعا المضطر في الظلم * * * يا كاشف الضر والبلوى مع السقم

قد نام وفدك حول البيت قاطبة * * * وأنت وحدك يا قيوم لم تنم

أدعوك رب دعاء قد أمرت به * * * فارحم بكائي بحق البيت والحرم

إن كان عفوك لا يرجوه ذو سرف * * * فمن يجود على العاصين بالنعم؟!

____________

1- * *.

2- * *.


الصفحة 514
قال: فاقتفيته، فإذا هو زين العابدين عليه السلام.

في التضرع والمناجاة عند الكعبة

عن طاووس اليماني قال: رأيت في جوف الليل رجلا متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول:

ألا أيها المأمول في كل حاجة * * * شكوت إليك الضر فاسمع شكايتي

ألا يا رجائي أنت كاشف كربتي * * * فهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي

فزادي قليل ما أراه مبلغي * * * أ للزاد أبكي أم لبعد مسافتي

أتيت بأعمال قباح ردية * * * فما في الورى خلق (1)جنى كجنايتي

أتحرقني في النار يا غاية المنى * * * فأين رجائي منك (2)أين مخافتي؟

قال: فتأملته فإذا هو علي بن الحسين عليهما السلام، فقلت: يا ابن رسول الله، ما هذا الجزع وأنت ابن رسول الله! ولك أربع خصال: رحمة الله، وشفاعة جدك رسول الله، وأنت ابنه، وأنت طفل صغير (3) فقال له: " يا طاووس، إنني نظرت في كتاب الله فلم أر لي من ذلك شيئا، فإن الله تعالى يقول: " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون "(4). وأما كوني ابن رسول الله، فإن الله تعالى يقول: " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون "(5).

____________

1- عبد " خ ".

2- ثم " خ ".

3- *.

4- *.

5- *.


الصفحة 515
وأما كوني طفلا، فإني رأيت الحطب الكبار لا يشتعل إلا بالصغار " ثم بكى عليه السلام حتى غشي عليه(1).

في المناجاة " في فناء الكعبة في الليل وهو يصلي "

عن محمد بن أبي حمزة، عن أبيه، قال: رأيت علي بن الحسين عليهما السلام في فناء الكعبة في الليل، وهو يصلي، فأطال القيام حتى جعل مرة يتوكأ على رجله اليمنى، ومرة على رجله اليسرى، ثم سمعته يقول بصوت كأنه باك: يا سيدي تعذبني وحبك في قلبي!؟ أما وعزتك لئن فعلت لتجمعن بيني وبين قوم طالما عاديتهم فيك.

في المناجاة والثناء على الله تعالى " نظما "

مليك عزيز لا يرد قضاؤه * * * عليم حكيم نافذ الامر قاهر

عنا كل ذي عز لعزة وجهه * * * فكل عزيز للمهيمن صاغر

لقد خشعت واستسلمت وتضاءلت * * * لعزة ذي العرش الملوك الجبابر

وفي دون ما عاينت من فجعاتها * * * إلى رفضها داع وبالزهد آمر

فجد ولا تغفل فعيشك زائل * * * وأنت إلى دار المنية صائر

ولا تطلب الدنيا فإن طلابها * * * وإن (2)نلت منها غبها لك ضائر (3)

____________

1- * *.

2- كذا استظهرها في الصحيفة ٥، وفي الاصل " فإن ".

3- * *. أقول: أورد صاحب الصحيفة ٤ مناجاة منظومة في ص ١٤٣، وأخرى


الصفحة 516
ص ١٤٤ كما وجدها بخط بعض العلماء ونحن نوردهما كذلك مع اعتقادنا بعدم صحة نسبتهما إليه عليه السلام لما فيهما من ضعف في نظمهما ولفظهما، وهو عليه السلام عين الفصاحة ومنبع البلاغة! وقد قطع السيد الامين بفساد نسبتهما إليه عليه السلام في مقدمة الصحيفة (٥) وقال: عذر صاحب الصحيفة (٤) في إيرادهما عدم كمال معرفته باللسان العربي، وهما: أ في المناجاة المنظومة:

ألم تسمع بفضلك يا مناي * * * دعاء من ضعيف مبتلاء

غريقا في بحار الغم حزنا * * * أسيرا بالذنوب وبالخطاء

أنادي بالتضرع كل يوم * * * مجدا بالتبتل والدعاء

لقد ضاقت علي الارض طرا * * * وأهل الارض ما عرفوا دوائي

فخذ بيدي فإني مستجير * * * بعفوك يا عظيم ويا رجائي

أتيتك باكيا فارحم بكائي * * * حيائي منك أكثر من خطائي

ولي هم وأنت لكشف همي * * * ولي داء وأنت دواء دائي

وأيقظني الرجاء فقلت ربي * * * رجائي أن تحقق لي رجائي

تفضل سيدي بالعفو عني * * * فإني في بلاء من بلائي


الصفحة 517

ب في المناجاة المنظومة أيضا:

إليك يا رب قد وجهت حاجاتي * * * وجئت بابك يا ربي بحاجاتي

أنت العليم بما يحوي الضمير به * * * يا عالم السر علام الخفيات

اقض الحوائج لي ربي فلست أرى * * * سواك يا رب من قاض لحاجاتي

وسع بفضلك لي رزقا أعيش به * * * يا قاسم الرزق من فوق السماوات

واغفر ذنوبي بما أخطأت وارحمني * * * يا راحم الخلق فارحم لي مناجاتي

سهل أموري واختمها بمنقلبي * * * استر عيوني وبلغني مراداتي

حقق بجودك آمالي ومنقلبي * * * بعد الممات بروضات وجنات

ولا تؤاخذني بالذنب تعلمه * * * واغفر بجودك يا ربي خطيئاتي

اجمع لي الشمل في أهلي وفي ولدي * * * وردني نحو أحبابي وحبابي

يا خالقا يا من لا شبيه له * * * اسمع دعائي ويسر لي مهماتي

يا من تعالى بلا وصف يكون له * * * للواصفين ولا مدح البريات.


الصفحة 518
وندبته إذا تلا هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين "

عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا تلا هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " (1)يقول: اللهم ارفعني في أعلى درجات هذه الندبة، وأعني بعزم الارادة، وهبني حسن المستعقب (2)من نفسي، وخذني منها حتى تتجرد خواطر الدنيا عن قلبي من برد خشيتي منك، وارزقني قلبا ولسانا يتجاريان في ذم الدنيا، وحسن التجافي منها حتى لا أقول إلا صدقت (3)وأرني مصاديق إجابتك (4)بحسن توفيقك حتى أكون في كل حال حيث أردت.

فقد قرعت بي باب (5)فضلك فاقة ** * بحد سنان نال قلبي فتوقها (6)
وحتى متى أصف محن الدنيا، ومقام الصديقين، وأنتحل عزما من إرادة مقيم بمدرجة الخطايا؟! أشتكي ذل ملكة الدنيا وسوء أحكامها علي، فقد رأيت وسمعت لو كنت أسمع في أداة فهم أو أنظر بنور يقظة.

____________

1- *.

2- المستعتب " خ ".

3- صدقا " خ ".

4- أحاديثك " خ ".

5- قد فزعت إلى باب " خ ".

6- الفتوق: الآفات من جوع وفقر ودين ونحوها.


الصفحة 519
وكلا (1)ألاقي نكبة وفجيعة * * * وكأس مرارات ذعافا (2)أذوقها
وحتى متى أتعلل بالاماني وأسكن إلى الغرور، وأعبد نفسي للدنيا على غضاضة سوء الاعتداد من ملكاتها؟! وأنا أعرض لنكبات الدهر علي، أتربص اشتمال البقاء، وقوارع الموت تختلف حكمي في نفسي، ويعتدل حكم الدنيا.

وهن المنايا أي واد سلكته * * *(3) عليها طريقي أو علي طريقها
وحتى متى تعدني الدنيا (4) فتخلف، وأئتمنها فتخون؟! لا تحدث جدة إلا بخلوق جدة، ولا تجمع شملا إلا بتفريق شمل، حتى كأنها غيرى محجبة ضنا (5) تغار علي الالفة، وتحسد أهل النعم.

فقد آذنتني بانقطاع وفرقة * * * وأومض (6) لي من كل أفق بروقها
ومن أقطع عذرا من مغذ سيرا (7) يسكن إلى معرس (8) غفلة بأدواء نبوة الدنيا (9) ومرارة العيش، وطيب نسيم الغرور؟! وقد أمرت تلك الحلاوة على القرون الخالية، وحال دون ذلك النسيم هبوات (10)وحسرات، وكانت حركات فسكنت، وذهب كل عالم بما فيه.

فما عيشة إلا تزيد مرارة * * * ولا ضيقة إلا ويزداد ضيقها!

____________

1- وكيلا " خ ".

2- ذعافا: سما.

3- سلكنه " خ ".

4- الايام " خ ".

5- ضنا: بخلا.

6- أومض: لمع وظهر

7- أغذ في السير: أسرع.

8- المعرس: الموضع الذي ينزل فيه القوم

9- نبوة الدنيا: خطبها وجفوتها.

10- الهبوة: الغبار.


الصفحة 520
فكيف يرقأ (1) دمع لبيب، أو يهدأ طرف متوسم (2) على سوء أحكام الدنيا، وما تفجأ به أهلها من تصرف الحالات، وسكون الحركات؟! وكيف يسكن إليها من يعرفها، وهي تفجع الآباء بالابناء وتلهي الابناء عن الاباء؟! تعدمهم أشجان (3) قلوبهم، وتسلبهم قرة عيونهم.

وترمي قساوات القلوب بأسهم وجمر فراق لا يبوخ (4) حريقها وما عسيت أن أصف من محن الدنيا، وأبلغ من كشف الغطاء عما وكل به دور الفلك من علوم الغيوب، ولست أذكر منها إلا قتيلا أفنته، أو مغيب ضريح تجافت عنه! فاعتبر أيها السامع بهلكات الامم، وزوال النعم، وفضاعة ما تسمع وترى من سوء آثارها في الديار الخالية، والرسوم الفانية، والربوع (5)الصموت. وكم عالم (6)أفنت فلم تبك شجوه ولا بد أن تفنى سريعا لحوقها فانظر بعين قلبك إلى مصارع أهل البذخ، وتأمل معاقل الملوك، ومصانع الجبارين، وكيف عركتهم الدنيا بكلاكل الفناء، وجاهرتهم بالمنكرات، وسحبت عليهم أذيال البوار، وطحنتهم طحن الرحى

____________

1- يرقأ: يجف.

2- المتوسم: المتفرس.

3- أشجان: أحزان

4- يبوخ: يخمد ويسكن.

5- الربوع: الديار.

6- عاقل " خ ".


الصفحة 521
للحب، واستودعتهم هوج الرياح تسحب عليهم أذيالها فوق مصارعهم في فلوات الارض! فتلك مغانيهم (1)وهذي قبورهم توارثها أعصارها وحريقها (2) أيها المجتهد في آثار من مضى من قبلك من الامم السالفة، توقف وتفهم وانظر أي عز ملك، أو نعيم أنس، أو بشاشة ألف إلا نغصت أهله قرة أعينهم، وفرقتهم أيدي المنون، وألحقتهم بتجافيف (3) التراب، فأضحوا في فجوات قبورهم يتقلبون، وفي بطون الهلكات عظاما ورفاتا (4)وصلصالا في الارض هامدون. وآليت (5)لا تبقي الليالي بشاشة (6) ولا جدة إلا سريعا خلوقها وفي مطالع أهل البرزخ، وخمود تلك الرقدة، وطول تلك الاقامة، طفئت مصابيح النظر، واضمحلت غوامض الفكر، وذم الغفول أهل العقول، وكم بقيت متلذذا في طوامس (7)هوامد تلك الغرفات، فتوهت بأسماء الملوك، وهتفت بالجبارين، ودعوت الاطباء والحكماء، وناديت معادن الرسالة والانبياء، أتململ تململ السليم (8)وأبكي بكاء الحزين، وأنادي ولات حين مناص!(9): سوى أنهم كانوا فبانوا وأنني * على جدد قصد (10)سريعا لحوقها

____________

1- مغانيهم: منازلهم ومواضعهم.

2- قبورها " خ ".

3- * *.

4- رفاتا: حطاما.

5- آليت: حلفت.

6- بشاشة: سرورا وابتهاجا.

7- طوامس: ما درس وانمحى.

8- السليم: الملدوغ.

9- * *.

10- جدد قصد: أرض مستوية مستقيمة.


الصفحة 522
وتذكرت مراتب الفهم، وغضاضة (1)فطن العقول، بتذكر قلب جريح، فصدعت الدنيا عما التذ بنواظر فكرها من سوء الغفلة، ومن عجب كيف يسكن إليها من يعرفها، وقد استذهلت عقله بسكونها! وتزين المعاذير، وخسات أبصارهم عن عيب (2)التدبير، وكلما تراءت الآيات ونشرها من طي الدهر عن القرون الخالية الماضية، وحالهم وما بهم (3)وكيف كانوا، وما الدنيا وغرور الايام. وهل هي إلا لوعة من ورائها * جوى قاتل أو حتف (4)نفس يسوقها وقد أغرق في ذم الدنيا الادلاء على طرق النجاة من كل عالم، فبكت العيون شجن القلوب فيها دما، ثم درست تلك المعالم، فتنكرت الآثار، وجعلت في برهة (5)من محن الدنيا، وتفرقت ورثة الحكمة وبقيت فردا كقرن الاعضب (6)وحيدا، أقول فلا أجد سميعا، وأتوجع فلا أجد مشتكى. وأن أبكهم أجرض (7)وكيف تجلدي وفي القلب مني لوعة لا أطيقها وحتى متى أتذكر حلاوة مذاق الدنيا، وعذوبة مشارب أيامها، وأقتفى (8)آثار المريدين، وأتنسم أرواح الماضين (9)مع سبقهم إلى الغل والفساد، وتخلفي عنهم في فضالة طرق الدنيا، منقطعا من

____________

1- غضاضة: ذلة ومنقصة.

2- غيب " خ ".

3- ومآلهم " خ ".

4- الحتف: الموت.

5- برهة: مدة.

6- الاعضب: الضبي الذي انكسر أحد قرنيه

7- أجرض: أهلك.

8- أقتفي: أتتبع.

9- الصالحين " خ ".


الصفحة 523
الاخلاء؟! فزادني جليل الخطب لفقدهم جوى، وخانني الصبر حتى كأني أول ممتحن أتذكر معارف الدنيا وفراق الاحبة.

فلو رجعت تلك الليالي كعهدها * * * رأت أهلها في صورة لا تروقها
(1) فمن أخص بمعاتبتي؟ ومن أرشد بندبتي؟ ومن أبكي، ومن أدع؟ أشجو بهلكة الاموات، أم بسوء خلف الاحياء؟! وكل يبعث حزني، ويستأثر بعبراتي، ومن يسعدني فأبكي وقد سلبت القلوب لبها، ورقا الدمع؟! وحق للداء أن يذوب على طول مجانبة الاطباء، وكيف بهم وقد خالفوا (2)الامرين، وسبقهم زمان الهادين، ووكلوا إلى أنفسهم يتنسكون في الضلالات في دياجير الظلمات؟! حيارى وليل القوم داج (3)نجومه طوامس لا تجري بطئ خفوقها (4) وقد انتحلت (5)طوائف من هذه الامة بعد مفارقتها أئمة الدين، والشجرة النبوية إخلاص الديانة، وأخذوا أنفسهم في مخائل الرهبانية، وتغالوا في العلوم، ووصفوا الاسلام (6)بأحسن صفاتهم (7)وتحلوا بأحسن السنة، حتى إذا طال عليهم الامد، وبعدت عليهم الشقة (8)وامتحنوا بمحن الصادقين، رجعوا على أعقابهم ناكصين (9)عن سبيل الهدى وعلم النجاة، يتفسحون تحت

____________

1- لا تروقها: لا تعجبها ولا تسرها.

2- خافوا: " خ ".

3- داج: مظلم.

4- خفق النجم: غاب. * *.

5- انتحلت: ادعت.

6- الايمان " خ ".

7- استظهرها في الصحيفة ٥ (صفاته).

8- الشقة: المسافة.

9- نكص على عقبيه: رجع عما كان عليه.


الصفحة 524
أعباء الديانة تفسح حاشية الابل (1)تحت أوراق البزل(2). ولا يحرز السبق الرزاح (3)وإن جرت ولا يبلغ الغايات إلا سبوقها وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، واحتجوا بمتشابه القرآن. فتأولوه بآرائهم، واتهموا مأثور الخبر (4)مما استحسنوا، يقتحمون في أغمار الشبهات، ودياجير الظلمات، بغير قبس نور من الكتاب، ولا أثرة علم (5)من مظان العلم بتخدير مثبطين زعموا أنهم على الرشد من غيهم. وإلى من يفزع خلف هذه الامة، وقد درست أعلام الملة، ودانت الامة بالفرقة والاختلاف؟! يكفر بعضهم بعضا والله تعالى يقول: " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات " (6) فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة، وتأويل الحكمة إلا أهل الكتاب، وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة؟!

____________

1- حاشية الابل: صغارها.

2- * *.

3- كذا استظهرها في الصحيفة ٥ - وفي الاصل " الرزايا ". رزح الجمل: سقط ولصق بالارض ولم يستطع النهوض هزلا أو تعبا.

4- خبر مأثور: ينقله خلفا عن سلف.

5- أثرة علم: بقية منه تؤثر أي تروى وتذكر.

6- *.


الصفحة 525
هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وبرأهم من الآفات، وافترض مودتهم في الكتاب!

هم العروة الوثقى وهم معدن التقى * * * وخير حبال العالمين وثيقها
(1)

في الشكوى

اللهم وقد أكدى (2)الطلب، وأعيت الحيل (3)إلا من عندك وضاقت المذاهب وامتنعت المطالب وعسرت الرغائب، وانقطعت الطرق إلا إليك، وتصرمت (4)الآمال، وانقطع الرجاء إلا منك، وخابت الثقة، وأخلف الظن إلا بك، وغربت (5) الالسن، وأخلفت العدات (6)إلا عدتك. اللهم وإني أجد سبل المطالب إليك مشرعة، ومناهل (7)الرجاء لديك مترعة (8) وأبواب الدعاء إليك مفتحة، والاستغاثة لمن استغاث بك مباحة. وأعلم أنك لمن دعاك بموضع الاجابة، وللصارخ إليك بمرصد الاغاثة، وأن في اللهف إلى جودك، والرضا بقضائك (9)عوضا من

____________

1- * *.

2- أكدى: تعسر وتعذر.

3- الحيلة " خ ".

4- تصرمت: تقطعت.

5- غربت (كذبت) " خ ".

6- العدات: الوعود.

7- * *.

8- مترعة: مملوءة.

9- بضمانك " خ ".


الصفحة 526
منع الباخلين، ومندوحة (1)عما في أيدى المستأثرين، ودركا من خير الموازرين(2). وأن القاصد إليك لقريب المسافة منك، ومناجاة الطالب (3) إياك غير محجوبة عن استماعك. وأنك لا تحتجب عن خلقك، وإنما تحجبهم الآمال دونك وقد علمت يا إلهي (4)أن إفضل زاد الراحل إليك عزم الارادة، وقد ناجاك بعز الارادة قلبي. فأسألك اللهم بكل دعوة دعاك بها داع أجبت دعوته، أو رجاك بها راج بلغته أمله، أو صارخ أغثت صرخته، أو مكروب فرجت عنه أو مذنب خاطئ غفرت له ذنبه، أو فقير أهديت غناك إليه، أو معافى أتممت نعمتك عليه. ولتلك الدعوة عليك حق، ولديك منزلة (5)إلا صليت على محمد وآله، ومننت علي بغفران ما مضى من ذنوبي، واعصمني فيما بقي من عمري، وافتح لي أبواب جودك التي لا تغلقها عن أحبائك وأصفيائك يا أرحم الراحمين(6).

____________

1- مندوحة: سعة.

2- الموازين " خ ".

3- العبد " خ ".

4- يا سيدي " خ ".

5- لديك حق وعليك منزلة " خ ".

6- * *.


الصفحة 527

عند استجابة دعائه (1)

اللهم وقد أكدى الطلب، وأعيت الحيل إلا عندك وضاقت المذاهب، وامتنعت المطالب، وعسرت الرغائب، و انقطعت الطرق إلا إليك، وتصرمت الآمال، وانقطع الرجاء إلا منك، وخابت الثقة، وأخلف الظن إلا بك. اللهم إني أجد سبل المطالب إليك منهجة (2)ومناهل الرجاء لديك مترعة، وأبواب الدعاء إليك مفتحة. وأعلم أنك لمن دعاك بموضع إجابة، وللصارخ إليك بمرصد إغاثة، وأن القاصد إليك لقريب المسافة منك، ومناجاة العبد إياك غير محجوبة عن استماعك. وأن في التلهف إلى جودك، والرضا بعدتك (3) والاستراحة إلى ضمانك عوضا من منع الباخلين، ومندوحة عما قبل المستأثرين، ودركا من خير الموازرين(4). فاغفر يا لا إله إلا أنت ما مضى من ذنوبي، واعصمني فيما بقي من عمري، وافتح لي أبواب رحمتك وجودك التي لا تغلقها عن أحبائك وأصفيائك يا أرحم الراحمين.

____________

1- * *.

2- منهجة: واضحة، بينة.

3- بعدتك: بوعدك.

4- الوارثين " خ ".


الصفحة 528

في حال القنوت (1)

اللهم أنت المبين البائن المبين (2)وأنت المكين الماكن الممكن(3). اللهم صل على آدم بديع فطرتك، وبكر حجتك (4)ولسان قدرتك، والخليفة في بسيطتك، وأول مجتبى للنبوة برحمتك وساحف (5)شعر رأسه تذللا لك في حرمك لعزتك، ومنشأ من التراب نطق إعرابا (6)بوحدانيتك، وعبد لك أنشأته تحصينا لامتك، ومستعيذ بك من مس عقوبتك. وصل على ابنه الخالص من صفوتك والفاحص عن معرفتك والغائص (7)المأمون على مكنون سريرتك بما أوليته من نعمك (8) ومعونتك. وعلى من بينهما من النبيين والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين. وأسألك اللهم حاجتي التي بيني وبينك لا يعلمها أحد غيرك

____________

1- * *.

2- * *.

3- المكين: ذو المكانة. الماكن: القوي القادر. الممكن: المعطي القدرة لعباده.

4- بكرحجتك: أول من احتججت به.

5- ساحف: كاشط، حالق.

6- إعرابا: إفصاحا.

7- الفائص. *.

8- نعمتك " خ ".


الصفحة 529
أن تأتي على قضائها وإمضائها في يسر منك وعافية وشد أزر (1) وحط وزر (2)يا من له نور لا يطفى، وظهور لا يخفى، وأمور لا تكفى. اللهم إني دعوتك دعاء من عرفك وتبتل (3)إليك، وآل (4)بجميع بدنه إليك. سبحانك طوت الابصار في صنعتك (5)مديدتها، وثنت الالباب عن كنهك أعنتها فأنت المدرك غير المدرك، والمحيط غير المحاط به، وعزتك لتفعلن، وعزتك لتفعلن، وعزتك لتفعلن بي (كذا وكذا)(6).

دعاؤه عليه السلام في القنوت

اللهم إن جبلة (7)البشرية، وطباع الانسانية، وما جرت عليه التركيبات النفسية، وانعقدت به عقود النشئية (8)تعجز عن حمل واردات الاقضية، إلا ما وفقت له أهل الاصطفاء وأعنت عليه ذوي الاجتباء(9). اللهم وإن القلوب في قبضتك، والمشيئة لك في ملكك، وقد تعلم أي رب ما الرغبة إليك في كشفه واقعة (10)لاوقاتها

____________

1- الازر: الظهر.

2- الوزر: الاثم.

3- تسبل " خ ".

4- وأن " خ ". آل: رجع.

5- * *.

6- * *.

7- جبلة: طبيعة.

8- الانسية (ألسنة البرية) " خ ".

9- * *.

10- * *.


الصفحة 530
بقدرتك، واقفة بحدك (1)من إرادتك، وإني لاعلم أن لك دار جزاء من الخير والشر مثوبة وعقوبة، وأن لك يوما تأخذ فيه بالحق، وأن أناتك أشبه الاشياء بكرمك وأليقها بما وصفت به نفسك في عطفك وترؤفك، وأنت بالمرصاد (2)لكل ظالم في وخيم (3)عقباه، وسوء مثواه. اللهم وإنك قد إوسعت خلقك رحمة وحلما، وقد بدلت أحكامك، وغيرت سنن نبيك، وتمرد (4) الظالمون على خلصائك، و استباحوا حريمك، وركبوا مراكب الاستمرار على الجرأة عليك. اللهم فبادرهم بقواصف (5)سخطك (6)وعواصف تنكيلاتك في اجتثات غضبك، وطهر البلاد منهم، وعف عنها آثارهم واحطط من قاعاتها ومظانها (7)منارهم، واصطلمهم ببوارك (8)حتى لا تبقي منهم دماعة لناجم (9)ولا علما لآم (10)ولا مناصا (11) لقاصد، ولا رائدا لمرتاد(12). اللهم امح آثارهم، واطمس على أموالهم وذرياتهم (13)وامحق أعقابهم (14)وافكك (15)أصلابهم، وعجل إلى عذابك السرمد

____________

1- واقية " خ ". * *.

2- * *.

3- وخيم: ردئ.

4- ورد " خ ".

5- بواصب " خ ". * *.

6- مساخطك " خ ".

7- مظانها: مواضعها.

8- ببوارك: بهلاكك.

9- لناجم: لظاهر.

10- لآم: لقاصد.

11- منارا " خ ". والمناص: الملجأ والمفر.

12- * *.

13- . وديارهم " خ ". * *.

14- امحق أعقابهم: اقطع نسلهم

15- وانكل " خ ".


الصفحة 531
انقلابهم. وأقم للحق مناصبه، واقدح للرشاد زناده(1) وأثر للثار (2)مثيره وأيد بالعون مرتاده، ووفر من النصر زاده حتى يعود الحق إلى جدته وينير معالم مقاصده، ويسلكه أهله بالامنة حق سلوكه، إنك على كل شئ قدير.

دعاؤه عليه السلام في السجود

عن مولى له أنه عليه السلام برز يوما إلى الصحراء، قال: فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة، فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاءه، وأحصيت عليه ألف مرة يقول: لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله تعبدا ورقا، لا إله إلا الله إيمانا وصدقا‍(3). ثم رفع رأسه من السجود، وإن لحيته ووجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه(4).

دعاؤه عليه السلام في السجود

يا كائنا قبل كل شئ، ويا كائنا بعد كل شئ، ويا مكون

____________

1- * *.

2- * *.

3- إيمانا وتصديقا وصدقا " خ ".

4- أورد في الصحيفة ٥ دعاء له عليه السلام " بعد رفع الرأس من السجدة الاولى ". * *.


الصفحة 532
كل شئ استجب لي يا إلهي فإنك بي عالم، ولا تعذبني فإنك علي قادر. اللهم إني أعوذ بك من الغفلة عند الموت، ومن سوء المرجع في القبر، ومن الندامة يوم القيامة. اللهم إني أسألك عيشة سوية تقية نقية هنيئة، ومنقلبا كريما غير مخز ولا فاضح.

دعاؤه عليه السلام وهو ساجد في مسجد الكوفة

عن يوسف بن أسباط، قال: حدثني أبي، قال: دخلت مسجد الكوفة، فإذا شاب يناجي ربه، وهو يقول في سجوده: سجد وجهي متعفرا (1) في التراب لخالقي، وحق له. فقمت إليه، فإذا هو علي بن الحسين عليهما السلام.

دعاؤه عليه السلام في سجدة الشكر

وروي عن علي بن الحسين عليهما السلام أنه كان يقول مائة مرة في سجدة الشكر: الحمد لله شكرا. وكلما قال عشر مرات، قال:

____________

1- التعفير: جعل الجبين حال السجود على التراب.


الصفحة 533
شكرا للمجيب. ثم يقول: يا ذا المن الدائم الذي لا ينقطع أبدا، ولا يحصيه غيره، ويا ذا المعروف الذي لا ينفد أبدا، يا كريم يا كريم يا كريم. ثم يدعو ويتضرع، ويذكر حاجته، ثم يقول: اللهم لك الحمد إن أطعتك، ولك الحجة علي إن عصيتك لا صنع لي ولا لغيري في إحسان منك في حال الحسنة. يا كريم يا كريم صل على محمد وأهل بيته، وصل بجميع ما سألتك وسألك (1) من في مشارق الارض ومغاربها من المؤمنين والمؤمنات، وابدأ بهم، وثن بي برحمتك. ثم يضع خده الايمن على الارض ويقول: اللهم لا تسلبني ما أنعمت به علي من ولايتك وولاية محمد وآل محمد عليه وعليهم السلام. ثم يضع خده الآيسر على الارض، ويقول مثل ذلك(2).

دعاؤه عليه السلام في سجدة الشكر

عن القائم عليه السلام في حديث طويل قال: كان يقول زين العابدين عليه السلام عند فراغه من صلاته في سجدة الشكر(3):

____________

1- وأسألك " خ ".

2- * *.

3- * *.


الصفحة 534
يا كريم مسكينك بفنائك، يا كريم فقيرك زائرك، حقيرك ببابك يا كريم.

دعاؤه عليه السلام في سجدة الشكر

عن أبي حمزة الثمالي، قال: دخلت مسجد الكوفة فإذا أنا برجل عند الاسطوانة السابعة قائما يصلي يحسن ركوعه وسجوده، فجئت لانظر إليه، فسبقني إلى السجود، فسمعته يقول في سجوده: اللهم إن كنت قد عصيتك، فقد أطعتك في أحب الاشياء إليك وهو الايمان بك، منا منك به علي لامنا به مني عليك، ولم أعصك (1) في أبغض الاشياء إليك: لم أدع (2) لك ولدا، ولم أتخذ لك شريكا منا منك علي لا منا مني عليك. وعصيتك في أشياء على غير مكاثرة مني ولا مكابرة (3) ولا استكبار عن عبادتك، ولا جحود لربوبيتك، ولكن اتبعت هواي و أزلني (4) الشيطان بعد الحجة والبيان(5). فإن تعذبني فبذنوبي غير ظالم لي، وإن ترحمني (6) فبجودك ورحمتك (7) يا أرحم الراحمين. ثم انفتل، وخرج من باب كندة، فتبعته حتى أتى مناخ الكلبيين، فمر بأسود

____________

1- وتركت معصيتك " خ ".

2- وهو أن أدعو " خ ".

3- على غير وجه مكابرة ولا معاندة " خ ".

4- أضلني " خ ".

5- والبرهان: " خ ".

6- وإن تغفر لي وترحمني " خ ".

7- وكرمك " خ ".


الصفحة 535
فأمره بشئ لم أفهمه، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا علي بن الحسين بن علي عليهم السلام. فقلت: جعلني الله فداك ما أقدمك هذا الموضع؟ فقال: الذي رأيت.

دعاؤه عليه السلام في سجدة الشكر

عن طاووس اليماني قال: كان علي بن الحسين سيد العابدين عليه السلام يدعو بهذا الدعاء: إلهي وعزتك وجلالك وعظمتك، لو أني منذ بدعت فطرتي(1) من أول الدهر (2) عبدتك دوام خلود ربوبيتك، بكل (3) شعرة في كل طرفة عين سرمد (4) الابد، بحمد الخلائق وشكرهم أجمعين، لكنت مقصرا في بلوغ أداء شكر أخفى نعمة من نعمك علي. ولو أني كربت (5) معادن، حديد الدنيا بأنيابي، وحرثت أرضها بأشفار عيني، وبكيت من خشيتك مثل بحور السماوات (6) والارضين دما وصديدا لكان ذلك قليلا في كثير ما يجب من حقك علي. ولو أنك يا إلهي عذبتني بعد ذلك بعذاب الخلائق أجمعين، وعظمت للنار خلقي وجسمي، وملات جهنم وأطباقها مني حتى لا يكون في النار معذب غيري، ولا يكون لجهنم حطب سواي، لكان ذلك بعدلك علي قليلا في كثير ما أستوجبه من عقوبتك.

____________

1- بدعت فطرتي: أنشأت خلقي.

2- * *.

3- * *.

4- سرمد: دوام.

5- كربت الارض: قلبتها للحرث.

6- * *.


الصفحة 536
دعاؤه عليه السلام في سجوده عند الكعبة، وهو معتمر في رجب

اعتمر علي بن الحسين عليهما السلام في رجب فكان يصلي عند الكعبة عامة ليله ونهاره، وكان يسمع منه في سجوده: عظم الذنب من عبدك، فليحسن العفو من عندك. لا يزيد على هذا مدة مقامه.

دعاؤه عليه السلام وهو ساجد في الحجر (1)

عن صاحب الزمان عليه السلام قال: كان علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يقول في سجوده في هذا الموضع وأشار بيده إلى الحجر تحت الميزاب: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك، يسألك ما لا يقدر عليه غيرك(2).

* * *
وفي طريق آخر، عن طاووس اليماني قال: رأيت في الحجر زين العابدين عليه السلام يصلي ويدعو: عبيدك ببابك، أسيرك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك

____________

1- * *.

2- أسألك ما لا يقدر عليه سواك " خ ".


الصفحة 537
بفنائك، يشكو إليك ما لا يخفى عليك. (وفي خبر:) لا تردني عن بابك. قال طاووس: فما دعوت بهن في كرب إلا فرج عني.

* * *
وفي طريق ثالث: عن عائشة، قالت: رأيت علي بن الحسين عليهما السلام في الحجر وهو يقول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك. فما دعوت بها في كرب إلا وفرج عني.

دعاؤه عليه السلام عند الاسطوانة السابعة في مسجد الكوفة

عن أبي حمزة الثمالي قال: بينا أنا قاعد يوما في المسجد عند الاسطوانة السابعة إذا برجل مما يلي أبواب كندة قد دخل، فنظرت إلى أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا، وأنظفهم ثوبا، معمم بلا طيلسان ولا إزار، عليه قميص ودراعة وعمامة، وفي رجليه نعلان عربيان، فخلع نعليه، ثم قام عند السابعة ورفع مسبحتيه حتى بلغتا شحمتي أذنيه، ثم أرسلهما بالتكبير، فلم يبق في بدني شعرة إلا قامت، ثم صلى أربع ركعات أحسن ركوعهن وسجودهن، وقال: إلهي إن كنت قد عصيتك فقد أطعتك في أحب الاشياء إليك الايمان بك، منا منك به علي لا منا مني به عليك، لم أتخذ لك ولدا ولم أدع لك شريكا. وقد عصيتك على غير وجه المكابرة (1) ولا الخروج عن عبوديتك

____________

1- المكابرة: المعاندة.


الصفحة 538
ولا الجحود لربوبيتك ولكن اتبعت هواي، وأزلني الشيطان بعد الحجة علي والبيان . فإن تعذبني فبذنوبي غير ظالم، وإن تعف عني فبجودك وكرمك يا كريم ثم خر ساجدا يقولها حتى انقطع نفسه. وقال أيضا في سجوده: يا من يقدر على قضاء حوائج السائلين، يا من يعلم ضمير الصامتين، يا من لا يحتاج إلى تفسير، يا من يعلم خائنة الاعين (1) وما تخفي الصدور، يا من أنزل العذاب على قوم يونس وهو يريد أن يعذبهم فدعوه وتضرعوا إليه، فكشف عنهم العذاب، ومتعهم إلى حين. قد ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم حاجتي، فاكفني ما أهمني من أمر ديني ودنياي وآخرتي، يا سيدي يا سيدي (سبعين مرة). ثم رفع رأسه فتأملته، فإذا هو مولاي زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، فانكببت على يديه أقبلهما، فنزع يده مني، وأومأ إلي بالسكوت، فقلت: يا مولاي أنا من عرفته في ولائكم، فما الذي أقدمكم إلى هنا؟ قال: هو ما رأيت.

دعاؤه عليه السلام عند انصرافه من صلاة فريضة أو نافلة

اللهم لا تجعلنا في هذا الوقت من رحمتك محرومين، ولا

____________

1- * *.


الصفحة 539
لفضل ما نؤمله من عطائك قانطين(1). اللهم خصنا بعظيم الاجر، وكريم الذخر، وحسن الشكر، ودوام اليسر. اللهم اقبلنا (2)، وتقبل منا، واقبلنا منجحين، واغفر لنا ذنوبنا أجمعين، ولا تهلكنا مع الهالكين، ولا تصرف عنا رحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا في هذا الوقت ممن سألك فأعطيته، وشكرك فزدته وطلب إليك فقبلته، وتوسل إليك من ذنوبه كلها فغفرتها له يا ذا

الجلال والاكرام.

اللهم وفقنا، وسددنا، واعصمنا، واقبل تضرعنا يا خير من سئل، و يا أرحم من استرحم. يا من لا يخفى عليه إغماض الجفون، ولا لحظات (3) العيون، ولا ما استتر في المكنون، ولا ما انطوت (4) عليه مضمون القلوب، بل كل قد أحصاه علمك، ووسعه حلمك بلا مؤونة وكلفة، ولا اختلاف آدك(5). سبحانك تعاليت عما يقول الظالمون علوا كبيرا، تسبح لك السماوات بأقطارها، والارضون بأكنافها (6) وجميع ما ذرأت وبرأت منهن، وإن من شئ إلا يسبح بحمدك، فلك الحمد والمجد، وعلو

____________

1- قانطين: يائسين .

2- اقلبنا: ارجعنا.

3- اللحظ: النظر بمؤخر العين.

4- انطوت: اشتملت.

5- آدك: أثقلك وعظم عليك.

6- أكنافها: نواحيها.


الصفحة 540
الحمد. يا ذا الجلال والاكرام، والطول والانعام، والايادي الجسام (1) صل على محمد وآله وافعل بي ما أنت أهله لا ما أنا أهله، فأنت الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم، وأنا أسير خطيئاتي وذنوبي، يا رباه يا رباه يا رباه. كان عليه السلام يقولها حتى ينقطع نفسه.

دعاؤه عليه السلام عقيب الصلاة

عن صاحب الزمان عليه السلام في حديث طويل قال: أتدرون ما كان يقول زين العابدين عليه السلام في دعائه بعقب الصلاة؟ قلنا: تعلمنا. قال: كان يقول: اللهم إني أسألك باسمك الذي به تقوم السماء والارض، و باسمك الذي به تجمع المتفرق، وبه تفرق المجتمع، وباسمك الذي تفرق به بين الحق والباطل، وباسمك الذي تعلم به كيل البحار وعدد الرمال، ووزن الحبال (أن تفعل بي كذا وكذا).

دعاؤه عليه السلام في يوم الاحد

بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الذي لا أرجو إلا فضله، ولا أخشى إلا عدله، ولا أعتمد

____________

1- الايادي الجسام: الاحسان بالنعم العظام.


الصفحة 541
الصفحة السابقةالصفحة التالية