الدَّيْنِ وَ سَهَرِهِ . فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ أَعِذْنِي مِنْهُ، وَ أَسْتَجِيرُ بِكَ، يَا رَبِّ، مِنْ ذِلَّتِهِ فِي الْحَيَاةِ، وَ مِنْ تَبِعَتِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ أَجِرْني مِنْهُ بِوُسْعٍ فَاضِلٍ أَوْ كَفَافٍ وَاصِلٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ احْجُبْنِي عَنِ السَّرَفِ (1) وَ الِازْدِيَادِ، وَ قَوِّمْنِي بِالْبَذْلِ(2) وَ الِاقْتِصَادِ، وَ عَلِّمْنِي حُسْنَ التَّقْدِيرِ، وَ اقْبِضْنِي بِلُطْفِكَ عَنِ التَّبْذِيرِ، وَ أَجْرِ مِنْ أَسْبَابِ الْحَلَالِ أَرْزَاقِي، وَ وَجِّهْ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ إِنْفَاقِي، وَ ازْوِ(3) عَنِّي مِنَ الْمَالِ مَا يُحْدِثُ لِي مَخِيلَةً (4)أَوْ تَأَدِّياً إِلَى بَغْيٍ أَوْ مَا أَتَعَقَّبُ مِنْهُ طُغْيَاناً. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيَّ صُحْبَةَ الْفُقَرَاءِ، وَ أَعِنِّي عَلَى صُحْبَتِهِمْ بِحُسْنِ الصَّبْرِ وَ مَا زَوَيْتَ عَنِّي مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ فَاذْخَرْهُ(5) لِي فِي خَزَائِنِكَ الْبَاقِيَةِ وَ اجْعَلْ مَا خَوَّلْتَنِي مِنْ حُطَامِهَا، وَ عَجَّلْتَ لِي مِنْ مَتَاعِهَا بُلْغَةً إِلَى جِوَارِكَ وَ وُصْلَةً إِلَى قُرْبِكَ وَ ذَرِيعَةً إِلَى جَنَّتِكَ، إِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، وَ أَنْتَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.

كَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذِكْرِ التَّوْبَةِ وَ طَلَبِهَا

اللَّهُمَّ يَا مَنْ لَا يَصِفُهُ نَعْتُ الْوَاصِفِينَ وَ يَا مَنْ لَا يُجَاوِزُهُ رَجَاءُ

____________

1- السرف: تجاوز الحد.

2- البذل: العطاء والكرم.

3- ازو: اصرف.

4- مخيلة: إعجابا.

5- فادخره " خ ".


الصفحة 152
الرَّاجِينَ وَ يَا مَنْ لَا يَضِيعُ لَدَيْهِ أَجْرُ الْمُحْسِنِينَ وَ يَا مَنْ هُوَ مُنْتَهَى خَوْفِ الْعَابِدِينَ. وَ يَا مَنْ هُوَ غَايَةُ خَشْيَةِ الْمُتَّقِينَ . هَذَا مَقَامُ مَنْ تَدَاوَلَتْهُ(1) أَيْدِي الذُّنُوبِ، وَ قَادَتْهُ أَزِمَّةُ الْخَطَايَا، وَ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ(2) الشَّيْطَانُ، فَقَصَّرَ عَمَّا أَمَرْتَ بِهِ تَفْرِيطاً(3)، وَ تَعَاطَى مَا نَهَيْتَ عَنْهُ تَغْرِيراً.(4) كَالْجَاهِلِ بِقُدْرَتِكَ عَلَيْهِ، أَوْ كَالْمُنْكِرِ فَضْلَ إِحْسَانِكَ إِلَيْهِ حَتَّى إِذَا انْفَتَحَ لَهُ بَصَرُ الْهُدَى، وَ تَقَشَّعَتْ(5) عَنْهُ سَحَائِبُ الْعَمَى، أَحْصَى مَا ظَلَمَ بِهِ نَفْسَهُ، وَ فَكَّرَ فِيمَا خَالَفَ بِهِ رَبَّهُ، فَرَأَى كَبِيرَ عِصْيَانِهِ كَبِيراً وَ جَلِيلَ مُخَالَفَتِهِ جَلِيلًا. فَأَقْبَلَ نَحْوَكَ مُؤَمِّلًا لَكَ مُسْتَحْيِياً مِنْكَ، وَ وَجَّهَ رَغْبَتَهُ إِلَيْكَ ثِقَةً بِكَ، فَأَمَّكَ(6) بِطَمَعِهِ يَقِيناً، وَ قَصَدَكَ بِخَوْفِهِ إِخْلَاصاً . قَدْ خَلَا طَمَعُهُ مِنْ كُلِّ مَطْمُوعٍ فِيهِ غَيْرِكَ، وَ أَفْرَخَ رَوْعُهُ(7) مِنْ كُلِّ مَحْذُورٍ مِنْهُ سِوَاكَ. فَمَثَلَ بَيْنَ يَدَيْكَ مُتَضَرِّعاً، وَ غَمَّضَ بَصَرَهُ إِلَى الْأَرْضِ مُتَخَشِّعاً، وَ طَأْطَأَ رَأْسَهُ لِعِزَّتِكَ مُتَذَلِّلًا، وَ أَبَثَّكَ(8) مِنْ سِرِّهِ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ خُضُوعاً، وَ عَدَّدَ مِنْ ذُنُوبِهِ مَا أَنْتَ أَحْصَى لَهَا خُشُوعاً . وَ اسْتَغَاثَ بِكَ مِنْ عَظِيمِ مَا وَقَعَ بِهِ فِي عِلْمِكَ وَ قَبِيحِ مَا فَضَحَهُ فِي حُكْمِكَ مِنْ ذُنُوبٍ أَدْبَرَتْ لَذَّاتُهَا فَذَهَبَتْ، وَ أَقَامَتْ تَبِعَاتُهَا(9)

____________

1- تداولته: تصرفت به

2- استحوذ: غلب واستولى.

3- تفريطا: تقصيرا وتضييعا.

4- تغريرا: تغفلا.

5- تقشعت: انكشفت.

6- أمك: قصدك.

7- أفرخ روعه: ذهب فزعه.

8- أبثك: أظهر وكشف لك.

9- تبعاتها: عواقبها.


الصفحة 153
فَلَزِمَتْ. لَا يُنْكِرُ يَا إِلَهِي عَدْلَكَ إِنْ عَاقَبْتَهُ، وَ لَا يَسْتَعْظِمُ عَفْوَكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ وَ رَحِمْتَهُ، لِأَنَّكَ الرَّبُّ الْكَرِيمُ الَّذِي لَا يَتَعَاظَمُهُ غُفْرَانُ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ . اللَّهُمَّ فَهَا أَنَا ذَا قَدْ جِئْتُكَ مُطِيعاً لِأَمْرِكَ فِيمَا أَمَرْتَ بِهِ مِنَ الدُّعَاءِ، مُتَنَجِّزاً (1)وَعْدَكَ فِيمَا وَعَدْتَ بِهِ مِنَ الْإِجَابَةِ، إِذْ تَقُولُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.(2) اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ الْقَنِي بِمَغْفِرَتِكَ كَمَا لَقِيتُكَ بِإِقْرَارِي، وَ ارْفَعْنِي عَنْ مَصَارِعِ الذُّنُوبِ كَمَا وَضَعْتُ لَكَ نَفْسِي، وَ اسْتُرْنِي بِسِتْرِكَ كَمَا تَأَنَّيْتَنِي (3)عَنِ الِانْتِقَامِ مِنِّي. اللَّهُمَّ وَ ثَبِّتْ فِي طَاعَتِكَ نِيَّتِي، وَ أَحْكِمْ فِي عِبَادَتِكَ بَصِيرَتِي،(4) وَ وَفِّقْنِي مِنَ الْأَعْمَالِ لِمَا تَغْسِلُ بِهِ دَنَسَ الْخَطَايَا عَنِّي، وَ تَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِكَ(5) وَ مِلَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا تَوَفَّيْتَنِي. اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ فِي مَقَامِي هَذَا مِنْ كَبَائِرِ ذُنُوبِي وَ صَغَائِرِهَا، وَ بَوَاطِنِ سَيِّئَاتِي وَ ظَوَاهِرِهَا، وَ سَوَالِفِ زَلَّاتِي وَ حَوَادِثِهَا، تَوْبَةَ مَنْ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَةٍ، وَ لَا يُضْمِرُ(6) أَنْ يَعُودَ فِي خَطِيئَةٍ . وَ قَدْ قُلْتَ يَا إِلَهِي فِي مُحْكَمِ كِتَابِكَ إِنَّكَ تَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ

____________

1- متنجزا: طالبا إنجازه.

2- *.

3- تأنيتني: أمهلتني

4- بصيرتي: يقيني.

5- ملتك: شريعتك.

6- يضمر: ينوي.


الصفحة 154
عِبَادِكَ، وَ تَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ،(1) وَ تُحِبُّ التَّوَّابِينَ،(2) فَاقْبَلْ تَوْبَتِي كَمَا وَعَدْتَ، وَ اعْفُ عَنْ سَيِّئَاتِي كَمَا ضَمِنْتَ، وَ أَوْجِبْ لِي مَحَبَّتَكَ كَمَا شَرَطْتَ وَ لَكَ يَا رَبِّ شَرْطِي أَلَّا أَعُودَ فِي مَكْرُوهِكَ، وَ ضَمَانِي أَنْ لَا أَرْجِعَ فِي مَذْمُومِكَ، وَ عَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعَاصِيكَ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِمَا عَمِلْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا عَلِمْتَ، وَ اصْرِفْنِي بِقُدْرَتِكَ إِلَى مَا أَحْبَبْتَ. اللَّهُمَّ وَ عَلَيَّ تَبِعَاتٌ قَدْ حَفِظْتُهُنَّ، وَ تَبِعَاتٌ قَدْ نَسِيتُهُنَّ، وَ كُلُّهُنَّ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَ عِلْمِكَ الَّذِي لَا يَنْسَى، فَعَوِّضْ مِنْهَا أَهْلَهَا، وَ احْطُطْ (3)عَنِّي وِزْرَهَا، وَ خَفِّفْ عَنِّي ثِقْلَهَا، وَ اعْصِمْنِي مِنْ أَنْ أُقَارِفَ (4)مِثْلَهَا. اللَّهُمَّ وَ إِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِي بِالتَّوْبَةِ إِلَّا بِعِصْمَتِكَ، وَ لَا اسْتِمْسَاكَ بِي عَنِ الْخَطَايَا إِلَّا عَنْ قُوَّتِكَ، فَقَوِّنِي بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ، وَ تَوَلَّنِي بِعِصْمَةٍ مَانِعَةٍ. اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ تَابَ إِلَيْكَ وَ هُوَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ فَاسِخٌ(5) لِتَوْبَتِهِ، وَ عَائِدٌ فِي ذَنْبِهِ وَ خَطِيئَتِهِ، فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ كَذَلِكَ، فَاجْعَلْ تَوْبَتِي هَذِهِ تَوْبَةً لَا أَحْتَاجُ بَعْدَهَا إِلَى تَوْبَةٍ، تَوْبَةً مُوجِبَةً

____________

1- *.

2- *.

3- احطط: ألق.

4- أقارف: أكتسب.

5- فاسخ: ناقض.


الصفحة 155
لِمَحْوِ مَا سَلَفَ، وَ السَّلَامَةِ فِيمَا بَقِيَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ جَهْلِي، وَ أَسْتَوْهِبُكَ سُوءَ فِعْلِي، فَاضْمُمْنِي إِلَى كَنَفِ رَحْمَتِكَ تَطَوُّلًا(1)، وَ اسْتُرْنِي بِسِتْرِ عَافِيَتِكَ تَفَضُّلًا. اللَّهُمَّ وَ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ مَا خَالَفَ إِرَادَتَكَ، أَوْ زَالَ عَنْ مَحَبَّتِكَ مِنْ خَطَرَاتِ قَلْبِي، وَ لَحَظَاتِ عَيْنِي، وَ حِكَايَاتِ لِسَانِي، تَوْبَةً تَسْلَمُ بِهَا كُلُّ جَارِحَةٍ عَلَى حِيَالِهَا(2) مِنْ تَبِعَاتِكَ، وَ تَأْمَنُ مِمَا يَخَافُ الْمُعْتَدُونَ مِنْ أَلِيمِ سَطَوَاتِكَ(3). اللَّهُمَّ فَارْحَمْ وَحْدَتِي بَيْنَ يَدَيْكَ، وَ وَجِيبَ(4) قَلْبِي مِنْ خَشْيَتِكَ، وَ اضْطِرَابَ أَرْكَانِي مِنْ هَيْبَتِكَ، فَقَدْ أَقَامَتْنِي يَا رَبِّ ذُنُوبِي مَقَامَ الْخِزْيِ بِفِنَائِكَ، فَإِنْ سَكَتُّ لَمْ يَنْطِقْ عَنِّي أَحَدٌ، وَ إِنْ شَفَعْتُ فَلَسْتُ بِأَهْلِ الشَّفَاعَةِ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ شَفِّعْ فِي خَطَايَايَ كَرَمَكَ، وَ عُدْ عَلَى سَيِّئَاتِي بِعَفْوِكَ، وَ لَا تَجْزِنِي جَزَائِي مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَ ابْسُطْ عَلَيَّ طَوْلَكَ، وَ جَلِّلْنِي بِسِتْرِكَ، وَ افْعَلْ بِي فِعْلَ عَزِيزٍ تَضَرَّعَ إِلَيْهِ عَبْدٌ ذَلِيلٌ فَرَحِمَهُ، أَوْ غَنِيٍّ تَعَرَّضَ لَهُ عَبْدٌ فَقِيرٌ فَنَعَشَهُ.(5) اللَّهُمَّ لَا خَفِيرَ(6) لِي مِنْكَ فَلْيَخْفُرْنِي عِزُّكَ، وَ لَا شَفِيعَ لِي

____________

1- تطولا: تفضلا.

2- على حيالها: بمفردها.

3- سطوتك: بطشك.

4- وجيب: خفقان.

5- نعشه: رفعه وسد فقره.

6- خفير: مجير.


الصفحة 156
إِلَيْكَ فَلْيَشْفَعْ لِي فَضْلُكَ، وَ قَدْ أَوْجَلَتْنِي خَطَايَايَ فَلْيُؤْمِنِّي عَفْوُكَ. فَمَا كُلُّ مَا نَطَقْتُ بِهِ عَنْ جَهْلٍ مِنِّي بِسُوءِ أَثَرِي، وَ لَا نِسْيَانٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ ذَمِيمِ فِعْلِي، لَكِنْ لِتَسْمَعَ سَمَاؤُكَ وَ مَنْ فِيهَا وَ أَرْضُكَ وَ مَنْ عَلَيْهَا مَا أَظْهَرْتُ لَكَ مِنَ النَّدَمِ، وَ لَجَأْتُ إِلَيْكَ فِيهِ مِنَ التَّوْبَةِ. فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَرْحَمُنِي لِسُوءِ مَوْقِفِي، أَوْ تُدْرِكُهُ الرِّقَّةُ(1) عَلَيَّ لِسُوءِ حَالِي فَيَنَالَنِي مِنْهُ بِدَعْوَةٍ هِيَ أَسْمَعُ لَدَيْكَ مِنْ دُعَائِي، أَوْ شَفَاعَةٍ أَوْكَدُ(2) عِنْدَكَ مِنْ شَفَاعَتِي تَكُونُ بِهَا نَجَاتِي مِنْ غَضَبِكَ وَ فَوْزَتِي بِرِضَاكَ. اللَّهُمَّ إِنْ يَكُنِ النَّدَمُ تَوْبَةً إِلَيْكَ فَأَنَا أَنْدَمُ النَّادِمِينَ، وَ إِنْ يَكُنِ التَّرْكُ لِمَعْصِيَتِكَ إِنَابَةً فَأَنَا أَوَّلُ الْمُنِيبِينَ، وَ إِنْ يَكُنِ الِاسْتِغْفَارُ حِطَّةً لِلذُّنُوبِ فَإِنِّي لَكَ مِنَ الْمُسْتَغْفِرِينَ. اللَّهُمَّ فَكَمَا أَمَرْتَ بِالتَّوْبَةِ، وَ ضَمِنْتَ الْقَبُولَ، وَ حَثَثْتَ(3) عَلَى الدُّعَاءِ، وَ وَعَدْتَ الْإِجَابَةَ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ اقْبَلْ تَوْبَتِي، وَ لَا تَرْجِعْنِي مَرْجِعَ الْخَيْبَةِ مِنْ رَحْمَتِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ عَلَى الْمُذْنِبِينَ، وَ الرَّحِيمُ لِلْخَاطِئِينَ الْمُنِيبِينَ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، كَمَا هَدَيْتَنَا بِهِ، وَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، كَمَا اسْتَنْقَذْتَنَا بِهِ، وَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، صَلَاةً تَشْفَعُ لَنَا يَوْمَ

____________

1- الرقة: الرحمة والشفقة.

2- أوكد: أوثق.

3- حثثت: رغبت.


الصفحة 157
لْقِيَامَةِ وَ يَوْمَ الْفَاقَةِ إِلَيْكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ، وَ هُوَ عَلَيْكَ يَسِيرٌ.

دعاؤه عليه السلام في التوبة

اللهم إنك أعلم بما عملت، فاغفر لي ما علمت وما عملت (1) واصرفني بقدرتك إلى ما أوجبت، وعلي تبعات قد نسيتهن، وكلهن بعينك التي لا تنام، وعلمك الذي لا ينسى، فعوض منها أهلها، واحطط عني وزرها، وخفف عني ثقلها، واعصمني أن أقارف مثلها. اللهم فإنه لا وفاء لي بالتوبة إلا بعصمتك، ولا استمساك بي عن الخطأ إلا عن قوتك، فقوني بقوة كافية، وتولني بعصمة مانعة. اللهم فارحم وحدتي بين يديك، ووجيب قلبي من خشيتك، واضطراب أركاني من هيبتك، فقد أقامتني يا رب ذنوبي مقام الخزي بفنائك، فإن سكت لم ينطق عني أحد، وإن شفعت فلست أهلا للشفاعة. اللهم فصل على محمد وآله، وشفع في خطاياي كرمك، وجد علي بعفوك، وافعل بي فعل عزيز تضرع إليه عبد ذليل فرحمه، أو غني تعرض له عبد فقير فنعشه. اللهم لا خفير(2) لي منك، فليخفرني عفوك، ولا شفيع لي إليك،

____________

1- وما علمت " خ

2- خفير: حافظ ومجير.


الصفحة 158
فليشفع لي فضلك، فما كل ما نطقت به عن جهل مني بسوء أثري، ولا نسيان لما سبق من ذميم فعلي، ولكن لتسمع سماواتك ومن فيها، وأرضك ومن عليها، ما أظهرت لك من الندم، ولجأت إليك فيه من التوبة، فلعل بعضهم برحمتك يرحمني بسوء موقفي، أو تدركه الرقة علي لسوء حالي، فينالني منه بدعوة هي أسمع لديك من دعائي، أو شفاعة هي أوكد عندك من شفاعتي، يكون بها نجاتي من غضبك، وفوزي برضاك. اللهم إن يكن الندم توبة إليك، فأنا أندم النادمين، وإن يكن الترك لمعصيتك إنابة، فأنا أول المنيبين، وإن يكن الاستغفار حطة للذنوب، فإني من المستغفرين. اللهم فكما أمرت بالتوبة وضمنت القبول، وحثثت على الدعاء ووعدت الاجابة، فصل على محمد وآله، واقبل توبتي، ولا ترجعني مرجع الخيبة من رحمتك، إنك أنت التواب على المذنبين، والرحيم للخاطئين المنيبين. اللهم صل على محمد وآله كما هديتنا به، وصل على محمد وآله كما استنقذتنا به، صلاة تشفع لنا يوم القيامة، ويوم الفاقة إنك على كل شئ قدير، وهو عليك يسير.

دعاؤه عليه السلام في جوف الليل


الصفحة 159
كان علي بن الحسين عليهما السلام يدعو بهذا الدعاء في جوف الليل، إذا هدأت العيون:

(بسم الله الرحمن الرحيم)

إلهي غارت (1) نجوم سمائك، ونامت عيون أنامك (2) وهدأت أصوات عبادك وأنعامك، وغلقت الملوك عليها أبوابها، وطاف عليها حراسها، واحتجبوا عمن يسألهم حاجة، أو ينتجع (3) منهم فائدة. وأنت إلهي حي قيوم، ولا تأخذك سنة (4) ولا نوم، ولا يشغلك شئ عن شئ، أبواب سمائك لمن دعاك مفتحات، وخزائنك غير مغلقات، وأبواب رحمتك غير محجوبات، وفوائدك لمن سالكها غير محظورات، بل هي مبذولات. وأنت إلهي الكريم الذي لا ترد سائلا من المؤمنين سألك، و لا تحتجب عن أحد منهم أرادك، لا وعزتك وجلالك لا تختزل (5) حوائجهم دونك، ولا يقضيها أحد غيرك. اللهم وقد تراني ووقوفي وذل مقامي بين يديك، وتعلم سريرتي وتطلع على ما في قلبي، وما يصلح به أمر آخرتي ودنياي. اللهم إني إن ذكرت الموت وهول(6) المطلع، والوقوف بين

____________

1- غارت: غربت.

2- أنامك: خلقك.

3- ينتجع: يطلب.

4- سنة: نعاس.

5- لا تختزل: لا تقتطع.

6- هول: خوف.


الصفحة 160
يديك، نغصني(1) مطعمي ومشربي، وأغصني بريقي (2) وأقلقني عن وسادي، ومنعني رقادي (3) وكيف ينام من يخاف بيات (4) ملك الموت في طوارق (5) الليل وطوارق النهار؟! بل كيف ينام العاقل وملك الموت لا ينام، لا بالليل، ولا بالنهار، ويطلب قبض روحه بالبيات أو في آناء الساعات؟! ثم يسجد ويلصق خده بالتراب وهو يقول: أسألك الروح (6) والراحة عند الموت، والعفو عني حين ألقاك.

دعاؤه عليه السلام في الركعتين المتقدمتين على صلاة الليل

أ - في الركعة الاولى كان علي بن الحسين عليهما السلام يصلي أمام صلاة الليل ركعتين خفيفتين، يقرأ فيهما ب‍ " قل هو الله أحد " في الاولى، وفي الثانية ب‍ " قل يا أيها الكافرون ". ويرفع يديه بالتكبير - بعد الركعة - ويقول: اللهم أنت الملك الحق المبين، ذو العز الشامخ، والسلطان الباذخ (7) والمجد الفاضل، أنت الملك القاهر، الكبير القادر، الغني الفاخر، ينام العباد ولا تنام، ولا تغفل ولا تسأم. (8) الحمد لله المحسن المجمل، المنعم المفضل، ذي الجلال والاكرام، وذي الفواضل العظام والنعم الجسام (9) وصاحب كل

____________

1- نغصني: منعني ولم يهنئني.

2- * *.

3- رقادي: نومي.

4- البيات: ما يدبر ليلا.

5- طوارق: حوادث، دواهي.

6- الروح: الرحمة.

7- الباذخ: العالي.

8- لا تسأم: لا تمل.

9- الجسام: العظام.


الصفحة 161
حسنة، وولي كل نعمة، لم يخذل عند كل شدة، ولم يفضح بسريرة، ولم يسلم بجريرة (1) ولم يخز (2) في موطن، ومن هو لنا أهل البيت عدة وردء (3) عند كل عسير ويسير، حسن البلاء، كريم الثناء، عظيم العفو عنا. أمسينا لا يغنينا أحد إن حرمتنا، ولا يمنعنا منك أحد إن أردتنا، فلا تحرمنا فضلك لقلة شكرنا، ولا تعذبنا لكثرة ذنوبنا وما قدمت أيدينا، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت. ب - في الركعة الثانية ثم يقوم في الركعة الثانية فيقرأ بفاتحة الكتاب والسورة، فإذا فرغ من القراءة بسط يديه وقال: اللهم إليك رفعت أيدي السائلين، ومدت أعناق المجتهدين، ونقلت أقدام الخائفين، وشخصت أبصار العابدين، وأفضت (4) قلوب المتقين، وطلبت الحوائج. يا مجيب (5) المضطرين، ومعين المغلوبين، ومنفس (6) كربات المكروبين، وإله المرسلين، ورب النبيين والملائكة المقربين، ومفزعهم عند الاهوال والشدائد العظام.

____________

1- يسلم بجريرة: يخذل بذنب.

2- يجر " خ ".

3- ردء: عون.

4- أفضت: خلت.

5- يا مجيب دعوة " خ ".

6- منفس: مفرج.


الصفحة 162
أسألك اللهم بما استعملت به من قام بأمرك، وعاند عدوك، واعتصم (1) بحبلك، وصبر على الاخذ بكتابك، محبا لاهل طاعتك، مبغضا لاهل معصيتك، مجاهدا فيك حق جهادك، لم تأخذه فيك لومة لائم، ثم ثبته (2) بما مننت به عليه، فإنما الخير بيدك، وأنت تجزي به من رضيت عنه، وفسحت له في قبره، ثم بعثته مبيضا وجهه، قد آمنته من الفزع الاكبر، وهول يوم القيامة. ج - بعد التسليم ثم يركع، فإذا سلم كبر ثلاثا، ثم يقول: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت وتعاليت، سبحانك يا رب البيت(3). اللهم إنك ترى ولا ترى، وأنت بالمنظر الاعلى، وإن بيدك الممات والمحيا، وإن إليك المنتهى والرجعى، وإنا نعوذ بك أن نذل ونخزى. الحمد لله ذي الملك والملكوت. الحمد لله ذي العزة والجبروت الحمد لله الحي الذي لا يموت، الحمد لله العزيز الجبار، الحليم (4) الغفار، الواحد القهار، الكبير المتعال.

____________

1- اعتصم: تمسك.

2- نبيته " خ ".

3- البيت الحرام " خ ".

4- الحكيم " خ ".


الصفحة 163
سبحان الله العظيم، سبحان الله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولا مثل ولا شبيه، ولا عدل (1) يا الله يا رحمن. " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين "(2). " "ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب "(3). " ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ومقاما " (4) ". ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما " (5) . اللهم صل على محمد وآل محمد، وصل على ملائكتك المقربين، وأنبيائك (6) والصديقين، وأولى العزم من المرسلين، الذين أوذوا في جنبك، وجاهدوا فيك حق جهادك، وقاموا بأمرك، ووحدوك وعبدوك حتى أتاهم اليقين.

____________

1- عدل: نظير.

2- *.

3- *.

4- *.

5- *.

6- وأنبيائك المرسلين " خ ".


الصفحة 164
اللهم عذب الكفرة الذين يصدون عن كتابك، ويكذبون رسلك، واجعل عليهم رجزك (1) وعذابك واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، وأوزعهم (2) أن يشكروا نعمتك التي أنعمت عليهم، إله الحق آمين. اللهم ارحم عبادك الصالحين من أهل السماوات والارضين، يا رب العالمين. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر. (عشر مرات) ويسجد.

دعاؤه عليه السلام إذا قام إلى الصلاة أول الليل وآخره

أ - أول الليل عن حماد بن حبيب العطار الكوفي، قال: خرجنا حجاجا، فرحلنا من زبالة - منزل في طريق العراق إلى مكة - ليلا، فاستقبلتنا ريح سوداء مظلمة، فتقطعت القافلة، فتهت في تلك الصحاري والبراري، فانتهيت إلى واد قفر، فلما أن جن الليل، أويت إلى شجرة عادية، فلما أن أختلط الظلام، إذا أنا بشاب قد أقبل، عليه أطمار بيض، تفوح منه رائحة المسك، فقلت في نفسي: هذا ولي من أولياء الله، متى ما أحس بحركتي خشيت نفاره، وأن أمنعه عن كثير مما يريد فعاله، فأخفيت نفسي ما استطعت، فدنا إلى الموضع فتهيأ للصلاة، ثم وثب قائما، وهو يقول: يا من حاز (3) كل شئ ملكوتا، وقهر كل شئ جبروتا، أولج (4) قلبي فرح الاقبال عليك، وألحقني بميدان المطيعين لك.

____________

1- رجزك: عذابك.

2- أوزعهم: ألهمهم.

3- أحار، أحاط " خ ".

4- صل على محمد وآل محمد وأولج " خ ".


الصفحة 165
ب - آخر الليل قال: ثم دخل في الصلاة، فلما أن رأيته قد هدأت أعضاؤه وسكنت حركاته، قمت إلى الموضع الذي تهيأ فيه للصلاة، فإذا بعين ماء تفيض بماء أبيض، فتهيأت للصلاة، ثم قمت خلفه، فإذا أنا بمحراب كأنه مثل في ذلك الوقت، فرأيته كلما مر بآية فيها ذكر الوعد والوعيد، يرددها بأشجان الحنين، فلما أن تقشع الظلام، وثب قائما وهو يقول: يا من قصده الطالبون فأصابوه مرشدا، وأمه الخائفون فوجدوه متفضلا، ولجأ إليه العابدون فوجدوه نوالا. متى راحة من نصب لغيرك بدنه!؟ ومتى فرح من قصد سواك بنيته!؟ إلهي قد تقشع الظلام، ولم أقض من خدمتك وطرا، ولا من حياض مناجاتك صدرا، صل على محمد وآله، وافعل بي أولى الامرين بك يا أرحم الراحمين. فخفت أن يفوتني شخصه، وأن يخفى علي أثره، فتعلقت به، فقلت له: بالذي أسقط عنك ملال التعب، ومنحك شدة شوق لذيذ الرغب، إلا ألحقتني منك جناح رحمة، وكنف رقة، فإني ضال، وبغيتي كلما صنعت، ومناي كلما نطقت. فقال: لو صدق توكلك ما كنت ضالا، ولكن اتبعني واقف أثري. فلما أن صار بجنب الشجرة، أخذ بيدي، فخيل إلي أن الارض تمد من تحت قدمي. فلما انفجر عمود الصبح، قال لي: أبشر فهذه مكة. قال: فسمعت الضجة، ورأيت المحجة، فقلت: بالذي ترجوه يوم الآزفة ويوم الفاقة، من أنت؟ فقال لي: أما إذا أقسمت، فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.


الصفحة 166

دعاؤه عليه السلام في قنوت الوتر

كان علي بن الحسين عليهما السلام سيد العابدين يقول: العفو، العفو (1) (ثلاثمائة مرة). في الوتر في السحر.

دعاؤه عليه السلام في آخر وتره وهو قائم

عن أبي حمزة الثمالي، قال: كان علي بن الحسين يقول في آخر وتره وهو قائم: رب أسأت وظلمت نفسي، وبئس ما صنعت، وهذه يداي جزاء بما صنعتا. قال: ثم يبسط يديه جميعا قدام وجهه ويقول: وهذه رقبتي خاضعة لك لما أتت. قال: ثم يطأطئ رأسه ويخضع برقبته، ثم يقول: وها أنا ذا بين يديك، فخذ لنفسك الرضا من نفسي حتى ترضى، لك العتبى (2) لا أعود، لا أعود، لا أعود.

دعاؤه عليه السلام في الاستغفار في قنوت الوتر

____________

1- * *.

2- * *.


الصفحة 167
اللهم إن استغفاري إياك وأنا مصر على ما نهيت قلة حياء، وتركي الاستغفار مع علمي بسعة حلمك (1) تضييع لحق الرجاء. اللهم إن ذنوبي تؤيسني أن أرجوك، وإن علمي بسعة رحمتك يؤمنني أن أخشاك، فصل على محمد وآل محمد، وحقق رجائي لك، وكذب خوفي منك، وكن لي عند أحسن ظني بك يا أكرم الاكرمين، وأيدني بالعصمة، وأنطق لساني بالحكمة، واجعلني ممن يندم على ما ضيعه (2) في أمسه. اللهم إن الغني من استغنى عن خلقك بك، فصل على محمد وآل محمد، وأغنني يا رب عن خلقك، واجعلني ممن لا يبسط كفه إلا إليك. اللهم إن الشقي من قنط (3) وأمامه التوبة، وخلفه الرحمة، وإن كنت ضعيف العمل فإني في رحمتك قوي الامل، فهب لي ضعف عملي لقوة أملي. اللهم أمرت فعصينا، ونهيت فما انتهينا، وذكرت فتناسينا وبصرت فتعامينا، وحذرت فتعدينا، وما كان ذلك جزاء إحسانك إلينا، وأنت أعلم بما أعلنا وما أخفينا، وأخبر بما لم نأت وما أتينا. فصل على محمد وآل محمد، ولا تؤاخذنا بما أخطأنا فيه وما نسينا، وهب لنا حقوقك لدينا، وتمم إحسانك إلينا، وأسبغ نعمتك

____________

1- رحمتك " خ ".

2- صنعه " خ ".

3- قنط: يأس.


الصفحة 168
علينا، إنا نتوسل إليك بمحمد صلواتك عليه وآله رسولك، وبعلي وصيه، وفاطمة ابنته، وبالحسن والحسين، وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة عليهم السلام أهل بيت الرحمة. ونسألك إدرار الرزق الذي هو قوام حياتنا (1) وصلاح أحوال عيالنا، فأنت الكريم الذي تعطي من سعة، وتمنع عن قدرة، ونحن نسألك من الخير ما يكون صلاحا للدنيا وبلاغا (2) للآخرة، و " آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " (3)

وَ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ لِنَفْسِهِ فِي الِاعْتِرَافِ بِالذَّنْبِ

اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمُلْكِ الْمُتَأَبِّدِ بِالْخُلُودِ(4) وَ السُّلْطَانِ الْمُمْتَنِعِ بِغَيْرِ جُنُودٍ وَ لَا أَعْوَانٍ. وَ الْعِزِّ الْبَاقِي عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ وَ خَوَالِي(5) الْأَعْوَامِ وَ مَوَاضِي الْأَزمَانِ وَ الْأَيَّامِ عَزَّ سُلْطَانُكَ عِزّاً لَا حَدَّ لَهُ بِأَوَّلِيَّةٍ، وَ لَا مُنْتَهَى لَهُ بِآخِرِيَّةٍ وَ اسْتَعْلَى مُلْكُكَ عَلُوّاً سَقَطَتِ الْأَشْيَاءُ دُونَ بُلُوغِ أَمَدِهِ وَ لَا يَبْلُغُ أَدْنَى مَا اسْتَأْثَرْتَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَقْصَى نَعْتِ النَّاعِتِينَ. ضَلَّتْ فِيكَ الصِّفَاتُ، وَ تَفَسَّخَتْ(6) دُونَكَ النُّعُوتُ، وَ حَارَتْ فِي كِبْرِيَائِكَ لَطَائِفُ الْأَوْهَامِ .

____________

1- قوام حياتنا: نظامها وعمادها.

2- بلاغا: وصولا

3- *.

4- الخلود: دوام البقاء.

5- خوالي: سوالف ومواضي.

6- تفسخت: تقطعت وتمزقت.


الصفحة 169
كَذَلِكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَوَّلُ فِي أَوَّلِيَّتِكَ، وَ عَلَى ذَلِكَ أَنْتَ دَائِمٌ لَا تَزُولُ وَ أَنَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَمَلًا، الْجَسِيمُ أَمَلًا، خَرَجَتْ مِنْ يَدِي أَسْبَابُ الْوُصُلَاتِ إِلَّا مَا وَصَلَهُ رَحْمَتُكَ، وَ تَقَطَّعَتْ عَنِّي عِصَمُ(1) الْآمَالِ إِلَّا مَا أَنَا مُعْتَصِمٌ بِهِ مِنْ عَفْوِكَ قَلَّ عِنْدِي مَا أَعْتَدُّ بِهِ مِنْ طَاعَتِكَ، و كَثُرَ عَلَيَّ مَا أَبُوءُ (2)بِهِ مِنْ مَعْصِيَتِكَ وَ لَنْ يَضِيقَ عَلَيْكَ عَفْوٌ عَنْ عَبْدِكَ وَ إِنْ أَسَاءَ، فَاعْفُ عَنِّي. اللَّهُمَّ وَ قَدْ أَشْرَفَ(3) عَلَى خَفَايَا الْأَعْمَالِ عِلْمُكَ، وَ انْكَشَفَ كُلُّ مَسْتُورٍ دُونَ خُبْرِكَ،(4) وَ لَا تَنْطَوِي(5) عَنْكَ دَقَائِقُ الْأُمُورِ، وَ لَا تَعْزُبُ (6)عَنْكَ غَيِّبَاتُ السَّرَائِرِ . وَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيَّ عَدُوُّكَ الَّذِي اسْتَنْظَرَكَ (7)لِغَوَايَتِي فَأَنْظَرْتَهُ، وَ اسْتَمْهَلَكَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ لِإِضْلَالِي فَأَمْهَلْتَهُ. فَأَوْقَعَنِي وَ قَدْ هَرَبْتُ إِلَيْكَ مِنْ صَغَائِرِ ذُنُوبٍ مُوبِقَةٍ(8)، وَ كَبَائِرِ أَعْمَالٍ مُرْدِيَةٍ .(9) حَتَّى إِذَا قَارَفْتُ(10) مَعْصِيَتَكَ، وَ اسْتَوْجَبْتُ بِسُوءِ سَعْيِي سَخْطَتَكَ، فَتَلَ عَنِّي عِذَارَ(11) غَدْرِهِ، وَ تَلَقَّانِي بِكَلِمَةِ كُفْرِهِ، وَ تَوَلَّى الْبَرَاءَةَ مِنِّي، وَ أَدْبَرَ مُوَلِّياً عَنِّي، فَأَصْحَرَنِي(12) لِغَضَبِكَ فَرِيداً، وَ أَخْرَجَنِي

____________

1- عصم الآمال: أسبابها التي أتمسك بها

2- أبوء به: أعترف به

3- أشرف: اطلع.

4- خبرك: علمك.

5- تنطوي: تكتم وتخفي

6- تعزب: تغيب. ١٠

7- استنظرك: طلب إمهالك.

8- موبقة: مهلكة.

9- مردية: مسقطة في الهلاك.

10- قارفت: فعلت.

11- * *.

12- أصحرني: أبرزني.


الصفحة 170
إِلَى فِنَاءِ نَقِمَتِكَ طَرِيداً. لَا شَفِيعٌ يَشْفَعُ لِي إِلَيْكَ،(1) وَ لَا خَفِيرٌ يُؤْمِنُنِي عَلَيْكَ، وَ لَا حِصْنٌ يَحْجُبُنِي عَنْكَ، وَ لَا مَلَاذٌ أَلْجَأُ إِلَيْهِ مِنْكَ. فَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ، وَ مَحَلُّ الْمُعْتَرِفِ لَكَ، فَلَا يَضِيقَنَّ عَنِّي فَضْلُكَ، وَ لَا يَقْصُرَنَّ دُونِي عَفْوُكَ، وَ لَا أَكُنْ أَخْيَبَ عِبَادِكَ التَّائِبِينَ، وَ لَا أَقْنَطَ وُفُودِكَ الْآمِلِينَ، وَ اغْفِرْ لِي، إِنَّكَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي فَتَرَكْتُ، وَ نَهَيْتَنِي فَرَكِبْتُ، وَ سَوَّلَ(2) لِيَ الْخَطَاءَ خَاطِرُ السُّوءِ فَفَرَّطْتُ.(3) وَ لَا أَسْتَشْهِدُ عَلَى صِيَامِي نَهَاراً، وَ لَا أَسْتَجِيرُ بِتَهَجُّدِي لَيْلًا، وَ لَا تُثْنِي عَلَيَّ بِإِحْيَائِهَا سُنَّةٌ حَاشَا فُرُوضِكَ الَّتِي مَنْ ضَيَّعَهَا هَلَكَ. وَ لَسْتُ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِفَضْلِ نَافِلَةٍ مَعَ كَثِيرِ مَا أَغْفَلْتُ مِنْ وَظَائِفِ فُرُوضِكَ، وَ تَعَدَّيْتُ عَنْ مَقَامَاتِ حُدُودِكَ إِلَى حُرُمَاتٍ انْتَهَكْتُهَا، وَ كَبَائِرِ ذُنُوبٍ اجْتَرَحْتُهَا(4)، كَانَتْ عَافِيَتُكَ لِي مِنْ فَضَائِحِهَا سِتْراً. وَ هَذَا مَقَامُ مَنِ اسْتَحْيَا لِنَفْسِهِ مِنْكَ، وَ سَخِطَ عَلَيْهَا، وَ رَضِيَ عَنْكَ، فَتَلَقَّاكَ بِنَفْسٍ خَاشِعَةٍ، وَ رَقَبَةٍ خَاضِعَةٍ، وَ ظَهْرٍ مُثْقَلٍ مِنَ الْخَطَايَا وَاقِفاً بَيْنَ الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ وَ الرَّهْبَةِ مِنْكَ. وَ أَنْتَ أَوْلَى مَنْ رَجَاهُ، وَ أَحَقُّ مَنْ خَشِيَهُ وَ اتَّقَاهُ، فَأَعْطِنِي يَا رَبِّ مَا رَجَوْتُ، وَ آمِنِّي مَا حَذِرْتُ، وَ عُدْ عَلَيَّ بِعَائِدَةِ رَحْمَتِكَ، إِنَّكَ أَكْرَمُ الْمَسْئُولِينَ.

____________

1- خفير: مجير.

2- سول: زين.

3- فرطت: قصرت.

4- اجترحتها: اكتسبتها.


الصفحة 171
اللَّهُمَّ وَ إِذْ سَتَرْتَنِي بِعَفْوِكَ، وَ تَغَمَّدْتَنِي بِفَضْلِكَ فِي دَارِ الْفَنَاءِ بِحَضْرَةِ الْأَكْفَاءِ،(1) فَأَجِرْنِي مِنْ فَضِيحَاتِ دَارِ الْبَقَاءِ عِنْدَ مَوَاقِفِ الْأَشْهَادِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَ الرُّسُلِ الْمُكَرَّمِينَ، وَ الشُّهَدَاءِ وَ الصَّالِحِينَ، مِنْ جَارٍ كُنْتُ أُكَاتِمُهُ سَيِّئَاتِي، وَ مِنْ ذِي رَحِمٍ كُنْتُ أَحْتَشِمُ(2) مِنْهُ فِي سَرِيرَاتِي. لَمْ أَثِقْ بِهِمْ رَبِّ فِي(3) السِّتْرِ عَلَيَّ، وَ وَثِقْتُ بِكَ رَبِّ فِي الْمَغْفِرَةِ لِي، وَ أَنْتَ أَوْلَى مَنْ وُثِقَ بِهِ، وَ أَعْطَى مَنْ رُغِبَ إِلَيْهِ، وَ أَرْأَفُ مَنِ اسْتُرْحِمَ، فَارْحَمْنِي. اللَّهُمَّ وَ أَنْتَ حَدَرْتَنِي(4) مَاءً مَهِيناً مِنْ صُلْبٍ مُتَضَايِقِ الْعِظَامِ، حَرِجِ الْمَسَالِكِ(5) إِلَى رَحِمٍ ضَيِّقَةٍ سَتَرْتَهَا بِالْحُجُبِ، تُصَرِّفُنِي حَالًا عَنْ حَالٍ حَتَّى انْتَهَيْتَ بِي إِلَى تَمَامِ الصُّورَةِ، وَ أَثْبَتَّ فِيَّ الْجَوَارِحَ كَمَا نَعَتَّ فِي كِتَابِكَ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْماً(6) ثُمَّ كَسَوْتَ الْعِظَامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأْتَنِي خَلْقاً آخَرَ (7)كَمَا شِئْتَ. حَتَّى إِذَا احْتَجْتُ إِلَى رِزْقِكَ، وَ لَمْ أَسْتَغْنِ عَنْ غِيَاثِ(8) فَضْلِكَ، جَعَلْتَ لِي قُوتاً مِنْ فَضْلِ طَعَامٍ وَ شَرَابٍ أَجْرَيْتَهُ لِأَمَتِكَ الَّتِي أَسْكَنْتَنِي جَوْفَهَا، وَ أَوْدَعْتَنِي قَرَارَ رَحِمِهَا. وَ لَوْ تَكِلُنِي يَا رَبِّ فِي تِلْكَ الْحَالَاتِ إِلَى

____________

1- الاكفاء: الامثال والاشباه.

2- أحتشم: أستحي.

3- بهم في " خ ".

4- حدرتني: أنزلتني.

5- حرج المسالك: ضيق الطرق.

6- عظما " خ ".

7- *.

8- غياث: إعانة.


الصفحة 172
حَوْلِي، أَوْ تَضْطَرُّنِي إِلَى قُوَّتِي لَكَانَ الْحَوْلُ عَنِّي مُعْتَزِلًا، وَ لَكَانَتِ الْقُوَّةُ مِنِّي بَعِيدَةً. فَغَذَوْتَنِي(1) بِفَضْلِكَ غِذَاءَ الْبَرِّ(2) اللَّطِيفِ، تَفْعَلُ ذَلِكَ بِي تَطَوُّلًا عَلَيَّ إِلَى غَايَتِي هَذِهِ، لَا أَعْدَمُ بِرَّكَ، وَ لَا يُبْطِئُ بِي حُسْنُ صَنِيعِكَ، وَ لَا تَتَأَكَّدُ مَعَ ذَلِكَ ثِقَتِي فَأَتَفَرَّغَ لِمَا هُوَ أَحْظَى لِي عِنْدَكَ. قَدْ مَلَكَ الشَّيْطَانُ عِنَانِي فِي سُوءِ الظَّنِّ وَ ضَعْفِ الْيَقِينِ، فَأَنَا أَشْكُو سُوءَ مُجَاوَرَتِهِ لِي، وَ طَاعَةَ نَفْسِي لَهُ، وَ أَسْتَعْصِمُكَ مِنْ مَلَكَتِهِ، وَ أَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ فِي صَرْفِ كَيْدِهِ عَنِّي. وَ أَسْأَلُكَ فِي أَنْ(3) تُسَهِّلَ إِلَى رِزْقِي سَبِيلًا . فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ابْتِدَائِكَ بِالنِّعَمِ الْجِسَامِ، وَ إِلْهَامِكَ الشُّكْرَ عَلَى الْإِحْسَانِ وَ الْإِنْعَامِ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ سَهِّلْ عَلَيَّ رِزْقِي، وَ أَنْ تُقَنِّعَنِي بِتَقْدِيرِكَ لِي، وَ أَنْ تُرْضِيَنِي بِحِصَّتِي فِيمَا قَسَمْتَ لِي، وَ أَنْ تَجْعَلَ مَا ذَهَبَ مِنْ جِسْمِي وَ عُمُرِي فِي سَبِيلِ طَاعَتِكَ، إِنَّكَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ نَارٍ تَغَلَّظْتَ(4) بِهَا عَلَى مَنْ عَصَاكَ، وَ تَوَعَّدْتَ بِهَا مَنْ صَدَفَ(5) عَنْ رِضَاكَ، وَ مِنْ نَارٍ نُورُهَا ظُلْمَةٌ، وَ هَيِّنُهَا أَلِيمٌ، وَ بَعِيدُهَا قَرِيبٌ، وَ مِنْ نَارٍ يَأْكُلُ بَعْضَهَا بَعْضٌ، وَ يَصُولُ(6) بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَ مِنْ نَارٍ تَذَرُ(7) الْعِظَامَ رَمِيماً،(8) وَ تَسقِي أَهْلَهَا

____________

1- غذوتني: أطعمتني.

2- البر: المحسن العطوف.

3- وأتضرع إليك في أن " خ ".

4- تغلظت: تشددت.

5- صدف: أغرض.

6- يصول: يثب.

7- تذر: تترك.

8- رميما: بالية.


الصفحة 173
حَمِيماً،(1) وَ مِنْ نَارٍ لَا تُبْقِي عَلَى مَنْ تَضَرَّعَ إِلَيْهَا، وَ لَا تَرْحَمُ مَنِ اسْتَعْطَفَهَا، وَ لَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخْفِيفِ عَمَّنْ خَشَعَ لَهَا وَ اسْتَسْلَمَ إِلَيْهَا تَلْقَى سُكَّانَهَا بِأَحَرِّ مَا لَدَيْهَا مِنْ أَلِيمِ النَّكَالِ(2) وَ شَدِيدِ الْوَبَالِ (3). وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَقَارِبِهَا الْفَاغِرَةِ(4) أَفْوَاهُهَا، وَ حَيَّاتِهَا الصَّالِقَةِ(5) بِأَنْيَابِهَا، وَ شَرَابِهَا الَّذِي يُقَطِّعُ أَمْعَاءَ وَ أَفْئِدَةَ سُكَّانِهَا، وَ يَنْزِعُ قُلُوبَهُمْ، وَ أَسْتَهْدِيكَ لِمَا بَاعَدَ مِنْهَا، وَ أَخَّرَ عَنْهَا. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ أَجِرْنِي مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ، وَ أَقِلْنِي عَثَرَاتِي بِحُسْنِ إِقَالَتِكَ، وَ لَا تَخْذُلْنِي يَا خَيْرَ الْمُجِيرِينَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ(6) تَقِي الْكَرِيهَةَ، وَ تُعْطِي الْحَسَنَةَ، وَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ، وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ . اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، إِذَا ذُكِرَ الْأَبْرَارُ، وَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ، صَلَاةً لَا يَنْقَطِعُ مَدَدُهَا، وَ لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، صَلَاةً تَشْحَنُ(7) الْهَوَاءَ، وَ تَمْلَأُ الْأَرْضَ وَ السَّمَاءَ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَرْضَى، وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بَعْدَ الرِّضَا، صَلَاةً لَا حَدَّ لَهَا وَ لَا مُنْتَهَى، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

دعاؤه عليه السلام بعد صلاة الليل

إلهي وسيدي هدأت العيون، وغارت النجوم، وسكنت الحركات

____________

1- حميما: ماء شديد الحرارة.

2- النكال: العقوبة.

3- الوبال: سوء العاقبة.

4- الفاغرة: الفاتحة.

5- الصالقة: المصوتة.

6- اللهم إنك " خ ".

7- تشحن: تملا.


الصفحة 174
من الطير في الوكور (1) والحيتان في البحور، وأنت العدل الذي لايجور، والقسط الذي لا يميل، والدائم الذي لا يزول، أغلقت الملوك أبوابها، ودارت عليها حراسها، وبابك مفتوح لمن دعاك يا سيدي، وخلا كل حبيب بحبيبه، وأنت المحبوب إلي. إلهي إني وإن كنت عصيتك في أشياء أمرتني بها، وأشياء نهيتني عنها، فقد أطعتك في أحب الاشياء إليك، آمنت بك لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، منك (2) علي لا مني عليك. إلهي عصيتك في أشياء أمرتني بها، وأشياء نهيتني عنها، لا حد مكابرة ولا معاندة، ولا استكبار ولا جحود لربوبيتك، ولكن استفزني (3) الشيطان بعد الحجة والمعرفة والبيان، لا عذر لي فأعتذر، فإن عذبتني فبذنوبي وبما أنا أهله، وإن غفرت لي فبرحمتك وبما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة، وأنا من أهل الذنوب والخطايا، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين.

دعاؤه عليه السلام بعد صلاة الليل " ويعرف بدعاء الحزين "

أناجيك يا موجود في كل مكان لعلك تسمع ندائي، فقد عظم جرمي وقل حيائي .

____________

1- الوكور: الاعشاش

2- منك: فضلك وإحسانك.

3- استفزني: استخفني واستدعاني.


الصفحة 175
مولاي يا مولاي أي الاهوال أتذكر، وأيها أنسى، ولو لم يكن إلا الموت لكفى، كيف وما بعد الموت أعظم وأدهى (1)؟! مولاي يا مولاي حتى متى وإلى متى أقول لك العتبى (2)مرة بعد أخرى، ثم لا تجد عندي صدقا ولا وفاء؟! فيا غوثاه ثم وا غوثاه بك يا الله من هوى قد غلبني، ومن عدو قد استكلب (3) علي، ومن دنيا قد تزينت لي، ومن نفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. مولاي يا مولاي إن كنت رحمت مثلي فارحمني، وإن كنت قبلت مثلي فاقبلني، يا قابل السحرة (4) اقبلني، يا من لم أزل أتعرف منه الحسنى. يا من يغذيني بالنعم صباحا ومساء، ارحمني يوم آتيك فردا، شاخصا إليك بصري، مقلدا عملي، قد تبرأ جميع الخلق مني، نعم وأبي وأمي، ومن كان له كدي (5) وسعيي، فإن لم ترحمني فمن يرحمني؟ ومن يؤنس في القبر وحشتي؟ ومن ينطق لساني إذا خلوت بعملي، وسألتني عما أنت أعلم به مني؟ فإن قلت: نعم، فأين المهرب من عدلك؟ وإن قلت: لم أفعل، قلت: ألم أكن الشاهد عليك؟ فعفوك عفوك يا مولاي قبل أن تلبس الابدان سرابيل القطران،

____________

1- أدهى: أشد وأنكر.

2- العتبى: الرضى.

3- استكلب: وثب، تشبيه له بالكلب.

4- * *.

5- كدي: جهدي.


الصفحة 176
عفوك (1) عفوك يا مولاي قبل أن تغل (2) الايدي إلى الاعناق. يا أرحم الراحمين، وخير الغافرين.

دعاؤه عليه السلام في السحر

عن طاووس أنه قال: رأيته - أي علي بن الحسين عليهما السلام يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبد، فلما لم ير أحدا رمق السماء بطرفه، وقال: إلهي غارت نجوم سماواتك، وهجعت (3) عيون أنامك، وأبوابك مفتحات للسائلين، جئتك لتغفر لي وترحمني، وتريني وجه جدي محمد صلى الله عليه وآله في عرصات القيامة. ثم بكى وقال: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولكن سولت لي نفسي، وأعانني على ذلك سترك المرخى به علي. فأنا الآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟ فوا سوأتاه غدا من الوقوف بين يديك إذا قيل للمخفين جوزوا (4) وللمثقلين حطوا(5) أمع المخفين أجوز، أم مع المثقلين أحط؟

____________

1- عفوك (عفوك) يا مولاي قبل جهنم والنيران، عفوك " خ ".

2- الغل: القيد.

3- هجعت: نامت.

4- * *.

5- حطوا: انزلوا.


الصفحة 177
ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آن لي أن أستحيي من ربي. ثم بكى، وأنشأ يقول: أتحرقني بالنار يا غاية المني * فأين رجائي ثم أين محبتي أتيت بأعمال قباح ردية(1) * وما في الورى خلق جنى كجنايتي ثم بكى، وقال: سبحانك تعصى كأنك لا ترى، وتحلم كأنك لم تعص، تتودد إلى خلقك بحسن الصنيع(2) كأن بك الحاجة إليهم وأنت يا سيدي الغني عنهم. ثم خر إلى الارض ساجدا، فدنوت منه، وشلت رأسه، ووضعته على ركبتي، وبكيت حتى جرت دموعي على خده، فاستوى جالسا وقال: من ذا الذي أشغلني عن ذكر ربي؟! فقلت: أنا طاووس يا ابن رسول الله، ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جافون! أبوك الحسين بن علي، وأمك فاطمة الزهراء، وجدك رسول الله صلى الله عليه وآله! قال: فالتفت إلي وقال: هيهات هيهات طاووس، دع عني حديث أبي وأمي وجدي، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبدا حبشيا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولدا قرشيا. أما سمعت قوله تعالى: " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون "(3) والله لا ينفعك غدا إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح(4)

____________

1- رزية " خ

2- الصنع " خ ".

3- *

4- = ٧ - أورد في الصحيفة ٣ و ٥ دعاء بعنوان " ومن دعائه عليه السلام بعد ركعتي الفجر " وهو: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك لما أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك، وأستغفرك للنعم التي مننت بها علي فقويت بها على معاصيك. أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم لكل ذنب أذنبته، ولكل معصية ارتكبتها. اللهم ارزقني عقلا كاملا، وعزما ثاقبا، ولبا راجحا، وقلبا زكيا (ذكيا خ ل) وعلما كثيرا، وأدبا بارعا، واجعل ذلك كله لي، ولا تجعله علي برحمتك يا أرحم الراحمين. وألحق به في الصحيفة الثالثة: ثم يقول خمسا: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. * *.


الصفحة 178
وَ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الِاسْتِخَارَةِ

اللَّهُمَّ إِنِيِّ أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ اقْضِ لِي بِالْخِيَرَةِ وَ أَلْهِمْنَا مَعْرِفَةَ الِاخْتِيَارِ، وَ اجْعَلْ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى الرِّضَا بِمَا قَضَيْتَ لَنَا وَ التَّسْلِيمِ لِمَا حَكَمْتَ فَأَزِحْ(1) عَنَّا رَيْبَ الِارْتِيَابِ، وَ أَيِّدْنَا بِيَقِينِ(2) الْمُخْلِصِينَ. وَ لَا تَسُمْنَا(3) عَجْزَ الْمَعْرِفَةِ عَمَّا تَخَيَّرْتَ فَنَغْمِطَ قَدْرَكَ،(4) وَ نَكْرَهَ مَوْضِعَ رِضَاكَ، وَ نَجْنَحَ(5) إِلَى الَّتِي هِيَ أَبْعَدُ مِنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ، وَ أَقْرَبُ إِلَى ضِدِّ الْعَافِيَةِ . حَبِّبْ إِلَيْنَا مَا نَكْرَهُ مِنْ قَضَائِكَ، وَ سَهِّلْ عَلَيْنَا مَا نَسْتَصْعِبُ مِنْ حُكْمِكَ وَ أَلْهِمْنَا الِانْقِيَادَ لِمَا أَوْرَدْتَ عَلَيْنَا مِنْ مَشِيَّتِكَ(6) حَتَّى لَا نُحِبَّ تَأْخِيرَ مَا عَجَّلْتَ، وَ لَا تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ، وَ لَا نَكْرَهَ مَا أَحْبَبْتَ، وَ

____________

1- أزح: أبعد.

2- بيقين: بعلم.

3- لا تسمنا: لا تكلفنا.

4- * *.

5- نجنح: نميل.

6- مشيتك: إرادتك.


الصفحة 179
لَا نَتَخَيَّرَ مَا كَرِهْتَ. وَ اخْتِمْ لَنَا بِالَّتِي هِيَ أَحْمَدُ عَاقِبَةً، وَ أَكْرَمُ مَصِيراً، إِنَّكَ تُفِيدُ الْكَرِيمَةَ،(1) وَ تُعْطِي الْجَسِيمَةَ، وَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ، وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

دعاؤه عليه السلام في الاستخارة (بعد صلاة ركعتين)

عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كان علي بن الحسين صلوات الله عليهما إذا هم بأمر حج أو عمرة أو بيع أو شراء أو عتق، تطهر، ثم صلى ركعتي الاستخارة، فقرأ فيهما بسورة الحشر، وبسورة الرحمن. ثم يقرأ المعوذتين، وقل هو الله أحد - إذا فرغ وهو جالس - في دبر الركعتين، ثم يقول: اللهم إن كان (كذا وكذا) خيرا لي في ديني ودنياي، وعاجل أمري وآجله، فصل على محمد وآله، ويسره لي على أحسن الوجوه وأجملها. اللهم وإن كان (كذا وكذا) شرا لي في ديني ودنياي وآخرتي وعاجل أمري وآجله، فصل على محمد وآله، واصرفه عني. رب صل على محمد وآله، واعزم لي على رشدي، وإن كرهت ذلك أو أبته نفسي.

دعاؤه عليه السلام في الاستخارة (بعد صلاة ركعتين)

____________

1- الكريمة: النفيسة.


الصفحة 180
عن الباقر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا عزم بحج أو عمرة أو عتق أو شراء عبد أو بيع، تطهر وصلى ركعتي الاستخارة، وقرأ فيهما سورة الرحمن وسورة الحشر، فإذا فرغ من الركعتين استخار الله مائتي (1) مرة، ثم قرأ " قل هو الله أحد " والمعوذتين، ثم قال: اللهم إني قد هممت بأمر قد علمته، فإن كنت تعلم أنه خير لي في ديني ودنياي وآخرتي فأقدره لي، وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي وآخرتي، فاصرفه عني. رب اعزم لي على رشدي وإن كرهت نفسي ذلك أو أحبت، ببسم الله الرحمن الرحيم، ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل. ثم يمضى، ويعزم.

وَ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا ابْتُلِيَ أَوْ رَأَى مُبْتَلًى بِفَضِيحَةٍ بِذَنْبٍ

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سِتْرِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وَ مُعَافَاتِكَ بَعْدَ خُبْرِكَ(2)، فَكُلُّنَا قَدِ اقْتَرَفَ الْعَائِبَةَ(3) فَلَمْ تَشْهَرْهُ، وَ ارْتَكَبَ الْفَاحِشَةَ فَلَمْ تَفْضَحْهُ، وَ تَسَتَّرَ بِالْمَسَاوِئِ فَلَمْ تَدْلُلْ عَلَيْهِ. كَمْ نَهْيٍ لَكَ قَدْ أَتَيْنَاهُ، وَ أَمْرٍ قَدْ وَقَفْتَنَا عَلَيْهِ فَتَعَدَّيْنَاهُ، وَ سَيِّئَةٍ اكْتَسَبْنَاهَا، وَ خَطِيئَةٍ ارْتَكَبْنَاهَا، كُنْتَ الْمُطَّلِعَ عَلَيْهَا دُونَ النَّاظِرِينَ،

____________

1- مائة " خ ".

2- خبرك: علمك، اختبارك.

3- العائبة: العيب والخطيئة.


الصفحة 181
الصفحة السابقةالصفحة التالية