الشيعة والتشيع » الشيعة في العالم » الشيعة في قيرغيزستان

17 ذي الحجة 1423
معلومات عامة:
الشيء الذي يذكر به أتباع آل البيت عليهم السَّلام في قرغيزيا، هو حالة النفي التي تعرضوا لها قبل عدة عقود من موطنهم الاصلي إلى بلاد بعيدة غريبة إنهم الأذريون الذين انصب عليهم غضب ستالين قبل ستين عاماً، وأُرغموا على الاستيطان في قرغيزيا بعد طيّ مسافات طويلة وطرق عسيرة.
وتفيد المعلومات المأخوذة عن إحصائيات مضت عليها اربع سنوات، أن عدد هؤلاء الأذريين يبلغ سبعة عشر ألف نسمة، وبطبيعة الحال فإن الرقم المذكور لا يكشف عن العدد الدقيق لأن هناك قوميات أخرى انخرطت في القومية الأذرية لمصالح كانت تنشدها.
معظم الأذريين ينتمون إلى مذهب أهل البيت عليهم السَّلام، ولهم نفوذ ومكانة خاصة في جمهورية قرغيزيا لاسيما في الجانب الاجتماعي، ويتبوأون منزلة مميزة عند المسؤولين، مثال ذلك أن أحدهم يشغل منصب رئيس تحرير صحيفة واسعة الانتشار في قرغيزيا تسمى «فيجوني بيشكك عصر بيشكك» وهو صحفي ماهر وبارع.
يعيش الشيعة منتشرين في قرغيزيا، ويقال إن نحو ألفين منهم يسكنون العاصمة بيشكك في محلات متباعدة عن بعضها، كما يقطن في مدينة «كانت» التي تبعد نحو 20 كيلو متراً عن العاصمة مجموعة منهم.
ويمكن تقسيم الشيعة الأذريين في بيشكك إلى مجموعتين:
الأولى: وهي التي قدمت إلى العاصمة من منطقة «چو» التي تبعد 120 كيلومتراً عن بيشكك وتقع في كزخستان، حيث أُبعدت هذه المجموعة في أول الأمر إلى «چو» سنة 1937 م من جمهورية أذربيجان، وكانت تمارس شعائرها الدينية حتى في العهد الشيوعي، وتقيم مجالس العزاء على الإمام الحسين عليه السَّلام، ويلاحظ الطابع الديني على هذه المجموعة بوضوح حتى في عرصنا الحاضر، وقد هاجرت هذه المجموعة قبل نحو 30 عاماً من «چو» إلى بيشكك هجرة طوعية فردية.
أما المجموعة الثانية فهي التي سكنت مدينة (كانْت) ، حيث لاقت هذه المجموعة مصيراً آخر ملؤه المحن والآلام والمآسي؛ فلقد اعتقلت هذه المجموعة في احدى ليالي عام 1933 م حينما امتنعت عن العمل في المزارع الاشتراكية (كالخوز)، وتم نفيها إلى منطقة سيبيريا، حيث لاقت ما لاقت من صنوف الأذى وهي في طريقها إلى هذه المنطقة الثلجية وأُرغمت على الإقامة فيها، إذ يروي الشيوخ منهم ذكريات مريرة جداً عن تلك البرهة الزمنية من حياتهم.
ويقال إن هذه المجموعة المؤلفة من عشرة آلاف نسمة نقلت إلى سيبيريا بعربات خاصة لنقل الحيوانات، وما إن وصلت حتى داهمها فصل شتاء بارد جداً بحيث توفي سبعة آلاف منهم من شدة البرد، ولم يتسنَّ للأحياء منهم دفن موتاهم لكثرة عددهم ولبرودة الجو، إذ وصل مستوى الثلوج المتراكمة في شتاء ذلك العام إلى متر واحد فوق الأرض، وتم دفنهم حينما رحل الشتاء وحل فصل الربيع.
بعد مضي هذه المحنة الأليمة لم يبق من الشيعة الأذريين المنفيين سوى ثلاثة آلاف نسمة، قامت السلطات الحاكمة في السنة التالية بنقلهم إلى «بيشكك» وإسكانهم في منطقة «كانْت».
والملاحظ أن هذه المجموعة من الشيعة حافظت على معتقداتها في ارض المنفى، ومنذ اليوم الأول الذي وطأت فيه هذه الأرض أقامت شعائرها الدينية خفية، فكانت تقيم ـ على سبيل المثال ـ مراسم عزاء سيد الشهداء عليه السَّلام كل سنة بسرّية تامة وفي ظل ظروف شديدة. ومن ناحية ثانيه كانت هذه المجموعة تتألف من شخصيات أذربيجان بحيث سرعان ما اكتسبت مكانتها الاجتماعية ثانية.
وبطبيعة الحال فإن العيش في منطقة بعيدة عن الوطن الأم يولد نوعاً من الشعور الذي يحث على العمل وبذل الجهد المضاعف لاستعادة المزايا الضائعة، فكان الآباء يحثون ابناءهم على الدراسة وتلقي العلم لارتقاء مدارج الثقافة والمعرفة، ولهذا السبب فإنه لم تمر فترة من الزمن حتى حصلت المجموعة على مكانة اقتصادية واجتماعية لا بأس بها.
وفي خطوة أخرى أقدمت هذه المجموعة على تهيئة مكان خاص لعقد اجتماعاتها الدينية، ففي سنة 1946 م من العهد الستاليني المظلم استغلت المجموعة فرصة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقامت ببناء مسجد لازال قائماً حتى يومنا هذا، وقد بني هذا المسجد في البدء تحت مسمّى آخر خشية معارضة الدولة، إلاّ أنه جُعِل وقفاً للشؤون الدينية، وكانت تقام فيه سنوياً على مدى خمسين عاماً مراسم العزاء على الإمام الشهيد الحسين بن علي عليهما السلام، سراً.
وثمة مسجد آخر شُيد في منطقة «كانْت» حديثاً لم يستكمل بناءه بعد؛ بسبب قلة الإمكانيات رغم أن الجمهورية الإسلامية الايرانية وعبر سفارتها في بيشكك قدمت ما بوسعها لبناء هذا المسجد. ويلاحظ في صفوف هذه المجموعة من الشيعة ظمأ شديد للمعارف الإسلامية، وحاجة ماسة لعلماء الدين والمرشدين؛ ولهذا تراهم يستدعون العلماء عند مراسم الختان أو قراءة القرآن من مدينة «چو» وهي منطقة شيعية في كزخستان.
هذا الغياب العلمائي في تلك المنطقة أدى إلى انتشار الجهل بمعارف وأحكام الدين الإسلامي في ضوء مذهب أهل البيت عليهم السَّلام في صفوفها، وتلاحظ هذه الظاهرة أيضاً بين أتباع أهل البيت عليهم السَّلام القاطنين في مدينة بيشكك نفسها، مع فارق واحد هو أن التزام القرويين بأحكام الدين اكثر من سكان المدينة، كما أن الشيعة من سكان العاصمة لا تجمعهم تشكيلات دينية كما هو في شيعة كانْت، ومن ثم فإن شيعة بيشكك يعيشون في مناطق متفرقة لا يعرف بعضهم بعضاً، ولكن انطلقت بارقة أمل مؤخراً للم شمل هذه المجموعة من خلال إقامة مراسم العزاء في شهر محرم الحرام على سيد الشهداء عليه السَّلام كل عام، وقد تقرر إقامتها في منزل أحد الشيعة في قرية «ألارچا» على مسافة سبعة كيلومترات من بيشكك؛ لعدم وجود مركز في العاصمة لمثل هذه الاجتماعات.
ويمكن من خلال نظرة عابرة لهذه المراسم التي أُقيمت هذا العام عاماً ثانياً، ملاحظة الرغبة الشديدة لدى هؤلاء الشيعة للارتواء من المعارف الإسلامية؛ فقد شارك نحو مئة شخص رجالاً ونساءً في مجلس عزاء الإمام الحسين عليه السَّلام، وهم يلطمون الصدور على صدى اشعار مكتوبة باللغة الروسية كان يتلوها أحدهم تلاوة غير متقنة.
أُقيمت هذه المراسم طوال العشرة الأُولى من شهر محرم وكان يتولّى الإطعام فيها كل ليلة أحد المشاركين فيها. وقد كان للنساء حضور فعال، حيث كنّ يرتدين الحجاب احتراماً للمناسبة ويجلسن في غرفة منفصلة عن الرجال. ومن المعتقد أن مثل هذا التحرك الذاتي يمكن أن يوفر الأرضية المناسبة لتنمية الميول الدينية عند هؤلاء الاشخاص الذين تتوفر فيهم الفطرة السليمة وبالطبع فإن ذلك يحتاج إلى الدعم والمساندة.
واللافت للنظر في مراسم عزاء الإمام الحسين عليه السَّلام هو حضور الأذريين من أهل السنة واشتراكهم في هذه المراسم في بيشكك، وفي كانْت على حد سواء، حيث تربط بين الأذريين ولا سيما في بلاد الغربة ألفة ومودة خاصة ويتبادلون مشاعر الود والاحترام وهذه مسألة حساسة يجب أن تؤخذ في الاعتبار.
والجدير بالذكر أن المسلمين الأذريين يراودهم شعور بالغربة مع القوميات الأخرى، ولا سيما الروس، حيث يعتبرون الارتباط الأسري معهم ـ على سبيل المثال ـ ارتباطاً شائناً، ولا يتزاوجون إلاّ فيما بينهم، الأمر الذي ترك تأثيره الكبير في حفظ تراثهم وثقافتهم وتقاليدهم.
واخيراً لابد من القول إنه يجب القيام بسلسلة من النشاطات التي تنمّي في هذه المجموعة ارتباطها الديني، ومن جملة تلك النشاطات ارسال المبلغين المحنكين من أجل تقوية الركائز الدينية؛ وتعتبر مراسم العزاء على الإمام الحسين عليه السَّلام ارضية مناسبة جداً لتحقيق هذا الهدف المقدس. كما أن من الضروري إقامة دورات تربوية وتعليمية تتناول التاريخ الإسلامي والعقائد والاحكام على المستوى الابتدائي، ويعتبر توزيع الكتب الدينية باللغة التركية الأذرية وبالحروف الروسية ذا اهمية كبرى.
والعمل على التحاق مجموعة الشباب المتميزين بالحوزات العلمية لتلقي الدروس التخصصية في العلوم الإسلامية وملء الفراغ العلمي والتبليغي مستقبلاً في بلدانهم.

« أضف معلومات حول الشيعة في العالم »