كما أنّ أبا بكر لم يعرف ميراث العمّة والخالة(2).
وعن عبـد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: إنّ أبا بكر (رضي الله عنه) أراد أن يقطع رِجلا بعد اليد والرِجل، فقال عمر (رضي الله عنه): السُـنّة اليد(3).
ولنقف هنا قليلا ونقول:
من المحـيّر حقّاً أن لا يعلم الخليفة حـدّ السارق، وهو أهم ما يجب عليه معرفته ; لحفظ الأمن العامّ، وقطع جرثومة الفساد، فإن لم يكن الخليفة محيطاً بعلوم الشريعة كلّها، وهو قد جلس موضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عند الناس، فلا أقلّ من معرفته بما يرتبط بمهامّه، والّتي من أهمّها حفظ النظام، وتطبيق ما يتعلّق بذلك من أحكام ; فمنصب الخلافة ليس منصباً وجاهياً، أو إرثاً عشائرياً، يشغله المرء وإن افتقر للكثير من الامتيازات!
والشريعة المقدّسـة قد حثّت على لزوم مراعاة الرجل المناسب في المكان المناسب ; فقد قال تعالى: { أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّيَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }(4)..
____________
1- المُغني ـ لابن قدّامة ـ 7 / 52 ; قال: رواه مالك في موطّئه وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، بداية المجتهد 2 / 285، نيل الأوطار 6 / 175، فقه السُـنّة 3 / 623 ; قال: رواه الخمسة إلاّ النسائي، وصحّحه الترمذي.
2- المستدرك على الصحيحين 4 / 382، كنز العمّال 11 / 7، 5 / 632 ; وفيه: وددت أنّي كنت سألته ـ أي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ عن ميراث العمّة وابنة الأخ، فإنّ في نفسي منهما حاجـة.
3- السُـنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 8 / 273، 274.
4- سورة يونس: الآية 35.
أمّا عمر ; فقد منع المغالاة في مهور النساء، وقال: مَن غالى في مهر ابنته أجعله في بيت مال المسلمين.
فقامت امرأة في آخر المسـجد وقالت له: أما تقرأ قوله تعالى: { وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَلـهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْــًا }(2)؟!
فقال: كلّ الناس أفقه من عمر، حتّى المخدّرات في البيوت(3).
أمر عمر برجم مجنونة فنبّهه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقال: " إنّ القلم مرفوع عن المجنون حتّى يفيق ".
فقال عمر: لولا عليّ لهلك عمر(4).
أخرج أحمد بن حنبل في مسـنده: عن ابن عبّـاس، أنّ عمر تحيّر في حكم الشكّ في الصلاة، فقال له: يا غلام! هل سمعت من رسول الله
____________
1- المستدرك على الصحيحين 4 / 104 وصحّحه الحاكم، السُنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 10 / 118، المعجم الكبير 11 / 94، نصب الراية 5 / 37، 38، الجامع الصغير 2 / 567، كنز العمّال 6 / 25، 16 / 88، 89، سبل السلام 4 / 117، 190، كتاب السُـنّة: 613.
2- سورة النساء: الآية 20.
3- المبسوط 10 / 153، سبل السلام 3 / 149، سنن البيهقي 7 / 233، المجموع شرح المهذّب 16 / 327، كنز العمّال 16 / 537، كشف الخفاء 2 / 116 بطرق متعدّدة، الدرّ المنثور 2 / 133 يخرجه عن سعيد بن منصور وأبي يعلى بسند جيّد.
4- فيض القدير في شرح الجامع الصغير 4 / 470، فتح الملك العليّ: 71، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد المعتزلي ـ 12 / 205.
خطب عمر الناس يوماً فقال: مَن أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أُبّي بن كعب، ومَن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن جبل، ومَن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومَن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإنّي له خازن. وفي لفظ: فإنّ الله تعالى جعلني خازناً وقاسـماً(2)..
قال العلاّمة الأميني في الغدير: في هذه الخطبة الثابتة المروية عن الخليفة ـ بطرق صحيحة، كلّ رجالها ثقات، وصحّحها الحاكم والذهبي ـ اعترف بأنّ المنتهى إليه في العلوم الثلاثة أُولئك النفر المذكورين فحسب، وليس للخليفة إلاّ أنّه خازن مال الله!
وهل ترى من المعقول أن يكون خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أُمّته، في شرعه ودينه وكتابه وسُـنّته وفرائضـه، فاقداً لهاتيك العلوم، ويكون مرجـعه فيها لفيفاً من الناس، كما تنبئ عنه سـيرته؟!
فعلامَ هذه الخلافة؟!
وهل تستقرّ بمجرّد الأمانة، وليست عزيزة في أُمّة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
وما وجـه الاختصاص بـه؟!
نعم، وقع النصّ عليه ممّن سبقه في الخلافة على غير طريقة القوم في الخليفة الأوّل(3)!!
____________
1- مسند أحمد بن حنبل 1 / 190.
2- المستدرك على الصحيحين 3 / 305، 306 وصحّحه الحاكم، السُنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 6 / 210، مجمع الزوائد 1 / 135، المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ 7 / 620، المعجم الأوسـط 4 / 127.
3- الغدير 6 / 192.
أمّا عثمان ; فموارده لا تحصـى ولا تستقصـى، وكفاك أن تعلم أنّ مَن بايعه من الصحابة والتابعين هم الّذين استحلّوا قتله وإهراق دمـه(1) ; لما ظهر منه من المخالفات للكتاب والسُـنّة والجهل بهما، ولتوليته شاربي الخمور، المعلنين بالفسـق والفجـور، أعداء الله ورسوله، كـ: الوليد بن عقبة، الّذي دعاه الله فاسقاً، ونزل فيه: { إِنْ جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُواْ }(2)، وعبد الله بن أبي سرح، وغيرهم ممّن عُرفوا بالفسق والفجور.ومن موارد جهله بالكتاب والسُـنّة: إتمامه الصلاة بمنى مع كونه مسافراً(3).
ومنها: تقديمه الخطبتين في العيدين على الصلاة(4) ; وهو مخالف للسُـنّة المتواترة وفعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومنها: إحداثه الأذان الثالث يوم الجمعة زائداً على سُـنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(5)، وهو بدعة محرّمة كما اعترفوا به.
ومنها: تعطيله الحدود الواجبة، كـ: الحـدّ في عبيد الله بن عمر لمّا
____________
1- انظر: تاريخ الطبري: ج 3 عند بيان حصر عثمان وقتله، كنز العمّال 13 / 80 عند بيان حصر عثمان وقتله، تاريخ المدينة المنورة 1 / 154. شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 2 / 148، 20 / 23.
2- سورة الحجرات: الآية 6.
3- انظر: صحيح البخاري 2 / 35 باب: ما جاء في التقصـير، 2 / 173 باب: الصلاة بمنى، سُنن أبي داود 1 / 438 باب: الصلاة بمنى، السُنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 3 / 144، تاريخ ابن خلدون ق 2 ج 2 ص 140.
4- انظر: تاريخ الخلفاء: 187.
5- انظر: صحيح البخاري 1 / 217 كتاب الجمعة في باب: زيادة النداء الثاني، وفي باب: زيادة النداء الثالث، وهي متقاربة، تاريخ ابن خلدون ق 2 ج 2 ص 140.
وكان عمّار بن ياسر ممّن أعان على قتل عثمان، ويقول: قتلناه كافراً(2).
وقيل لزيد بن أرقم: بأي شيء كفّرتم عثمان؟
فقال: بثلاث: جعل المال دولة بين الأغنياء، وجعل المهاجرين والأنصـار مـن الصحابة بمنزلة مَن حارب الله ورسولـه، وعمل بغير كتاب الله(3).
بل يمكن للمتابع أن يلاحظ الحال الّتي وصل إليها عثمان بأنّ الّذي اختاره للخلافة وهو عبـد الرحمن بن عوف قد جفاه بعد ذلك وأخذ يعـيّره..
روى أحمد بن حنبل في مسـنده: عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبـد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان (رضي الله عنه)؟
فقال له عبـد الرحمن: أبلغْه أنّي لم أفرّ يوم عينين ـ قال عاصم:
____________
1- انظر: السُنن الكبرى 8 / 62، المصنّف ـ لعبـد الرزّاق الصنعاني ـ 5 / 479، الطبقات الكبرى 5 / 17.
2- انظر: التمهيد ـ للباقلاني ـ: 220، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 3 / 47، تاريخ الطبري 3 / 497، البداية والنهاية 7 / 263، وفي سير أعلام النبلاء ـ للذهبي ـ 1 / 425: " بسند حسن عن أبي الغادية، قال: سمعت عمّار بن ياسر يقع في عثمان يشتمه بالمدينة، فتوعّدته بالقتل، فلمّا كان يوم صِفّين جعل عمّار يحمل على الناس، فقيل لي: هذا عمّار... فطعنته في ركبته فوقـع فقتلته... ".
3- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 3 / 51.
أقـول:
فأين هذه الأقوال والأفعال ـ الصادرة عن الخلفاء الثلاثة الّذين سبقوا أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عليّ من حيث الهداية: " عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحـوض "(2).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحـوض "(3).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه من حيث العلم: " أعلم أُمّتي من بعدي: عليّ بن أبي طالب "(4).
وأخـرج المحبّ الطبري في الرياض و الذخائر عن عائشة: " أعلم الناس بالسُـنّة: عليّ بن أبي طالب "(5).
وأخرج أحمد في مسـنده قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة (عليها السلام): " أو ما
____________
1- مسند أحمد بن حنبل 1 / 68.
وانظر: مجمع الزوائد 7 / 226 ; قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني باختصار، والبزّار بطوله بنحـوه، وفيه: عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث، وبقيّة رجاله ثقات.
2- تاريخ بغداد 14 / 323، تاريخ دمشق 42 / 449، الإمامة والسياسة 1 / 98.
3- أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3 / 134، والذهبي في الصفحة نفسها من تلخيصـه ; وصـرّح كلّ منهما بصحّـته على شـرط الشيخين.
4- كنز العمّال 11 / 614 ; يرويه عن الديلمي.
5- الرياض النضـرة 3 / 160، ذخائر العقبى: 78.
وأيضاً ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله مخاطباً أصحابه: " أقضاكم عليّ "(2).
وقد كان أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) يقول: " علّمني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ألف باب من العلم، في كلّ باب ألف باب، أو: كلّ باب يفتح منه ألف باب "(3).
وكان يقول: " لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى، ولا سُـنّة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنبأتكم بذلك "(4).
وكان يقول: " والله! ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيم أُنزلت، وأين أُنزلت، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولا، ولساناً سؤولا "(5).
كما كان يقول: " سلوني! والله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم
____________
1- مسند أحمد 5 / 26، المعجم الكبير 20 / 230، مجمع الزوائد 9 / 101 ; وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، وفيه: خالد بن طهمان ; وثّقه أبو حاتم وغيره، وبقيّة رجاله ثقات. انتهى.
2- تفسير القرطبي 15 / 162، الإحكام ـ للآمدي ـ 4 / 237..
وانظر أيضاً: فتح الباري 7 / 60 ; يذكر قول عمر: عليّ أقضانا، الطبقات الكبرى 2 / 338 ; وفيه قول ابن مسعود: أقضـى أهل المدينة: عليّ بن أبي طالب.
3- تاريخ دمشق 42 / 385، كنز العمّال 13 / 115، ميزان الاعتدال 2 / 483 ; يرويه بسند فيه: كامل بن طلحة، عن ابن لهيعة ; قال الذهبي: كامل صـدوق، وقال ابن عدي: لعلّ البلاء فيه من ابن لهيعة ; فإنّه مفرط في التشـيّع. انتهى.
قلنا: الأصل في الموضوع الصـدق والإتقان ; فانظر: توثيق ابن لهيعة وإطراء العلماء له في تهذيب الكمال 15 / 494، وتاريخ دمشق 32 / 143، 144.
4- أخرجه ابن كثير في تفسيره 4 / 248 من طريقين، وقال: ثبت أيضاً من غير وجه.
5- الطبقات الكبرى 2 / 338، تاريخ مدينة دمشق 42 / 397، كنز العمّال 13 / 128.
وكان يقول: " ألا رجل يسأل فينتفع وينفع جلساءه "(2).
قال سعيد بن المسيّب: لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني، إلاّ عليّ بن أبي طالب(3).
فهل تراها تتّفق ـ عزيزي القارئ ـ تلك الأقوال والأفعال، الّتي مرّ ذكرها عن واقع الخلفاء الثلاثة، والّتي تمخّضـت عن خلافة الشورى، مع قوله (عليه السلام): " إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه "، الّذي جاء به الدليمي هنا ; ليستدلّ به على صـحّة تلك الخلافة؟!
نترك الإجابة للقارئ!!
ثمّ ذكر الكاتب قولا آخر من أقوال الإمام (عليه السلام) في الموضوع ذاته، وهو قوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ:
" فنظرت في أمري ; فإذا طاعتي سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري.
ـ قال: ـ وهذا تسليم منه (رضي الله عنه) بوجوب طاعته لمَن صار خليفة بعد رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ ذلك ميثاق في عنقه يجب الوفاء به "(4).
____________
1- تفسير القرطبي 1 / 35، الرياض النضرة 3 / 167، تهذيب التهذيب 7 / 296.
2- أخرجه أبو عمر في جامع بيان العلم 1 / 114، وفي مختصـره: 57.
3- تاريخ دمشق 42 / 399، أُسد الغابة 4 / 22، الرياض النضرة 3 / 166.
4- ص 14.
أقـول:
مَن قرأ كلام الإمام (عليه السلام) في النهج، السابق لكلامه هنا، تبين له مراده منه ; فقد قال (عليه السلام): " رضينا عن الله قضاءه، وسلّمنا لله أمره، أتراني أكذب على رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ والله لأنا أوّل من صدّقه، فلا أكون أوّل من كذب عليه، فنظرت في أمري ; فإذا طاعتي سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغـيري "(1).
وسأنقل للقارئ الكريـم هنا كلام شارحـي النهج: ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي، والشيخ محمّـد عبـده في شـرح العبارة، ليدرك مدى الخلط وسـوء الفهم الّذي وقع فيه الكاتب في فهم هذه العبارة!
قال ابن أبي الحديد: قوله: " فنظرت في أمري... " إلى آخر الكلام، هذه كلمات مقطوعة من كلام يذكر فيه حاله بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه كان معهوداً إليه أن لا ينازع في الأمر، ولا يثير فتنة، بل يطلبه بالرفق فإن حصـل له، وإلاّ أمسـك، هكذا كان يقول (عليه السلام)، وقوله الحقّ..
وتأويل هذه الكلمات:
فنظرت فإذا طاعتي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أي: وجوب طاعتي، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
قد سـبقت بيعتي للقوم: أي: وجوب طاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علَيّ ووجوب امتثالي أمره سابق على بيعتي للقوم ; فلا سبيل لي إلى الامتناع من البيعة لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخـذ علَيّ الميثاق بترك الشقاق والمنازعة، فلم يحلّ لي أن أتعـدّى أمره أو أُخالف نهيه.
____________
1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 89.
قيل: ليس الأمر كذلك، بل هذا تصريح بمذهب أصحابنا ـ يعني المعتزلة ـ من البغداديّـين ; لأنّهم يزعمون أنّه الأفضـل والأحقّ بالإمامة لولا ما يعلمه الله ورسـوله من أنّ الأصـلح للمكلّفين من تقديم المفضـول عليه لكان مَن تقدّم عليه هالكاً(1). انتهى.
مناقشة ابن أبي الحديد في شرحه:
والكلام الأخير لابن أبي الحديد هنا مردود عليه ; لأنّ تقديم المفضـول على الفاضل قبيح عقلا، ومردود شرعاً، بدليلي القرآن والسُـنّة:
أمّا الكتاب:
فقوله تعالى: { أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }(2)، وقوله تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }(3)، إلى غيرها من الآيات الكريمة الدالّة في المقام.
وأمّا السُـنّة:
فقد ورد عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " مَن استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم أنّ فيهم أوْلى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسُـنّة نبيّه
____________
1- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 2 / 296.
2- سورة يونس: الآية 35.
3- سـورة الزُمَر: الآية 9.
وقد جرت على هذا الارتكاز العقلي والشرعي عقائد الناس ; قال أحمد بن محمّـد الوتري البغدادي في كتابه روضـة الناظرين: اعلم أنّ جماهير أهل السُـنّة والجماعة يعتقدون أنّ أفضل الناس بعد النبيّ (صلى الله عليه وسلم): أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ، رضي الله تعالى عنهم، وأنّ المتقدّم في الخلافة هو المقدّم في الفضـيلة ; لاستحالة تقديم المفضول على الفاضل ; لأنّهم كانوا يراعون الأفضـل فالأفضـل.
والدليل عليه: أنّ أبا بكر (رضي الله عنه) لمّا نصّ على عمر (رضي الله عنه) قام إليه طلحة (رضي الله عنه) فقال له: ما تقول لربّك وقد ولّيت علينا فظّاً غليظاً؟!
قال أبو بكر (رضي الله عنه): فركت لي عينيك، ودلكت لي عقبيك، وجئتني عن رأيي، وتصدّني عن ديني! أقول له إذا سألني: خلّفت عليهم خير أهلك(2)..
فدلّ على أنّهم يراعون الأفضـل فالأفضـل(3). انتهى.
____________
1- سبق ذكر مصادره في ص 154.
2- وفي رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 / 37: لئن سألني الله لأقولنّ: استخلفت عليهم خيرهم في نفسي. انتهى.
3- روضـة الناظرين: 2..
أقـول: ذكرنا كلامه هنا من باب الاحتجاج والإلزام ليس إلاّ ; لاتّفاقه معنا في أصل الموضـوع، أمّا بخصوص أنّ أهل السُـنّة والجماعة يعتقدون: إنّ أفضل الناس بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ (عليه السلام)، وهي المفاضلة المنسوبة في حقّ الثلاثة الأوائل إلى ابن عمر ـ كما في صحيح البخاري ج 4 في مناقب عثمان ـ وفي حقّ الأربعة إلى جعدبة بن يحيى ـ انظر ترجمته في لسان الميزان 2 / 105 ـ ; فانصح القارئ الكريم بالعودة إلى كتاب الغدير 7 / 3 وما بعدها، ليقف على القول الفصـل في موضـوع المفاضلة هذه.
فتبيّن من ذلك بطلان قول المعتزلة في جواز تقديم المفضول على الفاضل جملةً وتفصـيلا.
أهل البيت (عليهم السلام) أحقّ بالإمامة من غيرهم:
وبما أنّ الحديث قد انجرّ إلى بيان الفاضل من المفضول، فلا بُدّ من بيان هذه الحقيقة، وهي: إنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم الأفضـل في الأُمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما هو مدّعانا ; وذلك لما ورد من النصوص الدالّة على هذا الأمر، والتي سبق أن مرّ منها في أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)..
فقد دلّت على أفضليّتهم آيات كثيرة متضافرة، كـ: آية المباهلة(2)، وآية التطهير(3)، وآية المودّة(4)، وآية الصلاة على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، الّتي شارك
____________
1- راجع: الغدير 5 / 285 ـ 306 و 7 / 87 ـ 96 و 10 / 73 ـ 132 ; لتقف على التحقيق في جملة من هذه الفضائل المنسـوبة.
2- سورة آل عمران: الآية 61.
3- سورة الأحزاب: الآية 33.
4- سورة الشورى: الآية 23.
كما دلّت على أفضليّتهم أحاديث كثيرة متضافرة، نذكر منها هنا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد "(3).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد خطب الناس يوماً: " يا أيّها الناس! إنّ الفضل والشرف والمنزلة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذرّيّته، فلا تذهبنّ بكم الأباطيل "(4).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من قومه، مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق "(5).
انظر التشبيه الدقيق في حديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فقد حملت تلك السفينة القوم الناجين وأنقذتهم من الغرق في الماء الّذي شمل الأرض كلّها آنذاك، وكذا يكون المتّبِع لأهل بيته (عليهم السلام)، الأمر الّذي يكشف لنا بوضوح عن الفرقة الناجية من المسلمين الّتي عناها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: " ستفترق أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلّها في النار إلاّ واحـدة "(6).
قال القاري في مرقاة المفاتيح: " (ألا إنّ مَثل أهل بيتي) أي شَبَههُم (فيكم مثل سفينة نوح) أي في سببية الخلاص من الهلاك إلى النجاة، (مَن
____________
1- سورة الأحزاب: الآية 56.
2- انظر: المراجعات وملحقها ـ لحسين الراضـي ; لتقف على مصادر أهل السُـنّة الّتي قالت بنزول الآيات السابقة بحـقّ أهل البيت (عليهم السلام)، مع آيات أُخَرَ كثيرة.
3- ذخائر العقبى: 17، كنز العمّال 12 / 4 ; وقد أخرجه عن الديلمي، عن أنس، سبل الهدى والرشاد 11 / 7.
4- الصواعق المحرقة: 105.
5- المستدرك على الصحيحين 2 / 373 و 3 / 163 وصحّحه، المعجم الأوسط 5 / 355 و 6 / 85، المعجم الكبير 3 / 45 و 46 و 12 / 27، الجامع الصغير 1 / 373 و 2 / 533، كنز العمّال 12 / 94 و 95.
6- سبق ذكر مصادره في ص 42.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب، اختلفوا فصاروا حزب إبليس "(2).
قال المناوي الشافعي في فيض القدير: " (وأهل بيتي أمان لأُمّتي) شبّههم بنجوم السماء وهي الّتي يقع بها الاهتداء، وهي: الطوالع والغوارب والسيارات والثابتات، فكذلك بهم الاقتداء، وبهم الأمان من الهلاك "(3).
وقد مرّ بنا في أوّل الكتاب ذكر حديث الثقلين المشهور المتواتر، الدالّ بكلّ وضـوح على وجـوب التمسّك بأهل البيت (عليهم السلام) واتّباعهم بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; وذلك لمحلّ العصـمة من الضلال أبداً للمتمسّك بهم(4).
قال الإمام عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة: " لا يُقاس بآل محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه الأُمّة أحـد، ولا يُسـوّى بهم مَن جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصـية والوراثة "(5).
____________
1- مرقاة المفاتيح 10 / 552.
2- المستدرك على الصحيحين 3 / 162 وصحّحه، الصواعق المحرقة: 91، 140 وصحّحه، كنز العمّال 12 / 102، المعجم الكبير 7 / 22 ; وفيه: النجوم جعلت أماناً لأهل السماء وإنّ أهل بيتي أمان لأُمّتي، الجامع الصغير 2 / 680 مثله.
3- فيض القدير شرح الجامع الصغير 6 / 386.
4- راجع الحديث مع مصادره في ص 49.
5- راجع: نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 30.