الصفحة 168

أقوال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في عليّ (عليه السلام) خاصّـة:

كما يدلّك على أفضـليّة عليّ (عليه السلام) بالخصـوص بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على الأُمّة جمعاء قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أُوحي إليَّ في عليّ ثلاث: أنّه سـيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين "(1).

وأيضاً قد ذكرنا سابقاً ما يدلّ على أعلميّته (عليه السلام) وفضيلته من هذه الناحية ; كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أعلم أُمّتي من بعدي: عليّ بن أبي طالب "، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أقضاكم عليّ "(2).

وفي حديث أخرجـه الحاكم وصحّحه: عن أنس بن مالك، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ (عليه السلام): " أنت تبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي "(3).

وروي عن أبي ذرّ وسلمان: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ـ وقد أخذ بيد عليّ ـ: " إنّ هذا أوّل مَن آمن بي، وهذا أوّل مَن يصافحني يوم القيامة، وهذا الصدّيق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأُمّة، يفرّق بين الحـقّ والباطل، وهذا يعسـوب المؤمنين، والمال يعسـوب الظالمين "(4).

____________

1- المستدرك على الصحيحين 3 / 148 ; قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه، ذخائر العقبى: 70 في ذكر اختصاصـه (عليه السلام) بسيادة المسلمين وولاية المتّقين، المعجم الصغير 2 / 88، كنز العمّال 11 / 620، تاريخ دمشق 42 / 302.

2- انظر: مصادر الحديثين في ص 159.

3- المستدرك على الصحيحين 3 / 132.

4- المعجـم الكبير 6 / 296، تاريـخ دمشـق 42 / 42، كنز العمّال 11 / 616، درّ السحابة: 205 بلفظ: " هذا يعسـوب المؤمنين، والمال يعسـوب المنافقين " ; قال الشوكاني: أخرجه الطبراني في الكبير بإسناد رجاله ثقات. انتهى..

واليعسـوب: ملك النحـل، ومنه قيل للسـيّد: يعسـوب قومه ; الصحاح ـ للجوهري ـ 1 / 181.

وله شاهد من قول عليّ (عليه السلام)، رواه ابن ماجة في السُـنن 1 / 44، 49، وهو: " أنا عبـد الله وأخو رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب، صلّيت قبل الناس لسبع سنين " ; قال الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 102: رواه أحمد وأبو يعلى باختصار، والبزّار والطبراني في الأوسـط، وإسناده حسن.


الصفحة 169
وروى أبو نعيم في الحلية: عن معاذ، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ (عليه السلام): " يا عليّ! أخصمك بالنبوّة ; فلا نبوّة بعدي، وتخصم الناس بسبع، ولا يحاجّك فيها أحد من قريش ; أنت أوّلهم إيماناً بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم في الرعية، وأبصـرهم بالقضـية، وأعظمهم عند الله مزية "(1).

وروى المحبّ الطبري في الرياض النضـرة: جاء أبو بكر وعليّ يزورون قبر النبيّ (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته بسـتّة أيّام ; قال عليّ لأبي بكر: " تقدّم يا خليفة رسـول الله "، فقال أبو بكر: ما كنت لأتقـدّم رجلا سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " عليّ منّي بمنزلتي من ربّي "(2).

ولعلّ السؤال الّذي يطرح نفسه هنا بإلحاح: إن كان هذا واقع الحال عند أبي بكر لمنزلة عليّ (عليه السلام)، فلماذا رضـي بالتقدّم عليه في مسألة الخلافة، ونزل عند رغبة بعضهم ولم يبيّن أنّ الأكفأ والأجدر بها هو: عليّ (عليه السلام)؟!

وأيضاً جعله النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مناراً وعلامة للهدى عند اختلاف الناس في المسالك ; فقد أخرج الديلمي عن عمّار وأبي أيّوب: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

____________

1- حلية الأولياء 1 / 65، ذخائر العقبى: 56، الرياض النضرة 3 / 138، كنز العمّال 11 / 617، تاريخ مدينة دمشق 42 / 58، 59، سبل الهدى والرشاد 11 / 296.

2- الرياض النضـرة في مناقب العشـرة 3 / 119.


الصفحة 170
قال لعمّار: " يا عمّار! إذا رأيت عليّاً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره، فاسْلك مع عليّ ودع الناس ; فإنّه لن يدلّك على ردىً، ولن يخـرجك من هـدىً "(1).

وقد جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجوب طاعته وعدم مخالفته: " مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومَن عصى عليّاً فقد عصاني "(2).

وفي لزوم متابعته وعدم مفارقته قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " يا عليّ! مَن فارقني فقد فارق الله، ومَن فارقك فقد فارقني "(3).

ولبيان اختصاصـه بـه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه المؤهّل لتنفيذ المهام الخطيرة نيابة عنه، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ منّي، وأنا من عليّ، ولا يؤدّي عنّي إلاّ عليّ "(4).

وعليّ (عليه السلام) بعد هذا هو خيرة الله من خلقه مع نبيّه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ; قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لابنته فاطمة (عليها السلام): " يا فاطمة! أما ترضـين أنّ الله عزّ وجلّ

____________

1- تاريخ بغداد 13 / 188، تاريخ مدينة دمشق 42 / 472، كنز العمّال 11 / 614 يخرجه عن الديلمي، عن عمّار بن ياسر وعن أبي أيّوب..

وسيأتي ما يماثله من أحاديث الولاية عن الطبراني والحاكم وأبي نعيم وابن عساكر، عن زيد بن أرقم.

2- أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3 / 131، والذهبي في تلك الصفحة من تلخيصـه، وصـرّح كلّ منهما بصحّـته على شرط الشيخـين.

3- أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3 / 133، والذهبي في تلك الصفحة من تلخيصـه، وصـرّح كلّ منهما بصحّته على شرط الشيخين.

4- أخرجه ابن ماجة في سُـننه في باب فضائل الصحابة 1 / 45، وأحمد في مسنده 45 / 164 و165 بطرق متعدّدة، كلّها صحـيحة.


الصفحة 171
اطّلع على أهل الأرض فاختار رجلين: أحدهما أبوك، والآخر بعلك "(1).

بل هو أحبّ الخلق إلى الله بعد نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد جعل حبّه علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق..

روى مسلم في صحـيحه: عن عدي بن ثابت، عن زرّ، قال: قال عليّ: والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة أنّه لعهد النبيّ الأُميّ (صلى الله عليه وسلم) إليَّ أن لا يحـبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضـني إلاّ منافق(2).

وروى الترمذي في سُـننه، في مناقب عليّ بن أبي طالب، بسنده عن أنس بن مالك، قال: كان عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) طير، فقال: " اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك ليأكل معي هذا الطير " فجاء عليّ فأكل معه(3).

وهو بعد ذلك كلّه نفس النبيّ المصطفى الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) ; بنصّ آية

____________

1- المستدرك على الصحيحين 3 / 140 وصحّحه، المعجم الكبير 3 / 57 و 58، 4 / 171، كنز العمّال 11 / 605، تاريخ بغداد 4 / 418، تاريخ مدينة دمشق 42 / 131، المعجم الأوسط 6 / 327، ذخائر العقبى: 136، مجمع الزوائد 8 / 253 ; وقد صرّح الهيثمي بحُسـن أحـد أسانيد الطبراني.

2- صحيح مسلم 1 / 61، مسند أحمد 1 / 84، سُـنن ابن ماجة 1 / 42، سُـنن النسائي 8 / 117.

3- سُـنن الترمذي 5 / 300، المستدرك على الصحيحين 3 / 142 و 143 وصحّحه، السُـنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 107، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام): 51، المعجم الأوسط 2 / 207 بطرق متعدّدة، وفي مواضـع أُخرى مختلفة، المعجم الكبير 1 / 253، 7 / 82، مسند أبي يعلى 7 / 105، يرويه بسند رجاله ثقات. مجمع الزوائد 9 / 125، كنز العمّال 13 / 166، سير أعلام النبلاء 13 / 233، تاريخ بغداد 3 / 390 بطرق متعدّدة، ومواضـع أُخرى مختلفة، تاريخ دمشق 37 / 406 بطرق متعدّدة ومواضـع مختلفة، تذكرة الحفّاظ 3 / 1042 ; قال الذهبي: وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة جدّاً، قد أفردتها بمصنّف، ومجموعها يوجب أن يكون الحديث له أصل. انتهى.


الصفحة 172
المباهلة(1): { أَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ }، ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أو لأبعثنّ عليكم رجلا منّي أو كنفسـي "(2).

أقول:

إنّ دلالة هذه الأحاديث ـ وغيرها ـ على أنّه (عليه السلام) هو الإمام المفترض الطاعة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واضـحة ; لأنّ مَن بايع غيره واتّبع سواه فقد فارقه، ومَن فارقه فارَق الحقّ، كما مرّ في الأحاديث المتقدّمة...

وكذلك أقوال، مثل: سيّد المسلمين، إمام المتّقين، المبيّن لما اختلف فيه الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، منزلته من الرسول كمنزلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من ربّه، الصدّيق الأكبر، فاروق هذه الأُمّة...

وكلمات مثل: أوفاهم بعهد الله، أقومهم، أقسمهم بالسوية، أعدلهم، أبصرهم، أعظمهم عند الله، أحد اثنين اختارهما الله من أهل الأرض كلّهم، الأمر بالسلوك معه وترك الناس عند الاختلاف في المسالك ; وتعليل ذلك بعدم التدليل على ردى وعـدم الإخراج من هـدى، أحبّ الخلق إلى الله، لا يحـبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضـه إلاّ منافق، نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)...

فإنّ فيها من الدلالة على أفضليته، وأرجحيّته، وأهليّته للخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة دون المسلمين كلّهم، وما يدلّ على لزوم متابعته، ممّا لا يختلف عليه إلاّ مَن كان جاهلا بعلوم العربية بحيث لا يدرك معه الألفاظ الدالّة على التفضـيل، أو كان متعصّـباً لمذهب قومه وعشيرته، وكانت على قلبه غشاوة تمنعه من الوصول إلى إدراك الحـقّ والحقيقة!

____________

1- سورة آل عمران: الآية 61.

2- المستدرك على الصحيحين 2 / 131 وصحّحه، مسند أبي يعلى 2 / 166، الرياض النضـرة 3 / 119 و 120، المعجم الأوسط 4 / 133، مجمع الزوائد 7 / 110، 9 / 163، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام): 89.


الصفحة 173

ولاية عليّ (عليه السلام)

وأقول أيضاً:

لقد وردت جملة من الأحاديث النبوية المباركة الدالّة على أحقّيته (عليه السلام) بالخلافة ممّن سبقه عليها، وهي الأحاديث الواردة في وجوب موالاته وطاعته والاهتداء بهديه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي بالإضافة إلى حديث الغدير المارّ ذكره، وما ورد من أنّه وليّ المؤمنين بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فقد أخرج المحدّثون جملة من هذه الأحاديث، نذكر منها:

1 ـ حديث عمّار بن ياسر ; قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أُوصي من آمن بي وصدّقني بولاية عليّ بن أبي طالب، فمَن تولاّه فقد تولاّني، ومَن تولاّني فقد تولّى الله، ومَن أحبّه فقد أحبّني، ومَن أحبّني فقد أحبّ الله، ومَن أبغضـه فقد أبغضـني، ومَن أبغضني فقد أبغض الله "(1).

2 ـ حديث ابن عبّـاس ; قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليتولّ عليّاً من بعدي، وليوالِ وليّه، وليقتدِ بالأئمّة من بعدي ; فإنّهم عترتي، خُلقوا من طينتي، ورُزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي،

____________

1- تاريخ دمشق 42 / 239، 52 / 7، مجمع الزوائد 9 / 109 ; قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين أحسب فيهما جماعة ضعفاء، وقد وثّقوا، كنز العمّال 11 / 61 عن: الطبراني، وابن عساكر.


الصفحة 174
القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي "(1).

3 ـ حديث زياد بن مطرف ; قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " مَن أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة الّتي وعدني ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتولّ عليّاً وذرّيته من بعده ; فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدىً، ولن يدخلوكم في باب ضلالة "(2).

4 ـ حديث زيـد بن أرقم، قال: قال رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن أراد أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويسكن جـنّة الخلد الّتي وعدني ربّي، فليتولّ عليّ بـن أبي طالب ; فإنّه لا يخرجكم من هدىً، ولن يدخلكم في ضلالة "(3).

5 ـ وعن الخطيب الخوارزمي الحنفي في المناقب بسنده عن عليّ (عليه السلام)، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال: " يا عليّ! لو أنّ عبـداً عبـد الله مثل ما أقام نوح في قومه، وكان له مثل أُحـد ذهباً فأَنفقه في سبيل الله، ومدّ في عمره حتّى حجّ ألف عام على قدميه، ثمّ قتل بين الصفا والمروة مظلوماً، ثمّ لم يوالك يا عليّ لم يشـم رائحة الجنّة ولم يدخلها "(4).

____________

1- تاريخ دمشق 42 / 240، حلية الأولياء 1 / 6 يخرجه بإسناد صحيح، كنز العمّال 12 / 104 عن: الطبراني، والرافعي، عن ابن عبّـاس.

2- كنز العمّال 11 / 611 عن: مطير، والبارودي، وابن شاهين، وابن منده، كلّهم عن زياد بن مطرف، المنتخب من ذيل المذيل للطبري: 83.

3- المعجم الكبير 5 / 194، المستدرك على الصحيحين 3 / 139 ; قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، كنز العمّال 11 / 611 عن: الطبراني، والحاكم، وأبي نعيم في فضائل الصحابة، كلّهم عن زيد بن أرقم، تاريخ دمشق 42 / 243.

4- المناقب: 68، فردوس الأخبار 3 / 419، وأخرجه الحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب: 313، من طريق الحافظ أبي الفضل السلامي، ثمّ قال: هذا حديث سـنده مشـهور عند أهل النقل. انتهى.


الصفحة 175
وقد نظم أحد الفلاسفة المعاني الواردة في هذا الحديث الشريف في أبيات شعرية قال فيها:


لـو أنّ عبداً أتى بالصالحات غداًوودّ كـلّ نـبيّ مــرسـل ووليّ
وصـام ما صـام صوّاماً بلا مللوقام مـا قـام قوّاماً بـلا كـسـل
وحجّ ما حجّ من فرض ومن سننوطـاف ما طاف حاف غير منتعل
وطار في الجو لا يأوي إلى أحدوغـاص في البحر مأموناً من البلل
يكـسـو اليتامى من الديباج كلّهمويـطـعـم الجـائعين البرّ بالعسل
وعـاش مـا عـاش آلافاً مؤلّفةعار من الـذنب معصوماً من الزلل
ما كـان عـنـد الله ينـفـعـهإلاّ بـحبّ أميـر المـؤمنين عليّ(1)

وفي معنى الحديث المتقدّم، جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " لو أنّ رجلا صـفن بين الركن والمقام فصلّى وصام ثمّ لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمّـد دخل النار "(2).

وفي هذا المعنى أيضاً قال الإمام الشافعي شعراً:


ولمّا رأيـت النـاس قد ذهبت بهممذاهبهـم في أبحـر الغيّ والجـهلِ
ركبت على اسم الله في سفن النجاوهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسلِ

____________

1- تنسب هذه الأبيات لفيلسوف العلماء وعالم الفلاسفة الخواجة نصير الدين الطوسي (رحمه الله) كما هو المثبت عنه في مقدّمة بعض الشروح لكتابه التجـريد.

2- أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3 / 161، والذهبي في تلك الصفحة من تلخيصـه ; وصرّح كلّ منهما بصحّته على شـرط الشيخـين.


الصفحة 176

وأمسكت حبل الله وهو ولائهمكما قد أمرنا بالتمسّك بالحبلِ(1)

لا تصلح الإمامة على غير أهل البيت (عليهم السلام):

وبإمكاننا، ومن خلال نهج البلاغة نفسه الّذي نتصفّح كلماته ونقرأ أقوال الإمام عليّ (عليه السلام) فيه أن نستدلّ على أنّ الخلافة العظمى والإمامة الكبرى لا تصلح على غير أهل بيت النبوّة ; فقد جاء فيه عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله:

" إنّ الأئمّة من قريش، غُرسوا في هذا البطن من هاشـم، لا تصلح(2)على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم "(3).

وقد استوقف هذا النصّ ابن أبي الحديد شارح النهج واستشكل على أُصول مذهبه الّتي يتبنّاها ويدافع عنها، فقال: فإن قلت: إنّك شرحت هذا الكتاب على قواعد المعتزلة وأُصولهم، فما قولك في هذا الكلام وهو صريح بأنّ الإمامة لا تصلح من قريش إلاّ في بني هاشم خاصّـة، وليس ذلك بمذهب المعتزلة، لا متقدّميهم ولا متأخّريهم؟!

قلت: الموضـع مشكل ولي فيه نظر، وإن صـحّ أنّ عليّاً قاله، قلت: كما قال ; لأنّه ثبت عندي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّه مع الحقّ وأنّ الحقّ يدور معه حيثما دار.

ثمّ قال: ويمكن أن يتأوّل ويطبّق على مذهب المعتزلة فيحمل على

____________

1- رشفة الصادي: 24.

2- أي: الإمامة.

3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 27.


الصفحة 177
أنّ المراد به: كمال الإمامة، كما حمل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسـجد "(1).

أقول:

إنّ الذهاب إلى نفي الكمال يتمّ فيما لو دلّت قرينة من الداخل أو الخارج على عدم إرادة نفي الصحّة، كما في الحديث الّذي أورده ابن أبي الحديد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد "، فبعد أن دلّت القرائن الخارجية على صحّة مَن يصلّي في بيته وجاره المسـجد، ذهب الفقهاء إلى أنّ المراد بالنفي في الحديث هو نفي الكمال لا نفي الصـحّة، أي لا صلاة كاملة الأجر والثواب لمَن جاره المسجـد إلاّ في المسـجد.

أمّا النصّ السابق الوارد عن الإمام (عليه السلام) في نهج البلاغة فقد احتجّ القوم بمثله عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على نفي صحّة إمامة غير القرشي(2)، كما ورد

____________

1- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 9 / 88.

2- فقد ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: " الأئمّة من قريش "..

انظر: مسند أحمد 3 / 129 و 183، مسند أبي داود الطيالسي: 125 و 284، السنن الكبرى 3 / 121، المعجم الصغير 1 / 152.

وقد نصّ على تواتر هذا الحديث: السيوطي في قطف الأزهار المتناثرة: 248، والكتاني في نظم المتناثر: 169.

وورد أيضاً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " الخلفاء من بعدي اثنا عشر، كلّهم من قريش "..

راجع الحديث باختلاف ألفاظه في صحيح البخاري 8 / 127، وصحيح مسلم 6 / 3 باب 1 بتسـع طرق.

وفي إحدى طرق الحديث: " كلّهم من بني هاشم " ; كما في رواية عبـد الملك عن جابر..

راجع: ينابيع المودّة 3 / 292.

وعند حمل المجمل على المبيّن في هذه الروايات يُدرك المعنى المراد الّذي نحـن بصـدده أيضاً.


الصفحة 178
عن أبي بكر في ردّ خصومة الأنصار على الإمامة يوم السقيفة قوله: يا معشر الأنصار! لا تذكرون فضلا إلاّ وأنتم له أهل، وإنّ العرب لا تعرف هذا الأمر إلاّ لقريش(1).

كما ورد في صحيح البخاري: عن معاوية، أنّه سمع رجلا يقول بجواز الملك لِغيره، فقام خطيباً على المنبر وقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: إنّ هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلاّ أكبّه الله على وجهه(2).

بل اتّفق أئمّة المذاهب الأربعة إلاّ أبا حنيفة على عدم جواز إمامة غير القرشي لحديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) السابق، أمّا أبو حنيفة فقد أفتى على طريقته المعروفة بالرأي والقياس على جواز إمامة الموالي، وهي الفتوى الّتي استند عليها الأتراك في صحّة استيلائهم على خلافة المسلمين، وأطلقوا بسبب هذه الفتوى على أبي حنيفة لقب: الإمام الأعظم!

وعلى أيّة حال، فإنّ الذهاب إلى نفي الكمال يتمّ فيما لو دلّ دليل على عدم إرادة نفي الصـحّة، وفي حال الاشتباه يكون المعوّل عليه هو فهم العرف، وفهم المخاطَبين بالكلام، وقد مرّ بنا ذكر شاهدين عن المسلمين بأنّهم فهموا من حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)(3): عدم جواز إمامة غير القرشي..

واللفظ الوارد في كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو اللفظ نفسه الوارد في حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع زيادة في التوضيح والبيان من باب مدينة علم

____________

1- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 2 / 24.

2- راجع: صحيح البخاري ـ الجزء الرابع: في مناقب قريش.

3- راجع مصادره في الهامش المتقدّم من الصفحة السابقة.


الصفحة 179
المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعند حمل المجمل على المبيّن في الكلام يفهم منه بأنّ الإمامة لا تجوز لغير القرشي الهاشمي.

كما أنّ تكرار كلمة: " لا تصلح "، في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) قرينة لفظية على إرادة نفي الصحّة لا نفي الكمال، كما يحاول ابن أبي الحديد أن يأوّل ذلك، إلاّ أنّ الرجل لمّا أُحيطت مراكبه عزّ عليه أن يخالف أهل مذهبه فقال ما قال محاولا بذلك التوفيق بين الحقيقة والخيال!

أمّا الشيخ محمّـد عبـده فقد قال في تعليقته عن العبارة السابقة الّتي جاء بها الدليمي من النهج وهي قوله (عليه السلام): " فنظرت في أمري، فإذا طاعتي سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري ": هذه الجملة قطعة من كلام له في حال نفسـه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بيّن فيه أنّه مأمور بالرفق في طلب حقّه (؟!)، فأطاع الأمر في بيعة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فبايعهم امتثالا لما أمره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) به من الرفق، وإيفاء بما أخذ عليه النبيّ من الميثاق في ذلك(1). انتهى.

فانظر ـ عزيزي القارئ ـ إلى كلام شارحي النهج: ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي، والشيخ محمّـد عبـده، اللّذين خبرا كلام الإمام (عليه السلام)، ثمّ قارنه بكلام الدليمي السابق وفهمه لكلامه (عليه السلام) هنا..

ومَن قرأ كتب الحديث عَلِم الأمر والميثاق اللّذين عناهما الإمام (عليه السلام)هنا، وأشار إليهما علاّمة المعتزلة، والشيخ محمّـد عبـده في شرحيهما ; فقد روى المتّقي الهندي في كنزه: عن ابن أبى شيبة والحارث والبزّار والحاكم والعقيلي والبيهقي في الدلائل، كلّهم عن عليّ (عليه السلام)، قال: إنّ ممّا عهد إليَّ

____________

1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 89.


الصفحة 180
النبيّ (صلى الله عليه وسلم) أنّ الأُمّة ستغـدر بي من بعـده(1).

وفي حديث رواه الحاكم وصحّحه، ووافقه الذهبي: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال مخاطباً عليّاً (عليه السلام): " إنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي، وأنت تعيش على ملّتي، وتُقتل على سُـنّتي، مَن أحبّك أحبّني، ومَن أبغضك أبغضـني، وإنّ هذه ستخضـب من هذه ـ يعني لحيته من رأسـه ـ "(2).

وروى يونس بن حبّاب، عن أنس بن مالك، قال: كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ بن أبي طالب معنا، فمررنا بحديقة فقال عليّ: يا رسول الله! ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة! فقال: إنّ حديقتك في الجنّة أحسن منها، حتّى مررنا بسبع حدائق، يقول عليّ ما قال ويجيبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أجابه، ثمّ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقف فوضـع رأسه على رأس عليّ وبكى، فقال عليّ: ما يبكيك يا رسول الله؟!

قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتّى يفقدوني.

فقال: يا رسول الله! أفلا أضـع سيفي على عاتقي فأبيد خضراءها.

قال: بل تصـبر.

قال: فإن صـبرت.

قال: تلاقي جـهداً.

قال: أفي سـلامة من ديني؟

____________

1- كنز العمّال 11 / 297 ; وأيضاً يرويه عن غير واحد بلفظ: عهد معهود أنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي، البداية والنهاية 6 / 218، تاريخ بغداد 11 / 216، تاريخ دمشق 42 / 447.

2- المستدرك على الصحيحين 3 / 153، تلخيص المستدرك ـ للذهبي ـ، كنز العمّال 11 / 617 عن الدارقطني في الأفراد، والحاكم، والخطيب، كلّهم عن عليّ (عليه السلام)، تاريخ بغداد 11 / 216، البداية والنهاية 6 / 244، 7 / 360.


الصفحة 181
قال: نعم.

قال: فإذاً لا أُبالي(1).

وقد مـرّت بنا سابقاً الإشارة إلى كلامـه (عليه السلام) في النهج: " فما راعني إلاّ انثـيال الناس على فلان ـ يعني أبا بكر ـ يبايعونه، فأمسكت يدي(2)، حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محقّ دين محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به علَيّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل... "(3).

وقد ورد عنه (عليه السلام) في النهج أيضاً أنّه قال للناس، عندما عزموا على بيعة عثمان: " لقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري، ووالله لأسلمنّ

____________

1- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 4 / 107، مسند أبي يعلى 1 / 426، مجمع الزوائد 9 / 118 ; قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزّار، وفيه: الفضل بن عميرة ; وثقّه ابن حبّان وضـعّفه غيره، وبقيّة رجاله ثقات، المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ 7 / 502، تاريخ بغداد 12 / 394، تاريخ دمشـق 42 / 323 و 324، تهذيب الكمال 23 / 239، المستدرك على الصحيحين 3 / 150، أخرجه مختصراً وصـحّحه.

2- المستفاد من كلامه (عليه السلام) هنا بأنّه لم يبايع مبادراً، والمعلوم أنّه (عليه السلام) قد امتنع ـ كما يشير البخاري في صحيحه ـ عن مبايعة أبي بكر أو مصالحة القوم إلاّ بعد ستّة أشهر (أي بعد وفاة فاطمة (عليها السلام) حسب رواية البخاري ـ كتاب المغازي 3 / 1286)..

والحقّ إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يبايع إلاّ مكرهاً، في كلّ الأحوال، سواء قلنا: أنّه بايع قبل وفاة فاطمة، أو بعد وفاتها.

انظر: الإمامة والسياسة 1 / 31 في بيان كيف كانت بيعة عليّ (عليه السلام).. ومن المعلوم أن بيعة الإكراه لا تعدّ بيعة شرعاً.

3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 119.