الفصل السابع
علوم الإمام (عليه السلام)
وأهل بيته (عليهم السلام)
" علم الغـيب من العلوم الّتي اخـتصّ الله بها فلا يعلم أحد الغيب إلاّ الله، وهذا المعلوم من الدين بالضرورة، وقد جاءت الآيات القرآنية قاطـعة في الدلالة على ذلك، وكذلك الأحاديث النبوية، قال تعالى: { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَـوَا تِ وَالاَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ }(1)، ومن أسـماء الله الحسـنى الخاصّـة به تعالى: " عالم الغيب " و" علاّم الغـيوب ".
والنبيّ (صلى الله عليه وسلم) لا يعلم شيئاً ممّا غاب عنه إلاّ ما علّمه الله إيّاه عن طريق الوحي، الّذي انقطع بموته (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال تعالى: { عَـلِمُ ا لْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِى أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِى رَصَدًا }(2) ; فالاستثناء في بعض أُمور الغيب خاصّ بالأنبياء.
جاء في (نهج البلاغة) ما يلي: قال له بعض أصحابه: لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب؟ فضحك (عليه السلام) وقال للرجل ـ وكان كلبياً ـ: (يا أخا كلب! ليس هو بعلم غيب، وإنّما هو تعلّم من ذي علم، وإنّما علم الغيب هو علم الساعة وما عدّد الله سبحانه بقوله: { إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ
____________
1- سورة النمل: الآية 65.
2- سورة الجنّ: الآيتان 26 و27.
ـ قال: ـ ومع هذا كلّه نجد مَن ينسب إلى عليّ والأئمّة أنّهم يعلمون متى يمـوتون، وأنّهم لا يمـوتون إلاّ باختيارهـم، ويعلمون علم ما كان وما سيكون إلى قيام الساعة، وما يحدث في أقطار السماوات والأرض ما دون العرش إلى تحت الثرى، وما في الأنفس وما تخفي الصدور، وعندهم أسماء أهل الجنّة وأهل النار، بل يعلمون جميع العلوم الدينية والدنيوية، وجميع لغات أهل الأرض من الجـنّ والإنس والطير والهوام، ومن دون تعلّم على ذي علم "(2).
أقـول:
لم يذكر لنا الكاتب هنا اسم الشخص الّذي ينسب هذه العلوم إلى عليّ والأئمّة (عليهم السلام) بأنّها عندهم من دون تعلّم على ذي علم، ولم يشر إلى كتاب ذكر ذلك، وترك كلماته هنا مجملة تخاطب الأوهام الّتي ربّما يطمع منها بالحصول على تعريض بأحد ما ولو على سبيل الوهم!!
____________
1- سورة لقمان: الآية 34.
2- ص 23، 24.
ثـبت أنّ النـبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ورث علوم الأنبياء جـميعها، وكان يعلم علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة(1).
وثبت أنّ الإمام عليّ (عليه السلام) هو وارث علم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)(2).
وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علّم عليّاً (عليه السلام) ألف باب من العلم يفتح من كلّ باب ألف باب(3)..
قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير في ذيل تفسير قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَا هِيمَ وَءَالَ عِمْرَا نَ عَلَى الْعَـلَمِينَ }(4): قال عليّ: علّمني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ألف باب من الله، واستنبطت من كلّ
____________
1- صحيح مسلم 8 / 172 كتاب الفتن، سُـنن أبي داود 2 / 299، المستدرك على الصحيحين 4 / 533 وصحّحـه، صحيح ابن حبّان 15 / 5.
2- المستدرك على الصحيحين 3 / 136 وصحّحـه، ووافقه الذهبي كما في تلخيص المستدرك، مجمع الزوائد 9 / 134 ; قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، فتح الملك العليّ: 52، المعجم الكبير 19 / 40، كنز العمّال 13 / 143، خصائص أمـير المؤمنـين (عليه السلام): 108 ; وفـيه يقول السائل لقـثم بن العبّـاس: من أين ورث عليّ رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: إنّه كان أوّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً. انتهى..
أقول: ولا يخفى أنّ المراد هنا: وراثة العلم، دون وراثة المال ; لأنّ الثاني يُستحق بالنسب (وهذا مفصّل في كتب الفقه) دون أولوية اللحوق أو شـدّة اللزوق.
3- تاريخ دمشق 42 / 385، كنز العمّال 13 / 115، ميزان الاعتدال 2 / 483 ; يرويه بسند فيه كامل بن طلحة عن ابن لهيعة. قال الذهبي: كامل صدوق. وقال ابن عدي: لعلّ البلاء فيه من ابن لهيعة ; فإنّه مفرط في التشـيّع. انتهى.
قلنا: الأصل في الموضوع الصـدق والإتقان ; فانظر توثيق ابن لهيعة وإطراء العلماء عليه في تهذيب الكمال 15 / 494، وتاريخ دمشق 32 / 143 و 144.
4- سورة آل عمران: الآية 33.
وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمَن أراد المدينة فليأت الباب "(2).
وثبت أيضاً أنّ الأئمّة من ولد عليّ (عليهم السلام) رُزقوا علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وفهمه، وأنّ النبيّ أمر المسلمين بموالاتهم والاقتداء بهم من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم)..
أخرج الطبراني في المعجم الكبير، والرافعي في مسـنده بالإسناد إلى ابن عبّاس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسـها ربّي، فليوالِ عليّاً من بعدي، وليوالِ وليّه، وليقتدِ بأهل بيتي من بعدي ; فإنّهم عترتي، خُلقوا من طينتي، ورُزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذّبين فيهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي "(3).
وهم (عليهم السلام) المقصودون بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في بعض ما ورد من ألفاظ حديث الثقلين: القرآن والعترة ـ: " فلا تقدّموهـما فتهلكوا، ولا تقصّـروا
____________
1- التفسير الكبير 8 / 200.
2- المستدرك على الصحيحين 3 / 126 و127 وصحّحه، المعجم الكبير 11 / 55، الجامع الصغير 1 / 415، كنز العمّال 11 / 600 عن العقيلي، والطبراني والحاكم عن ابن عبّـاس، وعن ابن عدي في الكامل والحاكم عن جابر: 11 / 614 عن أبي نعيم في المعرفة عن عليّ، فتح الملك العليّ بصحّة حديث باب مدينة العلم عليّ (عليه السلام): 10، دفع الارتياب عن حديث الباب: 58، فيض القدير 3 / 60 ; وينقل تصحيح الحاكم وأبو الشيخ للحديث، وتحسين العلائي والزركشي، واعتراف ابن حجر بأنّ للحـديث أصـلا.
3- هذا الحديث بعين لفظه هو الحديث 34198 من أحاديث كنز العمّال 12 / 103 ; وانظر: ص 173 هـ 1 من هذا الكتاب.
فالعلوم الّتي أشار إليها الدليمي عند أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) إنّما ورثوها عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; بدلالة الأحاديث السابقة..
وقد كان من علوم الأنبياء السابقين الّتي أشار إليها القرآن الكريم وورثها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، معرفتهم بلغة الطير والجنّ والنمل، كما هو المعلوم عن داود وسليمان (عليهما السلام)(2).
وإنّهم كانوا يُخبرون الناس بما يدّخرون في بيوتهم، كما هو المعلوم عن عيسى (عليه السلام)(3).
وغير ذلك من العلوم ; فهي تعلّم من ذي علم، كما مرّ في كلام الإمام (عليه السلام) للكلبي، الّذي نقله الدليمي سابقاً.
وأمّا مَن قال بغير ذلك، أي: إنّ علوم الأئمّة من دون تعلّم على ذي علم، فهو جاهل لا يعي ما يقول، ولا يستند في قوله إلى دليل.
وسنذكر هنا على سبيل الإيجاز لا التفصيل بعض ممّا جاء في نهج البلاغة فقط، ممّا يمكن أن نستدلّ به على علم الإمام (عليه السلام) بالمغيبات إضافة لِما ذكر سابقاً(4)..
____________
1- الصواعق المحرقة: 89 و 136، مجمع الزوائد 9 / 164، المعجم الكبير 3 / 66، 5 / 167، كنز العمّال 1 / 186 و 188، فضل آل البيت: 132، سبل الهدى والرشاد 1 / 223، قال الصالحي الشامي: رواه البيهقي في المدخل، وحسّن العراقي إسناده.
2- المصـرّح به في الآيات 15 ـ 19 من سورة النحل.
3- المصـرّح به في الآية 49 من سورة آل عمران.
4- يجب ملاحظة أنّ ما نفاه الإمام (عليه السلام) عن نفسه من علم الغيب، في حديث الكلبي، إنّما هو العلم الذاتي لا العلم الحصولي الّذي يكون تعلّم من ذي علم، كما عبّر الإمام (عليه السلام) عن ذلك.
فهذا النصّ كاف لوحده في إثبات نسبة العلوم الّتي أشار إليها الكاتب سابقاً، بأنّ أهل البيت (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون، وأنّهم يعلمون علم ما كان وما سيكون إلى قيام الساعة، وعندهم أسماء أهل الجنّة وأهل النار... إلى غير ذلك.
فالنصّ المذكور صريح بعلم الإمام (عليه السلام) بما هو كائن إلى يوم القيامة، ومعرفة العلوم المستقبلية أصـعب من معرفة علوم الماضي، الّتي يمكن الحصـول عليها من كتب التاريخ أو أحاديـث الرواة مثلا، ذلك لو قلنا: إنّ الإمام (عليه السلام) يعلم العلوم المسـتقبلية فقط حسـب هذا النصّ ; كيف وقد ثبت أنّه وارث علم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، الّذي يعلم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة؟!
كما أنّ معرفة أهل الجنّة وأهل النار نستطيع أن نستدلّ عليها من قوله (عليه السلام): " ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة... " المستفاد منه أنّ المهتدين سيكونون من أهل الجنّة والضالّين من أهل النار، وكلّ هؤلاء يعرفهم الإمام (عليه السلام) ; كما هو ظاهر النصّ.
____________
1- ناعقها: الداعي إليها ; مَن نعق بغنمه: صاح بها لتجتمع.
2- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 182..
وأيضاً انظر: المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ 8 / 698.
وجاء في نهج البلاغة أيضاً قوله (عليه السلام): " أيّها الناس! سلوني قبل أن تفقدوني ; فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض، قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها(2)، وتذهب بأحلام قومها ".
قال الشيخ محمّـد عبـده في شرحه: أمّا قوله (عليه السلام): " فلأنا بطرق السماء أعلم منّي... الخ "، فالقصـد به: أنّه في العلوم الملكوتية والمعارف الإلهية أوسـع إحاطة منه بالعلوم الصناعية، وفي تلك مزية العقول العالية، والنفوس الرفيعة، وبها ينال الرشـد ويستضيء الفكر(3).
قال ابن حجر في فتح الباري: عن أبي الطفيل، قال: شهدت عليّاً وهو يخطب، وهو يقول: " سلوني! فو الله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلاّ حدّثتكم به، وسلوني عن كتاب الله! فو الله ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليل أُنزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل ".
فقال ابن الكوّاء، وأنا بينه وبين عليّ وهو خلفي، فقال: ما الذاريات
____________
1- سورة الجمعة: الآية 4.
2- شغر برجله: رفعها ; والجملة كناية عن كثرة مداخل الفساد فيها.
وتطأ في خطامها: أي تتعثّر فيه ; كناية عن إرسالها وطيشها وعدم وجود قائد لها.
3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 130.
وفي كنز العمّال للمتّقي الهندي، قال: عن أبي المعتمر مسلم بن أوس وجارية بن قدّامة السعدي، أنّهما حضرا عليّ بن أبي طالب يخطب وهو يقول: " سلوني قبل أن تفقدوني! فإنّي لا أُسأل عن شيء دون العرش إلاّ أخبرت عنه "(2).
تعليق من الكاتب وتعقيب عليه:
ذكر الكاتب في هذا الجانب رواية جاء بها من كتاب الكافي علّق عليها تعليقاً كشف به عن جهله بعلم البلاغة!
قال: " باب: إنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون علم ما كان وما يكون وأنّه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم: عن سيف التمّار، قال: كنّا مع أبي عبـد الله (عليه السلام) جماعة من الشيعة في الحجر، فقال: (علينا عين؟) فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحـداً، فقلنا: ليس علينا عين. فقال: (وربّ الكعبة وربّ البنية ـ ثلاث مرّات ـ لو كنت بين موسى والخضـر لأخبرتهما أنّي أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما ; لأنّ موسى والخضر (عليهما السلام)أُعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتّى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وراثةً)(3).
____________
1- فتح الباري 8 / 459 ; وانظر: تفسير القرآن ـ للصنعاني ـ 3 / 241، تفسير الطبري 13 / 289، تفسير القرطبي 1 / 35، تفسير الثعالبي 1 / 52، تهذيب الكمال 20 / 486، تهذيب التهذيب 7 / 297، الإصابة 4 / 467.
2- كنز العمّال 13 / 166 ; يرويه عن ابن النجّار، شواهد التنزيل 1 / 42.
3- أُصول الكافي 1 / 260 ـ 261.
أقول:
إنّ المعنى الوارد في الرواية يطابق تماماً ما نقلناه سابقاً عن الطبراني في المعجم الكبير، والرافعي في المسند، وما ذكره المتّقي الهندي في كنز العمّال، إلاّ أنّ الّذي غاب عن الدليمي إدراكه هنا بأن ليس كلّ استفهام يرد في الكلام يكون المراد منه طلب العلم بمجهول، فالاستفهام قد يرد لمطالب وغايات كثيرة غير طلب العلم والمعرفة ; كما هو مفصّل في علم البلاغة.
قال الهاشمي في جواهر البلاغة: وقد تخرج ألفاظ الاستفهام عن معناها الأصلي (وهو طلب العلم بمجهول) فيستفهم بها عن شيء مع (العلم به) ; لأغراض أُخرى تُفهم من سياق الكلام ودلالته. ومن أهمّ ذلك:
1ـ الأمر ; كقوله تعالى: { فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ }، أي: انتهوا.
2ـ النهي ; كقوله تعالى: { أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ }، أي: لا تخشوهم! فالله أحـقّ أن تخشـوه...
إلى آخر الأغراض، الّتي عدّ منها الهاشمي في كتابه ما يقرب من عشرين غرضاً، كـ: التسوية، والنفي، والإنكار، والتشويق، والاستئناس، والتقرير، والتهويل، وغيرها(2)...
____________
1- ص 25.
2- راجـع: كتاب الهاشـمي جواهر البلاغة: 93 ـ 95 ; لتقف على بقيّة الأغراض وأمثلتها.
فللاستفهام أغراض متعدّدة يطلبها المتكلّم في كلامه، ويبقى تعيين الغرض يستند إلى القرينة ودلائل المقام.
والاستفهام في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) المذكور يرد مورد تنبيه وتعليم الإمام (عليه السلام) الحذر لأصحابه، بأن لا يتكلّم أحدهم كلاماً ككلامه (عليه السلام)في مثل هذه الأُمور وهناك مَن يتجسّس عليه ممّن لا يأمن شرّه وفتنته من أهل الخلاف، أو من ضعيفي الإيمان، ممّن تنقدح الشبهات في ذهنه لأدنى عارض.
وفي الرواية نفسها قرينة دالّة على علم الإمام (عليه السلام) بما سأل عنه ; لأنّ الرواي صـرّح بقوله: التفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحداً. فممّا لا شكّ فيه أنّ الإمام (عليه السلام) كان يرى ما على يمين مخاطبيه ويسارهم، وإنّما سألهم ذلك ليعلّمهم الحذر من الدخلاء عندما يتكلّمون بالعلوم الخاصّـة.
وهذا الحذر من اطّلاع الناس غير المؤهّلين على بعض العلوم تؤكّده سيرة الأئمّة (عليهم السلام) ; فها هو عليّ (عليه السلام) يقول: " اندمجت على مكنون علم لو بحـت به لاضطربتم اضطراب الأرشـية في الطوى البعيدة "(1).
وقال (عليه السلام) لكميل بن زياد: " إنّ ها هنا لعلماً جمّاً ـ وأشار بيده إلى صدره ـ لو أصبت له حملة! بلى أصبت لقناً غير مأمون عليه، مستعملا آلة
____________
1- نهج البلاغـة ـ تعلـيق الشـيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 41 ; والأرشية: جمع رشاء، بمعنى: الحبل. والطوى: جمع طوية، بمعنى: البئر.
وقال (عليه السلام) من خطبة له: " والله لو شئت أن أخبر كلّ رجل منكم بمخرجـه ومولجـه وجميع شأنه لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا فيَّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ألا وإنّي مفضـيه إلى الخاصّة ممّن يؤمن ذلك منه(2)..
والّذي بعثه بالحقّ واصطفاه على الخلق! ما أنطق إلاّ صادقاً، وقد عهد إليَّ بذلك كلّه "(3).
عن كتاب «الكافي»:
وفي سياق حديثنا عن الرواية الّتي نقلها الكاتب من الكافي، ومع ملاحظة أنّ أغلب المخالفين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) يحتجّون على شيعة أهل البيت بكلّ ما ورد في هذا الكتاب دون تمحيص ولا تدقيق، أقول:
إنّ علماء الإمامية لم يعطوا الكافي، ولا غيره من كتب الحديث، تلك المنزلة الّتي أعطاها علماء أهل السُـنّة إلى صحيح البخاري و صحيح مسلم ; إذ أجمعوا على صحّـة كلّ ما فيهما من أحاديث، وحكموا بأنّها صادرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قطعاً(4).
____________
1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 4 / 37.
2- المراد: أنّي موصله إلى أهل اليقين ممّن لا تُخشى عليهم الفتنة.
3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 89.
4- قال أبو المعالي الجويني: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أنّ ما في كتابي البخاري ومسلم ممّا حكما بصحّته من قول النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، لَما ألزمته الطلاق ولا حنثته ; لإجماع علماء المسلمين على صحّتها..
راجع: شرح النووي على صحيح مسلم 1 / 20، وتدريب الراوي ـ للسيوطي ـ 1 / 311.
وقال الشيخ فخر الدين الطريحي: وأمّا الكافي فجميع أحاديثه حصرت في " 16199 " سـتّة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً، الصحيح منها باصطلاح مَن تأخّر: (5072) خمسة آلاف واثنان وسبعون، والحَسَن: (149) مائة وتسعة وأربعون حديثاً، والموثّق: (1118) ألف ومائة وثمانية عشر حديثاً، والقوي منها: (302) اثنان وثلاثمائة، والضعيف منها: (9485) تسعة آلاف وأربعمائة وخمسة وثمانون حديثاً، والله أعلم(2).
وقال السـيّد المحقّق الخوئي (قدس سره): لم تثبت صحّة جميع روايات الكافي، بل لا شكّ في أنّ بعضها ضعيفة، بل إنّ بعضها يطمأن بعدم
____________
1- دراسات في الحديث والمحدِّثين: 132.
2- جامع المقال: 193.
وعليه ; فلا معنى لإلزام الإمامية ـ كما هو دأب الكتّاب من مخالفيهم ـ بكلّ رواية موجودة في كتبهم الحديثية ما لم تبلغ درجة الصحّة والتوثيق، أو تبلغ درجة التواتر، خاصّـة إذا كانت ممّا له علاقة بأُمور العقائد عندهم.
وفي ختام هذا الفصل نقول:
لِمَ ينكر المشاغبون على أئمّة الهدى من آل محمّـد (عليهم السلام) أن يعلموا ما هو كائن إلى يوم القيامة، بينما يروون في كتبهم المعتبرة جواز مثل ذلك في حـقّ أصحابهم؟! أفلا يعدّ هذا قسمة ضـيزى؟!
ومن ذلك: ما رواه مسـلم في صحيحـه، قال: عن شقيق، عن حذيفة، قال: قام فينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مقاماً ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلاّ حدّث به، حفظه مَن حفظه، ونسيه مَن نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنّه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثمّ إذا رآه عرفه(2) ; فتدبّر!!
____________
1- معجم رجال الحديث 1 / 86.
2- صحيح مسلم 8 / 172 باب: إخبار النبي (صلى الله عليه وسلم) في ما يكون إلى قيام الساعة.