الصفحة 268


الفصل الثامن



الفرق
بين الوحي والإلهام





الصفحة 269

الصفحة 270
قال الدليمي:

" من كلام له (عليه السلام) قاله وهو يلي غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتجهيزه: (بأبي أنت وأُمّي! لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة وأخبار السماء). نهج البلاغة 2 / 228.

ـ قال: ـ تأمّل هذا الكلام وقارن بينه وبين ما مضى في الكافي، وهذه الأحاديث أيضاً: عن أبي عبـد الله، قال: (الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبـد على العباد ثمّ يحجـب عنه خبر السماء صباحاً ومساءً). الكافي 1 / 261.

عن أبي الحسن (عليه السلام): (الأئمّة علماء صادقون، مُفهّمون محدّثون). الكافي 1 / 271 ; أي: يحدّثهم ملك ينزل عليهم... الخ "(1).

أقـول:

إنّ الإمامية ـ عن بكرة أبيهم ـ متّفقون على منع نزول الوحي إلى أحد بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، والإيحاء له بشيء، ومَن زعم أنّ أحداً بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يوحى إليه فقد أخطأ وكفر(2).

____________

1- ص 26.

2- راجع: أوائل المقالات ـ للشيخ المفيد (رحمه الله) ـ: 39.


الصفحة 271
نعم، هم يجوّزون إلهام الإمام وتحـدّث الملك معه، ولكن هذا غير الوحي، وفي هذا المعنى ورد من طرق أهل السُـنّة والجماعة ما يماثله بخصـوص عمر بن الخطّاب مثلا ; إذ قالوا بأنّه كان محدَّثاً ومُلهَماً، مع أنّه ليس بنبيّ..

روى البخاري في صحيحه في مناقب عمر: عن أبي هريرة، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " لقد كان في من كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أُمّتي منهم أحد فعمر "(1).

وفيه أيضاً: عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " إنّه كان في ما مضى قبلكم من الأُمم محدَّثون، وإنّه إن كان في أُمّتي هذه منهم فإنّه عمر بن الخطّاب "(2).

وكذلك ما ورد بشأن عمران بن حصين وأنّه كان يرى الملائكة، وكانت تُكلّمه وتُسلّم عليه(3).

وغيرها من الأخبار الواردة في هذا الشأن عند أهل السُـنّة والجماعة، ممّا لا يخفى على المتتبّـع(4).

____________

1- صحيح البخاري 4 / 200.

2- صحيح البخاري 4 / 149..

وقد أساء الشرّاح هنا للنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ونبزوه بالجهل من أجل ترسيخ هذه الفضيلة لعمر ; فقالوا ـ كما في فتح الباري 6 / 373 ـ: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ذكر هذا الأمر على سبيل التوقّع، وكأنّه لم يكن يطّلع على أنَّ ذلك كائن، وقد وقع بحمد الله ما توقّعه النبيّ (صلى الله عليه وآله) في عمر، ووقع من ذلك لغيره ما لا يحصى ذكره. انتهى.

3- صحيح مسلم بشرح النووي 8 / 206، النهاية في غريب الحديث 2 / 394، لسان العرب 12 / 290.

4- راجع إن شئت: مسند أحمد 5 / 396، سُـنن أبي داود 8 / 62، المستدرك على الصحيحين 3 / 536، البداية والنهاية ـ لابن كثير ـ 8 / 62، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 12 / 178 ; وممّا جاء فيه: ومن الأحاديث الواردة في فضل عمر أنّ من بين عيني عمر ملكاً يسـدّده ويوفّـقه.


الصفحة 272
كما ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: " عليكم بسُـنّتي وسُـنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّـوا عليها بالنواجذ "(1).

ومحل الشاهد هو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " المهديّـين "، والمراد منه: المؤيّدين والمسـدّدين من قبل الله تعالى، أي: عليكم بسُنّتي وسُـنّة الخلفاء الملهمين والمؤيّدين والمسـدّدين من قبل الله تعالى..

ونقول، بغضّ النظر عن بيان مصاديق الحديث المذكور:

إنّ مسألة الإلهام والتسديد من قبل الله سبحانه لبعض المسلمين أمر له أصل في الأحاديث النبوية عند الفريقين.

والفرق بين الوحي للنبيّ والإلهام للإمام: أنّ النبيّ يوحى إليه من ربّه بلا توسّـط أحد من البشر، والإمام يُخبره النبيّ مشافهة ; كما حصل لأمير المؤمنين (عليه السلام)، أو بتوسيط إمام آخر ; كما حصل لبقيّة الأئمّة (عليهم السلام)، أو يخبره النبيّ بتوسّـط الملك ; كما نصّـت على ذلك بعض الروايات..

نذكر منها: ما رواه المحدّث المجلسي في مرآة العقول: عن محمّـد ابن سليمان الديلمي، مولى أبي عبـد الله (عليه السلام)، عن أبيه سليمان، قال: سألت أبا عبـد الله (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك! سمعتك وأنت تقول غير مرّة: لولا إنّا نزداد لأنفدنا؟

____________

1- مسند أحمد 4 / 126 و 127 سُـنن الترمذي 4 / 150 ; قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، تحفة الأحوذي 3 / 40 ; قال المباركفوري: أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي، وصحّحه الحاكم. انتهى.


الصفحة 273
قال: " أمّا الحلال والحرام فقد والله أنزله على نبيّه بكماله، وما يزداد الإمام في حلال ولا حرام ".

قال: فقلت: فما هي الزيادة؟

قال: " في سائر الأشياء، سوى الحلال والحرام ".

قال: قلت: فتزدادون شيئاً يخفى على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قال: " لا، إنّما يخرج الأمر من عند الله، فيأتي به الملك لرسول الله فيقول: ربّك يأمرك بكذا وكذا. فيقول: انطلق به إلى عليّ. فيأتي عليّاً فيقول: انطلق به إلى الحسن "(1).

والمراد: إنّ الملك يأتي بالأمر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يعني إلى روحه الطاهرة المقدّسـة.

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: " أيّها الناس! خذوها عن خاتم النبيّـين (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّه يموت مَن مات منّا وليس بميّت، ويبلى مَن بلى منّا وليس ببال ; فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإنّ أكثر الحقّ في ما تنكرون ".

قال الشيخ محمّـد عبـده في شرحه: خذوا هذه القضية عنه، وهي إنّه يموت الميّت من أهل البيت وهو في الحقيقة غير ميّت ; لبقاء روحه ساطعة النور في عالم الظهور... والجاهل يستغمض الحقيقة فينكرها، وأشـدّ الحقائق دقائق(2).

أمّا بالنسبة للأحاديث الّتي ذكرها الكاتب، مع أنّ بعضها ضعيف

____________

1- مرآة العقول 1 / 185.

2- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 154.


الصفحة 274
سنداً(1)، إلاّ أنّ المتن فيها أيضاً لا يعارض ما أوردناه عليك قبل قليل..

قال المجلسي ـ أعلى الله مقامه ـ: " خبر السماء "، أي: الخبر النازل، سواء نزل عليهم بالتحديث، أو نزل على مَن قبله.

وقال: وكون مثل هذا العالم بين العباد لطف ورأفة بالنسبة إليهم، ليرجعوا إليه في كلّ ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم، والله أرأف بعباده من أن يمنعهم مثل هذا اللطف، ويفرض طاعة مَن ليس كذلك فيصير سبباً لمزيد تحـيّرهم(2).

وفي رواية ثانية ـ هي صحيحة محمّـد بن إسماعيل ـ قال (أي محمّد ابن إسماعيل): سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: " الأئمّة علماء صادقون مُفَهَّمون مُحدَّثون "(3)..

قال المجلسي: " علماء ": أي: هم العلماء المذكورون في قوله تعالى: { هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } الآية. " صادقون ": إشارة إلى قوله سبحانه: { وَكُونُواْ مَعَ الصَّـدِقِينَ }. " مفَهَّمون ": من جهة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهَّمهم القرآن وتفسيره وتأويله، وغير ذلك من العلوم والمعارف. " محدَّثون ": من الملك(4).

____________

1- كالحديث الّذي أورده عن المفضّل، عن أبي عبـد الله (عليه السلام): الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده... الخ، فإنّ من جملة رواته: سهل بن زياد، وجماعة بن سعد الخثعمي، أو الجعفي ; وهم لم يوثّقوا.

راجع: تنقيح المقال ـ للمامقاني ـ 2 / 75، 1 / 230، و معجم رجال الحديث ـ للسـيّد الخوئي ـ 8 / 310 و 5 / 114.

2- مرآة العقول 3 / 130.

3- الكافي 1 / 271 باب: إنّ الأئمّة (عليهم السلام) محـدَّثون مفَهَّمـون.

4- مرآة العقول 3 / 164.


الصفحة 275
وبما أوردنا سابقاً من روايات أهل السُـنّة يُعلم أنّ وجود المحدَّث في الأُمّة مسلّم، وأنّ التحديث ليس وحياً، ولا يستلزم النبوّة كذلك(1)، وإنّما الخلاف في مصداقه وشخصـه ; فالعامّة يقولون: إنّه عمر، وعمران، ونحوهما، والإمامية يقولون: إنّه أمير المؤمنين وأئمّة أهل البيت من ولده.

مع أنّ المسلمين جميعاً اتّفقوا على أنّ التسديد والعصمة من الضلال أبداً هي من نصيب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ; لِما جاء في حديث الثقلين المتواتر المشهور: " إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ; ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعـدي أبداً "(2).

وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة الّتي وعدني ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتولّ عليّاً وذرّيّته من بعده ; فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدىً، ولن يدخلوكم في باب ضلالة "(3).

____________

1- قال ابن الأثير في النهاية 1 / 337: المحدَثّون (بفتح الدال وتشديدها): إنّهم المُلهَمون، والمُلهَم: هو الّذي يُلقى في نفسه شيء، فيغيّر به حدساً وفراسـة، وهو نوع يختصّ به الله عزّ وجلّ مَن يشاء من عباده الّذين اصطفى. انتهى.

2- راجع: حديث الثقلين بمختلف ألفاظه في صحيح مسلم 7 / 123 كتاب الفضائل باب: فضائل عليّ بن أبي طالب، صحيح الترمذي 5 / 328، مصابيح السُـنّة ـ للبغوي ـ: 206، المعجم الكبير 3 / 65 و 66، كنز العمّال 1 / 172، المستدرك على الصحيحين 3 / 118 وصحّحه، وأقرّه الذهبي كما في تلخيص المستدرك بذيل المستدرك، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ للنسائي الشافعي ـ: 93، سلسلة الأحاديث الصحيحة ـ للألباني ـ 4 / 355..

قال ابن حجر في الصواعق المحرقة: 90، بعد بيان سر انتشار الحديث واشتهاره: ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابياً.

3- سبق ذكر مصادره في ص 173.


الصفحة 276
وغيرهما من الأحاديث الواردة في هذا الشأن.

أمّا الدليمي ففي تعليقه على إحدى الروايات الّتي ذكرها في الموضوع، وهي:

" عن زرارة، قلت: الإمام ما منزلته؟ قال أبو جعفر (عليه السلام): (يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك، ثمّ تلا هذه الآية: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُول وَلاَ نَبِىّ } ولا محدَّث). أُصول الكافي 1 / 176.

ـ قال: ـ وتأمّل زيادة: (ولا محـدَّث) في الآية... "(1).

فقد أراد بقوله هذا أن يغمز من طرف خفي بأنّ الإمامية يقولون بالزيادة في القرآن الكريم، أو لعلّه كان يرمي إلى أبعد من ذلك، كأن يدّعي عليهم القول بالزيادة والنقيصـة عموماً، كما هو شأن الافتراءات الّتي تطال الإمامية في هذا الموضوع بين فترة وأُخرى، والتي ليس لها ـ في ما تدّعيه ـ من ركن وثيق تستند إليه!

فأقول عن هذا التأمّل:

إنّ للإمامية ـ بغضّ النظر عن مناقشة سند الحديث الّذي جاء به الكاتب من الكافي أو غيره ـ مع الأحاديث المنسوبة إلى أئمّتهم قواعد لا يحيدون عنها، قد نقل الدليمي شيئاً منها في أوّل كتيبه هذا، كالقول الوارد عن الإمام أبي عبـد الله الصادق (عليه السلام): " كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسُـنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف "، وكذا القول الوارد

____________

1- ص 26.


الصفحة 277
عنه (عليه السلام) أيضاً: " كلّ حديث يوافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعـوه ".

وأيضاً ما ورد عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام): " لا تصدق علينا إلاّ بما يوافق كتاب الله وسُـنّة نبـيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) "(1).

وأيضاً الحديث الوارد عن الإمام الباقر (عليه السلام): " إذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به، وإلاّ فقفوا عنده، ثمّ ردّوه إلينا حتّى يستبين لكم "(2).

وكذا الحديث الوارد عن الإمام الصادق (عليه السلام): " إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخذوا به، وإلاّ فالّذي جاءكم به أوْلى به "(3).. إلى غير ذلك من أحاديث العرض على كتاب الله وسُنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) الواردة في هذا الشأن.

بل من قواعد الإمامية في حلّ المنازعات على اختلاف أنواعها ما ورد في عهد الإمام عليّ (عليه السلام) لمالك الأشتر، الوارد في نهج البلاغة: "... { فَإِنْ تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ; فالردّ إلى الله: الأخذ بمحكم كتابه، والردّ إلى الرسول: الأخذ بسُـنّته الجامعة غير المفرّقة "(4).

____________

1- بحار الأنوار 2 / 244.

2- الكافي 1 / 69 و 2 / 222.

والمستفاد من ذلك: أنّه حتّى لو صـحّ الحديث سنداً، حسب القواعد الرجالية، لكن المتن ليس له شاهد من كتاب الله، فالتوقّف عنده لازم حتّى يتبيّن المراد منه.

3- الكافي 1 / 69.

4- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبده ـ 3 / 94 ; قال الشيخ: سُنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كلّها جامعة، ولكن رويت عنه سُـنن افترقت بها الآراء، فإذا أخذت فخُـذ بما أُجمع عليه، ممّا لا يُختلف في نسـبته إليه.


الصفحة 278
والمستفاد من ذلك كلّه: أنّ كتاب الله عزّ وجلّ الموجود بين أيدينا هو الكتاب الكامل المُنزل على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلاّ كيف يجعله الأئمّة (عليهم السلام)مقياساً لشيعتهم في معرفة صحّة الأحاديث الواردة عنهم من عدمها، وشيعتهم لا تملك من كتاب لله عزّ وجلّ غير هذا الكتاب المعروف المتداول بين المسلمين؟!

فالقول بعدم وقـوع التحـريف في القرآن هو ممّا تسالم عليه أعلام الطائـفة، كـ: الشيخ الصدوق، والشيخ الطوسي شيخ الطائفة، والسيّد المرتضى علم الهدى، والمفسّر الشهير الطبرسي، والشيخ جعفر الكبير صاحب كتاب كشف الغطاء، وغيرهم من المتقدّمين والمتأخّرين.

وقد أجاد السـيّد المحقّق الخوئي (رحمه الله) في بيان ذلك كلّه في كتابه البيان في تفسير القرآن، فصل: صيانة القرآن من التحريف، ص 213 ـ 252 ; فارجع إليه إن شـئت(1).

وأمّا بالنسبة لرواية زرارة المارّة الذكر فلا يسعنا إلاّ أن نذكر بشأنها الملاحظات التالية:

____________

1- قد نقلنا قسماً منه في كتابنا: حقيقة الوهابية 2 / 344 ـ 348، في الفصل الخاصّ بالردّ على الاتّهامات الباطلة.

وهناك كتب أُخرى معاصرة تناولت البحث في هذا الموضوع ; راجع كتاب عبـد الحميد عمارة: فرية التحريف، الّذي ردّ فيه على إحسان إلهي ظهير، وكشف عن افتراءاته على الإمامية في هذا الموضوع فرية فرية.

وإن أردت الوقوف على الفريق الذي ينطبق عليه القول بوقوع التحريف في القرآن، استناداً إلى كتبه، فارجع إلى كتاب الشيخ علي آل محسن: كشف الحقائق، ص 67 ـ 77 ; فإنّ فيه من الشواهد ما يكشف عن الحقيقة بتمامها، والله الموفّق للصـواب.


الصفحة 279
1 ـ من الجائز أن يكون الحاق الإمام (عليه السلام) لكلمة (ولا محدَّث) بالآية من حيث مرادفتها لهما أو لأحدهما من باب التفسير، لا من حيث أنّها من القرآن، وهذا السياق قد ورد في مجموعة كثيرة من الروايات.

2 ـ في سندها أحمد بن محمّـد، والظاهر أنّه ابن خالد البرقي، وهو وإن كان ثقة في نفسه كما يرى ذلك بعض المؤلّفين في الرجال، إلاّ أنّه يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل، وقد أخرجه من قم محمّـد بن أحمد بن عيسى، ونسب إليه الغلوّ في الأئمّة (عليهم السلام)، وأكثر المؤلّفين من الرجال متّفقون على تضعيف مروياته(1).

3 ـ لو تنزّلنا عن ذلك، وسلّمنا بتمامية الرواية سنداً ودلالةً فالإهمال والضـرب بها عرض الحائط لازم لها ; إذ لا يمكن الأخذ بها لمخالفتها لما مرّ بيانه من قواعد في المقام.

ذلك، مع أنّه يرد النقض على صاحب هذا التأمّل بأنّ هذه الزيادة الواردة في الرواية عدّها بعضهم من الزيادات الخاصّة بالآية الواردة من طرق أهل السُـنّة بالسند الصحيح، وهو ما يؤسّس لدعوى التحريف عندهم كما لا يخفى!

قال ابن حجر في فتح الباري: قوله: قال ابن عبّـاس: من نبيّ ولا محدَّث، أي في قوله تعالى: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُول وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى }، الآية. كان ابن عبّاس زاد فيها: ولا محدَّث. أخرجه سفيان بن عيينة في أواخر جامـعه، وأخرجه عبـد بن حميد من طريقه، وإسـناده إلى ابن عبّـاس صحيح ; ولفظه: عن عمرو بن دينار،

____________

1- انظر: دراسات في الحديث والمحدّثين: 289.


الصفحة 280
قال: كان ابن عبّـاس يقرأ: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ ولا محـدَّث(1).

وعن القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: قال ابن عطية: وجاء عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ ولا محدَّث)، ذكره مسلمة بن القاسم بن عبـد الله، ورواه سفيان عن عمرو ابن دينار عن ابن عبّـاس ; قال مسلمة: فوجدنا المحدَّثين معتصمين بالنبوة ـ على قراءة ابن عبّاس ـ لأنّهم تكلّموا بأُمور عالية من أنباء الغيب خطرات، ونطقوا بالحـكمة الباطنة، فأصابوا في ما تكلّموا، وعصـموا في ما نطقوا كعمر بن الخطّاب في قصّـة سارية(2). انتهى ; فتأمّل!

قال الدليمي:

" وفي كتاب الكافي أحاديث كثيرة في هذا المعنى أعرضت عنها خشية الإطالة، منها: ما ينصّ على نزول جبرائيل (عليه السلام) على فاطمة وعليّ رضي الله عنهما وإملائه مصحفاً يسمّى: (مصحف فاطمة)، كتبه عليّ من إملاء جبرائيل في مـدّة خمسـة وسبعين يوماً، بلغ هذا المصحف ثلاثة أضعاف القرآن الكريم الّذي استغرق نزوله ثلاثة وعشرين عاماً!! أُصول الكافي 1 / 239 ـ 241 "(3).

أقول:

إنّ " مصحف فاطمة (عليها السلام) " هو: كتاب فيه علم ما يكون، وأسماء من

____________

1- فتح الباري 7 / 42.

2- الجامع لأحكام القرآن 12 / 79.

3- ص 26.


الصفحة 281
يملكون إلى قيام الساعة، بإملاء جبرائيل (عليه السلام)، وبخطّ أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام)..

دلّت على ذلك الأخبار الكثيرة:

كـ: خبر حمّاد بن عثمان ; قال: سمعت أبا عبـد الله (عليه السلام) يقول: " تظهر الزنادقة في سـنة ثمان وعشرين ومائة ; وذلك أنّي نظرت في مصحـف فاطمة (عليها السلام) ".

قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟

قال: " إنّ الله تعالى لمّا قبض نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل على فاطمة (عليها السلام) من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجلّ، فأرسل الله إليها ملكاً يسلّي غمّها ويحـدّثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: إذا أحسست بذلك وسمعتي الصوت قولي لي. فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين (عليه السلام)يكتب كلّ ما يسمع، حتّى أثبت من ذلك مصحفاً ".

قال: ثمّ قال: " أمّا أنّه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون "(1).

وفي صحيحة أبي عبيدة الحذّاء: عن أبي عبـد الله (عليه السلام)، قال: " إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسةً وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرائيل (عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذرّيّتها، وكان عليّ (عليه السلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة (عليها السلام) "(2).

____________

1- الكافي 1 / 240.

2- الكافي 1 / 241.


الصفحة 282
وإنّما سُمّي مصحفاً لأنّه كتاب جامع لصحف مكتوبة، وكلّ ما كان كذلك فهو مصحف لغة، وإن لم يكن قرآناً أو فيه شيء من سوره وآياته.

وقد مرّ بنا أنّ الملائكة كانت تكلّم عمر بن الخطّاب وعمران بن حصين ; حسبما ورد في كتب أهل السُـنّة..

وجاء في القرآن الكريم أنّ الملائكة كلّمت مريم بنت عمران (عليها السلام)(1)، وأنّه سبحانه قد أوحى إلى أُمّ موسى(2)، وأيضاً أوحى إلى النحل(3)..

فهل يستكثر بعد هذا على أمير المؤمنين وسـيّد الوصيين أن تكلّمه الملائكة في بيته، وهو مولى كلّ مؤمن ومؤمنة(4)..

وهو الّذي يدور معه الحـقّ حيثما دار(5)..

____________

1- راجع: الآيات 16 ـ 21 من سورة مريم، والآيات 42 و43 من سورة آل عمران.

2- سورة القصص: الآية 7.

3- سورة النحل: الآية 68.

4- قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن كنت مولاه فعليّ مولاه ".

راجع: سُـنن الترمذي 5 / 297، سُـنن ابن ماجة 1 / 45، المستدرك على الصحيحين 3 / 110 و 119 وصحّحه، وأقرّه الذهبي كما في تلخيص المستدرك، مسند أحمد 1 / 84 و 118 و 4 / 281 و 368 و 5 / 347 و 366 و 419، مجمع الزوائد 9 / 103 ـ 106، سلسلة الأحاديث الصحيحة ـ للألباني ـ 4 / 343.

وعدّه السيوطي في قطف الأزهار المتناثرة: 277 من الأحاديث المتواترة، وكذا الكتاني في نظم المتناثر: 205.

وصحّحه جمع من أعلام أهل السُـنّة ; قال ابن حجر في فتح الباري 7 / 61: أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جدّاً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان. انتهى.

5- أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3 / 134 ـ 135: عن عليّ (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار " ; وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه.

راجع: سُـنن الترمذي 5 / 297، تاريخ دمشق 20 / 361 و 42 / 419 و 449.

وجاء في التفسير الكبير ـ للفخر الرازي ـ 1 / 205: ومَن اقتدى في دينه بعليّ ابن أبي طالب فقد اهتدى ; والدليل عليه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " اللّهمّ أدر الحقّ مع عليّ حيث دار ".


الصفحة 283
وهو أخو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدنيا والآخرة(1)..

وهو باب مدينة علمه (صلى الله عليه وآله وسلم)(2)..

وهو الّذي يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله(3)..

ومنزلته من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كمنزلة هارون من موسى(4)..

ولا يحبّه إلاّ مؤمن، ولا يبغضه إلاّ منافق(5)؟!

____________

1- أخرجه الترمذي في سُـننه 5 / 300 وحسّنه، والسيوطي في الجامع الصغير 2 / 176، والمتّقي الهندي في كنز العمّال 11 / 598 و 602، والحاكم في المستدرك على الصحيحين 3 / 16 وغيرهما: عن ابن عمر، قال: آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه، فجاء عليّ تدمع عينه، فقال: " يا رسول الله! آخيت بين أصحابك ولم تؤاخِ بيني وبين أحد ". فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنت أخي في الدنيا والآخرة ".

2- سبق ذكر مصادره في ص 254.

3- أخرجه البخاري في صحيحه 4 / 13 و 207 و 5 / 79، ومسلم كذلك 5 / 195 و 7 / 122، والترمذي في سُـننه 5 / 638 وصحّحه، وأحمد في المسند 1 / 78 و 99 و 133، والحاكم في المستدرك على الصحيحين 3 / 40 و 117 و 494 وصحّحه، ووافقه الذهبي: عن سعد وغيره، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: " لأُعطينّ الراية غداً رجلا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله ".

4- أخرجه البخاري في صحيحه 4 / 208 و 5 / 129، ومسلم كذلك 7 / 120 و 121، والترمذي في سُـننه 5 / 302 و 304، وابن ماجة في سُـننه 1 / 42، والحاكم في المستدرك على الصحيحين 2 / 367 و 3 / 117 و 133 وصحّحه، ووافقه الذهبي، وأحمد في المسند 1 / 170 و 173: عن سعد وغيره، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ: " أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي ".

5- أخرجه مسلم في صحيحه 1 / 61، والترمذي في سُـننه 5 / 306، وابن ماجة في سُـننه 1 / 42، وأحمد في المسند 1 / 170، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 4 / 298.


الصفحة 284
أو يستكثر ذلك على الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وهي سيّدة نساء العالمين، وسيّدة نساء أهل الجنّة(1)..

وبضعة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الّتي يؤذيه ما يؤذيها(2)..

والّتي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها(3)؟!


*  *  *

____________

1- راجع: صحيح البخاري 4 / 183 كتاب المناقب، باب: علامات النبوّة في الإسلام، كتاب الاستئذان، باب: مَن ناجى بين يدي الناس، وصحيح مسلم 7 / 143 ـ 144 كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وسُـنن الترمذي 5 / 359، وسُنن ابن ماجة 1 / 643، المستدرك على الصحيحين 3 / 172 وصحّحه..

وقال البغـوي في شرح السُـنّة 14 / 158 ـ 159: هذا حديث متّفق على صـحّته.

2- راجع: صحيح البخاري 4 / 220 باب: مناقب فاطمة (عليها السلام)، و 6 / 158 باب: ذبّ الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف، صحيح مسلم 4 / 141 باب: فضائل فاطمة الزهـراء (عليها السلام)، سُـنن أبي داود 1 / 60، سُـنن الترمذي 5 / 359 وصحّحه، سُنن ابن ماجة 1 / 643، المستدرك على الصحيحين 3 / 173 وصحّحه.

وقال البغوي في شـرح السُـنّة 14 / 158 ـ 159: هذا حديث متّفق على صـحّته.

3- ذخائر العقبى: 39، كنز العمّال 12 / 110 عن الديلمي، عن عليّ، و 12 / 111 عن أبي يعلى، والطبراني في الكبير، وأبي نعيم في فضائل الصحابة، وابن عساكر، عن عليّ، سبل الهدى والرشاد 11 / 44.


الصفحة 285