الصفحة 286


الفصل التاسـع



وجود الحجج
بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)





الصفحة 287

الصفحة 288
قال الدليمي:

" قال تعالى { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }(1)..

ويقول سـيّدنا عليّ (رضي الله عنه): (بعث الله رسله بما خصّهم من وحيه، وجعلهم حجّة له على خلقه، لئلاّ تجب الحجّة لهم بترك الأعذار إليهم). ج 2 ص 27.

فالوحي مخصوص بالرسل الّذين هم حجّة الله على خلقه بما عندهم من اختصاص بهذا الوحي، ولو كان غيرهم حجّة لَما تمّت حجّة الله على خلقه بهم، ولبطلت هذه الآية وما في معناها.

ويقول (رضي الله عنه) في موضـع آخر: (فلمّا مهد أرضـه وأنفذ أمره اختار آدم (عليه السلام) خـيرة من خلقه... وليقيم الحجّة به على عباده، ولم يخلهم، بعد أن قبضـه، ممّا يؤكّد عليهم حجّة ربوبيّته، ويصل بينهم وبين معرفته، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه، ومتحمّلي ودائع رسالاته، قرناً فقرناً، حتّى تمّت بنبيّنا محمّـد (صلى الله عليه وآله) حجّته، وبلغ المقطع عذره ونذره). ج 1 ص 77.

____________

1- سورة النساء: الآية 165.


الصفحة 289
ـ قال: ـ فإذا تمّت الحجّة بنبيّنا محمّـد (صلى الله عليه وسلم) فلا حجّة بعده، وإلاّ فالحجّة لم تتمّ، بينما سـيّدنا عليّ يقول: إنّ الحجّة تمّت بنبيّنا محمّـد (صلى الله عليه وسلم)، وربّنا يقول: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ }، فلا حجّة بعدهم ; فلماذا يوصـف غير الأنبياء (عليهم السلام) بأنّهم: حجج الله؟ "(1).

أقـول:

المراد من الحجّة هو: البرهان والدليل الّذي يقيمه الله لعباده، ويجعله الأساس في خصمهم ومحاسبتهم يوم القيامة إن جاؤوا بخلافه، وحجج الله تعالى كثيرة لا عـدّ ولا حصـر لها، وهي مختلفة حسب الموارد والاتّجاهات ; فمن حيث تبليغ الشرائع والرسالات والدعوة إلى التوحيد وترك عبادة ما سواه جلّ وعلا، فحججه في ذلك: أنبياؤه ورسله (عليهم السلام)، وإلى ذلك أشار تعالى بقوله: { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }(2).

ومن حيث الأدلّة على وجوده سبحانه، فحججه على عباده: آثاره من مخلوقاته، الّتي تبين لنا بدائع صنعته وأعلام حكمته، قال تعالى: { سَنُرِيهِمْ ءَايَـتِنَا فِى الاَْفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ }(3).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته المسمّاة بـ: "خطبة الأشباح ": " وأرانا من ملكوت قدرته، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته، واعتراف

____________

1- ص 26 ـ 27.

2- سورة النساء: الآية 165.

3- سورة فصّلت: الآية 53.


الصفحة 290
الحاجة من الخلق إلى أن يُقيمها بمساك قوّته، ما دلّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته، فظهرت البدائع الّتي أحدثها آثارُ صنعته، وأعلامُ حكمته ; فصار كلّ ما خلقَ حجّةً له ودليلا عليه، وإن كان خلقاً صامتاً، فحجّته بالتدبير ناطقة، ودلالتُهُ على المبدع قائمة "(1).

وعن الإمام أبي عبـد الله الصادق (عليه السلام): " الصورة الإنسانية هي أكبر حجّة لله على خلقه، وهي الكتاب الّذي كتبه الله بيده "(2).

وقد ورد أنّ العقل حجّة الله على خلقه(3)، كما أنّ القرآن حجّة الله على خلقه ; قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من خطبة له: " فالقرآن آمرٌ زاجر، وصامتٌ ناطق، حُجّة الله على خلقه "(4).

وأهل البيت (عليهم السلام) حجج الله على خلقه ; لِما ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال في حقّهم: " إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ; ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما "(5)..

فقد قرن الحديث أهل البيت بالكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وجعل التمسّك بهما معاً عاصماً من الضلالة، وأخبر بتلازم أهل البيت والكتاب وعدم افتراقهما إلى يوم القيامة.

فإذا كان التمسّك بالقرآن ـ الّذي هو حجّة الله على خلقه ـ هو الأخذ

____________

1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 164.

2- التفسير الصافي 1 / 92.

3- انظر: شرح أُصول الكافي 1 / 306، الفصول في الأُصول 1 / 377.

4- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 111، شرح أُصول الكافي 11 / 6.

5- سبق ذكر مصادر الحديث في ص 49.


الصفحة 291
بتعاليمه وأحكامه، فكذلك يكون التمسّك بمَن جُعلوا عدلا له وقرناء، وهذا معنى كونهم: " حجج الله ".

ولو رجعت ـ عزيزي القارئ ـ إلى بداية الكتاب(1) وقرأت ما ذكرناه عن كيفيّة العودة إلى كتاب الله والأخذ منه، لتبيّن لك هذا الموضوع تماماً.

وأضف إليه: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر أنّ لأهل البيت (عليهم السلام) دوراً كبيراً في رعاية الرسالة وصيانتها من التحريف والانحراف، وإقامة الحجّة على أهل الأهواء والآراء أن يقولوا في دين الله ما يشتهون..

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " في كلّ خلف من أُمّتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا إنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله، فانظروا مَن تفِدون "(2).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس "(3).

قال ابن حجر في الصواعق: وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما إنّ الكتاب العزيز كذلك ; ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض، ويشهد لذلك الخبر السابق: " في كلّ خلف من أُمّتي عدول من أهل بيتي "(4).

____________

1- انظر: ص 37 ـ 39.

2- الصواعق المحرقة: 90، ذخائر العقبى: 17.

3- المستدرك على الصحيحين 3 / 162 وصحّحه، الصواعق المحرقة: 91 و 140 وصحّحه، كنز العمّال 12 / 102، المعجم الكبير 7 / 22 ; وفيه: " النجوم جعلت أماناً لأهل الأرض وإنّ أهل بيتي أمان لأُمّتي "، الجامع الصغير 2 / 680 مثله.

4- الصواعق المحرقة: 149.


الصفحة 292
وقد جاء في بعض الأحاديث ما يفيد حجّية عليّ (عليه السلام) على الأُمّة..

قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وقد أخذ بيد عليّ (عليه السلام) ـ: " إنّ هذا أوّل مَن آمن بي، وهذا أوّل مَن يصافحني يوم القيامة، وهذا الصدّيق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأُمّـة، يفرّق بين الحـقّ والباطل، وهذا يعسوب المؤمنين، والمال يعسـوب الظالمين "(1).

وأيضاً قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجوب إطاعته وعدم مخالفته: " مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومَن عصى عليّاً فقد عصاني "(2).

وفي لزوم متابعته وعدم مفارقته، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " يا عليّ! مَن فارقني فقد فارق الله، ومَن فارقك فقد فارقني ".

وفي أنّ بيانه (عليه السلام) هو فصل الاختلاف من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأُمّة، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " يا عليّ! أنت تبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي "(3).

وفي هذا المعنى أيضاً، عندما نزل قوله تعالى: { إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد }(4) وضـع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على صدره فقال: " أنا المنذر "، وأومأ بيده إلى عليّ فقال: " أنت الهادي يا عليّ! بك يهتدي المهتدون من بعدي "(5).

____________

1- انظر: مصادر الحديث في ص 168.

2- سبق ذكر مصادر هذا الحديث والذي بعده في ص 169.

3- المستدرك على الصحيحين 3 / 132 ; قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه.

4- سورة الرعد: الآية 7.

5- تفسير الطبري 13 / 142، فتح الباري 8 / 284 ; قال: أخرجه الطبري بإسناد حسن من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّـاس، كنز العمّال 11 / 620 ; عن الديلمي، عن ابن عبّـاس، تفسير ابن كثير 2 / 520، فتح القدير 3 / 70، الدرّ المنثور 4 / 45 ; يخرّجه عن: الطبري وابن مردويه بعدّة طرق، وأبي نعيم في المعرفة، والديلمي وابن عساكر بطريقين، وابن النجّار، والضياء في المختارة، وعبـد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم في المستدرك وصحّحه، شواهد التنزيل 1 / 383.


الصفحة 293
وقد مرّت بنا الأحاديث الواردة في أنّ حرب عليّ أو حرب فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) حربه (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلمهم سلمه(1)، وأنّهم سفينة النجاة، مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق(2)، الّتي تكشف بوضوح عن وجـوب اتّباعهم وعـدم مفارقتهم أو مخالفتهم، وهذا هو معنى كونهم: " حجج الله " على الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد ورد ذكر أهل البيت (عليهم السلام) كونهم حجج الله في أحاديث صريحة روتها كتب القوم، نذكر منها:

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا وهذا ـ يعني عليّاً ـ حجّة على أُمّتي يوم القيامة "(3).

ومنها، قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا وعليّ حجّة الله على عباده "(4).

وأخرج الطبري الشافعي في كتابيه ذخائر العقبى و الرياض النضرة: عن أنس بن مالك، أنّه قال: كنت عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فرأى عليّاً مقبلا، فقال: " يا أنس! ". قلت: لبيك. قال: " هذا المقبل حجّتي على أُمّتي يوم

____________

1- انظر: ص 193 وص 210 وص 211.

2- انظر: ص 165.

3- كنز العمّال 11 / 620 عن الخطيب، عن أنس، تاريخ مدينة دمشق 42 / 309، سبل الهدى والرشاد 11 / 292.

4- تاريخ مدينة دمشق 42 / 309، ذيل تاريخ بغداد 4 / 66 ; وفيه: " أنا وأنت حجّة الله تعالى على خلقه يوم القيامة ".


الصفحة 294
القيامة "(1).

وغير ذلك من الأحاديث النبوية الكثيرة الدالّة على وجوب معرفة أمير المؤمنين (عليه السلام)، والالتزام بمنهجه، وعدم مفارقته، ووجوب الإنصات لبيانه في ما اختلف المسلمون فيه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه عَلَم الهداية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسفينة النجاة الّتي مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق...

وهذا معنى كونه: " حجّة الله " على المسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

الأحاديث النبوية الصريحة في بيان الحجج بعده (صلى الله عليه وآله وسلم):

وهناك جملة من الأحاديث النبوية الشريفة الّتي خرجت من عهود الظلام الأُموي والعبّـاسي، والّتي استطاعت أن تخترق حاجز النصب والبغض الّذي تبنّاه بعضهم ضـدّ أهل البيت (عليهم السلام) فجاءت ـ أي هذه الأحاديث ـ وكأنّها شاهد ومفصّل لِما اكتفى بعضهم بالرمز إليه بالرقم والإشارة دون ذكر الأسماء من أحاديث الأئمّة أو الخلفاء الاثني عشر الواردة في كتب السُـنن والصحاح..

فمـنها: ما رواه الخوارزمي الحـنفي من كتابه مقتل الحسـين: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للحسين (عليه السلام): " أنت حجّة ابن حجّة أخو حجّة أبو حجج تسـعة، تاسـعهم قائمهم "(2).

ومـنها: ما جاء في كتاب فرائد السـمطين لشـيخ الإسلام الحمويني الشافعي، في السمط الثاني في آخر الكتاب، بسنده عن ابن عبّـاس: قال

____________

1- الرياض النضرة 3 / 159، ذخائر العقبى: 77، جواهر المطالب: 193.

2- مقتل الحسين: 145 و 146.


الصفحة 295
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّ خلفائي وأوصيائي حجج الله على الخلق بعدي: الاثنا عشر، أوّلهم: أخي، وآخرهم: ولدي ".

قيل: يا رسول الله! ومَن أخوك؟

قال: " عليّ بن أبي طالب ".

قيل: فمَن ولدك؟

قال: " الّذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً ; والّذي بعثني بالحـقّ بشـيراً! لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخـرج فيه ولدي المـهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريـم فيصلّي خلفه، وتشـرق الأرض بنور ربّها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب "(1). انتهى.

ومنها: ما رواه الحافظ الحنفي في كتابه ينابيع المودّة، نقلا عن المناقب لابن المغازلي الشافعي، بالإسناد إلى ابن الزبير المكّي، عن جابر ابن عبـد الله الأنصاري (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّ الله تبارك وتعالى اصطفاني واختارني وجعلني رسولا، وأنزل علَيَّ سيّد الكتب، فقلت: إلهي وسـيّدي! إنّك أرسلت موسى إلى فرعون فسألك أن تجعل مـعه أخاه هارون وزيراً يشـدّ به عضـده ويصدّق به قوله..

وإنّي أسألك يا سـيّدي وإلهي! أن تجعل لي من أهلي وزيراً تشـدّ به عضـدي، فاجعل لي عليّاً وزيراً وأخاً، واجعل الشجاعة في قلبه، وألبسه الهيبة على عـدوّه، وهو أوّل مَن آمـن بي وصدّقني، وأوّل مَن وحّد الله معي..

____________

1- فرائد السمطين 2 / 312 ح 562.


الصفحة 296
وإنّي سألت ذلك ربّي عزّ وجلّ فأعطانيه، فهو سـيّد الأوصياء، اللحوق به سعادة، والموت في طاعته شهادة، اسمه في التوراة مقرون إلى اسمي، وزوجته الصدّيقة الكبرى ابنتي، وابناه سيّدا شباب أهل الجنّة ابناي، وهو وهما والأئمّة من بعدهم حجج الله على خلقه بعد النبيّين، وهم أبواب العلم في أُمّتي، مَن تبعهم نجا من النار، ومَن اقتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم، لم يهب الله محبّتهم لعبـد إلاّ أدخله الله الجنّة "(1). انتهى.

وفي هذا المعنى ينقل ابن كثير في البداية والنهاية عن يحيى بن سلامة الشافعي الحصكفي ـ من أئمّة الفقه والأدب ـ قوله:


وسـائلي عن حبّ أهل البيتهل أُقرّ إعلاناً به أم أجحدُ؟!
هيهات! ممزوج بلحمي ودميحـبّهم وهـو الهدى والرشدُ
حيدرة والـحـسنان بـعـدهثمّ عـليّ وابـنه مـحـمّـدُ
وجعـفر الصادق وابن جعفرمـوسـى ويتلوه عليّ السيّدُ
أعني الرضـا ثمّ ابنه محمّـدثمّ عـليّ وابـنـه الـمسدّدُ
والحـسن الثـاني ويتلو تلوهمحمّد بـن الـحـسن المفتقدُ
أئـمّة أكـرم بــهـم أئـمّةأسـمـاؤهـم مسرودة تطردُ
هـم حـجـج الله على عبادهوهـم إلـيه منهج ومقصدُ(2)

أقـول:

وقد جاء في نهج البلاغة ما يشير إلى ذلك ـ أي: إلى وجود الحجج

____________

1- ينابيع المودّة لذوي القربى 1 / 198.

2- البداية والنهاية 12 / 298.


الصفحة 297
بعد النبيّين ـ في عدّة مواضـع، إلاّ أنّه ممّا غاب عن الدليمي الاطّلاع عليه، أو الوقوف عنده كالعادة، نذكر من ذلك:

قوله (عليه السلام): " ولم يخل سبحانه خلقه من نبيّ مرسل، أو كتاب منزل، أو حجّة لازمة "(1).

وقوله (عليه السلام): " اللّهمّ بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة: إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً(2) ; لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته، وكم ذا وأين أُولئك(3)؟!

أُولئك ـ والله ـ الأقلّون عدداً، والأعظمون عند الله قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيّناته، حتّى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصـيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون(4)، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى، أُولئك خلفاء الله في أرضـه، والدعاة إلى دينه "(5)..

____________

1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 24 الخطبة الأُولى.

2- غمره الظلم حتّى غطّاه فهو لا يظهر.

3- قال الشيخ محمّـد عبـده في شرحه: استفهام عن عدد القائمين لله بحجّته، واستقلال له، وقوله: " وأين أُولئك؟! " استفهام عن أمكنتهم، وتنبيه على خفائها.

4- عدّوا ما استخشـنه المنعّمون ليّناً ; وهو: الزهد.

5- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 4 / 37..

وانظر كلامه (عليه السلام) هذا في تذكرة الحفّاظ 1 / 12، المناقب ـ للخوارزمي ـ: 366، كنز العمّال 1 / 263 ; يرويه عن: ابن عساكر، وابن الأنباري في المصاحف، والمرهبي في العلم، وأبي نعيم في الحلية.


الصفحة 298
وفي كلامه (عليه السلام) هذا بيان واف لعلّة وجود الحجج بعد الأنبياء والرسل والكتب المنزلة ; فانظر إلى قوله (عليه السلام): " لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته "، وقوله (عليه السلام): " يحفظ الله بهم حججه وبيّناته، حتّى يودعوها نظراءهم... ".

وإن قمت ـ أيّها القارئ النبيه ـ بالجمع بين كلامه (عليه السلام) هذا وبين ما تقدّم من أحاديث نبوية في هذه الفقرة، سيتّضـح لك الأمر جلياً في الموضـوع لا غطش فيه(1).

ولا أدري لِمَ يستكثر الدليمي على أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أن يكونوا حجج الله تعالى على خلقه، وهم عِدل القرآن الكريم، كما نصّ على ذلك حديث الثقلين المتواتر المشهور، بعد أن استساغ لقومه وعلماء مذهبه أن يطلقوا هذا اللفظ " حجّة الله " على مَن هو دونهم في العلم والفضل ولا نصّ فيهم، كـ: مالك بن أنس الأصبحي، وأبي عليّ الثقفي، وأبي إسحاق الشيرازي، وغيرهم..

قال ابن حجر في التهذيب: قال حرملة: عن الشافعي، قال: مالك حجّة الله تعالى على خلقه بعد التابعين(2).

ويروي الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي العبّـاس الزاهد قوله: كان أبو عليّ (الثقفي) في عصـره حجّة الله على خلقه(3)..

ويروي كذلك عن أبي بكر الشاشي قوله: أبو إسحاق (الشيرازي)

____________

1- الغطش: الظلمة ; الصحاح ـ للجوهري ـ 2 / 1013، لسان العرب 6 / 324.

2- تهذيب التهذيب 10 / 8.

3- سير أعلام النبلاء 15 / 282.


الصفحة 299
حجّة الله على أئمّة العصـر(1).

ومع هذا، فإنّك لو سألت الدليمي هنا ـ وهو الّذي كان قد تساءل متعجّباً، وربّما متهكّماً: فلماذا يوصف غير الأنبياء (عليهم السلام) بأنّهم: حجج الله؟ ـ وقلت له: بماذا سيحـتجّ الله عزّ وجلّ على الفرق المختلفة من المسلمين يوم القيامة، وهم حسب الظاهر كلّهم مؤمنون بالله ورسوله وكتابه؟ لتلجلج وبهت، ولم يحر جواباً!!

لكنّه لو رجع إلى كلمات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الّتي أوردناها، وكلمات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة لوجد لهذا السؤال جواباً.

والله الموفّق للصـواب.


*  *  *

____________

1- سير أعلام النبلاء 18 / 455.