الفصل العاشـر
الاسـتدلال
على عصـمة الإمام (عليه السلام)
" من خطبة له (عليه السلام) بصِـفّين: (لا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أُخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي). ج 2 ص 210.
ـ قال: ـ فهذا كلامه (رضي الله عنه) وخطابه على رؤوس الملأ وعامّة الناس أنّه ليس بفوق أن يخطئ في قول أو فعل.
ثمّ قال (عليه السلام): (ما أهمّني ذنب أُمهلت بعده حتّى أُصلّي ركعتين). ج 4 ص 77.
في هذا الكلام ينفي سـيّدنا عليّ (رضي الله عنه) العصـمة عن نفسه من الذنب، وأنّه إذا أذنب صلّى ركعتين، فإذا صلّى لا يحمل همّ ذلك الذنب الّذي أُمهل بعـده فصلّى تلك الركعتين "(1).
أقول:
الأدلّة الّتي دلّت على عصمته (عليه السلام) وعصمة أهل بيته الكرام (عليهم السلام)كثيرة، إلاّ أنّنا سنكتفي هنا بذكر الأدلّة النقلية فقط وعمدتنا في ذلك كما في كلّ دليل نقلي: الكتاب والسُـنّة.
____________
1- ص 27 ـ 28.
أمّا الكتاب الكريم:
فيشهد لذلك قوله تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }(1)..
فالرجس في هذه الآية عبارة عن: الذنوب، كما في الكشّاف للزمخشري وغيره، وقد تصدّرت الآية بأداة الحصـر: " إنّما "، فأفادت أنّ إرادة الله تعالى في أمرهم مقصـورة على اذهاب الذنوب عنهم وتطهيرهم منها، وهذا هو كنه العصمة وحقيقتها، والّذي ذكرناه هنا عن الآية الكريمة، ذكره جماعة من علماء أهل السُـنّة أيضاً.
فقد جاء في تفسير الطبري " جامع البيان عن تأويل آي القرآن " عن هذه الآية ما يدلّ على أنّه فهم منها عصمة أهلها، وكذلك نقل عن جماعة من الأعلام أنّهم فهموا منها ذلك..
قال الطبري: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ }، يقول: إنّما يريد الله ليذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت محمّـد، ويطهّركم من الدنس الّذي يكون في أهل معاصي الله تطهيراً.
ثمّ قال: وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل...
حدّثنا بشر، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سعيد بن قتادة، قوله: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }، فهم أهل بيت طهّرهم الله من السـوء، وخصّـهم برحمة منه...
وروى أيضاً عن ابن زيد قوله: الرجس ها هنا: الشيطان(2).
____________
1- سورة الأحزاب: الآية 33.
2- تفسير الطبري 22 / 9.
وعن النووي في شرحه لصحيح مسلم: قوله تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ }، قيل: هو الشكّ، وقيل: العذاب، وقيل: الإثم ; قال الأزهري: الرجس اسم لكلّ مستقذر من عمل(2). انتهى.
وفسّـر الشيخ محـي الدين بن عربي لفظ الرجس بـ: كلّ ما يشين ; وإليك عبارته، قال: وقد ذكر النبيّ (صلى الله عليه وسلم) قد طهّره الله وأهل بيته تطهيراً وأذهب عنهم الرجس، وهو: كلّ ما يشينهم ; فإنّ الرجس هو القذر عند العرب ـ هكذا حكى الفرّاء ـ(3). انتهى.
فالمقصود من العصمة ـ محلّ البحث ـ كما هو الوارد في كتب عقائد الإمامية: قوّة العقل من حيث لا يُغلب، مع كونه قادراً على المعاصي كلّها، كجائز الخطأ.
وليس معنى العصمة أنّ الله يجبره على ترك المعصية، بل يفعل به ألطافاً يترك معها المعصـية باختياره مع قدرته عليها، كـ: قوّة العقل، وكمال الفطنة والذكاء، الّتي يبلغ بها إلى نهاية صفاء النفس، وكمال الاعتناء بطاعة الله عزّ وجلّ.
____________
1- فضل آل البيت: 33.
2- صحيح مسلم بشرح النووي 15 / 194.
3- في الباب 29 من فتوحاته.
ولأنّه لو لم يكن قادراً على المعصية، لكان أدنى مرتبة من صلحاء المؤمنين القادرين على المعاصـي التاركين لها(4).
فحال المعصوم مع الذنب كحال مَن يرى حيواناً ميتاً ـ مثلا ـ في الطريق فتأبى نفسـه أن تقترب أو تأكل منه ; لاستبشاعها ذلك ونفورها عنه، مع أنّه لو أراد الأكل وأجبر نفسـه عليه لأكل منه ; لقدرته عليه(5).
قياس منطقي لآيات القرآن الكريم ينتج عصمة أهل البيت (عليهم السلام):
قال الفخر الرازي في التفسير الكبير عند قوله تعالى: { أَطِيعُواْ اللَّهَ وأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ }(6): إنّه يجب القول بعصمة ولاة الأمر ; وذلك لمحلّ الجزم بطاعتهم، كما هو مفاد الآية الكريمة..
فإن قلنا بـ: عصمة أهل البيت (عليهم السلام)، وجبت طاعتهم مطلقاً دون غيرهم، وإن قلنا بـ: عدم عصمتهم، لزم التكليف بالمحال ; إذ أوجب الله
____________
1- سورة الزخرف: الآية 81.
2- سورة الأنعام: الآية 163.
3- سورة الحجر: الآية 99.
4- انظر: حقّ اليقين في معرفة أُصول الدين 1 / 191.
5- جئنا بهذا المثال هنا لتقريب المعنى فقط لا للمناقشة في حرمة أكل الميتة أو جوازه اضطراراً.
6- سورة النساء: الآية 59.
واستناداً إلى التفسير السابق للفخر الرازي بأنّ مَن وجبت طاعته مطلقاً وجبت عصـمته، سنثبت عصمة أهل البيت (عليهم السلام) بآية أُخرى من القرآن الكريم، وهي: آية المودّة، وهي قوله تعالى: { قُل لاَّ أَسْـَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى }(2)..
وإليك البرهان بتطبيق الشكل الأوّل من الأشكال الأربعة المعروفة في علم المنطق، فنقول:
من وجبت مودّته مطلقاً ............................................................ وجبت طاعته مطلقاً
وكلّ من وجبت طاعته مطلقاً ........................................................... وجبت عصمته
فالنتيجة:
من وجبت مودّته مطلقاً ................................................................. وجبت عصمته
أمّا دلـيل الصـغرى: فقوله تعالى: { قُـلْ إِنْ كُنـتُمْ تُحِـبُّـونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى... }(3)، الّذي شرَط الحبّ بلزوم الاتّباع، الّذي يعني: الطاعة.
وهذا القياس منتج ; لأنّ شروط الشكل الأوّل متوفّرة فيه، وهي: إيجاب الصـغرى، وكلّيّة الكبـرى.
وعلى هذا، نكون قد أثبتنا عصمة أهل البيت (عليهم السلام) الّذين أوجب الله مودّتهم في كتابه من خلال آيات القرآن الكريم نفسها، بقياس منطقي
____________
1- راجع كلامه في التفسير الكبير 10 / 144.
2- سورة الشـورى: الآية 23.
3- سورة آل عمران: الآية 31.
أمّا السُـنّة النبوية الشريفة:
فما دلّ من الأحاديث على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) أكثر من أن يذكر في هذه العجالة من البحث، أو هذا الردّ المبني على الاختصار، ولكنّنا سنجتزئ هنا بشيء يسير منها يفي بالمطلوب إن شاء الله تعالى..
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تركت فيكم ما أن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفونني فيهما "(2).
والدالّ على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) حسب الحديث المذكور أُمور:
1 ـ اقترانهم بالكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتصريحه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدم افتراقهم عنه، ومن البديهي أنّ صدور أية مخالفة
____________
1- انظر: مَن ذكر أنّ المراد بـ: " أهل البيت " في آية التطهير ـ الآية 33 من سورة الأحزاب ـ وآية المودّة ـ الآية 23 من سورة الشورى ـ هم: محمّـد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، من علماء أهل السُـنّة، الّذين يبلغون بالعشرات، إن لم نقل بالمئات، في ملحق المراجعات ـ لحسين الراضي ـ: 24 ـ 31.
وانظر: الكلمة الغرّاء ـ للسـيّد شرف الدين (رحمه الله) ـ: 203 ـ 230، تجد ما ينفعك من التحقيق المتين بشأن الآيتين الكريمتين.
2- مسند أحمد 3 / 14 و 17 و 26 و 59 و 5 / 182، سُـنن الترمذي 5 / 329، مجمع الزوائـد 9 / 162 ; قال الهيثمـي: رواه أحـمد، وإسـناده جـيّد، المصـنّف ـ لابن أبي شيبة ـ 7 / 176، الدرّ المنثور 2 / 60 و 6 / 7، الطبقات الكبرى 2 / 194، تفسير ابن كثير 4 / 122..
وهناك عشـرات المصادر التي يمكن الوقوف عليها في ملحق المراجعات، لحسين الراضي.
2 ـ عـدّ (صلى الله عليه وآله وسلم) التمسّك بهم عاصماً من الضلالة دائماً وأبداً، كما هو مقتضى ما تفيده كلمة: " لن " التأبيدية ; وفاقد الشيء لا يعطيه.
3 ـ على أنّ تجويز الافتراق عليهم بمخالفة الكتاب وصدور الذنب منهم تجويز للكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، الّذي أخبر عن الله عزّ وجلّ بعدم وقوع افتراقهما، وتجويز الكذب عليه متعمّداً في مقام التبليغ والإخبار عن الله تعالى في الأحكام وما يرجع إليه من موضوعاتها وعللها، مناف لافتراض العصـمة في التبليغ، وهي ممّا أجمعت عليه كلمة المسلمين على الإطلاق، حتّى نفاة العصمة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقول مطلق..
يقول الشوكاني بعد استعراضـه لمختلف مبانيهم في عصمة الأنبياء: وهكذا وقع الإجماع على عصمتهم بعد النبوّة من تعمّد الكذب في الأحكام الشرعية ; لدلالة المعجـزة على صـدقهم(1).
وأود هنا أن أنقل للقارئ الكريم ـ إتماماً للفائدة ـ كلام السـيّد محسن الأمين (رحمه الله) في كتابه أعيان الشيعة، فبعد أن أورد حديث الثقلين المارّ ذكره، بلفظ مسلم وأحمد وغيرهما من الحفّاظ، قال: دلّت هذه الأحاديث على عصمة أهل البيت من الذنوب والخطأ ; لمساواتهم فيها بالقرآن الثابت عصمته:
____________
1- إرشاد الفحول: 34.
وانظر: بقيّة الاستدلال بالحديث على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) في الأُصول العامّة للفقه المقارن ـ للسـيّد محمّـد تقي الحكيم ـ: 166 ـ 167.
وفي: الأمر بالتمسّك بهم، كالتمسّك بالقرآن ; ولو كان الخطأ يقع منهم لَما صـحّ الأمر بالتمسّك بهم، الّذي هو عبارة عن جعل أقوالهم وأفعالهم حجّـة.
وفي: أنّ المتمسّك بهم لا يضلّ، كما لا يضلّ المتمسّك بالقرآن ; ولو وقع منهم الذنوب أو الخطأ لكان المتمسّك بهم يضلّ.
و: أنّ في اتّباعهم الهدى والنور، كما في القرآن ; ولو لم يكونوا معصومين لكان في اتّباعهم الضلال.
و: أنّهم حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، كالقرآن ; وهو كناية على أنّهم واسطة بين الله وخلقه.
و: أنّ أقوالهم عن الله تعالى ; ولو لم يكونوا معصومين لم يكونوا كذلك.
وفي: أنّهم لم يفارقوا القرآن ولن يفارقهم مدّة عمر الدنيا ; ولو أخطأوا أو أذنبوا لفارقوا القرآن وفارقهم.
وفي: عدم جواز مفارقتهم ; بتقدّم عليهم، بجعل نفسه إماماً لهم، أو تقصيراً عنهم وائتماماً بغيرهم، كما لا يجوز التقدّم على القرآن بالافتاء بغير ما فيه أو التقصير عنه باتّباع أقوال مخالفيه.
وفي: عدم جواز تعليمهم وردّ أقوالهم ; ولو كانوا يجهلون شيئاً لوجـب تعليمهم ولم ينه عن ردّ قولهم(1).
____________
1- ما يذكره السـيّد الأمين (رحمه الله) هنا هو حسب ألفاظ حديث الثقلين الواردة في كتب المسلمين وصحاحهم، ومراده من هذه الفقرة بالذات قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصّـروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم "، وقد سبقت الإشارة إلى مصادره في ما تقدّم في ص 255.
وقال: إذا عُلم ذلك ظهر أنّه: لا يمكن أن يراد بأهل البيت جميع بني هاشـم، بل هو من العامّ المخصـوص بمَن ثبت اختصاصهم بالفضل والعلم والزهد والعفّة والنزاهة من أئمّة أهل البيت الأطهار، وهم: الأئمّة الاثنا عشر وأُمّهم الزهراء البتول ; للإجماع على عدم عصـمة مَن عداهم..
والوجـدان أيضاً على خلاف ذلك ; لأنّ مَن عداهم من بني هاشم تصـدر منهم الذنوب ويجهلون كثيراً من الأحكام، ولا يمتازون عن غيرهم من الخلق، فلا يمكن أن يكونوا هم المجعولين شركاء القرآن في الأُمور المذكورة، بل يتعيّن أن يكون بعضهم، لا كلّهم، ليس إلاّ مَن ذكرنا.
أمّا تفسير زيد بن أرقم لهم بمطلق بني هاشـم(2) ـ إن صحّ ذلك عنه ـ فلا تجـب متابعته عليه بعد قيام الدليل على بطلانه(3). انتهى.
والمعنى الّذي أشار إليه السـيّد الأمين (رحمه الله) هنا في آخر كلامه قد اعترف به جماعة من أعلام الجمهور..
جاء في الصواعق المحرقة، لابن حجر: قال بعضهم: يُحتمل أنّ
____________
1- في ما أخرجه أحمد في مسنده 3 / 17.
2- في ما أخرجه مسلم من صحيحه 7 / 123.
3- أعيان الشيعة 3 / 56.
ومن الأحاديث النبوية الشريفة الدالّة على عصمة أهل البيت (عليهم السلام)أيضاً:
قول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): " ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه، مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق ـ أو هلك ـ "(2)..
ففي كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) هنا بيان واضـح بأنّ مَن اتّبع أهل البيت أصاب الحقّ ونجا من سخط الله وعذابه ; وذلك دليل عصمتهم، وإلاّ لَما كان كلّ متّبع لهم ناجياً وكلّ مخالف لهم هالكاً.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة الّتي وعدني ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتولّ عليّاً وذرّيّـته من بعده ; فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدىً، ولن يدخلوكم في باب ضلالة "(3).
وأمّا ما جاء من الأحاديث بخصوص عصـمة الإمام عليّ (عليه السلام) بالذات فنذكر منها:
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومَن عصى عليّاً فقد عصاني "(4).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " يا عليّ! مَن فارقني فقد فارق الله، ومَن فارقك يا عليّ فارقني "(5).
____________
1- الصواعق المحرقة: 91.
2- سبق ذكر مصادره في ص 165.
3- سبق ذكر مصادره في ص 173.
4- سبق ذكر مصادره في ص 169.
5- سبق ذكر مصادره في ص 169.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار بن ياسر: " يا عمّار! إذا رأيت عليّاً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره، فاسْلك مع عليّ ودع الناس ; فإنّه لن يدلّك على ردىً، ولن يخرجك من هدىً "(2).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، ولن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض يوم القيامة "(3).
وهذا الحديث دالّ على العصمة بكلّ وضـوح ممّا لا يحتاج معه إلى بيان.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحـوض "(4).
وهذا الحديـث كسابقه في الدلالة والوضـوح ممّا لا يحتاج معه إلى بيان أيضاً.
أقول:
وبعد هذا الّذي أوردناه من الاستدلال على عصمة الإمام (عليه السلام)، لعلّ قائل يقول: فما معنى الأقوال الّتي جاءت في نهج البلاغة والّتي استدلّ بها
____________
1- سبق ذكر مصادره في ص 173.
2- سبق ذكر مصادره في ص 169.
3- سبق ذكر مصادره في ص 158.
4- سبق ذكر مصادره في ص 159.
الجواب:
أمّا قوله (عليه السلام): " لا تكفّوا عن مقالة بحـقّ أو مشـورة بعدل ; فإنّي لست في نفسي بفوق أن أُخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي "..
فإنّ الكاتب قد عرض كلام الإمام (عليه السلام) هنا مبتوراً ; لأنّ في كلام الإمام (عليه السلام) استثناءً دالاًّ على العصمة لم يذكره الكاتب، وإنّما اكتفى بذكر المستثنى منه وترك المستثنى! ولعلّ هذا من حرصـه وأمانته في البحث، كما هو دأب الدعاة والهداة الأُمناء على شاكلته!!
وإليك ـ عزيزي القارئ ـ كلام الإمام (عليه السلام) بتمامه من النهج مع بيان القرائن المحيطة به:
قال (عليه السلام) في خطبة خطبها بصِفّين، ذكر فيها حقّ الوالي وحقّ الرعية، ثمّ علّم مخاطبيه كيفيّة مخاطبته ومخالطته، فقال:
" فلا تكلّموني بما تُكلَّم به الجبابرة، ولا تتحفّظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنّوا بي استثقالا في حـقّ قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي ; فإنّه مَن استثقل الحـقّ أن يقال له، أو العدل أن يُعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه..
فلا تكفّوا عن مقالة بحـقّ أو مشـورة بعدل ; فإنّي لست في نفسي بفوق أن أُخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به منّي، فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره "..
قال الشيخ محمّـد عبـده: يقول: لا آمن من الخطأ في أفعالي، إلاّ إذا
أقول:
فهل كفى الله عزّ وجلّ أمير المؤمنين (عليه السلام) من نفسه ما هو أملك به منه، ويسّر له فعلا هو أشـدّ ملكاً منه ينتصر به على نفسه ويأمن الخطأ في فعله، كما هو مراد الاستثناء من كلامه (عليه السلام)، الّذي غضّ الدليمي الطرف عنه عمداً وتعميةً؟!
ارجع إلى ما ذكره الطبري بسنده إلى سعيد بن قتادة، الّذي قال عند تفسيره لآية التطهير: فهم أهل بيت طهّرهم الله من السوء، وخصّهم برحمة منه.
وإلى قول ابن عطية ـ في ما أورده النبهاني عنه في الشرف المؤبّد، والمقريزي في فضل آل البيت ـ: والرجس اسم يقع على الإثم والعذاب، وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت... إلى آخر الأقوال.
واعطف بنا ـ ثمّة ـ على نهج البلاغة نفسه، لنرى: هل كفى الله تعالى أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر نفسـه بما حباه من كمال العقل، وعلوّ الهمّة، وتمام الفطنة، ممّا جعل نفسـه صافية لا يشـتبه عليها أمر الحـقّ من الباطل، وهو الأمر الّذي عنيناه في تعريفنا للعصـمة سابقاً؟!
قال (عليه السلام): " وإنّي لعلى بيّنة من ربّي، ومنهاج من نبيّ، وإنّي لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطاً "..
____________
1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 201.