وجمعتُ الرقاع، ولم أعرض لتمام التصنيف، وهالني المنام وتعجّبت منه.
فلمّا كان بعد مدّة طويلة، ذكرت المنام لشيخ من أصحاب الحديث كنت آنس به، فذكر لي أن عمرو بن شعيب هذا لما أسقط عمرُ بن عبدالعزيز ـ من الخطب على المنابر ـ لعنَ أمير المؤمنين (عليه السلام) قام إليه عمرو بن شعيب ـ وقد بلغ إلى الموضع الذي كانت بنو أُميّة تلعن فيه علياً ـ فقرأ مكانه:
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِْحْسَـنِ وَإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ }(1).
فقام إليه عمرو بن شعيب، فقال: يا أمير المؤمنين! السُنّة السُنّة ; يحرّضه على لعن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
فقال عمر: اسكـت، قبحك الله، تلك البـدعة لا السُـنّة ; وتمَّـم الخطبة.
قال أبو عبدالله الختلي: فعلمت أنّ منامي كان عِظةً من أجل هذه الحال، ولم أكن علمت من عمرو هذا، فعدتُ إلى بيتي وأحرقت الرقاع التي كنت جمعت فيها حديثه(2).
نعم، أفرد مسلم ـ صاحب الصحيح ـ هذا الطريق في
____________
1- سورة النحل 16: 90.
2- الأمالي الخميسيّة 1: 153.
وجاء عن عبدالله بن عمرو أنّه كان يعرف السريانيّة(2)، وقد حصل على زاملتين من اليهود يوم يرموك، وقد كانت صحيفته تسمّى أحياناً باليرموكيّة.
وقد شكّك بعضهم في مرويّات عبدالله لكونها مرويّة عن الزاملتين لا عن الصحيفة.
ومرويّات عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه في مسند أحمد كثيرة يمكن للباحث مراجعتها.
3 ـ أبو هريرة الدوسي:
حدّث بـ 5374 حديثاً، وقد جمع أحاديثه في عهده تلميذه همّام بن المنـبّه، وطبع هذا الكتاب أخيراً بتحقيق حبيب الله الحيدرآبادي، وليس فيه إلاّ 138 حديثاً، وقد سمّيت هذه الصحيفة بـ: الصحيفة الصحيحة.
وعن ابن نهيك، أنّه كتب عن كتاب أبي هريرة، وكان يشهده على ما كتبه من كتبه(3).
____________
1- وهو كتاب كبير، لم يتمّ، طبع منه ستّة مجلّدات، انظر هامش الباعث الحثيث ـ بتحقيق ناصر الدين الألباني ـ 1: 112 والبداية والنهاية 13: 170.
2- الطبقات الكبرى 2: 189.
3- الطبقات الكبرى 7: 227، جامع بيان العلم 1: 72.
4 ـ جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام الأنصاري:
استعمله رسول الله (صلى الله عليه وآله) على اليمن (نجران)، وكتب له كتاباً فيه الفرائض والزكاة والديات، وقد أخرج هذا الكتاب أبو داود والنسائي وابن حبّان والدارمي وغيرهم، واشتهر ما كتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) له باسم: "كتاب" و"نسخة" و"صحيفة"، وفي كلٍّ يقال: "كتاب آل عمرو بن حرام".
وعطاء بن أبي رباح قرأ الكتاب في وقت مبكّر، وقد طبع هذا الكتاب مع كتاب ابن طولون إعلام السائلين عن كتب سيّد المرسلين.
وقال بكر بن عبدالله أبو زيد في كتابه معرفة النسخ: وقد جمع نصوصها جأي نصوص نسخة عمروج بعض طلبة العلم في الكويت أخيراً(1).
|
5 ـ أنس بن مالك الأنصاري، خادم رسول الله (صلى الله عليه وآله):
خدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعمره عشر سنين ـ أو ثمان سنين ـ وقد روي عنه قوله: قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفّي وأنا ابن عشرين سنة(2).
وقد كان أنس من دعاة الكتابة، فقد جاء عنه أنّه قال لبنيه:
____________
1- معرفة النسخ: 214.
2- تهذيب الكمال 3: 335.
وكان يقول: كنا لا نعدّ علم من لم يكتب علمه علماً(2).
وكتبت عنه عدّة صحف ونسخ، منها:
1 ـ نسخة أبي الزناد (عبدالله بن ذكوان)، عنه.
2 ـ نسخة ورقاء بن عمر اليشكري، عنه.
3 ـ نسخة أبي عمرو هبيرة بن عبدالرحمن، كما في المحدّث الفاصل.
وقد كثر الوضع عليه في صحف ونسخ، من أشهرها:
1 ـ نسخة أبان بن أبي عيّاش.
2 ـ نسخة إبراهيم بن هُد ْبَة.
3 ـ نسخة الحسن بن أبي الحسن البصري، يرويها عنه نوح بن ذكوان.
4 ـ نسخة خالد بن عبيد البصري.
5 ـ نسخة خِراش بن عبدالله.
6 ـ نسخة دينار بن عبدالله الأهوازي (أبي مكيس).
7 ـ نسخة الزبير بن عديّ، يرويها عنه بشر بن الحسين.
8 ـ نسخة عبدالله بن دينار.
9 ـ نسخة العلاء بن زيد.
____________
1- تهذيب الكمال 3: 371، تقييد العلم: 96، الطبقات الكبرى 7: 1401.
2- تقييد العلم: 96، شرف أصحاب الحديث: 97 رقم 211.
11 ـ نسخة موسى بن عبدالله الطويل.
وخبر هذه النسخ مثبّت في كتاب معرفة النسخ(1) لأبي زيد، فمن أراد المزيد من الاطّلاع عليها يمكنه مراجعتها، كي يعرف منزلة كلّ نسخة منها.
ولا يفوتنا أن نذكّر بأنّ أنس بن مالك كان من الّذين ختم في أعناقهم الحجّاج بن يوسف الثقفي ـ سفّاك العراق ـ إذلالاً لهم!!(2)
____________
1- راجع: معرفة النسخ: 100، سير أعلام النبلاء 3: 396 ـ 397، وهامش ترجمة أنس بن مالك في تهذيب الكمال.
2- انظر: أُسد الغابة 2: 472 ترجمة سهل الساعدي.
تعليق واستنتاج
اتّضح للمطالع ـ على ضوء الصفحات السابقة ـ شرعيّة التدو ين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسقم رأي من يذهب إلى حظره من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) ; لأنّ الرسالة المحمّدية لا يمكن بقاؤها إلاّ بحفظ السُنّة وتناقلها، لكنّ الظروف دعت الخلفاء بعد الرسول ـ أصحاب الرأي ـ أن يمنعوا الصحابة من تناقل أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ لاُمور رأوها! ـ فكان ممّا لا محيص عنه هو نسبة النهي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كي يعذروا الشيخين ومن يسير على نهجهم، وأن يعطوا لفعلهم الشرعيّة!!
نعم، إننا لا ننكر أنّ اتجاه الرأي كان سائداً على عهد الرسول، إذ كان بعض الصحابة ينتهج منهج الطاعة والامتثال ـ لله ولرسوله ـ وليس لهم الخيرة من أمرهم، لقوله تعالى: { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأوْلَـئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ }(1).
وقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ
____________
1- سورة النور 24: 52.
وقوله تعالى: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَيُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَيَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا }(2).
وقوله تعالى: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }(3).
وكان هناك قسم آخر يتعامل مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) كأنّه بشر غير كامل يخطى ويصيب، ويسبّ ويلعن، ثمّ يطلب المغفرة للملعونين!!(4)
فمِن هؤلاء مَن نهى عبدالله بن عمرو بن العاص عن تدوين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله).
كما كان رهط من غير المسلمين يطلبون من الرسول تغيير شريعة السماء، فجاء في الذِكر الحكيم: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـت قَالَ الَّذِينَ لاَيَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْءَان غَيْرِ هَـذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ
____________
1- سورة الأحزاب 33: 36.
2- سورة النساء 4: 65.
3- سورة النور 24: 51.
4- صحيح مسلم 4: 2008 ح 88 و 90، مسند أحمد 2: 316 ـ 317 و 449، و ج 3: 400.
وعمّم القرآن نهيه عن اتباع أهواء من لا يعلمون، فقال: {ثُمَّ جَعَلْنَـكَ عَلَى شَرِيعَة مِّنَ الاَْمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }(2).
ولم يقتصر هذا النوع من الرجال على المشركين أو المنافقين وأصحاب المصالح من المؤلّفة قلوبهم وغيرهم، بل كان بينهم المسلمون الّذين لا يعرفون ما للنبيّ من مكانة ومنزلة.
فترى هؤلاء يرفعون أصواتهم على صوت النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ويتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله، ويعترضون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أعماله، ويتّبعون ما تمليه المصلحة التي يتخيّلونها عليهم، رغم وجود النصوص قرانية كانت أم حديثية، ويفتون بالرأي بحضرته، وقد نزل الوحي بذلك في آيات كثيرة، منها:
قوله تعالى:
{ يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَا تَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَن تَحْبَطَ
____________
1- سورة يونس 10: 15.
2- سورة الجاثية 45: 18.
وقوله تعالى: { يَـأَيُّهاَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَالَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الاَْرْضِ }(2).
وقوله سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ }(3).
وقوله تعالى: { وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ }(4).
وعليه: فالصحابة المتعبّدون هم الّذين أخذوا بكلام الله ورسوله، ولم يجتهدوا أمام النصّ، ولم يطلبوا من الرسول تبديل حكم الله، وقد جاء وصفهم في الذكر بقوله تعالى:
{ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً }(5).
ففي قوله تعالى ما يشير إلى وجود جمع يحاولون التبديل والتغيير، وأنّ الشهداء لم يكونوا من أُولئك الناس المعترضين على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل كانوا متعبّدين بسُنّة الرسول وآخذين بها حتّى النهاية.
هذا، وإنّ دعاة التبديل والتغيير ـ نهج الاجتهاد
____________
1- سورة الحجرات 49: 2.
2- سورة التوبة 9: 38.
3- سورة الأحزاب 33: 57.
4- سورة التوبة 9: 61.
5- سورة الأحزاب 33: 23.
فنحن لو أردنا جمع مفردات ذلك لصار كتاباً مستقلاً بنفسه، لكنّا نشير هنا إلى بعض المواقف التي يتّضح من خلالها ما نقوله:
فمنها: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى المسلمين عن صوم الدهر مشيراً إلى أنّ صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر يعدل صوم الدهر، فامتثل أمره بعضهم، وأبى آخرون إلاّ أن يصوموا الأيّام جميعاً!
ومنها: نهي الرسول عن الرهبانية، فلم يمتثل كثير من الناس أمره (صلى الله عليه وآله)، إذ تركوا لذائذ الدنيا ظنّاً منهم أنّ ذلك تقرّب إلى الله.
ومثله الحال بالنسبة إلى نحر الإبل وأكل لحومها يوم تبوك، فمع إجازة النبيّ (صلى الله عليه وآله) نحرها، برز هناك من الصحابة من أنكر نحرها.
ومن ذلك ما جاء عن صحابي قبّل زوجته وهو صائم، فوجد من ذلك وجداً شديداً، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين فأخبرتها، فقالت أُم سلمة: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُقبّل وهو صائم.
فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده شرّا!! وقال: لسنا مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يحلّ الله لرسوله ما يشاء.
فرجعت المرأة إلى أُمّ سلمة، فوجدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندها، فقال رسول الله: ما بال هذه المرأة؟
فأخبرته أُمّ سلمة، فقال (صلى الله عليه وآله): ألا أخبرتيها أنّي أفعل ذلك؟!
فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمّ قال: والله إنّي لأتقاكم لله ولأعملكم بحدوده(1).
وقريب من ذلك النص الاتي، جاء فتىً من قريش إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)! إئذن لي في الزنا، فأقبل القوم عليه وزجروه فقالوا: مه مه!!
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أُدنُ ; فدنا منه قريباً فقال (صلى الله عليه وآله): أتحبّه لاُمك؟
قال: لا والله، جعلني الله فداك ; قال: ولا الناس يحبّونه لاُمّهاتهم.
قال (صلى الله عليه وآله): أتحبّه لابنتك؟
قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك ; قال: ولا الناس يحبّونه لبناتهم.
ثمّ ذكر له رسول الله (صلى الله عليه وآله) أُخته وعمّته وخالته، وفي كلّ ذلك يقول الفتى مقالته: "لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك".
قال: فوضع يده (صلى الله عليه وآله) وقال: اللّهمّ اغفر ذنبه وطهّر قلبه وحصِّن فرجه.
____________
1- الرسالة ـ للشافعي ـ: فقرة 1109، وأخرجه مسلم عن عمرو بن أبي سلمة.
ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): أيتلعّب بكتاب الله وأنا بين أظهركم(2).
وفي آخر: أبهذا أمرتم؟! ولهذا خلقتم؟! أن تضربوا كتاب الله بعضاً ببعض، انظروا ما أُمرتم به فاتّبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا(3).
وعنه (صلى الله عليه وآله)، أ نّه غضب حين أمر الصحابة بالحلق والإحلال من الإحرام في صلح الحديبيّة، فلم يفعلوا، إذ شقّ ذلك عليهم، فانتظروا حتّى أتمّ (صلى الله عليه وآله) مناسكه وأعماله وأحلّ فأحلّوا، مع أنّ تكليفهم كان الإحلال من قبل.
وهذه النصوص التي ذكرناها تؤكّد وجود اتّجاه كبير يرتضي لنفسه التشريع ولا يتعبّد بقول الرسول، وإنّ استقرار أمثال هؤلاء في صدارة التشريع بعد الرسول يدعونا للتثبت في النصوص الصادرة عنهم، وهل أنّها قد تأثرت بالأفكار السابقة أم لا؟ لان في معرفة هذا الترابط يجعلنا نفهم الحقائق بصورة أُخرى.
والآن مع بعض الأحاديث الّتي كتبها الخليفة الثاني عن كتب التوراة، ومدى تأثير تلك الواقعة على سلوكه في العصر اللاحق.
____________
1- مجمع الزوائد 1: 122.
2- صحيح مسلم كتاب الإيمان، سنن النسائي 6: 142.
3- كنز العمّال 1: 193 ح 977، عن مسند أحمد 2: 178.
مع أحاديث التهوّك:
روي عن عمر أنّه قال للنبيّ (صلى الله عليه وآله): إنّا نسمع أحاديث من يهود، تعجبنا، أفترى أن نكتبها؟
فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة(1).
وروى الخطيب بسنده عن عبدالله بن ثابت الأنصاري ـ خادم النبيّ (صلى الله عليه وآله) ـ قال: جاء عمر بن الخطّاب إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) ومعه جوامع من التوراة، فقال: مررت على أخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة أفلا أعرضها عليك؟ فتغيّر وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال جالأنصاريج: أما ترى ما بوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!
فقال عمر: رضيت بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمّد رسولاً.
فذهب ما كان بوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال (صلى الله عليه وآله): والذي نفسي بيده، لو أن موسى أصبح فيكم ثمّ اتّبعتموه وتركتموني لضللتم، أنتم حظّي من الاُمم، وأنا حظّكم من النبيّين(2).
____________
1- النهاية ـ لابن الأثير ـ 5: 282، حجّيّة السُنّة: 317، جامع بيان العلم 2: 42.
2- مجمع الزوائد 1: 174. المصنّف ـ لعبدالرزّاق ـ 10: 313، وقريب منه في 11: 111، مسند أحمد 3: 387.
وفي المراسيل لأبي داود: أن عمر بن الخطّاب مرّ بقوم من اليهود فسمعهم يذكرون دعاء من التوراة فاستحسنه، ثمّ جاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) فجعل يقرؤه ووجه النبيّ (صلى الله عليه وآله) يتغير.
فقال رجل: يا ابن الخطّاب! ألا ترى ما في وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!
فوضع عمر الكتاب.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله بعثني خاتماً، وأُعطيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي الحديث اختصاراً، فلا يُلهينكم المتهوّكون!
فقلت لأبي قلابة: ما المتهوّكون؟ قال: المتحيّرون(2).
وقال أبو عبيدة في تفسير معنى المتهوّكين: أمتحيرون في الإسلام حتّى تأخذوه من اليهود.
وقيل: التهوّك السقوط في هوّة الردى(3).
____________
1- الأسماء المبهمة: 189 ح 95.
2- المراسيل 3: 224.
3- لسان العرب 12: 400.
وقبل أن ننهي الحديث عن المرحلة الثانية (حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد البعثة) لابُدّ من الإشارة إلى أمرين آخرين حدثا في أُخريات عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله).
الأوّل منهما: حديث الأريكة.
والثاني: حديث الدواة.
فأمّا حديث الآريكة:
فقد روى ابن حزم بسنده عن العرباص بن سارية: أنّه حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب الناس، وهو يقول: أيحسب أحدكم متّكئاً، قد يظنّ أنّ الله تعالى لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في القرآن، ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن.
قال ابن حزم: صدق النبيّ (صلى الله عليه وآله) هي مثل القرآن، ولا فرق في وجوب كلّ ذلك علينا، وقد صدّق الله تعالى هذا، إذ يقول:{مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}(2)، وهي أيضاً مثل القرآن في أنّ كلّ ذلك وحي من عند الله تعالى، قال الله عزّوجلّ: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى}(3)(4).
____________
1- النهاية ـ لابن الأثير ـ 5: 282.
2- سورة النساء 4: 80.
3- سورة النجم 53: 3 و 4.
4- الإحكام ـ لابن حزم ـ 1: 159.
وفي آخر: "يأتيه الأمر ممّا أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدناه في كتاب الله اتّبعناه..."(2).
وروى الخطيب البغدادي، عن جابر بن عبدالله، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لعل أحدكم أن يأتيه حديث من حديثي وهو متّكىِّ على أريكته فيقول: دعونا من هذا! ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه(3).
في النصوص السابقة بعض النكات..
منها: قوله (صلى الله عليه وآله): "يوشك الرجل متّكىَ على أريكته، يُحدَّث
____________
1- انظر: مسند أحمد 4: 132، سنن ابن ماجة 1: 6 ح 12، سنن أبي داود 4: 200 ح 4604، سنن البيهقي 9: 331، دلائل النبوّة 1: 25 و ج 6: 549، الاحكام ـ لابن حزم ـ 2: 161، الكفاية في علم الدراية: 9، وغيرها.
2- سنن ابن ماجة 1: 6 ح 13، المستدرك على الصحيحين 1: 108، الفقيه والمتفقّه 1: 88.
3- الكفاية ـ للخطيب البغدادي ـ: 10.
فالفعل (يوشك) هو من أفعال المقاربة، ويدل على قرب تحقّق العمل، وفي بعضها ما يؤكّد على أنّ ما يقع هو ممّا لا يرتضيه (صلى الله عليه وآله)، كقوله: "لا أعرفنّ" و "لا ألفينّ" مؤكّداً على أنّ كلامه من كلام الله ولا تنافي بينهما.. "ألا إن كلامي كلام الله".
وجملة: "يُحدّث بحديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه فيه من حلال أحللناه ومن حرام حرّمناه".. يزيدنا عزماً للوقوف على القائل به!
ونحن لو طالعنا تاريخ التشريع الإسلامي لوقفنا على نصّ للخليفة الأوّل بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) للناس:
إنّكم تحدّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئاً، فمن سألكم عن شيء فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرّموا حرام(1).
|
ولو تأمّلت في نصّ الرسول وما جاء عن الخليفة الأوّل ـ بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ـ لرأيت نفحات الوحي ظاهرةً على كلامه (صلى الله عليه وآله)، لأنك سترى أنّ الشيخين هما أول من سنّا المعارضة للتحديث
____________
1- تذكرة الحفّاظ 1: 2 ـ 3.
و "بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه"..
و "إنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإنّي والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً"..
و "أُمنيّة كأُمنيّة أهل الكتاب".. و..
فإنّك لو تأنيت وتدبّرت في هذه العلل لرأيتها بنفسها تتّحد مع أدلّة الناهين عن الحديث عن رسول الله، فالنصوص هنا جاءت عن الشيخين، ومن الطبيعي في ظلّ مثل تلك الظروف أن تصدر نصوص ذامّة للتدوين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعماً لموقف الشيخين وتحكيماً لِما دعوا إليه..
وقد مرّت عليك مناقشتنا لمرويّات أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وغيرهما، فإنّك لو قارنتها بتأمل بعيداً عن العصبية لعرفت اتحاد العلة وكثرة الشبه بينها وبين ما يصدر عن الخليفة، وهي تدل على أن أنصار الخليفة كانوا وراء أدلّة النهي لا محالة، وأن ما قالوه لا يتّفق مع تحريض الإسلام على التعلم والكتابة.
وهو الآخر لا يتّفق مع تدوين الصحابة لأحاديثه (صلى الله عليه وآله)، وإجماع أهل بيته (صلى الله عليه وآله) على التدوين، وكون حضارة الإسلام
حديث الدواة والقلم
أخرج الطبراني في الأوسط عن عمر أنّه قال: لمّا مرض النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً.
فقال النسوة من وراء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!
قال عمر: فقلت: إنكن صويحبات يوسف، إذا مرض عصرتنّ أعينكنّ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه!
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): دعوهن! فإنهن خير منكم!
وفي رواية أُخرى: إنّ الرسول عندما قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً "، تنازعوا ـ ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازع ـ فقالوا: هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): دعوني! فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه.
وفي خبر البخاري: لمّا حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): هلمَّ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده.
فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبيّ (صلى الله عليه وآله) كتاباً لن تضلوا بعده ; ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال لهم: قوموا!(1)
قال عبدالله بن مسعود: فكان ابن عبّاس يقول: الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.
وأخرج مسلم في كتاب الوصيّة من الصحيح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنّه قال: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثمّ جعل تسيل دموعه حتّى رؤيت على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤ.
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً".
فقالوا: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يهجر(2).
وفي طريق آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال ابن عبّاس: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثمّ بكى حتّى بلَّ دمْعُه الحصى.
____________
1- البخاري 1: 66 ح 55 كتاب العلم، وكتاب المرضى 4: 212 ح 10.
2- صحيح مسلم 3: 1259.