فمن تلك الأخبار:
قبول عمر بن الخطّاب برواية عبدالرحمن بن عوف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الوباء، وذلك حينما بلغ عمر (سرغ)(1) قاصدا إلى الشام. فقال له عبدالرحمن: إن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: "إذا سمعتم به جأي الوباءج بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" فرجع عمر من (سرغ) إلى محله(2).
|
ومنها: ما روي عن عمر أنّه ذكر المجوس، فقال:
ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبدالرحمن بن عوف: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب(3).
|
____________
1- سَرْغ ـ بفتح أوّله، وسكون ثانيه، ثمّ غين معجمة ـ: سُرُوغُ الكرم: قُضبانه الرطبة، الواحد سَرْغ ـ بالغين ـ والعين لغة فيه، وهو أوّل الحجاز وآخر الشام بين المغيثة وتبوك من منازل حاجّ الشام.
2- صحيح البخاري 7: 237 ـ 238 ح 44، أنساب الأشراف 10: 323 ـ 324، البداية والنهاية 7: 63 حوادث سنة 17 هـ.
3- مصنّف ابن أبي شيبة 7: 584 ح 6 و 7، كنز العمّال 4: 502 ح 11490.
وجاء عنه أنّه أخذ بقول الضحّاك بن سفيان، من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب إليه أن يورّث امرأة أشّيَم الضُبابي من ديته(1).
|
فعمر بن الخطّاب رجع إلى رواية الضحّاك بعد أن كان يقول: "الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً".
وجاء عن عمر أخذه برواية علي بن أبي طالب ـ لمّا أراد رجم المجنونة ـ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنّ الله رفع القلم عن ثلاثة..."(2)... وغيرها كثير.
كلّ هذه النصوص توكّد على أنّ الشيخين أخذا بأخبار الآحاد، ولم يشترطا في قبول الرواية الاثنين أو الأكثر كما هو المشهور عنهما، وأنّ هذه الروايات، وحسب تعبير الدكتور الشيخ مصطفى السباعي:
"في العدد أكثر من تلك التي روت أنّه طلب راوياً آخر، ولا تقل في الصحّة والثبوت عنها، ولمّا كان عمل الصحابة جميعاً الاكتفاء بخبر الصحابي الواحد، كان لابُدّ من تأويل ما روي عن |
____________
1- مسند أحمد 3: 452، سنن الترمذي 4: 19 ح 1415، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 8: 134.
2- سنن أبي داود 4: 137 ـ 139 ح 4399 ـ 4403، المستدرك على الصحيحين 2: 68 ح 351 و ج 4: 429 ح 8168، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 8: 264.
عمر مخالفاً لعمله في الروايات الاُخرى، ولعمل الصحابة الآخرين..."(1).
|
وطريقة جمعنا بين النقلين هو القول: بأنّ الخليفة كان لا يشترط الإشهاد في القضايا الابتدائيّة، بل كان يأخذ بأقوال الصحابة فيها.
بخلاف الاُمور التي أفتى بها الخليفة خلافاً لِما يذهب إليه الناقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو أن الخليفة اعتقد بشيء يخالف نقل الراوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتراه لا يقنع بنقل الصحابي الواحد فيه بل يطلب شاهداً آخر عليه، تصحيحاً للنقل، وتأكيداً لِما سمعه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولإعذار نفسه في الإفتاء بما خالف حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) سابقاً، ولتوقّفه في الحكم لاحقاً.
والذي يؤكّد مدّعانا قضيّة شجار عمّار بن ياسر وعمر بن الخطّاب في قضيّة التيمّم، فإنّ عمر بن الخطّاب كان قد نهى السائل الجنب عن الصلاة، فعارضه عمّار بن ياسر في فتواه بما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2).
فلم يطلب عمر بن الخطّاب شاهداً من عمّار على كلامه ; لأنّه ذكّره بواقعة كان قد شاهدها مع الخليفة، وهو إخبار عن
____________
1- السُنّة ومكانتها ـ للدكتور السباعي ـ: 69.
2- صحيح البخاري 1: 151 ح 5، مسند أحمد 4: 265، سنن النسائي 1: 168 و 169، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ 1: 209.
الثالثة:
لابُدّ لنا أن نبحث عن الاختلاف بين الصحابة في أيّ شيء كان؟! وهل نشأ عن عمد، أم عن جهل؟!
فلو قلنا بالأوّل فيكون معناه تكذيب الصحابة الواحد منهم للآخر في النقل.
ولو قلنا بالثاني فهو مبرّر لمن منع التدوين والتحديث بدعوى الاكتفاء بالقرآن.
ونحن بذكرنا كلام الإمام عليّ (عليه السلام) في أسباب اختلاف النقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نقف على حقيقة الأمر بإذن الله تعالى.
قال (عليه السلام): "إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعامّاً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً. ولقد كُذِب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده، حتّى قام خطيباً فقال: أيّها الناس! قد كثرت علَيَّ الكذّابة، فمن كذب علَيَّ متعمّداً فليتبواً مقعده من النار.. ثمّ كذب عليه من بعده. وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الإيمان، متصنّع بالإسلام، لا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذب على رسول الله متعمّداً، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه ولم |
يصدّقوه، ولكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول الله ورآه وسمع منه وأخذ عنه، وهم لا يعرفون حاله! وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم، فقال عزّوجلّ: {وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ }(1). ثمّ بقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولّوهم الأعمال، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنّما الناس مع الملوك والدنيا، إلاّ من عصمه الله، فهذا أحد الأربعة. ورجل سمع من رسول الله شيئاً فلم يحمله على وجهه، ووهم فيه، ولم يتعمّد كذباً، فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول الله ; فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنّه وهم لرفضه. ورجل ثالث سمع من رسول اللّه شيئاً أمر به، ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء، ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، |
____________
1- المنافقون: 4.
ولو علم أنّه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه. وآخر رابع لم يكذب على رسول الله، مبغض للكذب، خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله، لم ينسه، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص عنه، وعلم الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ. فإنّ أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) مثل القرآن، ناسخ ومنسوخ، وخاصّ وعامّ، ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله الكلام له وجهان: كلام عامّ وكلام خاصّ، مثل القرآن، وقال الله عزّوجلّ في كتابه:{مَآ ءَاتَـكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ}(1) فيشتبه على مَن لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله. وليس كلّ أصحاب رسول الله كان يسأله عن الشيء فيفهم، ومنهم من يسأله ولا يستفهمه، حتّى إن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابيّ والطارئ فيسأل رسول الله حتّى يسمعوا! وقد كنت أدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلّ يوم دخلة، |
____________
1- سورة الحشر 59: 7.
وكلّ ليلة دخلة، فيخليني فيها، أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يصنع ذلك بأحد غيري، فربّما كان في بيتي يأتيني رسول الله أكثر ذلك في بيتي. وكنت إذا دخَلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عنّى نساءه فلا يبقى عنده غيري. و إذا أتانى للخلوة معي في منزلي، لم تقم عنّي فاطمة، ولا أحد من بَنيَّ، وكنت إذا سألته أجابني، وإذا..."(1).
|
كان هذا كلام الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في الأمر، وقد صنّف الأحاديث الموجودة بين الناس وأسباب اختلاف المسلمين في النقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وليس في ما قاله ما يعني وجهات النظر الاستنباطيّة المعمول بها عند الفقهاء، بل كلّ ما فيه يرتبط بوجوه النقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقدرة تلقّي الصحابي عنه (صلى الله عليه وآله)، وأهدافهم فيه.
فبعضهم لا يتحرّج من الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمّداً.
والآخر لم يحمله على وجهه ووهم فيه ولم يتعمّد كذباً.
وثالث قد سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئاً أمر به ثمّ نهى عنه فلا يعرف الناسخ من المنسوخ.
____________
1- انظر: الكافي 1: 83 ح 189 باب اختلاف العلم، سُليم 2: 620، الخصال: 255 ح 131.
فيفهمنا هذا النصّ وغيره أنّ أبا بكر كان يعني اختلافهم في النقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا اختلافهم في وجوه الاستنباط ; لقوله لهم: "فلا تحدّثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئاً" فمجيء "عن" في الجملة تؤكّد ارتباطه بالنقل لا الاستنباط ; ولقوله في نصّ آخر علّل به حرق مدوّنته:
"خشيت أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدّثني" فجملة "حدّثني" تعنى النقل لا غير(1).
الرابعة:
بعد هذا نتساءل عن المختلف فيه بين الصحابة: هل هو فيما يتعلّق بالنصوص الصادرة بأُمور الخلافة والإمامة فقط، أم إنّه أعمّ منها؟! لأنّنا نرى أنّ الخليفة نهى عن التحديث عموماً بقوله: "لا تحدّثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئاً"!!
ذهب غالب كتّاب الشيعة(2) وبعض أهل السُنّة والجماعة إلى القول بالأوّل، فقال الشيخ عبدالرحمن بن يحيى المعلّمي اليماني في كتابه الأنوار الكاشفة(3):
____________
1- تذكرة الحفّاظ 1: 2 ـ 3.
2- انظر: بحثنا بهذا الخصوص في كتابنا منع تدوين الحديث: 57 ـ 82.
3- وهو الكتاب الرابع الذي كُتب ردّاً على كتاب أضواء على السُنّة المحمّدية للشيخ محمود أبو ريّة، إذ كتب قبله الدكتور مصطفى السباعي بحوثاً في السُنّة، ثمّ جمعها وجعلها ردّاً على الشيخ أبو ريّة، وطبعها باسم: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. وكذا كتب الشيخ محمّد أبو زهو كتاباً بهذا الصدد سمّاه: الحديث والمحدّثون.
ومثله الحال بالنسبة للشيخ محمّد عبدالرزاق حمزة، فقد كتب كتاباً باسم: ظلمات أبي ريّة أمام أضواء السُنّة المحمّدية.
"إن كان لمرسلة ابن أبي مليكة أصل، فكونه عقب الوفاة النبويّة يشعر بأنّه يتعلّق بأمر الخلافة، كأنّ الناس عقب البيعة بقوا يختلفون، يقول أحدهم: أبو بكر أهلها، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: كيت وكيت، فيقول آخر: وفلان، قد قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): كيت وكيت. فأحبّ أبو بكر صرفهم عن الخوض في ذلك وتوجيههم إلى القرآن"(1).
|
ونحن لا نقبل هذا التعليل منفرداً ; لأن النهي فيه عام، وذلك لقول أبي بكر: "لا تحدثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئاً"، وقول عمر: "أقِلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم"!
وقد أمر عمر الصحابة أن يأتوه بكتبهم جميعاً بقوله: "فلا يُبقينّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به"، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار!
فلو كان المأمور به هو إبادة أدلة الإمامة والخلافة حسب، فكيف وصلتنا هذه الأدلّة الكثيرة الدالّة على إمامتهم في
____________
1- الأنوار الكاشفة: 54.
"عليٌّ وصيّي، وخليفتي، ووارث العلم من بعدي".
و " مَثَلُ أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هوى وغرق ".
و "من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه".
و "إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي".
و "عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ".. وغيرها؟!
فالقول بأن المنع من التحديث عموماً جاء لمحو أدلة الفضائل والإمامة فقط، وأنهم منعوا الكلَّ خوفاً من بقاء الجزء ـ أدلة الإمامة ـ، وأن اختلافهم كان في هذا الأمر بالخصوص ولا يتعدّى إلى غيره، هو كلام غير دقيق!
لأن الدليل أخصّ من المدّعى، فالشيخان نهيا نهياً عامّاً، بحيث لو كانا يريدان عدم تناقل أحاديث الإمامة والخلافة، أو ما يوجب الاختلاف بين الاُمّة في التنصيب والحكومة، لأمكنهم حينما أُوتوا بالمدوّنات أن يمحوا ما يدلّ على إمامة عليٍّ ويجعلا الباقي في كتاب ثمّ يعمّموه على الأمصار، مثلما فعل ذلك عمر بن عبدالعزيز في أوائل القرن الثاني الهجري بالأحاديث التي جمعها ابن شهاب الزهري، فإنّه أمره بتدوينها وجعلها في دفاتر، وأرسلها إلى الأمصار وأمرهم بالأخذ بها.
وعليه: فتفسيرهم وتعليلهم بهذا واختصاص العلّة بهذا الوجه فقط، غير صحيح بنظرنا، ومن أراد المزيد فليراجع كتابنا
هذا، ولا يفوتنا الإشارة إلى أنّ خَلْق الأعذار من قِبَل الخلفاء، كقول أبي بكر: "والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فمن سألكم...".
وقول عمر: "إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً".
وقوله: "أُمنيّة كأُمنيّة أهل الكتاب"، فيها دلالة على مشروعيّة التدوين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
لأنا قد قرأنا عن المانعين أنهم قد ذهبوا إلى أن الرسول ما مات إلاّ وأمرُ التدوين شائع بين المسلمين، ومعنى كلامهم هذا: أن المنع ليس له عينٌ ولا أثر في أُخريات حياته، كما لم يكن له في أُولياتها.
ومثل ذلك نقوله عن كتابة أبي بكر الأحاديث الخمسمائة، فهو دليل على الجواز وإلاّ لّما كتبها.
قال المعلّمي: لو صحّ هذا، لكان حجّة على ما قلنا من عدم صحّة النهي عن كتابة الحديث، فلو كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) نهى عن كتابة الأحاديث مطلقاً لَما كتب أبو بكر(1).
|
____________
1- الأنوار الكاشفة: 38.
لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قريب ولا بعيد.
|
وقال الشيخ محمّد أبو زهو:
"إنّ النهي كان رأياً من عمر ـ إلى أن يقول: ـ فأراد عمر بثاقب فكره أن يحبس الناس على القرآن حتّى يتمكّن حفظه من نفوسهم، وترسيخ صورته في قلوبهم..."(1).
|
وعليه: فالنهي من قبل الشيخين قد شُرّع لأسباب خاصّة بهما، ولا يرتبط بنهي النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قريب ولا بعيد.
وقبله الكلام عن الاختلاف بين المسلمين في النقل، فإنه لا يختصّ بنقل فضائل عليٍّ (عليه السلام) وغيره، أو مايدل على إمامتهم وخلافتهم فقط، كما قال أنصار الرأي الأوّل، بل الأمر أشمل ممّا ذُكر ; لأنّ مواقف الخليفة ونقولاته كانت تتعارض مع أقوال النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأفعاله، فتحاشياً من اصطدام القدرتين وتعارضهما ـ الرسول والخليفة ـ نهى أبو بكر من تناقل حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلّ شيء، وأرجع الاُمّة إلى الأخذ بالقرآن فقط، لقوله: "فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله"، للوقوف أمام الاختلاف ـ بنظره ـ، وإنّا إن شاء الله سنوضّح آفاق وأهداف
____________
1- الحديث والمحدّثون: 126، وانظر: منع تدوين الحديث ـ لنا ـ: 369.
سؤال وجواب:
والآن مع نكتة أُخرى في النصّ، هي: كيف يُنسب إلى أبي بكر المنع من التدوين، في حين نراه يمنع عن التحديث فقط ـ في هذا النصّ ـ لقوله: "لا تحدّثوا"؟!
الجواب:
إنّ الخليفة حينما منع من التحديث كان يريد المنع من التدوين بطريق أَوْلى ; لأنّ مَن يدعو إلى منع التحديث لا يعقل أن لا يقول بمنع التدوين أيضاً، وخصوصاً حينما نرى علّة الاختلاف والسبب في عدم التحديث هو الاختلاف، لقوله: "والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا"، وبما أنّ الكتابة أبقى للاختلاف المفروض وقوعه، بل سببّ لتداوله وتخليده بين المسلمين، فالخليفة ينهى عنه بطريق أَوْلى ; هذا أوّلاً.
ثانياً: إنّ جملة "لا تحدّثوا" تشمل الكتابة مثلما شملت التحديث ; لأنّ التحديث تارة يكون عن كتاب، وتارة عن مشافهة، فمثلاً: لو عثرت فرقه تنقيب أثرية على لوحة من السومريّين أو المعينيّين فيها أُصول حضارتهم، فهم سيتحدّثون عن تلك الحضارة بعد فتح رموزها، وهذا يعني إمكان التحديث عن الكتابة وهو الملاحظ في كتبنا، فنحن
وعليه: فلا يستبعد إطلاق التحديث على المكتوب، ومعناه: أنّ الخليفة نهى عن التحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عموماً، سواء كان عمّا سمعوه شفاهاً، أو ما قرؤه في كتاب!
وثالثاً: إنّ أبا بكر أحرق مدوّنته، ذات الخمسمائة حديث، معللاً بأنّه غير متيقّن من تلك النقولات، وهذه العلّة جارية في جميع مدوّنات الصحابة، فيكون أبو بكر ناهياً قطعاً عن التدوين إضافة إلى نهيه عن التحديث.
مناقشة تعليق الذهبي على مرسلة ابن أبي مليكة:
علّق الذهبي بعد نقله مرسلة ابن أبي مليكة، بقوله: "إنّ مرادَ الصدّيق التثبُّت في الأخبار والتحرّي لا سدَّ باب الرواية... ولم يقل: حسبنا كتاب الله، كما تقول الخوارج"(1).
فقوله: "إنّ مراد الصدّيق التثبت في الأخبار، والتحرّي لا سدّ باب الرواية" لا يطابق إحراقه لمدوّنته ـ كما في النصّ الثاني ـ، بل إنّ المنع الشامل للحديث يؤكّد عدم إرادة التثبّت ; لأنّ من يريد التثبّت يسعى للإصلاح والانتخاب والتصحيح لا الإبادة، فكان عليه أن يجمع الصحابة
____________
1- تذكرة الحفّاظ 1: 3.
فجملة: "لا تحدّثوا شيئاً" تفيد النهي الشامل عن كلّ الأحاديث، ولا تختصّ بالنهي عن تناقل أحاديث الإمامة والخلافة فقط ; لأنّ مجيء النكرة "شيئاً" بعد النهي "لا تحدّثوا" يفيد العموم، ومعناه: أنّ الخليفة لا يرتضي التحديث بشيء سوى القرآن.
فلو كان الخليفة يريد التثبّت حقاً لقال: "تثبتوا في نقلكم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكثرة الكذبة عليّ"، أو: "لا تحدثوا بكلّ شيء سمعتموه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ بعد التثبّت".. وغيرها.
فعدم صدور هكذا نصوص عنه، بل أمره بالمنع عن التحديث عموماً، وإحراقه لمدوّنته ـ كما في الخبر الآتي ـ يدلّ على أنّ الأمر لا يرتبط بالتثبّت، بل وراؤه أمر آخر! لأن منهج المتثبّت يدعو إلى الحفظ لا الإبادة!
فإنّ فعله (الإحراق)، ودعوته إلى ترك التحديث (لا تحدّثوا)، يؤكّدان بما لا يقبل التشكيك حقيقة أنّ الخليفة بصدد منع التحديث والتدوين معاً والاكتفاء بالقرآن.
____________
1- كما روي عنه استشارته للصحابة في خبر ميمون ; انظر: أعلام الموقّعين ـ لابن قيّم ـ 1: 62.
فالخليفة ـ وبإرجاعه الناس إلى القرآن ـ كان يريد تعبّدهم بالقرآن دون السُنّة، وهذا ما لا يرتضيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو ممّا أخبر به قبل وفاته، وقد عُدّت من دلائل صدق نبوّته ـ حسب تعبير البيهقي(1) ـ.
أمّا جملة: "ولم يقل حسبنا كتاب الله كما يقول الخوارج" فهو تحكّم في الموازين والاُصول ; لأنّ قول وفعل الخليفة يخبر عن معتقده، فقوله بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله): "بيننا وبينكم كتاب الله" هو معنىً آخر لـ: "حسبنا كتاب الله"، ولا يختصّ التشكيك بحجّية السُنّة بما نقله الذهبي عن الخوارج.
هذا، ويؤخذ على كلام الذهبي بأنّ الخوارج لم يقولوا: "حسبنا كتاب الله"، بل الذي قالوه: "لا حكم إلاّ لله" وإنّ جملة: "حسبنا كتاب الله" هي من مقولات عمر عند مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومثلها مقولة أبي بكر: "بيننا وبينكم كتاب الله"، فإنّهما مقولتان متّحدتان في معنىً واحد، وهو الإعراض عن السُنّة وتركها، بحجّة الاكتفاء بالقرآن ; وأين
____________
1- دلائل النبوّة 1: 24 ـ 25.
وبهذا، فقد توصّلنا إلى أنّ هذه النظرة إلى السُنّة المطهّرة من السلف هي التي سمحت لمحمّد رشيد رضا وتوفيق صدقي من الكتّاب الجدد وطائفة من القدماء أن ينكروا حجّيّة السُنّة، ويذهبوا إلى لزوم الاكتفاء بالقرآن، لاعتقادهم بعدم صحّة الأحاديث المبيحة للتدوين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي المقابل ثبوت النهي عنه (صلى الله عليه وآله) عندهم.
ومن المحبّذ أن نقف هنيئة هنا كي نناقش بعض شبهات الدكتور صدقي والشيخ رشيد رضا. لارتباطها بثان مصدر من مصادر التشريع.
الإسلام هو القرآن وحده:
هذا عنوان لمقال للدكتور توفيق صدقي، نُشر ضمن عددين من مجلّة "المنار" المصرية(1)، واستدلّ على ما ذهب إليه من كفاية القرآن بأدلّة كثيرة، أهمّها:
الاستدلال بقوله تعالى: {مَّافَرَّطْنَا فِى الْكِتَـبِ مِن شَىْء }(2)، ومعناه: أنّ ما من صغيرة وكبيرة إلاّ في القرآن، وبذلك فلا نحتاج إلى شيء آخر كالسُنّة، لأنّ الاحتياج يعني أنّ الكتاب كان مفرّطاً فيه، و يلزم منه الخلف في خبره تعالى، وهو محال.
____________
1- مجلّة المنار، العددان السابع والثاني عشر، من السنة التاسعة.
2- سورة الأنعام 6: 38.
واستدلّ ثالثاً بقوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـفِظُونَ }(2)، يعني: أنّ الله سبحانه قد تكفّل بحفظ القرآن دون السُنّة، فلو كانت السُنّة دليلاً وحجّة كالقرآن لتكفّل سبحانه وتعالى بحفظها.
واستدلّ رابعاً بقوله: لو كانت السُنّة حجّة لأمَرَ النبيّ (صلى الله عليه وآله) بكتابتها ولعمل الصحابة والتابعون من بعده على جمعها وتدوينها، ولما لم يأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بتدوين حديثه، بل جاء في الخبر الصحيح جالمفترض عندهمج أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) نهى عن كتابتها وأمر بمحو ما كتب فيها ; علمنا أنّها ليست بحجّة.
ومثله الحال بالنسبة إلى الصحابة، فلو كان التدوين شرعياً لَما استقر عندهم على كراهة التدوين.
واستدلّ خامساً بقول الرسول (صلى الله عليه وآله): "إن الحديث سيفشو عنّي، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عنّي، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس منّي"، فهذا يوضح أنّ القرآن هو الحجّة
____________
1- سورة النحل 16: 89.
2- سورة الحجر 15: 9.
أمّا جوابنا عن الشبهة الاُِولى:
فإطلاق الآية صحيح، ومعناه أنّ الله سبحانه لم يفرّط بشيء من الأوامر والنواهي، فقد أمر بالصلاة والزكاة والصوم والحجّ، ونهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن ـ كالزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر ـ وغيرها من كلّيات الأحكام، فكان ممّا أمر به هو رجوع الاُمّة إلى الرسول وإطاعته بعد الإقرار والإيمان بالله سبحانه وطاعته ; وهذا الأصل في القرآن جعل للسُنّة مكانتها التشريعيّة.
وأمّا الشبهة الثانية:
فيجاب عنها بأنّ الله صرّح بأنّه تعالى نزّل الكتاب على رسوله تبياناً لكلّ شيء، ومعناه أنّ عند الرسول أسرارَ الأحكام ومغزاها، فهو المكلّف بتبيينها للناس، لقوله تعالى:
{وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَانُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }(1)، فعن طريق السُنّة نقف على تفاصيل الأحكام، فإنّ الكتاب وحده لا يكفينا في ذلك.
وأمّا الشبهة الثالثة:
فنجيب عنها بأنّ "الذِكر" في كلامه تعالى أعمّ من القرآن
____________
1- سورة النحل 16: 44.
{فَسْـَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَتَعْلَمُونَ }(1).
وقد ردّ ابن حزم على من زعم أنّ المراد بالذِكر في الآية: القرآن وحده، فقال:
"هذه دعوى كاذبة، مجرّدة عن البرهان، وتخصيص للذِكر بلا دليل ـ إلى أن يقول: ـ والذِكر اسم واقع على كلّ ما أنزل الله على نبيّه من قرآن وسُنّة ووحي يبيّن بها القرآن، وأيضاً فإنّ الله تعالى يقول: { وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَانُزِّلَ إِلَيْهِمْ } فصحّ أنّه (عليه السلام) مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير كتفاصيل الصلاة والزكاة والحجّ وغير ذلك ممّا لا نعلم ما ألزمناه الله فيه بلفظه لكن ببيان النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فإذا كان بيانه (صلى الله عليه وآله) لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته ممّا ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنصّ القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، فإذا لم نَدر |
____________
1- سورة النحل 16: 43.