ولهذا نقول: إنّ توهّم الكذب لا يسدّ باب الرواية والتحديث، بل الذي عرفناه من أمر الرسول هو الحذر من تعمّد الكذب، وفي ما نحن فيه لم نَر الراوي قد تعمّد الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لاعتماد الخليفة على كلامه بقوله: "ائتمنته ووثقته"، واحتمال الكذب والسهو والخطأ مرفوع بأصالة العدم.
وعليه: فلا يصحّ تعليل الخليفة في المقام، بل إنّه يرجع إلى أُمور أُخرى ستتّضح في ثنايا البحث.
وأمّا السؤال الرابع، فنجيب عنه:
بأن الإحراق ليس بالمنهج السليم ; لأن معناه الإبادة والضياع ـ وإن لم يصرّح به الخليفة ـ، وإن دعوى ترك التحديث خوفاً من الاختلاف، وترك السُنّة حفاظاً على القرآن، والتستّر بغطاء التثبّت في الحديث، والقول بضعف هذا الحديث أو ذاك، مع وجود قرائن كثيرة تدلّ على ذهاب الخليفة إلى الرأي، كلها مبرّرات وضعت لتصحيح فعل الخليفة، وليس لها رصيد من الصحّة، ولا يخفى هذا على البصير!
لأن من يريد تعمير عجلة مثلاً لا يحقّ له إبادتها بدعوى إرادة إصلاحها ; لأن الاصلاح يبتني على تعمير العجلة وإعدادها للعمل تارة أُخرى لا أن يبيدها..
فالقتل والحرق يعني الإبادة وحرمان الاستفادة، وأمّا التثبت والاصلاح فهو الاستفادة، وقد مرّ عليك كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن سمعهم يتحدّثون عنه، ثمّ تركُهُم للحديث، وقوله (صلى الله عليه وآله) لهم: إني لم أُرد ذلك، إنما أردت من تعمّد ذلك ; فتحدّثنا.
فالخليفة وبعمله (الإحراق) وبقوله: "لا تحدّثوا" كان يريد المنع المطلق للحديث، لقوله: "فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله".
ويؤيّد هذا مواقفه الاُخرى في تثبيت الرأي، فالرأي لا يوافق التعبّد بالنصّ وإن علّل اللاحقون المنع والحرق باسم التثبّت والتحرّي والاحتياط وما إلى ذلك، حتّى رأينا بعضهم ينكر تبرّعاً صدور هكذا نصوص عن الخليفة! لأنّها لا تتلاءم مع مكانتهم ومواقفهم.
ثمّ إنّ اتّحاذ هذين الموقفين من الشيخين، وتبنّيهم لسياسة الرأي في الأحكام، جعلتنا نشكّك في نسبة أحاديث المنع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، خصوصاً بعدما ثبت لنا أنّهما لم يستشهدا بمنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) للحديث، بل أوضحنا في ما تقدّم ثبوت
فلو ثبت هذا، فكيف يسمح الخليفة لنفسه بحرق كلام الرسول وأسماء الله والأنبياء والمرسلين؟! مع أنّا نعلم أنّه (صلى الله عليه وآله) قد نهى عن حرق التوراة، كما في حديث عائشة(1).
ولماذا يتّحد الشيخان في موقفهما ـ الإحراق ـ من السُنّة المطهّرة؟!
ولماذا يأمر عمر بن الخطّاب الصحابة بالإقلال من الحديث، ويطلب منهم أن يأتوه بمدوّناتهم، ويضرب الصحابة على تحديثهم وتدوينهم؟!
ألم نقرأ في الكتب عن أبي هريرة أ نّه ترك وعاءين من الحديث خوفاً من عمر؟!
إن هذه النصوص كلها تدلّنا على حقيقة واحدة، وهي: أن سياسة الشيخين مع الحديث جعلتنا نفتقد الكثير من التراث الإسلامي.
ونحن لو أبحنا للفرد إتلاف ماله، فلا يمكننا القول بجوازه في إتلاف مال أو كتاب غيره، وخصوصاً لو ارتبط هذا بتراث أُمّة حضاريّة كبيرة كالإسلام.
وبنظرنا: أنّ الشيخين مَلُومان في فعلهم الحرق + المنع من
____________
1- الكامل في الضعفاء 1: 77.
وهذه النصوص والمواقف المتعدّدة عنهم هي التي تؤذّي الباحثين من أتباع مدرسة الخلفاء، فتراهم يقولون: هذا لا يلائم الخليفة عمر، و...
لأنّهم يعرفون أنّ دين الإسلام دين المدنيّة والعلم وحضارة الكتابة والمعرفة والنصّ، فهؤلاء لا يقبلون بشرعيّة النهي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)..
وهكذا الحال بالنسبة إلى الرأي، فالمؤمن بالشرع لا يرتضي الاجتهاد قبال النصّ، بل تراه يفسّر الرأي بأنّه (إدراك) أو (ظنّ) أو (اعتقاد) صواب الحكم في ما لا نصّ فيه، وحينما يرى تَخالَف سيرة الخليفة مع المصطلح ; لاجتهاد الخليفة قبال النصّ وظنّه بصواب الحكم دون البحث عن النصّ تحصل في داخله هزّة عنيفة، إذ ماذا يفعل مع النصوص الصادرة من الشيخين وهو يراها تخالف الثوابت الاُخرى؟!
فلو ضعّف خبر حرق أبي بكر لصحيفته، لاُجيب بما صدر عنه من الرأى قبال النصّ، وتبريره لفعل مالك بـ "تأوّل فأخطأ"، وحرقه الفجاءة، و... فما يجيب عن الثاني؟!
وإن استبعد صدور النهي عن عمر والقول بأنّه لا يتلاءم معه، فماذا يجيب عمّا فعله مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الخميس، ومنعه من الإتيان بالقلم والدواة، وقوله: "حسبنا كتاب الله"
نعم، واجه هؤلاء مشكلة نفسية، إذ كيف بهم وهم يرون مِن الصحابة مَن يكره التدوين ويحبّذ الرأي؟!
أليس هذه المواقف خلافاً للكتاب والسُنّة؟!
نعم، إنّ الخلفاء وأتباعهم كَرِهوا وكرّهوا التدوين، ثمّ ألبسوا هذه الكراهة لباساً شرعيّاً في الزمن اللاحق ـ بعد أن لم يكن له عين ولا أثر في الزمن الأول ـ، إذ لو كان النهي شرعياً في الزمن الأوّل لتمسّك به أبو بكر وعمر، ولكنهما لما لم يجدا هذا المنع عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أرجعا المنع إلى علل اخترعوها، وصرّحوا بأنّ النهي يرجع إلى الشيخين، كقول عمر: "وإني لا ألبس كتاب الله..." وقولِ أبي بكر عن الاختلاف: "والناس بعدكم أشدّ اختلافاً"، وغيره.
وبما أنّه لم يصدر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في التدوين نهي شرعي، ولا مجوّز في الإتلاف، بقيت ذمّة عمر بن الخطّاب مشغولة لاتلافه مال الآخرين وتراث أُمّة كبيرة وثقافة دين وليد واصيل، وذلك لأنّه لم يصحّ منع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تدوين حديثه، ولا أمره بحرق مدوّنات الآخرين؟!
وقد وقفت سابقاً على النقول الكثيرة عنه (صلى الله عليه وآله) الداعية إلى لزوم تعليم الحاضر للغائب، وقوله: "ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، ودعوته إلى حفظ حديثه: "من حفظ أربعين
نعم، صار الدفن والحرق والاماثة ـ في الزمن اللاحق ـ أُصولاً شرعيّة يسير عليها صغار التابعين وبقيّة المسلمين، وذلك لِما سَنّه الشيخان من النهي عن حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك بعد أن وضعوا أحاديث على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) تؤكّد لزوم طاعتهم أي صارت مواقفهم اصولاً يحتذى بها للاحقين.
وبعد هذا فلابُدَ من الأخذ بسيرتهما وإن خالفا النصّ القرآني والحديث المتواتر! بدعوى أنهما أعلم بالسُنة من غيرهما!! وأنّهما عرفا روح التشريع وقد وافق الوحي مواقفهما!!!
وبهذا فقد ثبت لك عزيزي القارئ وجود نهجين:
احدهما: يستقي المواقف من النصوص ـ قرآنية كانت أم نبويّة ـ.
الثاني: يؤصّل أُصولاً طبق مواقف الاشخاص!!
ونحن قد أطلقنا على الأوّل منهما اسم (التعبّد المحض)، وعلى الثاني (الرأي والاجتهاد)، و إنّك ستقف على تفاصيل هذا الأمر لاحقاً بمشيئة الله تعالى.
والعجب من هؤلاء أنّهم يسمّون أنفسهم بـ: "أهل السُنّة والجماعة" ويرمون الآخرين بـ "البدعة والزندقة"! وترى
نحن لا نريد أن نناقش هذه الأقوال أو تلك، بل نقول: إنّ أهل السُنّة هم المدافعون عنها، المتمسكون بها، تلك السُنّة التي لا تخالف القرآن، ولا تخالف الثابت من أقوال وأفعال وتقريرات رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلا يمكن بعد هذا إطلاق لفظ السُنّة على جماعة جزافاً من دون انطباقه عليهم في الواقع الخارجي!
والآن مع الأقوال الأربعة في سبب تسمية أهل السُنّة بـ: " أهل السُنّة والجماعة ":
أقوال في التسمية:
هناك أربعة أقوال في سبب تسمية أهل السُنّة بـ: "أهل السُنّة والجماعة":
الأوّل: إنّهم سُمّوا بهذا الاسم، لأنّ السُنّة الصحيحة البعيدة عن البدع هي عندهم، وذلك لما صحّ طرقه عند المحدثين وعدم أخذهم من الخوارج والشيعة!!!
الثاني: إنهم سُمّوا بهذا الاسم لاستقرارهم على ما أقرّه الخلفاء من سنن في الوقائع والأحكام واعتبار غير ذلك بدعة، أي أنّهم ألزموا الآخرين باتباع ما سنّهُ الخلفاء والذهاب إلى كون خلافه بدعة، وإن كانت لتلك المذاهب والنحل طرق صحيحة عندهم!!
الثالث: إنّهم سُمّوا بهذا الاسم بعد عام الجماعة ـ سنة 41 هـ ـ
الرابع: إنّهم سُمّوا بهذا الاسم دفعاً لِما قيل فيهم من عدم أخذهم بأحاديث الرسول ومنعهم لتدوين حديثه (صلى الله عليه وآله)، أي التسمية جاءت من باب تسمية الأعمى بالبصير.
وبعد هذا، نترك للقارئ الحكم بقُرب أي الأقوال الأربعة للواقع، وتطابقه مع السير الطبيعي للمسألة وتاريخ الحديث النبوي، أو بعده عنها!
المباني الفكرية في هذا العهد
وبما أنّ بحثنا حول "التأصيل"، فمن الجدير ذِكره هنا أن نرى الخلفيات الثقافية والمباني الارتكازية، التي كانت بمثابة الأرضية التي سوّغت لأبي بكر الإقدام على نشر أفكار وأُسس خاصّة، واتّخاذ إجراءات لم تكن في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله)، كان من جملتها إقدامه على منع التدوين والتحديث!!
إذ كيف تمكّن من هذا المنع؟!
وكيف استطاع ترسيخ مرتئياته وبثّها بين المسلمين؟!
وما هي الاُصول التي اعتمدها لاقناع أكبر عدد من المسلمين بذلك؟!
ثمّ ما هي العقلية التي كان يحملها الخليفة قبل الإسلام؟! ومدى تأثيرها على بُناه الفكرية من بعد؟!
قلنا:
إنّ الحالة الثقافية لأيّ مجتمع من المجتمعات لابُدّ أن تترك بصماتها وآثارها على أفراد المجتمع، سلباً أو إيجاباً، خصوصاً مع ملاحظة تاريخ تلك الشخصية وموقعها في ذلك المجتمع، وما مرّت به من أدوار، وما كانت تفتخر به أو يُفُتَخرُ لها به من مميّزات في ذلك العصر.
وكيف تطوّرت بلباسها الجديد ممتزجة مع الحالة الإسلاميّة الجديدة التي خلقها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، حتّى أصبحت شريحة كبيرة من المجتمع تعيش حالة ازدواجية وارتباك ـ في هذا العصر ـ وتأرجُح بين الموروث الجاهلي وبين الجديد الإسلامي المحمّدي، وذلك ما ظهر واضحاً بعد غياب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) مباشرة!
إذ وُجِد هناك ـ وكما قلنا ـ منهجان للصحابة:
أحدهما: يتّخذ مواقفه من الأُصول.
والآخر: يرسم الأُصول طبق المواقف.
بمعنى: أنّ هناك من يعدّ كلام الله ورسوله أصلين أساسيّين في التشريع، فهم يأخذون أحكامهم منهما، ولا يتحرّكون إلاّ في الإطار الذي رسماه للمسلمين.
وهناك من صار يضيف إلى سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) سيرة كبار الصحابة، ويتّخذها أصلاً ثالثاً يحتذى به ـ مع الكتاب والسُنّة ـ ويسير على طبقه، وقد كنّا سميّنا الأوّل منهما بالمتعبّدين، والثاني بالمجتهدين.
وبتقريب آخر: إن سيرة الإنسان المسلم ومنهجه قد يُتخذان ويُرسمان من منهج إسلامي محدّد، فيكون المكلّف متعبّداً بتلك النصوص، ويمنهج سيرته على طبقه، ولا يرى لنفسه
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ }(1).
وهم الذين قال تعالى عنهم أنّهم:
{ لاَيَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا }(2).
فأول هؤلاء يقتفي أثره آخرهم، ولا يُلحظ في سيرتهم الاختلاف المبدئي والتضاد في المنهج والموقف ; وذلك لتعبدهم بمنهج محدّد مرسوم من قبل الله ورسوله.
وهناك قسم آخر يسمح لنفسه بالاجتهاد قبال النصّ، ويذهب إلى شرعيّة القول بالمصلحة مثلاً، ومن الطبيعي أن يختلف هؤلاء في المواقف والآراء، طبقاً لاختلاف وجهات النظر عندهم والمصالح الملحوظه!
والأنكى من هذا أنّهم ـ وكما ألمحنا ـ قد جعلوا هذه المواقف أُصولاً شرعية لاحقاً ; بسبب ذهاب فلان إلى الرأي الفلاني، مع عدم اعتقادهم بعصمته، أي أنّهم شرّعوا تعدّدية الرأي والأخذ بقول الرجال إلى جانب السُنّة النبويّة، مع
____________
1- سورة الأحزاب 33: 36.
2- سورة النساء 4: 65.
ولنمثّل للقسم الأوّل بسيرة الأنبياء ومنها سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي كان عبداً لله قبل أن يكون رسوله ; لقوله تعالى: { قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَــنِىَ الْكِتَـبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا }(1).
و {تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَـلَمِينَ نَذِيرًا }(2).
فكان (صلى الله عليه وآله) لا {يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى }(3)، ولا يفتي من قبل نفسه، ولا يرتضى تغيير الأحكام لهوى الناس، بل كان (صلى الله عليه وآله) ينتظر مجيء الوحي لكي يخبره بجواب القضية المستحدثة، وقد ظلّ (صلى الله عليه وآله) ستّة أشهر أو سبعة ينتظر الوحي كي يسمح له أن يحوّل القبلة إلى المسجد الحرام، حتّى نزل عليه قوله تعالى: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَيهَا }(4).
وقبله يلزم أن نقف على سيرة إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ومدى عبوديتهما لله الواحد الاحد وتسليمهما لرب العالمين
____________
1- سورة مريم 19: 30.
2- سورة الفرقان 25: 1.
3- سورة النجم 53: 3 و 4.
4- سورة البقرة 2: 144.
ففي قصة الفداء والذبح ترى حقيقة الإسلام وغاية التسليم لله رب العالمين، فلما صدّق إبراهيم الرؤيا وتله للجبين ناداه ربه {أَن يَـإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ }، فهذا هو المقصود من التعبد المحض فتراه شاخصاً عند الانبياء والاوصياء ثمّ الصالحين من عباده، فقد ترك إبراهيم ابنه الوحيد إسماعيل واُمه هاجر عند البيت الحرام مع شيء بسيط من الماء والغذاء، ولما نفذ الماء والزاد جعلت هاجر تحيل طرفها إلى السماء ثمّ إلى الأرض وتهرول بين الصفا والمروة بحثاً عن الماء حتّى إذا اتمت السعي سبعاً عادت إلى ولدها وقد ملكها الياس، وإذا بنبع زمزم يفيض تحت قدم إسماعيل الذبيح. كان هذا هو الدرس الأول في مدرسة التعبد المحض وقبل ذلك تأمل فيما قاله هابيل لقابيل {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا بِبَاسِط يَدِىَ
____________
1- الصافات 37: 102 - 106.
ومثله الحال بالنسبة إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فهم نهوا عن الرأي، واتخذوا النصوص الالهية منهجاً في الحياة، وكانوا وما زالوا على كلمة واحدة، يقولون:
"إنا لو كنا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما يكنز هؤلاء ذهبهم وورقهم"(2).
وقولهم: "إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا حذو القذّة بالقذّة"(3).
وقولهم: "حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث عليٍّ أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحديث رسول الله قول الله عزّوجلّ"(4) وما شابه ذلك من النصوص.
وأما دعاة المصلحة والاجتهاد، فكانوا يعدّون مواقف الخلفاء ـ بل كبار الصحابة، ثمّ جميعهم ـ أُصولاً يحتذى بها مع
____________
1- المائدة 5: 28.
2- الاختصاص: 280 عن الإمام أبي جعفر محمّد الباقر (عليه السلام).
3- الإرشاد 2: 276، الاختصاص: 279 عن الإمام أبي الحسن عليّ الرضا (عليه السلام).
4- الإرشاد 2: 186 ـ 187 عن الإمام أبي عبدالله جعفر الصادق (عليه السلام)، وانظر: الكافي 1: 73 ح 152.
أي إنهم أخذوا يتعاملون ـ فعلاً ـ مع مواقف هؤلاء كأنّها مواقف المعصوم، بدءاً من متابعة بعضهم لأبي بكر في آرائه ومواقفه، وتطوّراً مع تشريعهم الأخذ بسيرة الشيخين في يوم الشورى، وختماً بما طرحوه من أُصول وأفكار ـ أقل ما يقال فيها إنّها متطرّفة ـ في العصرين الأُموي والعبّاسي، مثل لزوم اتباع السلطان وإن ضرب ظهرك، وكصوافي الأُمراء، و...
نعم، إنهم لتصحيح ما شرّعوه من قبل، وفي يوم الشورى، وضعوا ـ من بعد ـ أحاديث في ذلك، كروايتهم: "اقتدوا باللذَين من بعدى أبي بكر وعمر"، وذهبوا إلى جواز خطأ النبيّ في الموضوعات الخارجية و...
فلو صحّ حديث "اقتدوا باللذَين..." وأمثاله، فلماذا نرى تخلّف كثير من الصحابة عمّا شرّعه الشيخان؟! وتخطئتهم لهما في ما اجتهدوا فيه في بعض الأحيان؟!
ولو ثبت هذا الحديث عن رسول الله، فكيف لا يأخذ الصحابة بكلام الرسول في الاقتداء بأبي بكر وعمر؟!
ولماذا خالف عمر أبا بكر في مواقفه؟!
ولِمَ خطأ أبو بكر عُمر؟!
وكيف يسأل الخليفة الصحابة عن الأحكام، لو كان هو الإمام المقتدى؟!
وهكذا الحال بالنسبة إلى الأفكار الأُخرى ; إذ وضعوا
نعم، إنّ سيرة الشيخين (أبي بكر وعمر)، أعقبتها سيرة (أبي بكر وعمر وعثمان)، ثمّ سيرة (الخلفاء الراشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ)، ثمّ أحاديث العشرة المبشّرة بالجنّة، ثمّ حديث "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم" و و... وهكذا إلى ما لا نهاية للامتداد الاجتهادي المتفاقم بتفاقم الأحداث وتجدّد الحوادث!
على أنّ المتجلّي من الأمر هو تركيز الاُمويّين والعبّاسيّين على سيرة الشيخين أكثر من سيرة عثمان والإمام عليّ، أو قل على سيرة باقي الصحابة ـ على اختلاف مشاربهم ومواقعهم الفقهية والسياسية والاجتماعية ـ وذلك لأسباب جمّة ودواع كثيرة، نستطيع إجمالها بالقول بـ:
من المعلوم إنّ ميزان القوى كان يتوزّع بعد غياب الرسول (صلى الله عليه وآله) بين أربع قوىً، هي:
قريش.
الأُمويّون.
الانصار العلويّون.. ـ أو قل: الهاشميّون وعلى رأسهم الإمام عليّ ـ.
وقد هيمنت القوّة القرشية بمعاضدة القوّة الأُموية على
وقد بقيت هذه الموازنة حاكمة على سيرة المسلمين ; إذ ينعم الأُمويّون وأعيان قريش بمواقعهم في ظلّ الحكم القرشي المتمثّل بالشيخين، وهذا ما جعلهما بمنأىً عن نزاعات الطموح القرشي الأُموي، وأورث لهما استتباب الأُمور بشكل أيسر بكثير ممّن لحقهما في الخلافة، إذ ليس هناك معارض إلاّ العلويّين والأنصار المغلوبين.
فما أن تعالت صرخة أبي سفيان: "أغَلبكم على هذا الأمر أذلّ بيت من قريش وأقلّها؟!"(1)، وما أن دعا عليّاً للمطالبة بالخلافة وتنحية أبي بكر، حتّى عاد وديعاً يتحمّل إهانة أبي بكر وصرخاته، وينعم باحتلال أخيه وابنه معاوية وغيرهما من الأُمويّين المناصب المرموقة في الخلافة الجديدة، ممّا ضمن للجناح الأموي من الكفّة القرشية مطامحه ومطامعه في السلطة والسيادة، وذلك ما أوقف سيل معارضة أبي سفيان.
إلاّ أن استفحال التكتل الأُموي، أخاف القوّة القرشيّة فقهاً وسياسة، فحدا ذلك ـ من بعد ـ بالزعيم القريشي عبدالرحمن
____________
1- شرح نهج البلاغة 6: 40، وانظر: أنساب الأشراف 2: 271، الاستيعاب 3: 974، تاريخ الطبري 2: 237، شرح نهج البلاغة 1: 221.
إلاّ أنّ الجناح الأُموي بدأ يعلن استقلاله بالسلطة في الستّ الأواخر من خلافة عثمان، حين أبعد عثمان الشخصيات القرشية عن مراكز الخلافة أيضاً، مضافاً إلى المبعدين العلويّين والأنصار الذين كانوا من قبل مهملين معزولين عن أداء أدوارهم، مستبدلاً بهم شخصيات أُموية بحتة(1).
وهنا انفرد الجناح الأُموي ـ أو حاول الانفراد ـ بالسلطة، فخَلَق أمامه ثلاث جبهات معادية: القرشيّون غير الأُمويين، والعلويّون، والأنصار ; وهذا ما جعل سيرة عثمان محطّ طعنات غير الأُمويّين جميعاً..
فتعالت الأصوات من عبدالرحمن بن عوف، وابن العاص، وعائشة، كما تعالت من عليٍّ والعلويّين، والأنصار، على حدّ سواء، وهذا ما جعل سيرة عثمان أقلّ تأثيراً وأكثر انكماشاً من سيرة الشيخين التي لم تُمْنَ بمثل هذه المعارضة الهائلة.
وحينما أراد القرشيّون إعادة الأمر إلى حوزتهم، انفلت زمام الأُمور من أيديهم وآل الأمر إلى نصابه.
____________
1- قد وضّحنا هذا من قبل في كتابنا وضوء النبيّ / المدخل. فراجع.
وقد صرّح بذلك الاستياء رؤوس الحِراب القرشية والأُموية، كـ: عائشة، وعبدالله بن عمر، ومعاوية، وأضرابهم، وذلك ما أعاد للجبهة القرشية الأُموية قوّتها واتّحادها مقابل القوّة العلوية والأنصارية المتابعة لها.
وما حرب الجمل إلاّ مثال التحزّب القرشي ضدّ عليّ.
وما حرب صفّين إلاّ مثال التحزّب الأُموي ضدّه.
وما كلا الحزبين إلاّ مثال للاتّحاد القرشي الأُموي ـ صاحب المواقع القوية من قبل ـ ضدّ الشقّ العلوي الأنصاري صاحب المواقع الهشّة من قبل(1).
وهذا أيضاً جعل سيرة علي بن أبي طالب أقلّ تأثيراً من سيرة الشيخين عند الأُمو يين والعبّاسيّين، وأقل تأثيراً من سيرة عثمان عندهما معاً، وعند العبّاسيّين بشكل أكبر.
وأما عليّ بن أبي طالب فقد بقي فقهه يتيماً لم يوصله للمسلمين إلاّ أبناؤه وأتباعه وبعض الأنصار، وأغلبهم ليسوا ذوي سلطات ولا قدرات في الخلافتين، بخلاف الشيخين
____________
1- لو اردت معرفة قرب الانصار من عليّ وأهل بيته فقهاً وسياسة يمكنك مراجعة المجلد الثاني من كتابنا وضوء النبيّ / البحث الروائي، وذلك عند بياننا نسبة الخبر إلى عبدالله بن زيد بن عاصم المازني الانصاري.
وهكذا كانت حصيلة جعل سيرة الشيخين قسيماً لكتاب الله وسُنّة نبيه، ومن بعدهما كانت سيرة عثمان أقل شأناً، ومن بعدهم سيرة عليّ بن أبي طالب الأقلّ سهماً من الجميع لتضافر الخلفاء ضدّه..
هذه العله وغيرها ممّا يضيق بشرحها المجال، هي التي جعلت سيرة الشيخين منهجاً للخلفاء في العهدين الأُموي والعبّاسي.
ولو لاحظت كلام معاوية ويزيد وغيرهما من خلفاء بني أُميّة وبني العبّاس، لعرفت أنهم مؤكّدون على أثرهما، متّبعون لأمرهما، غير متناسين لسيرة عثمان!! تاركين سيرة عليّ!!
فقد جاء في جواب معاوية لمحمّد بن أبي بكر قوله:
"فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّ حقّه جأي حقّ عليّج وخالفه في أمره، على ذلك اتّفقا واتّسقا، ثمّ إنّهما دعواه إلى بيعتهما، فأبطا عنهما وتلكّأ عليهما، فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم(1)..
|
____________
1- قد يومئ قوله هذا إلى: إرادتهم قتله ; كما سنوضّحه لاحقاً في رقم (6) ـ تقنين أساليب غير مشروعة / الغيلة.
فخذ حذرك يابن أبي بكر! وقِس شبرك بفترك، يقصر عنه أن توازي وتساوي من يزن الجبال بحلمه، لا يلين عنه قسر قناته، ولا يدرك ذو مقال أناته، أبوك مهّد مهاده، وبنى ملكه وشاده، فإن يكن ما نحن فيه صواباً، فأبوك استبدّ به ونحن شركاؤه، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب، ولسلّمنا إليه، ولكنّا أباك فعل ذلك به من قَبْلنا، فأخذنا بمثله، فعِب أباك بما بدا لك، أو دَعْ ذلك، والسلام على من أناب"(1).
|
وروى البلاذري ما كتبه يزيد بن معاوية في جواب عبدالله بن عمر، لمّا اعترض عليه بقتل الحسين:
"أما بعد، يا أحمق! فإنا جئنا إلى بيوت مجدّدة، وفُرش ممهّدة، ووسائد منضّدة، فقاتلنا عنها، فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا، وإن يكن الحق لغيرنا فأبوك أول من سنّ هذا واستأثر بالحق على أهله " |
وكمثال تطبيقي على ما قلنا، نرى سياسة معاوية في الموالي نفسها التي انتهجها عمر بن الخطّاب في معهم، فقد جاء في
____________
1- جمهرة رسائل العرب 1: 477 عن مروج الذهب 2: 600، شرح نهج البلاغة 3: 190.
"وانظر إلى الموالي ومن أسلم من الأعاجم، فخذهم بسُنّة عمر بن الخطّاب، فإنّ ذلك خزيهم وذلّهم، أن تنكح العرب فيهم ولا ينكحهم...".
|
وهكذا أصبحت سيرة الشيخين سُنّة تتبع في الحديث(1)والفقه(2) والسياسة(3).
قال المسعودي: وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبدالله في حصره بني هاشم في الشعب وجمعه الحطب ليحرقهم، ويقول:
إنّما أراد بذلك ألاّ تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة فتكون واحدة كما فعل عمر بن الخطّاب ببني هاشم لمّا تأخّروا عن بيعة أبي بكر، فإنّه أحضر الحطب ليحرّق عليهم |
____________
1- إذ حدّد عثمان ومعاوية التحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) " في ما عُمل به على عهد عمر ". انظر: الطبقات الكبرى 2: 336، كنز العمّال 1: 291، تاريخ دمشق 3: 160.
2- فمثلاً جاء عن مروان بن الحكم قوله: إنّ عمر بن الخطّاب لمّا طُعن استشارهم في الجدّ، فقال: إنيّ رأيت في الجدّ رأياً، فإن رأيتم أن تتّبعوه فاتّبعوه، فقال عثمان: إن تتّبع رأيك فهو رشد، وإن نتّبع رأي الشيخ من قبلك فنعم ذو الرأي كان.
انظر: المستدرك على الصحيحين 4: 340.
3- كما مرّ في كلام معاوية ويزيد آنفاً.
الدار(1).
|
بعد هذا لا غرابة في أن نقول: إنّ هناك اتّجاهاً قد حدث بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشرّع المواقف ويجعلها أُصولاً يُسار عليها في الحياة بجنب الكتاب والسُنّة، وقد اتّسع هذا الاتّجاه شيئاً فشيئاً حتّى وصل بالأُمة إلى أن ترجّح قول الخلفاء حتّى على قول الله ورسوله، أو تخصيصهما بفعل الصحابي ; بدعوى أنّهم عرفوا ملاكات الأحكام وروح التشريع وما شابه ذلك.
والانكى من ذلك ما قاله الصاوي في لزوم التعبد باقوال ائمّة المذاهب الاربعة ولو خالف الكتاب العزيز والسنة المطهرة الصحيحة فقال "ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قولَ الصحابة، والحديثَ الصحيح، والآية، فالخارجُ عن المذاهب الأربعة ضالٌّ مضلٌّ، وربّما أدّاه ذلك للكفر، لأنّ الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر"(2)
والطريف في الأمر هو أن أنصار هذا الاتجاه وإن كانوا يتّخذون مواقف الخلفاء أُصولاً في الحياة والتشريع، لكنّهم في الوقت نفسه يسمحون لأنفسهم بترجيح رأي أحدهم على
____________
1- مروج الذهب 3: 86 طـ الميمنية، وانظر: شرح نهج البلاغة 20: 147.
2- حاشية الصاوي على تفسير الجلالين 3: 10 طـ دار احياء التراث العربي، وقد رد الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي القاضي الأول بالمحكمة الشرعية بدولة قطر على كلام الصاوي في كتاب أسماه (تنزيه السنة والقرآن عن كونهما مصدر الضلال والكفران) هذا ما قاله العلاّمة الخليلي مفتي سلطنة عمان في كتابه الحق الدامغ: 10.
ولتحقيق ما قلنا من تأثر الخلفاء من أتباع الاجتهاد بالموروث القديم، وانعكاسه سلباً على الحديث النبوي وسُنّته الشريفة، كان لابُدّ لنا من استعراض في بعض الشواهد الشاخصة في هذا المجال، لمعرفة مدى قربها أو بُعدها عن مواقف وثوابت الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكيفية الجمع والتفريق بينهما، وأوّل شاخص يطالعنا في ذلك هو:
1 ـ الاهتمام بالحفظ والنسب:
المعروف عن عقلية العرب في الجزيرة أنّها كانت تعتمد على حافظتها ـ في حفظ أشعارها وآثارها ومآثرها ـ وترغب عن التدوين، ولا تعتمده ; ومن شواهده: أنّا نرى وصول جمهرة عظيمة من قصائدهم التي تحمل لغتهم وثقافة حروبهم وصُلحهم وجميع جوانب حياتهم، وفي المقابل نلحظ عدم وصول شيء يوازي ذلك من خطبهم و...
وما ذلك إلاّ لأن الشعر سهل الحفظ والتناول، بعكس الخطب التي يصعب حفظها، ولمّا لم تكن مدوّنة فقد ضاع أغلبها ولم يصل إلينا إلاّ النزر اليسير.
وفي هذه الفترة نرى أنّ أبا بكر كان معدوداً من العالِمين بأنساب العرب، لِما روته عائشة عن أبيها أنّه كان أعلم قريش بأنسابها(1).
وقال ابن إسحاق في السيرة الكبرى:
وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بما كان منها من خير أو شرّ(2).
|
وممّا يتبع علم النسب هو السَبّاب ; لأنّهم كانوا يتعلّمون النسب للمفاخرة والمنافرة وبيان مثالب الآخرين.
____________
1- الأنساب ـ للسمعاني ـ 1: 22.
2- السير والمغازي: 140. وانظر: الأنساب ـ للسمعاني ـ 1: 22 ح 11، والتبيين في أنساب القرشيّين: 209.