السبب الذي أُمروا بمودّته، ونقلوا البناء عن رصّ أساسه، فبنوه في غير موضعه..."(1).
|
وقد وضّح عمر بن الخطّاب بعض معالم ذلك الأمر في نقاش له مع ابن عبّاس، قال فيه عمر: أتدري يا بن عبّاس ما منع الناس منكم؟
قال: لا يا أمير المؤمنين.
قال: لكني أدري.
قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟
قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجخِفوا الناس جَخْفاً، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت، ووفقت فأصابت.
قال ابن عبّاس: أيميط أمير المؤمنين عنّي غضبه فيسمع؟!
قال: قل ما تشاء.
قال: أما قول أمير المؤمنين: "إنّ قريشاً كرهت"، فإنّ الله تعالى قال لقوم: { ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَـلَهُمْ }(2).
وأمّا قولك: "إنّا كنّا نجخف"، فلو جَخَفْنا بالخلافة جَخَفْنا بالقرابة، ولكنا قوم أخلاقنا مشتقّة من خُلُق رسول الله الذي
____________
1- نهج البلاغة: خطبة 150، شرح نهج البلاغة 9: 132.
2- سورة محمّد 47: 9.
وأما قولك: "فإنّ قريشاً اختارت"، فإنّ الله يقول: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ }(3).
وقد علمتَ يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خلقه ذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفّقت وأصابت.
قال عمر: على رِسلك يا بن عبّاس! أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غِشّاً في أمر قر يش لا يزول، وحقداً عليها لا يحول.
فقال ابن عبّاس: مهلاً يا أمير المؤمنين! لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغشّ، فإنّ قلوبهم من قلب رسول الله الذي طهّره الله وزكّاه، وهم أهل البيت الذين قال الله فيهم:
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }(4).
وأما الحقد، فكيف لا يحقد من غُصب شيؤه، ويراه في يد غيره؟!
____________
1- سورة القلم 68: 4.
2- سورة الشعراء 26: 215.
3- القصص 28: 68.
4- سورة الأحزاب 33: 33.
فقال: وما هو يا أمير المؤمنين؟! أخبرني به، فإن يك باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه، وإن يك حقّاً فإنّ منزلتي عندك لا تزول به!
قال: بلغني أنك لا تزال تقول: "أُخذ هذا الأمر منّا حسداً وظلماً".
قال جابن عبّاسج: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: "حسداً"، فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنة، فنحن بنو آدم المحسودون.
وأمّا قولك: "ظلماً"، فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحقّ من هو!!
ثمّ قال: يا أمير المؤمنين! ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول الله، واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله؟! فنحن أحقّ برسول الله من سائر قريش.
فقال له عمر: قم الآن فارجع إلى منزلك.
فقام، فلمّا ولّى هتف به عمر: أيها المنصرف! إني على ما كان منك لراع حقَّك!
فالتفت ابن عباس فقال: إن لي عليك يا أمير المؤمنين وعلى المسلمين حقّاً لرسول الله، فمن حفظه فحقَّ نفسه حفظ، ومن أضاعه فحقّ نفسه أضاع ; ثمّ مضى.
فقال عمر لجلسائه: واهاً لابن عبّاس! ما رأيته لاحى (نازع)
ودوّن الإمام عليّ (عليه السلام) نظرته الثاقبة، وشرح طراز تفكير قريش في رسالته إلى أبي بكر التي يقول فيها:
"... إني لصاحبكم بالأمس، لعَمْرُ أبي لن تحبّوا أن تكون فينا الخلافة والنبوّة وأنتم تذكرون أحقاد بدر وثارات أُحد. أما والله لو قلت ما سبق من الله فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوّارة الرحى، فإن نطقتُ تقولون: حسداً، وإن سكتُّ فيقال: جزع ابن أبي طالب من الموت، هيهات هيهات"(2).
|
نعم، إنّ رؤساء العرب ـ والقرشيّون منهم خاصّة ـ كانوا ينظرون إلى الخلافة كأداة حكم (زعامة)، ولم ينظروا إلى كونها مكانة روحية معنوية تُمْنح بأمر من الله لمن هو أهل لها، وقد مرّ عليك ما يفي بأنّهم لم يعرفوا الرسول حقّ معرفته، وأنّهم كانوا يتعاملون معه وكأنّه شخص عاديّ يصيب ويخطئ، ويقول في الغضب ما لا يقول في الرضا، فهؤلاء كانوا لا يستقبحون الوصول إلى الهدف حتّى لو
____________
1- شرح نهج البلاغة 12: 53 ـ 55، تاريخ الطبري 5: 30، قصص العرب 2:2363، الكامل في التاريخ 3:263 و 288.
2- الاحتجاج 1: 95، وفي طبعة النجف الأشرف 1: 127 ـ 130.
6 ـ تقنين أساليب غير مشروعة:
أ ـ الغيلة.
ب ـ الإكراه.
ج ـ الحرق.
د ـ التطميع والرشوة.
أ ـ الغيلة:
هي طريقة من طرق المكر والخداع، وقد اتّخذتها الجاهلية منهجاً للإطاحة بأعدائها، لكنّ الإسلام لم يرتض هذا الأُسلوب، بل عارضه أشدّ المعارضة، فقد جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه حينما قتل المغيرة بن شعبة ثلاثة عشر نفساً من بني مالك غدراً، وجاء بأموالهم للنبيّ ليخمّسها، قال له (صلى الله عليه وآله):
أما إسلامك فنقبله، ولا نأخذ من أموالهم شيئاً ولا نخمّسها، لأن هذا غدر، والغدر لا خير فيه(1).
|
وجاء عن خالد بن الوليد أنّه طلب من بني جذيمة وضع السلاح، فلمّا وضعوه، أمر بهم أن يكتّفوا، ثمّ عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله رفع (صلى الله عليه وآله) يديه إلى السماء قائلاً:
____________
1- الأغاني 16: 82.
اللّهمّ إني أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد(1).
|
وقد اعترض عبدالرحمن بن عوف على خالد بقوله: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام.
ومثله فِعلة خالد بقوم مالك بن نويرة، إذ غشيهم ليلاً فأخذ القوم السلاح.
"قال: فقلنا: إنا لمسلمون.
فقالوا: ونحن المسلمون.
قلنا: فما بال السلاح معكم؟!
قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟!
قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح..."(2) إلى آخر الخبر.
وكرّر خالد ـ ناصر الخليفة الأوّل ـ!! غدره وسفكه عند فتح مكّة، فقد قال النبيّ له وللزبير: لا تقاتلا إلاّ من قاتلكما ; ولكنّ خالداً قاتل وقتل نيفاً وعشرين رجلاً من قريش، وأربعة نفر من هذيل، فدخل رسول الله مكة فرأى امرأة مقتولة، فسأل حنظلة الكاتب: من قتلها؟! قال: خالد بن الوليد ; فأمره أن
____________
1- صحيح البخاري 5: 321 ح 339 كتاب المغازي / باب بعث النبيّ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، قال أبو عمر في "الاستيعاب": وخبره بذلك من صحيح الأثر، أُسد الغابة 3: 102، تاريخ أبي الفداء 1: 145، البداية والنهاية 4: 251 حوادث السنة 8 هـ، وغيرها ; وانظر: الغدير 7: 168.
2- تاريخ الطبري 2: 273 حوادث سنة 11 هـ، أُسد الغابة 4: 277.
وعلى هذا النهج قُتل سعد بن عبادة في الشام غيلة، بأمر من أبي بكر أو عمر، ثمّ ادّعوا بأن الجنّ قتلته، لأنّه بال قائماً(2)، حتّى قال الشاعر(3):
| يقولون سعدٌ شكّت الجنّ قلبَهْ | ألا ربّما صحّحت دينَك بالغَدْرَ |
| وما ذنب سعد أنه بال قائماً | ولكنّ سعداً لم يبايع أبا بكرِ |
| وقد صَبَرَتْ عن لذّةِ العيشِ أنفسٌ | وما صبرَتْ عن لذّةِ النهي والأمرِ |
ممّا لا ريب فيه إذا أنّ الغيلة كانت سجيّة بعض العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، وقد جاء عنهم أنّهم جدّوا ليغتالوا النبيّ في حياته، تارة في بداية الدعوة، عندما بات الإمام عليّ (عليه السلام) على فراشه (صلى الله عليه وآله)، وخرج الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى يثرب، وتارة في أُخريات حياته المباركة لمّا رجع من تبوك إلى المدينة!
أما الواقعة الأُولى فهي مشهورة ولا تحتاج إلى إشارة أو
____________
1- عبقرية عمر بن الخطّاب ـ: 226.
2- انظر: العقد الفريد 5: 13 ـ 14، شرح نهج البلاغة 17: 223، أنساب الأشراف 2: 272، الوافي بالوفيات 15: 152، وانظر أيضاً: الاستيعاب 2: 599، أُسد الغابة 2: 206، سير أعلام النبلاء 1: 278، البداية والنهاية 7: 28، وأنظر أيضاً: الاستيعاب 2: 599، أُسد الغابة 2 / سير أعلام النبلاء 1: 278، البداية والنهاية 7: 28.
3- شرح نهج البلاغة 10: 111.
وأما الثانية فقد نقلها ابن كثير في تفسيره عن البيهقي في دلائل النبوّة، عن حذيفة بن اليمان، قال: كنت أخذاً بخطام ناقة رسول الله أقود به، وعمّار يسوق الناقة ـ أو أنا أسوقه وعمّار يقوده ـ، حتّى إذا كنا بالعقبة، فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها، قال: فانتهرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وصرخ بهم فولّوا مدبرين، فقال لنا رسول الله: هل عرفتم القوم؟!
قلنا: لا يا رسول الله، وقد كانوا متلّثمين، ولكنّا عرفنا الركاب.
قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟!
قلنا: لا.
قال: أرادوا أن يزاحموا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العقبة فيلقوه منها.
قلنا: يا رسول الله! أفلا نبعث إلى عشائرهم حتّى يبعث إليك كلّ قوم برأس صاحبهم؟!
قال: لا، أكره أن تتحدّث العرب بينها أنّ محمّداً قاتل بقوم حتّى إذا أظهره الله بهم، أقبل عليهم يقتلهم..
ثمّ قال: اللّهمّ ارمهم بالدبيلة.
قلنا: يا رسول الله! وما الدبيلة؟!
قال: شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك(1).
____________
1- تفسير في كثير 2: 604 (طـ دار إحياء التراث العربي / بيروت 1405 هـ).
هذا، وقد حاول ابن حزم الأندلسي أن يدافع عمّا نسب إلى الشيخين من أنهما اشتركا في محاولة قتل رسول الله في العقبة ضمن دفاعاته عن الصحابة ; فقال:
... وأمّا حديث حذيفة فساقط، لأنّه من طريق الوليد بن جميع، وهو هالك، ولا نراه يعلم مَن وضعَ الحديث، فإنه قد روى أخباراً، منها: أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقّاص رضي الله عنهم أرادوا قتل النبيّ وإلقاءَه من العقبة في تبوك، وهذا هو الكذب الموضوع الذي يطعن الله تعالى واضعه، فسقط |
____________
1- سيرة ابن هشام 4: 163، صحيح البخاري 5: 24، صحيح مسلم 15: 173، المستدرك على الصحيحين 2: 337.
2- تاريخ اليعقوبي 2: 112، تاريخ ابن الخيّاط: 293.
3- تاريخ اليعقوبي 2: 112.
التعلّق به والحمد لله ربّ العالمين(1).
|
ونحن لا نريد تصحيح خبر حذيفة أو تضعيفه، بل نذكر شيئاً عن الوليد بن جميع، وبعض الأخبار الأُخرى في القضية، وللمنصف أن يحكم بصحّة قول ابن حزم وخطأه.
فقد ذكر الذهبيُّ الوليدَ بن جميع في ميزان الاعتدال فقال: الوليد بن جميع هو ابن عبدالله بن جميع الزهري الكوفي، جروىج عن أبي الطفيل، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، و جروىج عنه يحيى جبن سعيدج القطّان، وأبو أحمد الزبيري، وجماعة. وثّقه ابن معين، والعجلي، وقال أحمد وأبو زُرعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث...(2).
|
ونقل أبو حاتم عن الصيرفي قوله: كان يحيى بن سعيد لا يحدّثنا عن الوليد بن جميع، فلمّا كان قبل موته بقليل حدّثنا عنه(3)..
وعن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنه قال: الوليد
____________
1- المحلّى 11: 224.
2- ميزان الاعتدال 4: 337 رقم 9362.
3- الجرح والتعديل 9: 8.
وذكر ابن عبدالبرّ في الاستيعاب: أن عمر كان يسأل حذيفة عن المنافقين وهو معروف في الصحابة بصاحب سرّ رسول الله، وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهم ; فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر، وكان حذيفة يقول: خيّرني رسول الله بين الهجرة والنصرة، فاخترت النصرة، وهو حليف للأنصار لبني عبدالأشهل(4).
وجاء في مختصر تاريخ دمشق: قال حذيفة: مرّ بي عمر بن الخطّاب وأنا جالس في المسجد، فقال لي: يا حذيفة! إن فلاناً قد مات(5) فاشهده.
قال: ثمّ مضى حتّى إذا كاد أن يخرج من المسجد التفت إليَّ فرآني وأنا جالس فعرف، فرجع إليّ فقال: يا حذيفة! أنشدك الله
____________
1- الجرح والتعديل 9: 8.
2- الإصابة 1: 454.
3- البداية والنهاية 4: 362 و 5: 310 و 6: 225.
4- الاستيعاب ـ بهامش الإصابة ـ 1: 277.
5- وأنت تعلم بأنّ الذي مات في زمن عمر وحذيفة هو أبو بكر، وإنّ إعلام عمر حذيفة بقوله: "يا حذيفة! إنّ فلاناً قد مات" يدلّ على عَلَمية ذلك الشخص، وهو ممّن يرجى حضور حذيفة جنازته، وقد ذكر ابن حزم بعدم صلاة حذيفة على أبي بكر! انظر: المحلّى 11: 225.
قال: قلت: اللهمّ لا، ولن أُبرّئ أحداً بعدك.
قال: فرأيتُ عينَي عمر جاءتا(1).
وجاء في الأنساب للسمعاني، والاحتجاج للطبرسي بأنّ القوم دبّروا مؤامرة قتل عليّ بن أبي طالب بعد أن اعترض على أبي بكر بغصب الخلافة وفدك.
فجاء في الاحتجاج أن أبا بكر قال لعمر: أما رأيت مجلس عليٍّ منّا في هذا اليوم؟! والله لئن قعد مقعداً آخر مثله ليفسدنّ علينا أمرنا، فما الرأي؟!
فقال عمر: الرأي أن تأمر بقتله!
قال: فمن يقتله؟!
قال: خالد بن الوليد.
فبعثوا إلى خالد، فأتاهما، فقالا: نريد أن نحملك على أمر عظيم.
قال: احملاني على ما شئتما، ولو على قتل عليّ بن أبي طالب!!
قالا: فهو ذلك.
قال خالد: متى أقتله.
قال أبو بكر: احضر المسجد، وقم بجنبه في الصلاة، فإذا
____________
1- مختصر تاريخ دمشق ـ لابن عساكر ـ 6: 253.
قال: نعم.
فسمعت أسماء بنت عميس ـ وكانت تحت أبي بكر ـ فقالت لجاريتها: اذهبي إلى منزل عليٍّ وفاطمة واقرئيهما السلام، وقولي لعليٍّ:
{إِنَّ الْمَلاََ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ النَّـصِحِينَ }(1).
فجاءت إلى علي وأخبرته، فقال أمير المؤمنين: إن الله يحول بينهم وبين ما يريدون.
ثمّ قام وتهيأ للصلاة، وحضر المسجد، وصلّى خلف أبي بكر، وخالد بن الوليد يصلّي بجنبه ومعه سيفه.
فلمّا جلس أبو بكر في التشهّد، ندم على ما قال، وخاف الفتنة فلم يزل متفكّراً لا يجسر أن يسلّم، حتّى ظنّ الناس أنّه قد سها، التفت إلى خالد، فقال: يا خالد! لا تفعلنّ ما أمرتك!! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(2).
واستفحلت هذه الطريقة اللئيمة في قمع المعارضين حتّى وصلت في عهد معاوية ذروتها فجاء في تاريخ الطبري: إن عليّاً
____________
1- سورة القصص 28: 20.
2- الاحتجاج 1: 119، وعنه في بحار الانوار 29: 127 ح 27، والنصّ له وانظر: الأنساب ـ للسمعاني ـ 3: 95 ترجمة "يعقوب الرَواجِني".
وقد سقى الطبيب ابن أثال النصراني عبدالرحمن بن خالد بن الوليد السمّ بأمر من معاوية، وذلك لأنّ معاوية حين استشار الناس في من يولّيه الأمرَ من بعده، أشاروا عليه بعبد الرحمن(2).
كما راح من جرّاء هذا الأُسلوب سبط النبيّ (صلى الله عليه وآله) وريحانته الإمام الحسن بن عليّ (عليه السلام) ; إذ تواطأ معاوية مع جعدة بنت الأشعث فسقته السمّ فاستُشهِد، بعد أن كان سُقي السمّ مراراً متعدّدة(3).
واتفق المؤرّخون على أنّ سعد بن أبي وقّاص كان من المعارضين لشتم عليّ (عليه السلام) على المنابر، وأن معاوية ما استقام له ذلك إلاّ بعد موت سعد، وصرّح أبو الفرج الأصفهاني بأنّ معاوية دس إليه وإلى الحسن سماً حين أراد أن يعهد بالأمر
____________
1- تاريخ الطبري 3: 554 (وطـ6: 54)، تاريخ اليعقوبي 2: 194، الإصابة 3: 482، شذرات الذهب 1: 48.
2- أُسد الغابة 3: 289.
3- الاستيعاب 1: 389 ـ 390.
وهكذا نرى أنّ ذوي السلطة من الصحابة لم يتورّعوا عن اتّخاذ الغيلة وسيلة للإطاحة بمخالفيهم، وإن كان ذلك مخالفاً تماماً لتعاليم الدين الإسلامي قرآناً وسُنّةً!! وفي المقابل سنشير لاحقاً بأن أهل البيت لا يرتضون الغيله وحتى غير المعصومين منهم كمسلم بن عقيل فانه لا يرتضي الفتك بعبيد الله بن زياد معللاً بأنّه قصاص قبل الجناية.
ب ـ الإكراه:
لقد كان العنف والتهديد والإكراه من الظواهر الاجتماعية عند عرب الجزيرة آنذاك، وقد انتهجها الجاهليّون في حياتهم نظراً لحالتهم القبلية وتشكيلتهم الاجتماعية ; إذ إنهم كانوا قد اعتمدوا القوّة في حلّ النزاعات المتعلّقة بموراد العيش وتوزيع مناطق الهيمنة والسلطة القبلية، ولم يكونوا يخضعون ـ إلاّ النادر منهم ـ لمنطق السلم والمحاججة بالدليل، وما كتابة الصحيفة ضدّ بني هاشم، وحصرهم في الشِعب، وإيذاؤهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله)، حتّى قال: ما أُوذي نبيّ مثلي قط، وتعذيبهم المستضعفين المعتنقين للإسلام في نَأْنَأتهِ، إلاّ مظهر من مظاهر أُسلوب الإكراه واستخدام القوّة.
إلاّ أنّ الإسلام جاء بما يخالف تلك النزعة الشرّيرة، فأعلن
____________
1- مقاتل الطالبيّين: 73.
ومارس النبيّ (صلى الله عليه وآله) هذا المنهج الإنساني الفطري القويم حتّى في أحلك الظروف. وأشدّها فأطلق أُسارى فتح مكّة قائلاً: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وقبِل منهم ـ ومن غيرهم ـ مجرّد إظهار الشهادتين، وعفا ـ بناءً على ذلك ـ حتّى عن قاتل عمّه حمزة، بل مغتاله، أعني وحشيّاً الحبشي.
ورسم (صلى الله عليه وآله) ـ نظراً لتعاليم السماء ـ منهج الرحمة وحبّ السلم وكراهة الإكراه، فقد صدع حين دخل مكّة فاتحاً منتصراً على ألدّ خصومه بقوله: "من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن " موصياً أصحابه بعدم مقاتلة أحد إلاّ المقاتلين.
هذا، ناهيك عن أنّ دخول المخالفين فكرياً في ذمّة الله ورسوله والمؤمنين نفسه دليل على رفض الإكراه، والدعوة للسلم والحوار ما وجد إلى ذلك سبيلاً.
لكنّ التيّار الحاكم بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) نحا منحىً آخر في هذا المجال، فاتخذ أُسلوب الإكراه طريقاً لإخضاع المخالفين وإرهابهم، وإن كان الآخرون مسالمين، لم يسلّوا سيفاً ولم
____________
1- البقرة 2: 256.
2- الكافرون 109: 6.
3- الكهف 18: 29.
فبعد أن أعلن عليّ بن أبي طالب أنّه صاحب الحقّ بعد الرسول، ورفض مبايعة أبي بكر، واعتزل في بيته، ومعه العبّاس والزبير وفاطمة والحسنان و.. معلناً ما يسمّى اليوم بـ: "الإضراب" السلمي، بعث أبو بكر عمر بن الخطّاب إلى هؤلاء ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبَوا فقاتلهم(1).
وبالفعل، طُبّق قانون الإكراه ; إذ أُخرج عليّ بالقوّة، يُقاد إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش(2)، وسيق سوقاً عنيفاً، وامتلأت شوارع المدينة واجتمع الناس ينظرون(3)، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايعْ.
فقال: إن أنا لم أفعل فمَهْ؟! قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك!
قال: إذاً تقتلون عبدَ الله وأخا رسوله.
وأبو بكر ساكت لا يتكلّم(4).
ولم تقتصر أعمال الإكراه على الممتنعين المذكورين، بل طالت كلّ من يتردّد أو يفكّر بالتوقّف في البيعة(5).
____________
1- العقد الفريد 5: 13، تاريخ أبي الفداء 1: 156.
2- صبح الأعشى 1: 228، شرح نهج البلاغة 3: 407.
3- نهج البلاغة 6: 49، بحار الأنوار 28: 322.
4- الإمامة والسياسة 1: 31.
5- انظر مثلاً: السقيفة وفدك: 46.
وعن عليّ (عليه السلام) ـ لمّا أرادوا قتله ـ قوله ـ متوجّهاً صوب قبر النبيّ ـ: يا {ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى }(2)(3).
ولولا حكمة عليّ (عليه السلام) لاغتيل كما اغتيل سعد بن عبادة، فإن عمر كان قد هدّد سعداً يوم السقيفة بقوله: اقتلوه قتله الله ; ثمّ قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطاك حتّى تندر عضوك(4)، وقد نفّذ تهديده بالفعل، لأنّه لمّا خرج سعد إلى الشام، بعث عمر رجلاً وقال: ادعه إلى البيعة واحتَلْ له، وإن أبى فاستعن بالله عليه ; فقدم الرجلُ الشام، فوجد سعداً في حائط بحوارين، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أُبايع قريشاً أبداً.
قال: فإني أُقاتلك.
قال: وإن قاتلتني.
قال: أفخارجٌ أنت عمّا دخلت فيه الأُمّة؟!
____________
1- شرح نهج البلاغة 1: 134.
2- سورة الأعراف 7: 150.
3- الإمامة والسياسة 1: 13.
4- الإمامة والسياسة 1: 13، تاريخ الطبري 5: 210، مسند أحمد 1: 56.