الصفحة 101
استشعرتها قلوبكم، ولكنّها فيضة النفس، ونفثة الغيظ، وخور القنا(1)، وبثّة الصدر، وتقدمة الحجّة. فدونكموها فاحتقبوها(2)، دبرة(3) الظهر، نقبة(4) الخُفّ، باقية العار، موسومة بغضب الله وشنار الأبد، موصولة بـ {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} (5) فبعين الله ما تفعلون {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} (6). وأنا ابنة نذير لكم بين يديّ عذاب شديد. {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} (7).

فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمّان، فقال: يا ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً، رؤوفاً رحيماً، وعلى الكافرين عذاباً أليماً، وعقاباً عظيماً، فإن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخاً لبعلك دون الأخلاّء، آثره على كلّ حميم، وساعده في كلّ أمر جسيم. لا يحبّكم إلاّ كلّ سعيد، ولا يبغضكم إلاّ كلّ شقيّ، فأنتم عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الطيّبون، والخيرة المنتجبون، على الخير أدلّتنا، وإلى الجنّة مسالكنا. وأنتِ يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة

____________

(1) الخور: الضعف. والقنا: الرمح.

والمراد هنا ضعف النفس عن الصبر على الشدّة.

(2) أي، احملوها على ظهوركم.

(3) الدبر ـ بالتحريك ـ: الجرح في ظهر البعير.

(4) نقب خفّ البعير: رقّ وتثقّب.

(5) الهمزة: 6 و 7.

(6) الشعراء: 227.

(7) هود: 121 و 122.


الصفحة 102
عن حقّك، ولا مصدودة عن صدقك، ووالله، ما عدوت رأي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولا عملت إلاّ بإذنه، وإنّ الرائد لا يكذّب أهله، وإنّي اُشهد الله وكفى به شهيداً; إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة، ولا داراً ولا عقاراً، وإنّما نورث الكتب، والحكمة والعلم والنبوّة، وما كان لنا من طعمة فلوليّ الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه". وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل به المسلمون ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة، ثمّ الفجّار، وذلك بإجماع من المسلمين، لم أتفرّد به وحدي، ولم أستبدّ بما كان الرأي فيه عندي. وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك لا نزوي عنك، ولا ندّخر دونك، وأنتِ سيّدة اُمّة أبيكِ، والشجرة الطيّبة لبنيك، لا يدفع مالكِ من فضلك، ولا يوضع من فرعكِ وأصلكِ، حكمكِ نافذ فيما ملكت يداي، فهل ترين أن أُخالف في ذلك أباكِ (صلّى الله عليه وآله)؟! فقالت (عليها السلام):

سبحان الله! ما كان [أبي] رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن كتاب الله صارفاً(1)، ولا لأحكامه مخالفاً، بل كان يتّبع أثره، ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور؟! وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكماً عدلاً، وناطقاً فصلاً، يقول: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} (2) {وَوَرثَ سُلَيمانُ دَاوُدَ} (3) فبيّن عزّ وجلّ فيما وزّع عليه من الأقساط، وشرّع من الفرائض والميراث، وأباح من حظّ الذكران والإناث ما أزاح

____________

(1) أي، معرضاً.

(2) مريم: 6.

(3) النمل: 16.


الصفحة 103
به علّة المبطلين، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين، كلاّ! {بَل سَوَّلَت لَكُم أنفُسُكُم أمراً فصبَرٌ جَميلٌ والله المستعانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (1).

فقال أبو بكر: صدق الله وصدق رسوله وصدقت ابنته، أنتِ معدن الحكمة، وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجّة، لا اُبعد صوابك، ولا اُنكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلّدوني ما تقلّدت، وباتّفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر ولا مستبدّ، ولا مستأثر، وهم بذلك شهود. فالتفتت فاطمة (عليها السلام) إلى الناس، وقالت:

معاشر الناس،(2) المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر {أفَلا يَتَدَبّرُون القُرآنَ أم عَلَى قُلُوبِ أقفالُها} (3)، كلا، بل رانَ عَلَى قُلُوبكم ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأوّلتم، وساء ما به أشرتم، وشرّ ما منه اعتضتم(4)، لتجدنّ والله محمله ثقيلاً، وغبّه(5) وبيلاً إذا كشف لكم الغطاء، وبان ما وراءه الضرّاء، {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} (6) {وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} (7).

ثمّ عطفت على قبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقالت:

____________

(1) يوسف: 18.

(2) في المصدر: المسلمين.

(3) محمّد: 24.

(4) أي، ساء ما أخذتم منه عوضاً عمّا تركتم.

(5) أي، عاقبته.

(6) الزمر: 47.

(7) غافر: 78.


الصفحة 104

قد كان بعدك أنباء وهنبثةلو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلهاواختلّ قومك فاشهدهم وقد نكبوا
وكلّ أهل له قربى ومنزلةعند الإله على الأدنين مقترب
أبدت رجال لنا نجوى صدورهملمّا مضيت وحالت دونك التُرب
تجهّمتنا رجال واستخفّ بنالمّا فقدت وكلّ الأرض مغتصب
وكنت بدراً ونوراً يستضاء بهعليك تنزل من ذي العزّة الكتب
وكان جبريل بالآيات يؤنسنافقد فقدت فكلّ الخير محتجب
فليت قبلك كان الموت صادفنالمّا مضيت وحالت دونك الكثب
إنّا رُزينا بما لم يُرزَ ذو شجنمن البريّة لا عجم ولا عرب

ثمّ انكفأت (عليها السلام) ـ وأمير المؤمنين (عليه السلام) يتوقّع رجوعها إليه، ويتطلّع طلوعها عليه ـ فلمّا استقرّت بها الدار، قالت لأمير المؤمنين (عليه السلام):

يابن أبي طالب (عليه السلام)؟ اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحيلة أبي وبلغة ابنيّ، لقد أجهر(1) في خصامي، وألفيته ألدّ في كلامي، حتّى حبستني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضّت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدتُ راغمة، أضرعت خدّك يوم أضعت حدّك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلاً، ولا أغنيت طائلاً، ولا خيار لي. ليتني متُّ قبل هنيئتي! ودون ذلّتي، عذيري الله منه(2) عادياً، ومنك حامياً، ويلاي! في كلّ شارق، [ويلاي في كلّ غارب]! مات العَمَدُ، ووهت العضد، شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربّي،

____________

(1) في المصدر: أجهد.

(2) في البحار: منك.


الصفحة 105
اللّهمَّ أنت أشدّ(1) قوّةً وحولاً، وأحدّ(2) بأساً وتنكيلاً. فقال أميرالمؤمنين (عليه السلام):

لا ويل عليك(3)، الويل لشانئكِ، نهنهي عن وجدكِ يابنة الصفوة، وبقيّة النبوّة، فما ونيت عن ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما اُعدّ لكِ أفضل ممّا قطع عنك، فاحتسبي الله. فقالت: حسبي الله، وأمسكت.(4)

أقول: ولأهميّة وحيويّة هذا الموضوع ـ أعني ظلامة الزهراء (عليها السلام) في فدك ـ فقد تناوله العلماء الأعلام والفضلاء الكرام ـ قديماً وحديثاً ـ بالدرس والتحليل، وأفردوا له كتباً عديدة ورسائل جمّة، نذكر منهم:

1- كتاب فدك، لأبي إسحاق، إبراهيم الثقفي، المتوفّى 283 هـ.

2 ـ فدك أو رسالة في قصة فدك، لجعفر بن بكير بن جعفر الخياط.

3 ـ كتاب فدك، والكلام فيه للشيخ المتكلّم، طاهر، غلام أبي الجيش، الّذي عدّه ابن النديم من متكلّمي الشيعة.

4 ـ كتاب فدك، لعبد الرحمان بن كثير الهاشمي.

5 ـ كتاب فدك، لأبي طالب، عبيد الله بن أبي زيد، أحمد بن يعقوب بن نصر

____________

(1) في المصدر: اللّهمّ إنّك أشدّ منهم.

(2) في المصدر: وأشدّ.

(3) في المصدر: لك.

(4) الاحتجاج: 1/131-145 (ط.النجف)، عنه البحار: 29/220 ح8.

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الخطبة الغرّاء مرويّة بألفاظ مختلفة وأسانيد عدّة ـ كما تقدّم-وقد اقتصرنا على رواية الطبرسي لشموليّتها روماً للاختصار، ودفعاً للتكرار. وقد ذكر شيخنا الأميني في موسوعة الغدير: 7/192 جملة من مصادر الخطبة، فراجع.


الصفحة 106
الأنباري، المتوفّى سنة 356 هـ.

6- رسالة فدك، للسيّد عليّ بن دلدار، عليّ الرضوي، النصير آبادي، المتوفّى سنة 1259 هـ.

7- كتاب فدك، لأبي الجيش، مظفر بن محمّد بن أحمد، البلخي، الخراساني، المتكلّم المشهور، المتوفّى سنة 367 هـ.

8- كتاب فدك، لأبي الحسين، يحيى بن زكريا النرماشيري.

9- فدك في التاريخ، للسيّد الشهيد، محمّد باقر الصدر.

10- كتاب فدك والخمس، للسيّد الشريف، أبي محمّد الأطروش، الحسن بن عليّ بن الحسن بن عمر بن عليّ السجّاد (عليه السلام).

11 ـ كتاب كلام فاطمة (عليها السلام) في فدك، لأبي الفرج، عليّ بن الحسين الأصفهاني، صاحب كتاب الأغاني.

12 ـ هدي الملّة إلى أنّ فدك من النحلة، للسيّد حسن بن الحاج آقا مير الموسوي الحائري، ألّفه سنة 1352.(1)

____________

(1) راجع الذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرگ الطهراني: ج 16 / 129، وج 18 / 109، وج 25 / 203.


الصفحة 107

الصفحة 108

خطبة اُخرى لفاطمة الزهراء (عليها السلام) في شأن فدك


1- الأمالي للشيخ الطوسي.

قال: هذا حديث وجدته بخطّ بعض المشايخ "رحمهم الله" ذكر أنّه وجده في كتاب لأبي غانم المعلّم، الأعرج، وكان مسكنه بباب الشعير، وجد بخطّه على ظهر كتاب له حين مات، وهو: إنّ عائشة بنت طلحة(1) دخلت على فاطمة (عليها السلام) فرأتها باكية، فقالت لها: بأبي أنتِ وأُمّي، ما الّذي يبكيك؟ فقالت لها صلوات الله عليها:

أسائلتي عن هنة حلّق بها الطائر، وحفي بها السائر، ورفع إلى السماء أثراً، ورزئت في الأرض خبراً، أنّ قحيف تيم، واُحيوك عديّ جاريا أبا الحسن في السباق، حتّى إذا تقرّبا بالخناق، أسرّا له الشنآن وطوياه الإعلان; فلمّا خبأ نور الدين، وقبض النبيّ الأمين، نطقا بفورهما، ونفثا بسورهما، وأدالا بفدك، فيا لها لمن ملك، تلك أنّها عطيّة الربّ الأعلى للنجيّ

____________

(1) أقول: الحديث مرسل ـ كما ترى ـ رواه شيخ الطائفة على ما وجده، وهو لا يخلو من سقط أو تصحيف، فعائشة بنت طلحة بن عبيد الله التميمية هي بنت أُمّ كلثوم، أخت عائشة بنت أبي بكر، وهي تروي عن خالتها عائشة، وبقيت إلى قريب من سنة 110هـ بالمدينة، ويستبعد روايتها بالمباشرة عن سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام). فضلاً عن دخولها عليها.... فتدبّر.


الصفحة 109
الأوفى، ولقد نحلنيها للصبية السواغب من نجله ونسلي، وإنّها ليعلم الله وشهادة أمينه، فإن انتزعا منّي البلغة، ومنعاني اللمظة، واحتسبتها يوم الحشر زلفة، وليجدنّها آكلوها ساعرة حميم، في لظى جحيم.(1)

____________

(1) الأمالي: 1/204 ح350، وأورده عليّ أكبر محلاتي في رياحين الشريعة:2/41، عنهما كتاب فاطمة بهجة قلب المصطفى (صلّى الله عليه وآله) :283ح42.


الصفحة 110

الردّّ اللاّذع لأبي بكر على فاطمة الزهراء (عليها السلام)


ذكرت جملة من المصادر الردّ اللاذع الذي تفوه به الأوّل إعتراضاً على سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (عليها السلام)، منها:

1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي.

ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي، ضمن كلامه في فدك السير والأخبار.

الفصل الأوّل: فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم، لامن كتب الشيعة ورجالهم، لأنّا مشترطون على أنفسنا ألا نحفل بذلك، وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفدك، وما وقع من الاختلاف والاضطراب عقب وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) وأبو بكر هذا عالم محدّث، كثير الأدب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون، ورووا عنه مصنفاته....

قال أبو بكر: وحدّثني محمّد بن زكريا، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد ابن عمارة، بالإسناد الأوّل، قال: فلمّا سمع أبو بكر خطبتها، شقّ عليه مقالتها، فصعد المنبر وقال: أيّها الناس ما هذه الرعة إلى كلّ قالة! أين كانت هذه الأماني في عهد

الصفحة 111
رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلّم، إنّما هو ثعالة شهيده ذنبه، مُربّ لكلّ فتنة، هو الّذي يقول: كرّوها جذعة بعدما هرمت، يستعينون بالضعفة، ويستنصرون بالنساء، كأُمّ طحال أحبّ أهلها إليها البغي!! ألا إنّي لو أشاء أن أقول لقلتُ، ولو قلتُ لبحت، إنّي ساكت ما تركت. ثمّ التفت إلى الأنصار، فقال: قد بلغني يا معشر الأنصار، مقالة سفهائكم، وأحقّ من لزم عهد رسول (صلّى الله عليه وآله) أنتم، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم، ألا إنّي لست باسطاً يداً ولا لساناً على من لم يستحقّ ذلك منّا. ثمّ نزل، فانصرفت فاطمة (عليها السلام) إلى منزلها. قلت ـ يعني ابن أبي الحديد ـ: قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر ابن يحيى بن أبي زيد البصري، وقلت له: بمن يُعرّض؟ فقال: بل يصرّح. قلت: لو صرّح لم أسألك. فضحك، وقال: بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)! قلت: هذا الكلام كلّه لعليّ يقوله؟ قال: نعم، إنّه الملك يا بنيّ! قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر عليّ، فخاف من اضطراب الأمر عليهم فنهاهم. فسألته عن غريبه، فقال: أمّا الرعة ـ بالتخفيف ـ أي، الاستماع والإصغاء. والقالة: القول. وثعالة: اسم الثعلب، علم غير مصروف، ومثل ذؤالة للذئب. وشهيده ذنبه: أي، لا شاهد له على ما يدّعي إلاّ بعضه وجزء منه، وأصله مثل، وقالوا: إنّ الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب، فقال: إنّه قد أكل الشاة الّتي كنت قد أعددتها لنفسك، وكنت حاضراً. قال: فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذنبه وعليه دم، وكان الأسد قد افتقد الشاة، فقبل شهادته،

الصفحة 112
وقتل الذئب. ومُربّ: ملازم، أربّ بالمكان. وكرّوها جذعة: أعيدوها إلى الحال الاُولى، يعني الفتنة والهرج. واُمّ طحال: امرأة بغيّ في الجاهلية، ويضرب بها المثل، فيقال: أزنى من اُمّ طحال.(1)

أقول: الإستبداد والظلم والطغيان يجرّ صاحبه عن جادّة الحقّ المبين ويفحمه في زمرة الجهل المشين، فهذا الأوّل يشّبه أميرالمؤمنين (عليه السلام) ـ الّذي قال فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) "اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار"، وغيره من النصوص المتواترة القطعيّة - بما ذكره من تعأبير تكشف عن جاهليته وسوئه، وكذلك تشبيهه بضعة المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وروحه الّتي بين جنبيه، وثمّرة فؤاده، وفلذة كبده بما صوّره من ذنب الثعلب!! فإلى الله ورسوله المشتكى; وبعد هذا كلّه، وقد بلغوا قمّة الصلف والتجبّر، ومنتهى العتوّ والجرأة على الله ورسوله، ترى فهل يمنعهم مانع أو يردعهم شيء عن ارتكاب الجرائم البشعة بحقّ فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟! من احراق باب دارها، وكسر ضلعها، وإسقاط جنينها وما إلى ذلك؟ ولك أخي القارىء أن تجيب وتنصف!

____________

(1) شرح النهج: 16/214-215.


الصفحة 113

الصفحة 114

ردّ اُمّ سلمة (رضي الله عنها) على خطبة أبي بكر


1- الدرّ النظيم للشيخ جمال الدين الشامي.

قال بعد خطبة فاطمة (عليها السلام) في المسجد، وكلام أبي بكر: فقالت اُمّ سلمة رضي الله عنها، حين سمعت ما جرى لفاطمة (عليها السلام): ألمثل فاطمة بنت رسول الله يقال هذا القول؟! هي ـ والله ـ الحوراء بين الإنس، والنفس للنفس، ربّيت في حجور الأتقياء، وتناولتها أيدي الملائكة، ونمت في حجور الطاهرات، ونشأت خير نشأة، وربّيت خير مربّى; أتزعمون أنّ رسول الله حرّم عليها ميراثها ولم يُعلمها، وقد قال الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (1)؟! أفنذرها وخالفت متطلّبه، وهي خيرة النسوان، واُمّ سادة أشبال، وعديلة مريم، تمّت بأبيها رسالات ربّه. فوالله، لقد كان يشفق عليها من الحرّ والقرّ، ويوسّدها يمينه، ويلحفها بشماله، رويداً ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمرأى منكم، وعلى الله تردون، وآهاً لكم! فسوف تعلمون. قال: فحرُمت عطاؤها تلك السنة.(2)

____________

(1) الشعراء: 214.

(2) عن كتاب فاطمة من المهد إلى اللحد: 504 ـ 506.


الصفحة 115

الصفحة 116

الصفحة 117


الفصل الثاني
ظلامتها (عليها السلام) في الهجوم على دارها وإحراق بابها





الصفحة 118

الصفحة 119

أقوال العلماء من الفريقين في الهجوم
على بيت فاطمة (عليها السلام) وإحراق بابها


أخي القاريء، إذا استعرت نيران الحسد، وتأجّج اُوار الحقد والضغينة لدى شخص ما ـ والعياذ بالله ـ احترقت كلّ القيم والمعايير والالتزامات بلهيب الحمق والطيش، وسقط في هاوية الكفر، واندفع لإتيان أخسّ الأعمال; وكان مع الشياطين، وهذا عين ما فعل أولئك الأرجاس، عندما هجموا على دار فاطمة (عليها السلام) وجمعوا الحطب الجزل لحرق تلك الباب المباركة، والتي طالما شرّفها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بيده المقدّسة، وكثيراً ما وقف أمامها مسلّماً على أهلها محيّيهم، وداعياً لهم {في بُيُوت أذن اللهُ أن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيها اسمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فيها بِالغُدُوّ وَالآصال} (1).

فإذا كانت هذه حرمة الدار والباب، وتلك مكانة أصحابها، فما سيكون تقييمك -أخي القارئ- لمن أحرق تلك الباب، وروّع من احتجب خلفها، وذلك بعد أن تقف على الأخبار الآتية الّتي رواها الخاصّ والعامّ؟!

وإليك بعض المصادر الناقلة لتلك الحادثة المؤلمة ـ والّتي أحدثت شرخاً بالغاً ساهم هذا وغيره بحدوث الويلات

____________

(1) النور: 36.


الصفحة 120
والويلات في ضمير الأمّة الإسلامية، وأورثها الهوانِ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ـ.

1- الشافي للسيّد المرتضى.

روى إبراهيم بن سعيد الثقفي، قال: حدّثنا أحمد بن عمرو البجليّ، قال: حدّثنا أحمد بن حبيب العامريّ، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: والله، ما بايع عليّ حتّى رأى الدخان قد دخل بيته.(1)

2- تلخيص الشافي للشيخ الطوسي.

مثله.(2)

3- تفسير العيّاشي.

عن الصادقين (عليهما السلام):... فقامت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تحول بينه ـ أي قنفذ ـ وبين عليّ (عليه السلام) فضربها، فانطلق قنفذ وليس معه عليّ (عليه السلام) فخشي أن يجمع عليّ (عليه السلام) الناس. فأمر بحطب، فجُعل حوالي بيته، ثمّ انطلق عمر بنار، فأراد أن يحرق على عليّ (عليه السلام) بيته، وعلى فاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم.(3)

____________

(1) يأتي في الباب الثاني في كلمة السيّد علم الهدى. وإبراهيم بن سعد الثقفي ـ الرّاوي لهذا الحديث ـ هو المحدّث الكبير صاحب كتاب الغارات، رواه في كتاب آخر له هو كتاب السقيفة، وأسفاً إذ لم يصلنا هذا الكتاب.

(2) تلخيص الشافي: 3 / 76.

(3) تفسير العيّاشي: 2 / 307 عنه البحار: 28/231.


الصفحة 121

4- الهداية الكبرى للخصيبي.

حدّثني محمّد بن إسماعيل، وعليّ بن عبد الله الحسنيّان، عن أبي شعيب محمّد بن نصير، عن عمر بن فرات، عن محمّد بن المفضّل، عن المفضّل بن عمر، قال: سألت سيّدي، أبا عبد الله، جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) - في حديث - إلى أن قال الصادق (عليه السلام): ثمّ تبتدئ فاطمة (عليها السلام) وتشكو ما نالها من أبي بكر وعمر، وأخذ فدك منها... وتقصّ عليه قصّة أبي بكر، وإنفاذه خالد بن الوليد، وقنفذ، وعمر بن الخطاب، وجمع الناس لإخراج أمير المؤمنين (عليه السلام) من بيته إلى البيعة في سقيفة بني ساعدة... وجمع الحطب الجزل على الباب، لإحراق بيت أمير المؤمنين والحسن والحسين وزينب واُُمّ كلثوم وفضّة (عليهم السلام) وإضرامهم النار على الباب، وخروج فاطمة (عليها السلام) إليهم، وخطابها من وراء الباب، وقولها: ويحك ياعمر! ماهذه الجرأة على الله وعلى رسوله؟! تريد أن تقطع نسله من الدنيا وبقيّته، وتطفئ نور الله، والله متمّ نوره.

وانتهاره لها، وقوله لها: يا فاطمة، كفّي فليس محمّد حاضراً، ولا الملائكة تأتيه بالأمر والنهي والوحي من عند الله، وما عليّ إلاّ كأحد المسلمين، فاختاري إن شئت خروجه لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعاً!! فقالت ـ وهي باكية ـ: اللهمّ! إليك نشكو فقد نبيّك ورسولك وصفيّك، وارتداد اُمّته علينا، ومنعهم إيّانا حقّنا الذي جعلته لنا في كتابك المنزل على نبيّك المرسل. فقال لها عمر: دعي عنك يا فاطمة حماقات النساء! فلم يكن الله ليجمع لكم النبوّة والخلافة!!


الصفحة 122
فأخذت النار في خشب الباب، وأدخل قنفذ ـ لعنه الله ـ يده، يروم فتح الباب، وضرب عمر لها بالسّوط على عضدها، حتّى صار كالدملج الأسود، وركل الباب برجله حتّى أصاب الباب بطنها، وهي حامل بمحسن لستّة أشهر، وإسقاطها إيّاه، وهجوم عمر وقنفذ وخالد بن الوليد، وصفقه خدّها حتّى بدا قرطها تحت خمارها، وهي تجهر بالبكاء، وتقول: يا أبتاه! يا رسول الله! ابنتك فاطمة تُكذّب، وتُضرب ويُقتل جنين في بطنها... الخبر.(1)

5- علم اليقين في اُصول الدين للفيض الكاشاني.

ثمّ إنّ عمر جمع جماعة من الطلقاء والمنافقين، وأتى بهم إلى منزل أمير المؤمنين (عليه السلام) فوافوا بابه مغلقاً، فصاحوا به: أخرج يا عليّ، فإنّ خليفة رسول الله يدعوك. فلم يفتح لهم الباب، فأتوا بحطب فوضعوه على الباب، وجاءوا بالنار ليضرموه، فصاح عمر، وقال: والله، لئن لم تفتحوا لنضرمنّه بالنار! فلمّا عرفت فاطمة (عليها السلام) أنّهم يحرقون منزلها، قامت وفتحت الباب... الخبر.(2)

____________

(1) الهداية الكبرى: 392، عنه حلية الأبرار: 5 / 390 ضمن ح 1، وأخرجه المجلسي في البحار: 53 / 17 - 19 عن بعض مؤلّفات أصحابنا.

(2) يأتي الحديث بتمامه في باب أقوال العلماء والفقهاء المتقدّمين، في كلمة الفيض الكاشاني.


الصفحة 123

6- بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي.

أجاز لي بعض الأفاضل في مكّة زاد الله شرفها رواية هذا الخبر، وأخبرني أنّه أخرجه من الجزء الثاني من كتاب دلائل الإمامة، وهذه صورته: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى التلعكبري، قال: حدّثنا أبي (قدّس سرّه)، قال: حدّثنا أبو عليّ محمّد بن همام، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك الفزاريّ الكوفي، قال: حدّثني عبد الرحمان بن سنان الصيرفي، عن جعفر بن عليّ الجواد، عن الحسن بن مسكان، عن المفضّل بن عمر الجعفي، عن جابر الجعفي، عن سعيد بن المسيّب، قال- في حديث طويل يذكر فيه وصيّة عمر ابن الخطاب، وفيها -: أتيت دار عليّ وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين، وابنتيهما زينب واُمّ كلثوم، والأمة المدعوّة بفضّة، ومعي خالد بن الوليد وقنفذ، مولى أبي بكر، ومن صحب من خواصّنا، فقرعت الباب عليهم قرعاً شديداً، فأجابتني الأَمة، فقلت لها: قولي لعليّ دع الأباطيل... فقالت: إنّ أمير المؤمنين عليّاً مشغول، فقلت: خلّي عنك هذا، وقولي له يخرج، وإلاّ دخلنا عليه وأخرجناه كرهاً. فخرجت فاطمة، فوقفت من وراء الباب، فقالت: أيّها الضآلّون المكذّبون! ماذا تقولون؟! وأيّ شيء تريدون؟ فقلت: يافاطمة! فقالت فاطمة: ماتشاء يا عمر؟! فقلت: ما بال ابن عمّك قد أوردك للجواب، وجلس من وراء الحجاب؟ فقالت لي: طغيانك ياشقيّ أخرجني، وألزمك الحجّة وكلّ ضالّ غويّ!! فقلت: دعي عنك الأباطيل وأساطير النساء، وقولي لعليّ يخرج لا حبّ ولا كرامة.


الصفحة 124
فقالت: أبحزب الشيطان تخوّفني ياعمر؟! وكان حزب الشيطان ضعيفاً.

فقلت: إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل، وأضرمتها ناراً على أهل هذا البيت، وأحرق من فيه، أو يقاد عليّ إلى البيعة! وأخذت سوط قنفذ فضربتها، وقلت لخالد بن الوليد: أنت ورجالنا هلمّوا في جمع الحطب، فقلت: إنّي مضرمها. فقالت: يا عدوّ الله، وعدوّ رسوله، وعدوّ أمير المؤمنين. فضربت فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه، فرمته فتصعّب عليّ، فضربت كفّيها بالسوط، فآلمها. فسمعت لها زفيراً وبكاءً، فكدت أن ألين وأنقلب عن الباب!! فذكرت أحقاد عليّ وولوغه في دماء صناديد العرب، وكيد محمّد وسحره!!! فركلت الباب، وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترّسه، وسمعتها وقد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها، وقالت: يا أبتاه! يارسول الله! هكذا كان يفعل بحبيبتك وابنتك؟! آه، يافضّة! إليكِ فخذيني، فقد والله، قتل ما في أحشائي من حمل. وسمعتها تمخض وهي مستندة إلى الجدار، فدفعت الباب، ودخلت، فأقبلت إليّ بوجه أغشى بصري، فصفقت صفقة على خدّيها من ظاهر الخمار، فانقطع قرطها وتناثر إلى الأرض. وخرج عليّ، فلمّا أحسست به أسرعت إلى خارج الدار، وقلت لخالد وقنفذ ومن معهما: نجوت من أمر عظيم! ـ وفي رواية اُخرى: قد جنيت جناية عظيمة لا آمن على نفسي ـ وهذا عليّ قد برز من البيت ومالي ولكم جميعاً به طاقة. فخرج عليّ، وقد ضربت يديها إلى ناصيتها، لتكشف عنها، وتستغيث بالله العظيم مانزل بها،

الصفحة 125
فأسبل عليّ عليها ملاءتها وقال لها: يا بنت رسول الله، إنّ الله بعث أباك رحمة للعالمين، وأيم الله، لئن كشفت عن ناصيتك سائلةً إلى ربّك ليهلك هذا الخلق لأجابك، حتّى لا يبقي على الأرض منهم بشراً؛ لأنّك وأباك أعظم عند الله من نوح الذي غرق من أجله بالطوفان جميع من على وجه الأرض وتحت السماء، إلاّ من كان في السفينة، وأهلك قوم هود بتكذيبهم له، وأهلك عاداً بريح صرصر، وأنت وأبوك أعظم قدراً من هود. وعذّب ثمّود وهي اثنا عشر ألفاً بعقر الناقة والفصيل، فكوني يا سيّدة النساء، رحمةً على هذا الخلق المنكوس، ولا تكوني عذاباً.

واشتدّ بها المخاض، ودخلت البيت، فأسقطت سقطاً سمّاه عليّ محسناً. وجمعت جمعاً كثيراً لا مكاثرة لعليّ، ولكن ليشدّ بهم قلبي، وجئت وهو محاصر، فاستخرجته من داره مكرهاً مغصوباً، وسقته إلى البيعة سوقاً. وإنّي لأعلم علماً يقيناً لاشكّ فيه، لو اجتهدت أنا وجميع من على الأرض جميعاً على قهره ما قهرناه، ولكن لهنات كانت في نفسه أعلمها ولا أقولها...(1)

7- نوائب الدُّهور للعلاّمة السيّد الميرجهاني.

لمّا اُوقف عليّ (عليه السلام) ـ بعد إخراجه من داره تكلّم ـ فقال:

أيّتها الغدرة الفجرة، والنطفة المذرة، والبهيمة السائمة، نهضتم على أقدامكم، وشمّرتم للضلال عن ساعدكم، تبغون بذلك النفاق، وتحبّون مراقبة الجهل والشقاق، افظننتم أنّ سيوفكم

____________

(1) بحار الأنوار: 8 / 220، عنه كتاب فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى (صلّى الله عليه وآله) : 553.


الصفحة 126
ماضية ونفوسكم واعية؟!

ألا ساء ماقدّمتم لأنفسكم أيّتها الاوْقة! المتشتّتة بعد اجتماعها، والملحدة بعد انتقاعها، وأنتم غير مراقبين ولا من الله بخائفين، أجل والله، ذلك أمر أبرزته ضمائركم، وأضربت عن محصنه خبث سرائركم، فاستبقوا أنتم الجزل بالباطل فتندموا، ونستبق نحن الحقّ فيهدينا ربّنا سواء السبيل، وينجز لنا ماوعدنا من الصبر الجميل، وما ربّك بظلاّم للعبيد. فدحضاً دحضاً! وشوهةً شوهةً لنفوسكم! الّتي رغبت بدنيا طالما حذّركم رسول الله عنها، فعلقتم بأطراف قطيعتها، ورجعتم متسالمين دون جديعتها، زهدت نفوسكم الأمّارة في الآخرة الباقية، ورغبت نفوسنا فيما زهدتم فيه، والموعد قريب، والربّ نعم الحاكم، فاستعدّوا للمسألة جواباً، ولظلمكم لنا أهل البيت احتساباً. أو تضرب الزهراء نهراً! ويؤخذ منّا حقّنا قهراً وجبراً! فلا نصير ولا مجير، ولا مَسعَد ولا منجد؟! فليت ابن أبي طالب مات قبل يومه، فلا يرى الكفرة الفجرة قد ازدحموا على ظلم الطاهرة البرّة. فتبّاً تبّاً! وسحقاً سحقاً! ذلك أمر إلى الله مرجعه، وإلى رسول الله مدفعه، فقد عزّ على ابن أبي طالب أن يسودّ متن فاطمة ضرباً، وقد عرف مقامه وشوهدت أيّامه، فلا يثور إلى عقيلته، ولا يصرّ دون حليلته، فالصبر أيمن وأجلّ، والرضا بما رضي الله أفضل، لكيلا يزول الحقّ عن وقره، ويظهر الباطل من وكره، حتّى ألقى ربّي، فأشكو إليه ما ارتكبتم من غصبكم حقّي، وتماطلكم صدري، وهو خير الحاكمين وأرحم الراحمين،

الصفحة 127
وسيجزي الله الشاكرين، والحمد لله ربّ العالمين.(1)

8- روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر لابن الشحنة.

قال: إنّ عمر جاء إلى بيت عليّ ليحرّقه على من فيه، فلقيته فاطمة، فقال: ادخلوا فيما دخلت فيه الاُمّة!(2)

9- كتاب سُليم بن قيس الهلالي.

عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال: سمعت سلمان الفارسي، قال:... فقال عمر لأبي بكر: مايمنعك أن تبعث إليه فيبايع، فإنّه لم يبق أحد إلاّ قد بايع غيره، وغير هؤلاء الأربعة؟ وكان أبو بكر أرقّ الرجلين، وأرفقهما، وأدهاهما، وأبعدهما غوراً، والآخر أفظّهما وأغلظهما، وأجفاهما. فقال أبو بكر: من نرسل إليه؟ فقال عمر: نرسل إليه قنفذاً ـ وهو رجل فظّ، غليظ، جاف، من الطلقاء، أحد بني عديّ بن كعب ـ فأرسله إليه، وأرسل معه أعواناً. وانطلق، فاستذن على عليّ (عليه السلام) فأبى أن يأذن لهم، فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر ـ وهما جالسان في المسجد والناس حولهما ـ فقالوا: لم يؤذن لنا. فقال عمر: اذهبوا، فإن إذن لكم، وإلاّ فادخلوا عليه بغير إذن!! فانطلقوا فاستأذنوا. فقالت فاطمة (عليها السلام): اُحرّج عليكم أن تدخلوا

____________

(1) نوائب الدهور: 3 / 157 نقلاً عن كتاب الصوارم الحاسمة في تاريخ أحوال الزهراء فاطمة (عليها السلام) لمحمّد الرضا الحسيني الكمالي الاسترابادي.

(2) روضة المناظر (مطبوع على هامش بعض طبعات الكامل لابن الأثير)، عنه مظلومية الزهراء (عليها السلام) للسيّد عليّ الميلاني: 64.