الفصل العاشر
ما أُنشد من الأشعار في ظلامتها (عليها السلام)
المصادر الناقلة لتلك الأشعار
لقد هزّت الظُلامات الّتي عانتها الزهراء (عليها السلام)، والمصائب الّتي كابدتها كيان كلّ منصف، وأثارت شجون كلّ طالب للحقيقة على مرّ العصور، ودوّنها التاريخ بحروف قاتمة، ونظمها الشعراء في قصائد فاضت بالحزن والألم، وطفحت باللوعة والأسى، وهي تحكي ما تحمّلته بضعة المصطفى (صلّى الله عليه وآله) من آلام ومعاناة بالغة بعد رحيل أبيها (صلّى الله عليه وآله).
وقد أرتأينا أن نورد هنا غرراً من تلك الأشعار، مبتدئين بما أنشدته صلوات الله عليها، بعد رحيل والدها خاتم الأنبياء، وسيّد المرسلين (صلّى الله عليه وآله).
1- نفثات صدر المكمد لأبي العون السفاريني، النابلسي.
روى عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: إنّها ـ أي فاطمة (عليها السلام) ـ أخذت قبضة من تراب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فوضعتها على عينها، ثمّ قالت:
| ماذا على من شم تربة أحمد | أن لا يشمُ مدى الزمان غواليا |
| صبّت عليّ مصائبٌ لو أنّها | صبّت على الأيام صرن لياليا(1) |
وقد أورد هذه الأبيات عن سيّدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (عليها السلام) مجموعة من النظّام والشعراء والأدباء والعلماء ـ من كلا الفريقين ـ منهم: النابلسي في ثلاثيات مسند أحمد بن حنبل، والديار بكري في تاريخ الخميس، والعلامة ابن سيّد الناس في عيون الأثر، والزركشي في إعلام الساجد بأحكام المساجد، والهروي في روضة الأحباب، والسمهودي في وفاء الوفا، وعثمّان العثمّاني في تاريخ الإسلام والرجال، وتقي الدين الفاسي في شفاء الغرام، وأحمد زيني دحلان في السيرة النبويّة، والصفوري في نزهة المجالس، والنبهاني في الأنوار المحمّدية، والملا عليّ القاري، الهروي في جمع الوسائل.(2)
2- أهل البيت (عليهم السلام) لتوفيق أبي علم.
من منظومها في رثاء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قالت:
| قل للمغيب تحت أطباق الثرى | إن كنت تسمع صرختي وندائيا |
| صبّت عليَّ مصائب لو أنّها | صبّت على الأيام صرن لياليا |
____________
(1) نفثات صدر المكمد: 2 / 489 (ط. بيروت) عنه إحقاق الحقّ: 19 / 161.
(2) أُنظر ثلاثيات مسند أحمد: 2 / 489، تاريخ الخميس: 2 / 173، عيون الأثر: 2 /340، إعلام الساجد بأحكام المساجد: 273، روضة الأحباب:613 (مخطوط)،وفاء الوفا: 2 / 443، تاريخ الإسلام والرجال: 224، شفاء الغرام: 2 / 387، السيرة النبويّة، المطبوع بهامش السيرة الحلبيّة: 3 / 364، نزهة المجالس: 2 / 166، الأنوار المحمّديّة: 593، جمع الوسائل: 2 / 263.
| لقد كنت ذات حمى بظلّ محمّد | لا أخشى ضيماً وكان حمىً ليا |
| فاليوم أخشع للذليل وأتّقي | ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا |
| فإذا بكت قمريّة في ليلها | شجناً على غصن بكيت صباحيا |
| فلأجعلنّ الحزن بعدك مؤنسي | ولأجعلن الدمع فيك وشاحيا(1) |
3- السيرة النبويّة لأحمد زيني دحلان.
ومن جملة ما ينسب إلى فاطمة (عليها السلام) في رثاء أبيها (صلّى الله عليه وآله):
| نفسي على زفراتها محبوسة | ياليتها خرجت مع الزفرات |
| لا خير بعده في الحياة وإنّما | أبكي مخافة أن تطول حياتي(2) |
4- الاحتجاج للطبرسي.
قال: ثمّ عطفت [أي الزهراء عليها السلام] على قبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقالت:
| قد كان بعدك أنباء وهنبثة(3) | لو كنت شاهدها لم تكثر الخَطب |
| إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها | واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب |
____________
(1) أهل البيت "عليهم السلام": 192 (ط. السعادات بمصر) عنه إحقاق الحقّ: 19 / 16، وعن الفتوحات الربّانية: 3 / 160، وضوء الشمس: 74، وزاد المسلم: 1 / 368، ووسيلة النجاة: 28 و ص 231 وغالية المواعظ: 2 / 130، وأورد الشيخ عباس القمّي هذه الأبيات في مفاتيح الجنان: 294، عن الدرّ النظيم للشيخ يوسف الشامي.
(2) السيرة النبويّة المطبوع بهامش السيرة الحلبيّة: 3 / 364 (ط. مصر) عنه إحقاق الحقّ: 10 / 435.
(3) الهنبثة: واحدة الهنابث، وهي الاُمور الشداد المختلفة. والهنبثة: الاختلاط في القول.
| وكلّ أهل لـه قربى ومنزلة | عند الإله على الأدنين مقترب |
| أبدت رجال لنا نجوى صدورهم | لمّا مضيت وحالت دونك التُرُب |
| تجهّمتنا رجال واستخفّ بنا | لمّا فقدت وكلّ الأرض مغتصب |
| وكنت بدراً ونوراً يستضاء به | عليك ينزل من ذي العزّة الكتب |
| وكان جبريل بالآيات يؤنسنا | فقد فقدت وكلّ الخير محتجب |
| فليت قبلك كان الموت صادفنا | لمّا مضيت وحالت دونك الكثب(1) |
وقد أورد هذه الأبيات ـ مع إختلاف بسيط في الألفاظ ـ مجموعة من العلماء في كتبهم، منهم: ابن قتيبة في غريب الحديث، والزمخشري في الفائق، والمقدسي في البدء والتاريخ، ومحمّد الصديقي في مجمع بحار الأنوار، والزبيدي في تاج العروس، والحلبي في الأبدال.(2)
5- السيد الحميري(3).
| ضربت واهتضمت من حقها | وأذيقت بعده طعم السلع |
| قطع الله يدي ضاربها | ويد الراضي بذاك المتبع |
| لا عفا الله له عنه، ولا | كفّ عنه هول يوم المطّلع(4) |
____________
(1) الاحتجاج: 1 / 145.
(2) غريب الحديث: 590 (ط. العاني في بغداد)، الفائق:3 / 217 (ط. دار الإحياء العربية)، البدء والتاريخ: 5 / 68 (ط. المثنى)، مجمع بحار الأنوار: 3 / 491 (ط. نول كشور) تاج العروس: 1 / 654 (ط. القاهرة) الأبدال:1 / 164 (ط. دمشق).
(3) السيد الحميري، عاصر الإمامين الصادق والكاظم "عليهما السلام" توفى سنة 173هـ.
(4) عنه مأساة الزهراء (عليها السلام) للسيد مرتضى العاملي: 2 / 16.
6- البرقي(1).
| وكلاّ النار من بيت ومن حطب | والمضرمان لمن فيه يسبان |
| وليس في البيت إلا كل طاهرة | من النساء وصدّيق وسبطان(2) |
7- مهيار الديلمي(3).
| كيف لم تقطع يد | مدّ إليك ابن صهاك |
| فرحوا يوم أهانوك | بـما ســاء أباك |
8- السيّد قتادة بن إدريس(4).
| قل لنا أيُّها المجادل في القول | عن الغاصبين إذ غصباها |
| أهما ما تعمّداها كما قلـت | بظلم كلاً ولا اهتضماها؟ |
| فلماذا إذ جهّزت للقاء الـلّه | عند الممات لم يحضراها؟ |
| شيّعت نعشها ملائكة الرحـمن | رفقاً بها وما شيّعاها |
| كان زهداً في أجرها أم عناداً | لأبيها النبيّ لم يتبعاها؟ |
| أم لأنّ البتول أوصت بأن لا | يشهدا دفنها فما شهداها؟ |
| أم أبوها أسرّ ذاك إليها | فأطاعت بنت النبيّ أباها؟ |
____________
(1) هو عبد الله بن عمّار البرقي، توفى سنة 245هـ.
(2) عنه مأساة الزهراء (عليها السلام) للسيد مرتضى العاملي: 2 / 16.
(3) مهيار الديلمي من أعلام القرن الخامس الهجري، توفى سنة 428هـ.
(4) هو، قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى، أبو عزيز، الحسني العلوي، جد الأشراف " بني قتادة" بمكة. توفي 617هـ. ترجم له الزركلي في الأعلام: 5 / 189. (ط. دار العلم للملايين ـ بيروت). والتراجم الّتي بهامشه.
| كيف ما شئت قل كفاك فهذي | فرية قد بلغت أقصى مداها |
| أغضباها وأغضبا عند ذاك الـلّه | ربّ السماء إذ أغضباها |
| وكذا أخبر النبيّ بأنّ الـلّه | يرضى سبحانه لرضاها(1) |
| لا نبيّ الهدى أُطيع ولا | فاطمة اُكرمت ولا حسناها |
| وحقوق الوصيّ ضيّع منها | ما تسامى في فضله وتناهى |
| تلك كانت حزازة ليس تبرا | حين رُدّا عنها وقد خطباها |
| وغداً يلتقون والله يجزي | كلّ نفس بغيها وهداها |
| فعلى ذلك الأساس بنت | صاحبة الهودج المشوم بناها |
| وبذاك اقتدت اُميّة لمّا | أظهرت حقدها على مولاها |
| لعنته بالشام سبعين عاماً | لعن الله كهلها وفتاها |
| ذكروا مصرع المشايخ في بدر | وقد ضمخ الوصيّ لحاها |
| وباُحد من بعد بدر وقد | أتعـس فيها معاطساً وجباها |
| فاستجادت له السيوف بصفيّـن | وجرت يوم الطفوف قناها |
| لو تمكّنت بالطفوف مدى الدهر | لقبّلت تربها وثراها |
| أدركت ثارها اُميّة بالنار | غداً في معادها تصلاها |
| أشكر الله أنّني أتوالى | عترة المصطفى وأشنى عداها |
| ناطقاً بالصواب لا أرهب الأعـداء | في حبّهم ولا أخشاها(2) |
____________
(1) ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك". أُنظر السنن الكبرى للسيوطي: 3 / 278، وغيره من المصادر.
(2) نقلاً عن كتاب الحوزة العلمية لمحمّد عليّ المشهدي: 478 (ط3. دار الحسيني للمطبوعات ـ بيروت). ونقل العلاّمة السيّد محسن الأمين في كتابه المجالس السنيّة: 2 / 137، قصيدة طويلة من ضمنها الأبيات الّتي في المتن. حيث قال: وجدت هذه القصيدة بخطّ الشهيد الأوّل، محمّد بن مكّي العامليّ، الجزينيّ "قدّس سرّه" وهي فريدة في بابها، ويظهر من آخرها انّها لبعض أشراف مكّة المكرّمة، وتوهّم بعضهم أنّها للجذوعي ناشئ من البيت الذي فيه اسمه، مع أنّه ظاهر في أنّ الجذوعي مُنشدها، وأنّ مُنشئها غيره.
9- الشيخ مُلاّ كاظم الاُزري(1) (ره) في هائيّته المشهورة.
| تركوا عهد أحمد في أخيه | وأذاقوا البتول ما أشجاها |
| وهي العروة الّتي ليس ينجو | غير مستعصم بحبل ولاها |
| لم ير الله للرسالة أجراً | غير حفظ الزهراء في قرباها |
| يوم جاءت يا للمصاب إليهم | ومن الوجد ما أطال بكاها |
| فدعت واشتكت إلى الله شكوى | والرواسي تهتزُّ من شكواها |
| أيُّها الناس أيّ بنت نبيّ | عن مواريثها أبوها زواها؟! |
| كيف يزوي عنّي تراثي زاوٍ | بأحاديث من لدنه ادّعاها؟! |
| هذه الكتب فاسألوها تروها | بالمواريث ناطقاً فحواها |
| وبمعنى "يوصيكم الله" أمر | شامل للعباد في قرباها |
____________
(1) الشيخ ملا كاظم بن محمّد بن مهدي بن مراد الأزري، البغدادي، نشأ وزاول الأدب في بغداد، عاش في القرن الثاني عشر، ومات في القرن الثالث عشر للهجرة، وهو شيخ فاضل، وشاعر أديب أوحدي مبجل، نظم الشعر بفنونه، وكان يعد من الطبقة الأولى في الجودة في عصره. أنظر معارف الرجال للشيخ محمّد حرز الدين: 2 / 161 (ط. منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قمّ).
| كيف لم يوصنا بذلك مولانا | وتلكم من دوننا أوصاها |
| هل رآنا لا نستحقّ اهتداء | واستحقّت هي الهدى فهداها؟! |
| أم تراه أضلّنا في البرايا | بعد علم لكي نصيب خطاها؟ |
| مالكم قد منعتمونا حقوقاً | أوجب الله في الكتاب أداها؟ |
| قد سلبتم من الخلافة خوداً | كان منّا قناعها ورداها |
| وسبيتم من الهدى ذات خدر | عزّ يوماً على النبيّ سباها |
| هذه البردة الّتي غضب الله | على كلّ من سوانا ارتداها |
| فخذوها مقرونة بشنار | غير محمودة لكم عقباها |
| ولأيّ الأُمور تدفن سرّاً | بضعة المصطفى ويعفى ثراها |
| فمضت وهي أعظم الناس وجدا | في فم الدهر غصّة من جواها |
| وثوت لا يرى لها الناس مثوى | أيُّ قدس يضمُّه مثواها(1) |
10- الخطيب السيّد صالح الحلّي(2) (ره).
| يامدرك الثار البدار البدار | شنَّ على حرب عداك المغار |
____________
(1) عنه كتاب على باب فاطمة للسيد القزويني: 124 ـ 128.
(2) السيّد صالح ابن السيّد حسين الحلي، من تلامذة صاحب الكفاية، ولد في الحلة المزيدية سنة 1290هـ، ونشأ بها، وقرأ مقدمات العلوم فيها، ثمّ هاجر إلى النجف الأشرف، وأقام فيها مجّداً في تحصيله، حتّى صار من العلماء الأفاضل، والوعاظ الأكابر، وكان أديباً شاعراً، فصيحاً بليغاً. ترجم له في معارف الرجال للشيخ محمّد حرز الدين: 1 / 383.