الصفحة 308


الفصل الثاني
أقوال صفوة من علمائنا المعاصرين "دامت بركاتهم"





الصفحة 309

أقوال صفوة من علمائنا المعاصرين "دامت بركاتهم"


ارتأينا أن نتحف كتابنا هذا بكلمات بعض من نعاصرهم من علماء الطائفة الحقّة "أدام الله عزّهم" لنقف على آرائهم في ما روي من تعرّض فلذة كبد رسول الله، وبضعته، وروحه الّتي بين جنبيه فاطمة الزهراء "صلوات الله عليهما" للمتاعب والاضطهاد والمحن، وما عانته من مصاعب وتنكيل على أيدي الحاكمين.

فتعال معي ـ أخي القارئ ـ لنتابع ما دوّنته أقلامهم الشريفة، ونطالع معاً كلماتهم "أعلا الله مقامهم" وإليك ـ عزيزي القاريء ـ نصّ أجوبة الأعلام دامت بركاتهم، بهذا الخصوص. حول نصّ السؤال المطروح على سماحتهم دام ظلّهم؛ لتكون الحقيقة أبين، والصورة أوضح.


الصفحة 310

نص السؤال المطروح على السادة العلماء "دام ظلهم":


بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة آية الله...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد:

ما هو نظركم الشريف في الروايات الّتي تعرّضت إلى ما لاقته أُمّ الأئمّة، فاطمة الزهراء "صلوات الله عليها" من ممارسات تعسّفية على أيدي الحاكمين، مثل: كسر ضلعها، وإسقاط جنينها المسمّى بمحسن ابن عليّ"صلوات الله عليهما" ولطمها على خدّها، ومنعها من البكاء على أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وما إلى ذلك؟

ولكم من الله الأجر والثواب


الصفحة 311

نصّ أجوبة السادة، الآيات العظام والعلماء الأعلام "دامت بركاتهم"
المطبوعة والمرتبة طبق الحروف الأبجدية لأسمائهم الشريفة، نذيلها بأجوبتهم الخطية.


1ـ سماحة الشّيخ أبو الفضل الخوانساري (دام ظلّه).

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة على رسول الله وآله الميامين، وبعد:

إنّ وقوع هذه المظالم المذكورة وغيرها، ممّا لا يمكن إحصاؤها على اُمّ الأئمّة صلوات الله عليها وعليهم، من المتواتر القطعي عند الشيعة؛ لِمنْ تتبّع واستقصى مؤلّفاتهم ومراثيهم، وهي أظهر من الشمس، وأبين من الأمس، بل نقلها أكابر أهل السنّة في كتبهم ومصنّفاتهم، رغم تحفّظهم من نقلها. ومَن أنكر وقوع هذه المصائب لأيّ غرض كان فهو حائد عن السبيل، أفلم يُدوّن في التاريخ ما لاقاه آل محمّد "صلوات الله عليهم" وشيعتهم من القتل والتشريد على أيدي الحاكمين الجائرين، لا لشيء إلاّ لأنّهم دعاة الحقّ، والهداة إلى الصراط المستقيم؟ أفلم نسمع في عصرنا الحاضر ما يتعرّض له شيعة آل محمّد "صلوات الله عليهم" من الإيذاء والقتل، كما في بعض البلدان، من قبل ما يسمّى بـجمعيّة الصحابة(1)، وبتحريض من بعض

____________

(1) وهي جمعية تشكّلت في الباكستان، بتدبير ودعم ممّا يسمّى بالوهابيين، هدفها بثّ الفرقة والطائفية بين صفوف المسلمين، مستخدمة من أجل ذلك أخسّ الأساليب من سفك دماء، وهتك أعراض، وما إلى ذلك.


الصفحة 312
من أفتى بإباحة دماء الشيعة وأموالهم، وغير ذلك ممّا لا يمكن ضبطه.

وبالجملة، إنّ من له أدنى مسكة في فهم الأحاديث والتاريخ، يقطع بأنّ هذه المظالم الّتي وقعت على الصدّيقة الكبرى، فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المسلّمات الّتي لا تحتاج إلى نظر واجتهاد. وممّا يؤيّد ذلك أيضاً ما نظّمه الشعراء من أهل الفكر والتحقيق من رجالات الشيعة، ننقل بعضاً منها:


قال سليمٌ قلتُ يا سلمانُهل دخلوا ولم يكُ استئذانُ
قال إي وعزّة الجبّارما كان على الزهراء من خمار
فمُذ رأوها عصروها عصرةكادت بنفسي أن تموت حسرة
نادت أيا فضّة سنّدينيفقد وربّي أسقطوا جنيني

وقال الأديب الشّيخ صالح الحلّيّ (ره):


والواثبين لظلم آل محمّدومحمّد ملقى بلا تكفين
والقائلين لفاطم آذيتنافي طول نوح دائم وحنين

وقال المحقّق، الفقيه الكبير، والفيلسوف الشهير، الشّيخ محمّد حسين الأصفهاني الكمپاني (ره):


ولستُ أدري خبرَ المسمارسل صدرها خزانَة الأسرار
وفي جنين المجد ما يُدمي الحشاوهل لهم إخفاءُ أمر قد فشى
والبابُ والجدارُ والدماءُشهودُ صدق ما به خفاءُ

وغيرها من الأشعار المنظومة في بيان مصائبها، وما وقع عليها من الظلم

الصفحة 313
والعدوان، صلّى الله عليك أيّتها الصدّيقة الشهيدة، صلّى الله عليك أيّتها المظلومة المغصوبة حقّها. ولعن الله ظالميك، وغاصبي حقوقك، ومنكري فضائلك إلى يوم الدين، والحمد لله ربّ العالمين.


أبو الفضل النجفي الخوانساري


2- سماحة الشّيخ أحمد الأنصاري (ره)(1).

بسم الله الرحمن الرحيم

الروايات المذكورة المتعرّضة لما لاقته اُمّ الأئمّة (عليها السلام) أو تلويحاً من طرق العامّة فضلاً عن الخاصّة، ممّا لا يحتاج إلى نظر واجتهاد، إلاّ لمن في قلبه مرض، فزادهم الله مرضاً، ولهم عذاب أليم.


أحمد سبط الشّيخ الأنصاري


3- سماحة الشّيخ أحمد الپاياني (ره)(2).

بسم الله الرحمن الرحيم

أقول: الروايات الدالّة على الموضوعات المذكورة في الفوق(3)، من كسر ضلع أُمّ الأئمّة سلام الله عليها، فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه

____________

(1) فُجعنا ـ والكتاب قيد الإنجاز ـ بنبأ فقدان هذا الجهبذ الفذّ، وأحد الأساتذة الكبار في الحوزة العلمية المباركة في قمّ المقدّسة، سبط الشّيخ الأعظم الأنصاري صاحب المكاسب، تغمّدهما الله برحمته الواسعة، وحشرهما مع الميامين محمّد وآل محمّد الطيّبين الطاهرين.

(2) فُجعنا ـ والكتاب قيد الطبع ـ بنبأ فقدان هذا الجهبذ الفذّ، وأُحد الأساتذة الكبار في الحوزة العلميّة المباركة في قمّ المقدسة، تغمّده الله برحمته الواسعة، ورزقهُ شفاعة البضعة الطاهرة (عليها السلام) وحشره الله مع الميامين محمّد وآل محمّد الطيّبين الطاهرين.

(3) أي، في السؤال المطروح عليه.


الصفحة 314
وآله الطيبين الطاهرين، وإسقاط جنينها المسمّى بمحسن، ولطمها، ومنعها من البُكاء، وكذا الأخبار الدالّة على احراق بابها، وضربها بالسوط بحيث ماتت. وحين ماتت وأنّ في عضدها كمثل الدملج من ضرب السوط، حتّى أنّ ابن أبي الحديد في شرح النهج في ج11 ص192 بعد أن نقل قصّة هبّار بن أسود، فقال:

إذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أباح دم هبّار، لأنّه روّع زينب، فألقت ذا بطنها، فظاهر الحال أنّه لو كان حيّاً لأباح دم من روّع فاطمة حتّى ألقت ذا بطنها.(1) وكذا الخبر الدالّ على وصيّتها لعليّ (عليه السلام) بدفنها ليلاً، وإخفاء قبرها، وعدم إعلام قبرها لأحد. وكذا الخبر الدالّ على إرادة عمر نبش قبرها. كلّها عندي معتبرة، ولا شكّ في وقوع هذه الحوادث المؤلمة في مورد أُمّ الأئمّة"صلوات الله عليهم أجمعين".

قال الشّيخ صالح الحلّي "رحمة الله عليه" في أشعاره:


ومجمّعي حطب على البيت الذيلم يجتمع لولاه شمل الدين
والهاجمين على البتولة بيتهاوالمسقطين لها أعزّ جنين


الأحقر أحمد الپاياني         
1 شهر رمضان المبارك 1414 هـ. ق


4- سماحة الشّيخ جلال طاهر شمسي (ره)(2).

____________

(1) تقدّم الخبر في إسقاط جنينها (عليها السلام).

(2) فُجعنا ـ والكتاب قيد الإنجاز ـ بنبأ فقدان هذا الجهبذ الفذّ، وأحد الأساتذة الكبار في الحوزة العلمية المباركة في قمّ المقدّسة، تغمّده الله برحمته الواسعة، وحشره مع الميامين محمّد وآل محمّد الطيبين الطاهرين.


الصفحة 315

بسم الله الرحمن الرحيم

بنفس الحديث كنت مُشتاقاً متمنّياً، عازماً كتابة مقالة مفصّلة من التاريخ المأثور فيما جرى ظلماً لسيّدتنا أُمّ الأئمّة النجباء، النقباء، فاطمة الزهراء، سيّدة نساء العالمين، عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها أفضل الصلوات والتحيّات، ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه. ونظراً للظروف والملابسات سيّما الأسقام الّتي تحيط بي من كلّ جانب عاقتني عن ذلك، ولم تكن تجاهها سوى أن أكتب في هذه الورقة ما أنشأه نظماً في هذا المضمار القاضي أبو بكر بن عبدالرحمن، المعروف بابن قريعة البغدادي المتوفى سنة 367:


يا من يسائل دائباًعن كلّ معضلة سخيفة
لا تكشفنَّ مغطّاًفلربّما كشّفت جيفة
ولربّ مستور بداكالطبل من تحت القطيفة

الشّيخ جلال طاهر شمسي


5- سماحة الشّيخ جواد التبريزي (دام ظلّه).

بسمه تعالى

جلّ الرزايا والاعتداءات الّتي صبّت على اُمّ الأئمّة"سلام الله عليهم" فاطمة الزهراء البتول بنت الرسول الأعظم "صلوات الله وسلامه عليه وعليها". لا يقصر عن سائر الحوادث والمظالم الّتي ضبطها التاريخ، وورد فيها النقل، لو لم يكن أثبت وأظهر. ويكشف عن ذلك خفاء قبرها، وعدم الادّعاء إلى هذا اليوم أنّه شيّع جثمّانها أحد من قبل فلان و فلان. في ذلك كفاية لمن له أدنى بصيرة، وأقلّ دراية، والله على ما نقول وكيل.

جواد التبريزي



الصفحة 316

6- سماحة السيّد رضا الصدر (دام ظلّه)(1).

بسمه تعالى

استفاضت الأخبار والتاريخ على ذكر المصائب الّتي وردت على بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما لا تنكر، وقد أشار إليها المرحوم الوالد في قصيدته الغرّاء.(2)


السيد رضا الصدر

____________

(1) فُجعنا ـ والكتاب قيد الإنجاز ـ بنبأ فقدان هذا الجهبذ الفذّ، وأحد الأساتذة الكبار في الحوزة العلمية المباركة في قمّ المقدّسة، تغمّده الله برحمته الواسعة، وحشره مع الميامين محمّد وآل محمّد الطيبين الطاهرين.

(2) تجدر الإشارة هنا إلى أنّ السؤال قد طرح على سماحة السيّد وهو مثقل بالآلام والأمراض، وكان رحيله عن دار الدنيا بعدها بمدّة قليلة، وقد أجازني إلحاق قصيدة والده سماحة السيّد صدر الدين رحمه الله، تعالى المتضمنة لظلاماتها ومعاناتها صلوات الله عليها، وهي:


يا خليليّ احبسا الجُردَ المَهاراوابكيا داراً عليها الدهرُ جارا
وربوعاً أقفرت من أهلهاوغدت بعدهم قفراً بواراً
حكم الدهر على تلك الرُبىفانمحت والدهرُ لا يرعى ذِمارا
كيف يُرجى السلمُ من دهر علىأهل بيتِ الوحي قد شنّ المغارا
لم يُخلّف أحمد إلاّ ابنتاًولكَم أوصى بها القومَ مِرارا
كابدت بعدَ أبيها المصطفىغصصاً لو مسّت الأرض لمارا
هل تراهم أدركوا من أحمدبعده في آله الأطهار ثارا
غصبوها حقّها جهراً ومِنعجب أن تُغصبَ الزهرا جهارا
من لحاها إذ بكَت والدَهاقائلاً فَلتبكِ ليلاً أو نهارا
ويلهم ما ضرّهم لو بكيتبضعةُ المختار أياماً قصارا
مَن سعى في ظلمها مَن راعَهامَن على فاطمةَ الزهراء جارا
مَن غدا ظلماً على الدارِ الّتياتّخذتها الانسُ والجنّ مزارا
طالما الأملاكُ فيها أصبحتتَلثمّ الأعتابَ فيها والجدارا
ومن النار بها ينجو الورىمَن على أعتابها أضرمَ نارا
والنبيّ المصطفى كم جاءهايَطلبُ الإذن من الزهرا مِرارا
وعليها هجمَ القوم ولمتكُ لاثت لا وَعلياها الخِمارا
لستُ أنساها ويالَهفي لهاإذ وراءَ الباب لاذت كي توارا
فَتَكَ الرجسُ على البابِ ولاتَسالنّ عمّا جرى ثمّ وصارا
لا تَسلني كيف رضّوا ضِلعهاواسألنّ الباب عنها والجدارا
واسألن أعتابَها عن مُحسنكيفَ فيها دمُه راحَ جبارا
واسألن لؤلؤَ قرطَيها لمانتثرت والعينَ لم تشكو احمرارا
وهل المسمارُ موتورٌ لهافغدا في صدرها يطلبُ ثارا


الصفحة 317

7- سماحة السيّد عبّاس الحسينيّ الكاشانيّ.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على أشرف الأنبياء والمُرسلين محمّد وآله العترة الطاهرة، والأنجم الزاهرة أئمّة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

وبعد: إنّ من المسلّم لدى الفريقين ـ الشيعة والسنّة ـ شخصيّة الصديقة فاطمة الزهراء"سلام الله عليها" وجلالة قدرها، وعظمة شأنها، ورفعة مقامها، وسموّ مكانتها، أنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، وقرّة عين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبضعته، وفلذّة كبده، وهي من أوضح الواضحات، وأبين البيّنات ولا غبار في ذلك. وقد ذكرها جلّ مؤرّخي الإسلام عامّة وخاصّة، وإنّ كتبهم مليئة بالحجج القويّة الساطعة، والبراهين الجليّة اللاّمعة حول ما جرى عليها بعد أبيها من أنواع الظُلم والعدوان، ولا ينكرها صاحب العقل والوجدان، وذي العدل والإنصاف، وصاحب الفطرة السليمة والعقيدة المستقيمة. ولا حجّة لمنكري ذلك على الله يوم يقوم الحساب، بل لله الحجّة البالغة عليهم، أفهل كان من المروءة والإنصاف أن يحدث القوم ما أحدثوه يوم السقيفة، وقد تركوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مسجّى على فراشه، وأخذوا يتراكضون على الخلافة، وكلّ يراها لنفسه؟! كأنّها سلعة ينالها من سبق إليها، مع ما رأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم من النصوص الثابتة الصارخة عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) منذ اليوم الذي أعلن الدعوة إلى اليوم الذي احتضر فيه، مع

الصفحة 318
أنّ القيام بتجهيز الرسول المنقذ (صلّى الله عليه وآله) أهمّ من أمر الخلافة. وعلى فرض أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يُوص، فكانَ من الواجب عليهم أن يقوموا بشأن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وبعد الفراغ يعزّون آله وأنفسهم لو كانوا ذوي إنصاف، فأين العدالة والوجدان؟ وأين مكارم الأخلاق؟ وأين الصدق والمحبّة؟

وممّا يزيد في النفوس حزازةً تهجّمهُم على بيت بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفلذّة كبده الصدّيقة الكُبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام) نحواً من خمسين رجلاً، وجمعهم الحطب ليحرقوا الدار على من فيها، حتّى قال القائل منهم لعمر بن الخطاب: ويلك! إنّ فيها فاطمة! قال: وإن!! ذكرَ هذا الحادث المؤلم الجلل كثير من مؤرّخي السنّة(1) فضلاً عن إجماع الشيعة. وقد علم البرّ والفاجر، وجميع من كتب في التاريخ، أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال:

____________

(1) أقول: هذا الهامش ذكره السيد عباس الحسيني الكاشاني (أعلى الله مقامه) في جوابه وهو: أُنظر الإمامة والسياسة، مروج الذهب، شرح النهج لابن أبي الحديد، الرياض النضرة، أنساب الاشراف، الإمام علي (عليه السلام) لعبد الفتّاح مقصود، وغيرها من المتون التاريخية من مصادر القوم، فقد تجد انّهم تعرّضوا إلى ذكر هذه الفجائع البشعة بنحو من التفصيل والإجمال، كحرق الباب، وإسقاط الجنين، وضرب الصدّيقة فاطمة (عليها السلام)، وأمثال ذلك من الحوادث المخزية المؤلمة.

وأمّا الشيعة فبرمّتهم ذكروها، حتّى وقد ذكر المؤرّخون أسماء أُولئك الذين أتوا بهذه الجرائم الوحشية اللاإنسانية، وهذه الجنايات الإجرامية وحتّى ذكروا أنّها كانت بقيادة وأمر مِن الأوّل والثاني، أُنظر إلى ما قاله شاعر النيل حافظ إبراهيم المصري الشافعي في ديوانه المطبوع:


قولة لعليّ قالها عمرأكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرّقت دارك لا أبقي عليك بهاإن لم تبايع وبنت المصطفى فيها


الصفحة 319
"فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني، ومن أغضبها فقد أغضبني، ومن أغضبني فقد أغضب الله، ومن أغضب الله أكبّه الله على منخريه في النار". وما صنع القوم مع الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) وسخطها عليهم ـ وأنّها لحقت بالرفيق الأعلى وهي واجدة وساخطة عليهم ـ مليئة بكتب الفريقين. وأمّا بكاء الصدّيقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، ليلها ونهارها، وإعلانها عن ظلمها وإيذائها، وكسر ضلعها، وسقط جنينها، ووصيّتها بأنّها تُدفن ليلاً، ولا يحضر تشييعها نفر من القوم، في كتب الفريقين مذكورة، وهي أدلّ دليل، وأقوى شاهد على مظلوميّتها، وسخطها على القوم، وغضبها عليهم. ومن أنكر ذلك فهو حائد عن جادّة الإنصاف، أو جاهل بالتاريخ، عصمنا الله من الزّلل، وهدانا الله إلى صراط مستقيم، ووفّقنا إلى مرضاته، والله العاصم والهادي، وهو الموفّق والمستعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.


كتبه راجي رحمة ربّه     
عبّاس الحسينيّ الكاشاني عفى عنه
1 رمضان المبارك 1414   



الصفحة 320

8- سماحة السيّد ضياء الدين محمّد الحسينيّ الأشكوريّ (دام ظلّه)

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وأمّا بعد: فلم يزل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قبل وفاته يحدّث بما سيكون من بعده من الفتن والحوادث، وما سيجري على آل بيته المعصومين من ظلم، وانتهاك، واغتصاب حقوق... والملاحظة من بين تلك الأخبار الكثيرة، أنّه (صلّى الله عليه وآله) قد أكّد على مظلوميّة بضعته الطاهرة فاطمة الزهراء "سلام الله عليها" ولم يترك التأكيد على ذلك حتّى وهو على فراش مرضه الذي توفّي فيه (صلّى الله عليه وآله) حيث دخلت عليه "سلام الله عليها" فقال لها:

" يا بنيّة، أنتِ المظلومة بعدي، فمن آذاك فقد آذاني، ومن غاظكِ فقد غاظني، ومن جفاكِ فقد جفاني، ومن قطعكِ فقد قطعني، ومن ظلمكِ فقد ظلمني، ومن سرّكِ فقد سرّني، ومن وصلكِ فقد وصلني، لأنّكِ منّي وأنا منكِ، وأنت بضعة منّي، وروحي الّتي بين جنبيّ إلى الله أشكو ظالميك من أُمّتي". (كشف الغمّة ص148)(1).

ولا ريب أنّ المُستفاد من مجموع الأحاديث والأخبار الّتي رواها المسلمون كافّة في مجاميعهم الفقهيّة والحديثيّة والتاريخيّة، هو أنّ مظلوميّة فاطمة الزهراء "سلام الله عليها" قد ابتدأت بغصب الخلافة من أمير المؤمنين (عليه السلام) وبغصب فدك منها (عليها السلام). كما أنّ المُستفاد ممّا ذكر أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي أوّل من نهضت للدفاع عن حريم الإمامة والولاية، وذلك حينما وقفت في قبال

____________

(1) أُنظر نفس المصدر: 2/123 (طـ.دار الكتاب الإسلامي).


الصفحة 321
الظالمين والمنافقين تدافع عن حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بوسائل مختلفة، منها:

1- خطبها البليغة الغرّاء، الشارحة لعمق مظلوميّتها الّتي ألقتها في مسجد أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تارةً، وأمام نساء المهاجرين والأنصار تارة اُخرى.(1)

2- احتجاجها على الظالمين والمعاندين بأدلّة دامغة، وحجج واضحة، وبراهين جليّة.(2)

3 ـ بكاؤها وحزنها الذي أقضّ مضاجع الظالمين حتّى منعوها من البكاء، فبنى لها الإمام عليّ (عليه السلام) بيت الأحزان، ولم يكن بكاؤها (عليها السلام) ناتجاً عن الإحساس بالضعف والانكسار، ولا شعوراً باليأس والقنوط، بل كان بكاؤها يبيّن جانباً من جوانب ظلامتها، ويجعل الاُمّة واقفةً على مجريات الأحداث.(3)

ولم تزل (عليها السلام)، تدافع عن حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى استُشهدت في سبيل ذلك، على أيدي الظالمين والمنافقين الذين حرّفوا الكلم عن مواضعه، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.

نعم استشهدت الصدّيقة الطاهرة في أوّل شبابها إثر الآلام والمصائب الّتي تراكمت عليها، واثر ضربها وعصرها بالباب من قِبَل الظالمين والمتآمرين. وما ذكرناه في هذه الأسطر يعتبر من أبرز معتقدات الشيعة الإماميّة ـ صانهم الله من الحدثان ـ ومن المسلّمات لديهم، ويدلّ عليه اُمور كثيرة، نقتصر على ذكر أهمّها:

____________

(1) أُنظر خطبتها (عليها السلام).

(2) أُنظر الاحتجاج في أمر فدك.

(3) أُنظر منعها (عليها السلام) من البكاء.