الصفحة 116

الثالثة: محاولة كتابة الصحيفة

هذا هو الخطّ الدفاعي الثالث الذي حاول الرسول وضعه لمكافحة دبيب البدعة، وهنا نقتبس ما ذكره الإمام الشاطبي حرفياً، يقول:

لقد كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على أُلفتِنا وهدايتنا، حتى ثبت من حديث ابن عباس (رضي الله عنه) أنه قال: لمّا حضر النبيّ (صلى الله عليه وآله)قال: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهم ـ فقال: "هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده" فقال عمر: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله)غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لن تضلّوا بعده، وفيهم من يقول كما قال عمر، فلمّا كثر اللغط والاختلاف عند النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "قوموا عنّي" فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب اختلافهم ولغطهم(1).

الرابعة: التعريف بالثقلين

إنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) نبّه الأُمّة وبيّن لها المرجع والملاذ بعد رحيله بقوله: "يا أيّها الناس، انّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي"(2).

وقال (صلى الله عليه وآله): "إنّي تركت ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب

____________

1- الشاطبي 2: 171 ـ 172 ولاحظ صحيح البخاري.

2- كنز العمال 1: 44، أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر.


الصفحة 117
الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما"(1).

وقال (صلى الله عليه وآله): "إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وانّهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض"(2).

وقال (صلى الله عليه وآله): "إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وأهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض"(3).

وقال (صلى الله عليه وآله): "إنّي أوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزوجل، وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي، وانّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروني بم تخلفوني فيهما"(4).

وقال (صلى الله عليه وآله) في منصرفه من حجة الوداع ونزوله غدير خم: "كأنّي قد دُعيت فأجبت، إنّي تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض"(5).

وللكاتب الإسلامي منشي المنار كلام ذكره في تعليقته على كتاب الاعتصام للشاطبي قال: رواه ابن أبي شيبة والخطيب في المتّفق

____________

1- كنز العمال 1: 44، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم.

2- مسند أحمد 5: 282 ـ 189.

3- المستدرك للحاكم 3: 148.

4- مسند أحمد 3: 17 و 26، أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري.

5- مستدرك الحاكم 3: 109، أخرجه عن حديث زيد بن أرقم.


الصفحة 118
والمفترق عنه وهو "تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به، كتاب الله وعترتي أهل بيتي: ورواه الترمذي والنسائي عنه بلفظ "يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي" والحديث مرويّ بلفظ العترة بدل السنّة عن كثير من الصحابة، منهم: زيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وأبو سعيد الخدري، وروي عن أبي هريرة بلفظ "السنّة" بدل العترة، وفي كلا السياقين بلفظ "لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض" والجمع بينهما في المعنى أنّ عترته أهل بيته يحافظون على سنّته، أي لا يخلو الزمان عن قدوة منهم يقيمون سنّته لا يُثنِيهم عنها التقليد ولا الابتداع ولا الفتن(1).

الخامسة: التعريف بسفينة النجاة

إنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) شبّه أهل بيته بسفينة نوح فقال: "ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من قومه، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق"(2).

وفي حديث آخر يقول (صلى الله عليه وآله): إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق. وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني اسرائيل من دخله غفر له"(3).

وفي حديث ثالث: "النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل

____________

1- الشاطبي، الاعتصام 2: 156، قسم التعليقة.

2- رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن أبي ذر 3: 151.

3- الأربعون حديثاً للنبهاني: 216 نقله عن الطبراني في الأوسط.


الصفحة 119
بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف، فاذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس"(1).

ومن المعلوم أنّ المراد ليس جميع أهل بيته على سبيل الاستغراق، لأنّ هذه المنزلة ليست إلاّ لحجج الله، وهم ثلّة منتخبة مصطفاة من أهل بيته، وقد فهمه ابن حجر فقال: يحتمل أنّ المراد بأهل البيت الذين هم أمان، علماؤهم، لأنّهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فُقِدوا جاء أهل الأرض من آيات ما يوعدون.

وقال في مقام آخر: إنّه قيل لرسول الله: ما بقاء الناس بعدهم؟ قال: "بقاء الحمار إذا كسر صلبه"(2).

والمراد من تشبيههم (عليهم السلام) بسفينة نوح أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عنهم نجا من عذاب الله، ومن تخلّف عنهم كان كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله فما أفاده شيئاً فغرق وهلك.

والوجه في تشبيههم بباب حطة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة، وقد جعل انقياد هذه الأُمّة لأهل بيت نبيّها وأتباعهم أيضاً مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة.

وقد أوضح ابن حجر حقيقة التشبيه في الحديث الشريف فقال:

____________

1- رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن ابن عباس 3: 149.

2- الصواعق لابن حجر (الباب الحادي عشر): 91، 142.


الصفحة 120
"ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرفهم وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان ـ إلى أن قال: ـ وبباب حطة ـ يعني ووجه تشبيههم بباب حطة ـ أنّ الله جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحاء أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها"(1).

دور أئمة أهل البيت في مكافحة البدع

إنّ لأئمة أهل البيت دوراً بارزاً في مكافحة البدع، والردّ على الأفكار الدخيلة على الشريعة عن طريق أهل الكتاب، الذين تظاهروا بالاسلام، وتزيّوا بزيّ المسلمين، نظراء كعب الأحبار، وتميم الداري، ووهب بن منبه ومن كان على شاكلتهم.

إنّ كتب الحديث، من غير فرق بين الصحاح وغيرها، مشحونة بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر ونفي الاستطاعة المكتسبة ونسبة الكذب والعصيان إلى الأنبياء والرسل، وقد تأثّر بها المحدّثون السُّذَّج وحسبوا أنّها حقائق راهنة فنقلوها إلى الأجيال اللاّحقة، وقد حيكت العقائد على منوال هذه الأحاديث، ولم يتجرّأ أحد من المفكّرين الإسلاميين القدامى والجدد على نقدها إلاّ من شذّ.

وفي مقابل هذه البدع نرى أنّ أئمة أهل البيت يكافحون التجسيم

____________

1- لاحظ الصواعق (الباب الحادي عشر): 153.


الصفحة 121
والتشبيه والجبر وغيرهما بخطبهم ورسائلهم ومناظراتهم أمام حشد عظيم. وفي وسع القارئ الكريم مراجعة نهج البلاغة للإمام عليّ (عليه السلام)وكتاب التوحيد للشيخ الصدوق (630 ـ 381)، وكتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي (ت/055)، إلى غير ذلك من الكتب المؤلّفة في هذا المضمار، وما أحلى المناظرات التي أجراها الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في عاصمة الخلافة الإسلامية (مرو) يوم ذاك مع الماديين والملحدين. وأحبار اليهود وقساوسة النصارى، بل ومع المتزمّتين المغترّين بتلك الأحاديث.

لقد كان لفكرة الإرجاء التي تدعو إلى التسامح الديني في العمل، واجهة بديعة عند السذج من المسلمين ولا سيّما الشباب منهم، فقام الإمام الصادق بردّها والتنديد بها، وقد أصدر بياناً فيها حيث قال: "بادروا أولادكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة"(1).

هذا هو الامام الثامن عليّ بن موسى الرضا يكافح فكرة رؤية الله تبارك وتعالى بالعين.

ويرد الفكرة المستوردة من اليهود والتي اغترّ بها بعض المحدّثين، واليك ما جرى بينه وبين أحدهم باسم أبي قرّة.

قال أبو قرّة: إنّا روينا أنّ الله عزوجل قسم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسم لموسى (عليه السلام) الكلام ولمحمد (صلى الله عليه وآله) الرؤية.

فقال الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) فمن المبلّغ عن الله عزوجل

____________

1- الكليني، الكافي 6: 47 ح 5 ـ ولاحظ البحار 68: 297.


الصفحة 122
الى الثقلين الجنّ والإنس {لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارُ} (الأنعام/103) و {لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} (طه/110) و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى/11) أليس محمّداً (صلى الله عليه وآله)؟

قال: بلى.

قال الإمام: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول: {لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارُ} و {لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} . ثمّ يقول أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً وهو على صورة البشر. أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر(1).

هذا نموذج من نماذج كثيرة أوردناه حتى يكون أُسوة لنماذج أُخرى.

وإن أردت أن تقف على مدى مكافحة الأئمة الاثني عشر للبدع المحدثة فعليك مقارنة كتابين قد أُلّفا في عصر واحد بيد محدّثين في موضوع واحد، وهما:

1 ـ التوحيد لابن خزيمة (ت/311).

2 ـ التوحيد للشيخ الصدوق (630 ـ 381).

قارن بينهما، تجد الأوّل مشحوناً بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر، وما زال المتسمون بالسلفية ينشرونه عاماً بعد عام، كأنّ ضالّتهم

____________

1- الصدوق، التوحيد، باب ما جاء في الرؤية: 111.


الصفحة 123
فيه.

وأمّا الثاني ففيه الدعوة إلى التوحيد وتنزيه الحقّ ومعرفته بين التشبيه والتعطيل وتبيين الآيات التي اغترّ بعضهم بظواهرها من دون التدبّر بالقرائن الحافّة بها.

وبذلك تبيّن أنّ النبيّ الأكرم قد جعل من الأئمّة واجهة دفاعية لصدّ البدع وأفكار المبتدعين ولا تتبيّن تلك الحقيقة إلاّ بعد معرفتهم ومراجعة كلماتهم.

السادسة: دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر

إذا كانت البدعة من أعظم الكبائر والمنكرات، فعلى السلطة التنفيذية للحكومات الإسلامية، دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، للقيام بمواجهة المبتدعين وردعهم عن أعمالهم، فإنّ البدعة أوّل يومها بذرة في الأذهان، ثمّ يستفحل عودها عبْر الزمن حتى تصير شجرة خبيثة، ولذلك دعا الذكر الحكيم إلى القيام بهذا الأمر وقال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ اِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران/104) وفي آية أُخرى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (آل عمران/110).

والأُمَّة عبارة عن جماعة تجمعهم رابطة العقيدة ووحدة الفكر، غير أنّ الواجب على الجميع غير الواجب على جماعة خاصة، فيجب على كلّ مسلم ردع المنكر بقلبه ولسانه، وأمّا القيام بأكثر من ذلك فهو على القويّ المطاع العالم بالمعروف، وبذلك يجمع بين الآيتين، حيث

الصفحة 124
إنّ الثانية ترى الأمر بالمعروف فريضة على الجميع، والأُولى تراه فريضة على أُمّة خاصة، فالمراتب النازلة فريضة على الكل، والمراتب العالية وظيفة الأقوياء من أبناء الأُمّة.

ويكفي في أهمية تلك الفريضة قوله سبحانه: {الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ} (الحج/41).

وهذا الإمام أمير المؤمنين يعلّل قيامه ونضاله، بردع البدع ويقول: "اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا، منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردَّ المعالم من دينك، وتظهر الإصلاح في بلادك"(1).

وردّ المعالم من دينه كناية عن رفض البدع التي كانت قد ظهرت على الساحة الإسلامية.

وقال الامام الباقر (عليه السلام): "إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء، ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة، بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتردّ المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر"(2).

وقد كان في العصور الماضية نشاط للآمرين بالمعروف في خصوص متابعة المساجد والمؤذنين والوعّاط والقرّاء، حتى لايخرجوا عن حدود الشريعة. يقول ابن إخوة: "ومن وظائف المحتسِب مراقبة

____________

1- نهج البلاغة: الخطبة 127.

2- الحرّ العاملي، الوسائل 11: 395.


الصفحة 125
المساجد والمؤذنين والوعاظ والقراء وعدم السماح لتصدّي هذه المشاغل إلاّ لمن اشتهر بين الناس بالدين والخير والفضيلة ويكون عالماً بالأُمور والعلوم الشرعية، إلى آخر ما ذكره(1).

فهذه هي الخطوط الدفاعية التي وضعها الإسلام أمام المبتدعين، وهناك أُمور أُخرى للقضاء على البدعة والحدّ من نشاط المبتدعين، نؤخر بيانها إلى آونة أُخرى.

____________

1- ابن إخوة القرشي، معالم القربة في أحكام الحسبة: 179.


الصفحة 126

خاتمة المطاف

كيفية التوصّل إلى مكافحة البدع
والقضاء عليها


بقي هنا أمر هام وهو; كيف نتوصّل إلى مكافحة البدع ونقضي عليها؟ وهو سؤال مهمّ يبيّن موقفنا في هذا العصر أمام تيارات البدع قديماً وحديثاً. وفي الحقيقة أنّ ما نذكره في الجواب، هو واجب العلماء المفكّرين الذين يتحرّقون لمعرفة الحق بين منعرجات الأهواء النفسية والانتماءات العصبية.

إنّ القضاء على البدع ولو نسبياً يتمّ بالقيام بأُمور هي:

الأوّل: دراسة العقائد الإسلامية في ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة، والفطرة الإنسانية، والعقل السليم، ونفي الاكتفاء برسالة "الطحاوية" للإمام الصحاوي، و "الإبانة" للإمام الشيخ الأشعري فإنّهما

الصفحة 127
ـ رضوان الله عليهما ـ قد أدّيا رسالتهما في عصرهما بأحسن وجه، ولم يكن في وسعهما إلاّ ما ألّفا ونشرا، وإن تأثّرا بالروايات غير الصحيحة، إذ في ثنايا ذينك الكتاب التلميح إلى التشبيه والتعطيل، وتعريف الإنسان بلا اختيار وإرادة، كالريشة في مهبّ الريح، إلى غير ذلك ممّا تردّه الفطرة السليمة، كجواز تعذيب الطفل يوم القيامة بالنار. ومن المؤسف جداً الاكتفاء بدراسة العقائد بهذين الكتابين وما شاكلهما في مقابل التشكيكات البرّاقة التي تثيرها كلّ يوم الوسائل الإعلامية على الإطلاق في معسكر الغرب والشرق، وهل يمكن صدّ هذا التيار بهذه الكتب؟ كلاّ ومن قال نعم; فإنّما يقوله بلسانه وينكره بقلبه. كلّ ذلك يسوقنا إلى أن نعطي للعقائد والمعارف قسماً أوفر في دراساتنا، حتى تتميز البدع عن غيرها، نعم انّ من يتلقى كلّ ما ذكره أحمد بن حنبل في كتاب السنّة والإمامين السابقين في رسالتهما، لا غبار عليه، وإن كان ضدّ الكتاب والسنّة المتواترة والعقل الفطري الصريح فلا يحسّ وظيفة أصلا، وكلامنا مع المفكّرين الواعين العالمين بما يجري في البلاد على الإسلام والشباب، وما تثار من إشكالات حول الأُصول حتى التوحيد نفسه.

الثاني: تمحيص السنّة ودراستها من جديد دراسة عميقة سنداً ومضموناً مقارناً مع الكتاب والسنن القطعية عن الرسول، فانّ أكثر البدع لها جذور في السنّة المدوّنة، وهو (صلى الله عليه وآله) عنها بريء، وإنّما اختلقها الوضّاعون الكذّابون على لسانه. غير أنّ مسلمة أهل الكتاب وبما أنّهم لم يروا النبي الأكرم قد نسبوها إلى أنبيائهم وكتبهم، ونسبها بعض السلف

الصفحة 128
إلى نفس النبيّ الأكرم، وها نحن نضع أمامك حديثين رواهما الشيخان في مورد الأنبياء حتى نتخذهما مقياساً لما لم نذكره.

إنّه سبحانه يعرّف فضله على النبيّ الأكرم بقوله: {وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} (النساء/113) والمراد من فضله سبحانه في ذيل الآية هو علم النبي الذي أفاضه الله عليه ووصفه بكونه عظيماً، مضافاً إلى ما في صدر الآية من إنزال الكتاب والحكمة عليه. ومع ذلك نرى أنّ الرسول في الصحيحين يُعرّف بصورة أنّه لا علم له بأبسط الأُمور وأوضح السنن الطبيعية في عالم النباتات، حيث رأى قوماً يلقّحون النخيل فنهاهم عن ذلك قائلا بأنّه لا يظن انّه يغني شيئاً، فتركه الناس وواجهوا الخسارة وعدم الإثمار، فأتوا إلى النبيّ الأكرم، فقال ما قال، واليك نصّ الرواية:

1 ـ روى مسلم، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوم على رؤوس النخل فقال: "ما يصنع هؤلاء" فقالوا: يُلقِّحونه، يجعلون الذكر في الأُنثى فتلقح، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ما أظنّ يغني ذلك شيئاً" فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول الله بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنّما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على الله عزوجل"(1).

وروى عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي الله المدينة وهم يُأبِّرون

____________

1- مسلم، الصحيح 15: 125 و 126 الباب 38، كتاب الفضائل ـ وأبريأبر كندر يبذر: إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الاُنثى فتعلق بإذن الله.


الصفحة 129
النخل، يقولون: يلقّحون النخل، فقال: "ما تصنعون؟" قالوا: كنّا نصنعه، قال: "لعلّكم لولم تفعلوا كان خيراً" فتركوه فنقضت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: "إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فانّما أنا بشر"(1).

والعجب انّ مؤلف الصحيح مسلم النيسابوري ذكر الحديث في باب أسماه بـ "وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ذكره (صلى الله عليه وآله) من معايش الدنيا على سبيل الرأي" نحن نعلّق على الحديث بشيء بسيط ونترك التفصيل إلى القارئ.

أوّلا: نفترض انّ النبي الأكرم ليس نبياً، ولا أفضل الخليقة، ولا من أُنزل إليه الكتاب والحكمة، ولا من وصف الله سبحانه علمه بكونه عظيماً، ولكن كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد تكرّرت سفراته إلى الشام، وكلّ إنسان كان هذا شأنه يعرف أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح، فما معنى سؤاله ما يصنع هؤلاء؟! فيجيبونه بقولهم: إنّهم "يلقحونه" أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خفيّاً على النبي؟!

ثانياً: كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح وهو سنّة من سنن الله في عالم الحياة، وقال سبحانه: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلا} (فاطر/43) ومع ذلك فكيف يقول: "ما أظنّ يغني ذلك شيئاً"؟!

ثالثاً: إنّ الاعتذار الوارد في الرواية يُسيء الظنّ بكلّ ما يقوله

____________

1- مسلم، الصحيح 15: 125 و 126 الباب 38، كتاب الفضائل ـ وأبريأبر كندر يبذر: إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الاُنثى فتعلق بإذن الله.


الصفحة 130
النبيّ الأكرم، فإن كان المخبر بهذه الدرجة من العلم; فكيف يمكن الاعتماد بما يُخبر عن الله سبحانه؟! كلّ ذلك يسيء الظن بكلّ ما يذكره بلسانه ويخرج من شفتيه، والأسوأ من ذلك ما نُسب إليه من الاعتذار بقوله: "وإذا حدّثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فانّي لن أُكذب على الله عزّوجلّ"، لأنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ والعياذ بالله ـ يكذب في مواضع أُخر.

فلو اعتمدنا على هذه الرواية ونظائرها في بناء العقيدة، فستكون النتيجة أنّ النبي ربّما يكون جاهلا بأبسط السنن الجارية في الحياة، فهل يصحّ التفوّه بذلك؟

2 ـ لو كان الحديث الأوّل يحطّ من منزلة النبيّ الأكرم، فالحديث الثاني يحطّ من مكانة الكليم موسى (عليه السلام). فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما بالاسناد إلى أبي هريرة، قال: لمّا جاء ملك الموت إلى موسى (عليه السلام) فقال له: أجب دعوة ربّك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، ففقأ عيني، قال: فردّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقال: الحياة تريد، فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور، فما توارت بيدك من شعرة فانّك تعيش بها سنة(1).

وأخرجه ابن جرير الطبري في تأريخه، وقال: "إنّ ملك الموت يأتي الناس عيوناً حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ـ إلى أن قال: ـ فجاء

____________

1- مسلم، الصحيح، ج 7، كتاب الفضائل في باب فضائل موسى ـ البخاري، الصحيح 4: 157، كتاب بدء الخلق، باب وفاة موسى.


الصفحة 131
بعد ذلك إلى الناس خفية"(1).

والحديث غنيّ عن التعليق ولا يوافق الكتاب ولا سنّة الأنبياء ولا العقل السليم من جهات هي:

1 ـ انّه سبحانه يقول: {إذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} (يونس/49) فظاهر قوله: "أجب ربك" انّه كان ممّن كتب عليه الموت وجاء أجله ومع ذلك تأخّر.

2 ـ من درس حياة الأنبياء بشكل عام يقف على أنّهم (عليهم السلام) ما كانوا يكرهون الموت كراهة الجاهلين، وهل كانت الدنيا عند الكليم أعزّ من الآخرة، وهل كانت تُخفى عليه نعمها ودرجاتها؟!

3 ـ ما ذنب ملك الموت إنْ هو إلاّ رسول من الله مجنّد له، يعمل بإمرته، فهل كان يستحق لمثل هذا الضرب؟!

4 ـ كيف تُرِك القصاص عن موسى مع أنّه سبحانه يقول: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ والْجُرُوحَ قِصَاصٌ} (المائدة/45).

5 ـ وهل كان ملك الموت أضعف من موسى حتى غلب عليه وفقأ عينه ولم يتمكن من الدفاع، ولم يزهق روحه مع كونه مأموراً به من ربه؟ أنا لا أدري، وأظنّ أنّ القارئ في غنىً عن هذه التعليقات، فانّ مضمون الحديث يصرّح بأعلى صوته انّه مكذوب.

فتمحيص السنّة فريضة على المفكّرين لكي يقضوا بذلك على

____________

1- الطبري، التاريخ 1: 305، باب وفاة موسى.


الصفحة 132
البدع التي ما انفكّت تتلاعب بالدين، ولا يقوم بذلك إلاّ من امتحن الله قلبه بالتقوى ولا تأخذه في الله لومة لائم، وإن رماه المتطرّفون بأنواع التهم والأباطيل، ولا غرو فانّ المصلحين في جميع الأجيال كانوا أغراضاً لنبال الجهّال.

اللّهمّ إنّا نسألك التوفيق لإحياء السُنَن، وإماتة البِدَع، والعمل بكتابك وسنّة نبيّك سيد رُسُلك، وأفضل خليقتك.

ونسألك الابتعاد عن أهل الزِيَغ والبدع، ومكافحة الرأي المخترَع، والتمسّك بحبلك المتين، ونبذ ما أُلصِق بدينك القويم.

وصلّى الله على رسول الله وعلى عترته الطاهرين وصحبه المنتجبين والسائرين على دربهم إلى يوم الدين.


جعفر السبحاني   
22 رمضان 1415 هـ