الجهة الثانية: التحليل العقلي
إنا إذا قمنا بتحليل أعمق لماهية الامامة وكيفية أخذ الامام بيد الأمة لتحقيق الغاية القصوى، فإنه يجب أن تكون هناك طاعة ومتابعة وانقياد من قبل المأموم للامام، مع المحافظة في نفس الوقت على الاختيار والارادة التي للمأموم، وهذا يعني وجود نوع من السلطة والولاية من قبل الامام على المأموم مع المحافظة على اختياره وهو أنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.
فالامامة متقومة بطرفين الامام والمأموم وفي كل طرف منهما يكون لها معنى; ففي الاول له التسلط والولاية، وفي الثاني له الاختيار بمعنى أن الامام لا يلجأ المأموم على التصرف المعين ولا يقوم بتسخيره أو قهره بل يجب أن يقوم المأموم بذلك طواعية واختيارا، ونستطيع تشبيه ذلك بالانجذاب الحاصل بين المحب ومحبوبه وسيطرة الأخير على الأول لا بنحو يقهره ويسلبه وهذا لا ينافي اختياره.
ومن هنا نستطيع القول أن الإمامة ليست علة تامة للهداية بل هي مقتض لحصولها إذا ارتفع المانع وهو إرادة نفس المأموم واختياره،إذ بيده أن يتبع هداية الأمام حتى يوصله إلى الغاية وان يسلم له القيادة، وله أن لا يستجيب له فلا تؤثر عليه هداية الامام.
فالتحليل الماهوي للإمامة يقوم على حيثيات; حيثية الاقتداء، وحيثية الهداية الايصالية، وحيثية السير السلوك والحركة، وحيثية الولاية والسلطة والجذب.
وإذا أردنا أن نتلمس بنحو أفضل فما علينا إلاّ التأمل في هذه الامثلة الثلاثة والموازنة بينها: الانسان الصغير وهو ذلك المخلوق الذي كرمه الله تعالى بالعقل. والإنسان المجموعي وهو المجتمع البشري، والإنسان الكبير وهو عالم الخلقة. فنتناول دور الهداية في هذه العوالم الثلاثة.
- أما الانسان الصغير: فهو ذو جنبتين أحدهما البدن والاُخرى الروح، ولكل
ولندقق النظر في تكامل الروح فإن الله تعالى قد كرم بني آدم بالقوى العقلية والعملية المختلفة التي تضمن للانسان أفضل السبل للصعود إلى الكمالات العالية. وعلى رأس القوى العملية والإدراكية يقف العقل ليقود هذه القوى، فإذا ما رضخت له القوى الأخرى تصاعد الانسان في الكمالات، وإذا ما انقلبت الآية ولم يأخذ العقل موقعه المناسب تجد الإنسان في هبوط وانحدار.
والقوى العقلية على نحوين: العقل النظري والعقل العملي. والأول وظيفته الادراك. والآخر وهو العقل العملي ووظيفته الادراك والعمل والتأثير على القوى المادون التي تتبعه في الحركة،فيكون أميرا لها وتكون أسيرة له، وفي اتباعه لا تكون ملجئة بل يبقى للقوى الاخرى الاختيار في اتباع العقل العملي، فإذا ما تسلطت القوى المادون على قوة العقل العملي فتكون إمام ضلال وباطل، وقد ورد في حكمة لأمير المؤمنين (عليه السلام): "كم من عقل أسير تحت هوى أمير"(1).
أما إذا أذعنت لقوة العقل العملي فإنه يصبح إمام هدى، فالعقل العملي هاد ومرشد لقوى الانسان المختلفة، ووجود هذه القوة امر لا بد منه وإلا لسعت كل قوة إلى ما يؤدي إلى تكاملها وأدى الصراع بين قوى الانسان إلى فنائه، فيحتاج إلى ما يكون هاديا وموصلا للكمال وهو العقل العملي، وزود هذا العقل بسلطة اخضاع القوى المادون مع احتفاظ النفس الانسانية بالاختيار، والاختيار حيثية نفسانية توظفه النفس - التي هي غير القوى العملية والادراكية - في يد القوى الفوقانية أو القوى المادون، ولو كان العقل العملي ملجئا وسالبا للاختيار لما صدرت المعصية من أحد لأنه موجود في كل إنسان.
____________
1- نهج البلاغة الكلمات القصار211.
والعقل في نفسه مبرأ من الغرائز الشهوية والزلل، وليس العقل هو الذي يسبب الزلل والوقوع في الخطأ، بل هو بسبب سيطرة القوى المادون، وقد قرروا في محله أن إدراكات العقل في نفسها لا خطأ فيها إلا إذا تدخلت القوى الأخرى فيها وهي الواهمة والمخيلة والقوى الشهوية والغضبية.
والخلاصة:
أ - أن قوى الإنسان تهتدي إلى الكمال بواسطة العقل العملي.
ب - أن العقل العملي يقوم بدور إمام هدى، وهذه الهداية ايصالية وليست مجرد إراءة وإلا لاكتفي بالعقل النظري، فهذا يدل على الحاجة الفطرية داخل الانسان لوجود ما يقوده إلى الكمال.
ج - أن العقل العملي استحق هذا المقام بسبب العلم الذي لديه.
د - أن العلم الحصولي لدى العقل العملي يعتمد على أساس العلم الحضوري الذي لا خطأ فيه.
هـ - أن العقل واسطة لتنزل العلوم من العوالم الغيبية العلوية إلى العوالم المادون، ولا يمكن للقوى المادون (الغضبية والشهوية...) أن تتصل بتلك العوالم إلا
و - ورد في الأثر أن لله حجتين ظاهرة وباطنة أما الظاهرة فهو الرسول وأما الباطنة فهو العقل، وهذه الموازنة تعني أن مقام النبوة كما له دوره وموقعه في الانسان المجموعي فإن له موضع في الانسان الصغير، وأن الله عز وجل قد أودع في الإنسان رسولاً باطناً وظيفته الهداية وهي على وزان الهداية التي يقوم بها الرسول الظاهر وهي الاراءة {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ}(1) فهي هداية إرائية وانذار وبيان أين يكمن الطريق الصائب والصحيح من دون أن تقوم بوظيفة الايصال (نعم قد يكون النبي إماما فتجتمع لديه ولاية تشريعية وتكوينية كما في أولي العزم) والعقل المقصود به هنا هو العقل النظري، فتكون أوامره تشريعية يشخص الصواب من الخطأ ولا تكون له سيطرة على بقية القوى،وهذه هي مهمة الرسول الباطن.
ز - أن الرسول الباطن وحي فطري إنبائي، والامام الباطن وحي فطري ولوي.
أما كونه وحيا: فلأن العقل قوامه بالعلم، لكن العلم الذي في الوحي النظري غير عمّال أي علم باطني غيبي أما في العقل العملي فهو علم عمّال ومستند للعلم الحضوري، والعلم الإنبائي الذي في العقل النظري أيضا مستند للعلم الحضوري إلا أن تكامل العقل النظري يكون فيما إذا وجد العقل العملي، وعندما نقول أن العلم فيه حيثية ولوية فلا نقصد بذلك تعبيرا أدبيا بل إشارة إلى عمّاليته ومحركيته وقدرته.
أما سبب اطلاقنا عليه بالوحي(2) فلأن حقيقة الوحي هي الارتباط بالغيب، والانسان لوجود حيثية التجرد فيه فهو مفطور على الارتباط بعالم التجرد بواسطة
____________
1- الرعد: 7.
2- نظير قوله تعالى: (وأوحى ربك الى النحل أن اتخذي...) (النحل: 68) أي فطرها على ذلك.
ح - في مراتب العلم الحضوري يذكرون أن مرتبة القلب من النفس بوابة الغيب والعوالم العلوية لكلا العقلين،والعقل العملي والنظري يأتمان به وهو مصدر علومهما الحضورية.
ط - أن تصرف الامام الباطن في القوى المادون يكون بقدرة ملكوتية ونعني بها القدرة التجردية التي ليس فيها تدريج وتدرج بل على نحو كن فيكون، وهذه القدرة لا تحتاج إلى شرائط عالم المادة و لا شرائط في فعله وتأثيره، وإنما مجرد الاذعان يحرك النفس تحريكا اختياريا، فلو أن المحرِّك لم يختر التحريك فلا يتحرك، وليس معنى (كن فيكون) الجبر.
وبيان أخر للملكوتي: أنه اصطلاح يطلق على القدرة النابعة من العلم محضا في مقابل القدرة التي تتوقف على العلم والآلة المادية وتسمى القدرة المادية، وهذا أمر متفق ومبرهن عليه في علوم المعارف العقلية والنقلية نذكره كأصل موضوعي. فالعلم الحصولي وهو مرتبة ضعيفة من العلم يحتاج إلى الآلة كما في قدراتنا المعتمدة على العلم الحصولي. أما إذا كانت القدرة نابعة من العلم الحضوري فإنها لا تحتاج إلى شرائط المادة لشرافة و قوة العلم المعتمدة عليه.
فإمامة الامام الباطن وعمّاليته بتوسط قدرة ملكوتية وهداية الامام الباطن بأمر ملكوتي ويسمى أمر إلهي، والإلهي اشارة إلى عالم التجرد، وقد يطلق على عالم الملكوت بعالم الامر فتسمى القدرة الأمرية.
فتبين أن الامام الباطن تكون له نحو إحاطة وقيمومة على من دونه، وهذه ليست كإحاطة واجب الوجود ببقية الممكنات بل هي كإحاطة العلة بمعلولها،
وفي الانسان الصغير نرى أن نسبة العقل العملي والنظري لما دونه من القوى هي إحاطة قيمومية، والوجه في ذلك أن النفس والقوى المادون لا تستطيع أن تصدر فعلا من الأفعال سواء كان فعلا إدراكيا أو عمليا من دون توسيط العقل في البين، فهو يحيط بأعمال وأفعال القوى المادون، وأن الكمالات العملية تفاض عليها بتوسط العقل وبسبب كونه واسطة في الفيض فهو يدرك كمالات المادون ولا يكون جسرا للعبور فقط.
وبناء على كل ما مضى نقول في تعريف الامام الباطن في الانسان الصغير: انه يكون هاديا وموصلا للنفس إلى كمالاتها بأمر ملكوتي.
ي ـ نقطة أخيرة; نضيفها أن التسلسل في تنزل الفيوضات يكون من القلب للعقل النظري الذي هو الرسول الباطن ومن ثم للعقل العملي الذي هو امام باطن، وقد ذكرنا ان العلم الذي في الثاني أشرف من الأول لكن إذا جمع الأول بين الرسالة والامامة فإنه ينال الشرف العالي، وقد ورد في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الذين ابتعدوا عنه "احتجوا بالشجرة وضيعوا الثمرة"، وهذا قريب مما ذكرنا أن كمال العقل النظري هو بالعقل العملي فالامامة هي ثمرة النبوة، وذلك لأن مجرد العلم ومجرد التمييز بين الحسن والقبيح من دون ترجيحها إلى إعمال وإثارة القوى المادون لا يكون ذا أثر، والأثر الوحيد هو في الاستفادة من العلم الذي يتوصل إليه العقل النظري لوصول الانسان إلى الكمال وتجنب الوقوع في المفاسد والقبائح، ومن هنا تكون الامامة ثمرة النبوة والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد حاز شرف النبوة والإمامة وكما أنه امام للخليقة فهو إمام للأئمة كما أن القلب امام للعقل العملي الذي هو إمام لما دونه من القوى.
الانسان المجموعي:
وهو مجموع المجتمع بما فيه من اركان وهي الدولة والحكومة، فإنا نشاهد انها تتألف من فقرات متعددة منها القوة التنفيذية، ومنها القوة التشريعية، ومنها القوة القضائية، كما أن كلا من تلك القوى الثلاث تتشعب إلى أقسام.
والقوة التشريعية وظيفتها الهداية الارائية، والقوة التنفيذية وظيفتها الهداية الايصالية، والقوة القضائية وظيفتها كوظيفة الوجدان في الانسان الصغير، وهي لتعديل الاشياء لكي لا تستعصي في قبول الهداية الارائية الايصالية والسير نحو التكامل وعدم التخلف عن ذلك،ويمكن المطابقة في التفاصيل الاخرى بين الانسان المجموعي والانسان الصغير فمثلا وزارة الجيش والدفاع توازي القوى الغضبية، ووزارة الرياضة والتربية البدنية أو السياحة ونحوها مما يغطي جانب اللهو واللعب توازي القوى الشهوية، وإلى غير ذلك من التطابق إلا ان اهم ركن في الانسان المجموعي هو ما يقوم بالهداية الارائية والهداية الايصالية إلى الكمالات المنشودة.
الانسان الكبير:
ونقصد به عالم الخلقة وما يحويه من عوالم ونشآت في قوس النزول وقوس الصعود، وذلك لنتعرف على دور الامامة وحقيقتها في هذا العالم الكبير، وهذا الانتقال طبقا لما هو المسلم به في المعارف أن "من عرف نفسه فقد عرف ربه"، أي أن معرفة آيات الله وأفعاله جل وعلى يكون عن طريق معرفة الانسان نفسه وهذا يقتضي موازاة الانسان الصغير للانسان الكبير، وأن فعل الله وهو الخلقة تكون
ففي الانسان الكبير أيضا مراحل ومراتب من النفوس الكلية (بمعنى السعة والاحاطة) إلى العقول الكلية التي تدير تلك النفوس، ونحن في بحثنا نعتمد على قاعدة عقلية مؤداها أن التعريف الماهوي للإمامة له مصداق في الانسان الصغير إي في ترتب قوى النفس الانسانية وبمقتضى التطابق مع الانسان الكبير - عالم الخلقة - نستكشف الاخير.
والمهم لدينا هو استكشاف موقع الامامة في الانسان الكبير وأنها مرتبة تكوينية ومقام وجودي في ضمن المراتب الوجودية المختلفة، وهذا هو محل النزاع مع الآخرين والذي أردنا إثباته، فهم قد جعلوا محور البحث في الانسان المجموعي ونحن ننقل ذلك إلى الانسان الكبير أيضا.
ولا ندعي أنا قد توصلنا إلى معرفة كنه وحقيقة الامامة في هذا الموقع بل تمكنا من وضع تصور اجمالي يرفع الغموض واللبس وإن بقيت جوانب مجهولة،وهذا المقدار لا يمنع من ثبوت المعرفة وتحققها.
ونبدأ بحديث هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد المعروف والمشهور حيث قال له: ألك عين؟ قال: نعم، قلت: ما ترى بها؟ قال: الألوان والاشخاص، قال: قلت: فلك أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: اشتم به الرائحة، قلت: فلك فم؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أذوق به الطعم. قلت: ألك قلب؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أميز به كل ما ورد على هذه الجوارح، قلت: أليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟ قال: يا بني الجوارح إذا شكت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته ردته إلى القلب فيتيقن اليقين ويبطل الشك، قلت: وإنما أقام الله القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم، قلت: فلا بد من القلب وإلا بم تستيقن الجوارح؟
فيلاحظ في هذه الرواية أن ما ذكره عمرو بن عبيد من التسالم على خضوع القوى المادون للقلب وأن هذا الخضوع ليس اعتباريا بل تكويني حقيقي.
الجهة الثالثة: التعريف النقلي
يلاحظ أن هذه الكلمة وردت في القران في موارد عدة هي: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}(2)، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}(3)، {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ}(4)، {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ}(5)، {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}(6).
والعلامة الطباطبائي يتعرض لتفسير مقام الامامة الذي أُعطي لابراهيم وأنه مغاير لمقام النبوة والرسالة، ويأتي بشواهد عدة:
1 ـ أن هذا المقام أعطي لابراهيم على كبره و بعد تولد ذريته اسماعيل واسحق، وقد كان قبلها نبيا بلا شك.وذلك لأنه لو لم يكن لديه ذرية لما كان سؤاله الله تعالى {وَمِنْ ذُرِّيَتِي}.
____________
1- رجال الكشي 2: 259.
2- البقرة 2: 24.
3- السجدة 32: 34.
4- الانبياء 21: 73.
5- الاسراء 17: 71.
6- القصص 5: 28.
3 ـ أن القران كلما تعرض للإمامة تعرض معها للهداية تعرض تفسير {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} والهداية الجديدة التي حاز مرتبتها ابراهيم يجب أن تكون مخالفة للهداية السابقة التي كان حائزا عليها عندما كان نبيا، ولا شك أن الهداية التي في النبوة هي هداية اراءة فالهداية هنا هي هداية ايصال.
4 ـ أن لفظ الهداية قُيد بالأمر في آية السجدة، والأمر هو الذي يبين حقيقته ما ورد في قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(1)، وقوله {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْح بِالْبَصَرِ}(2)، فهذا الأمر هو أمر ملكوتي ليس فيه تدريج بل يحصل دفعة واحدة بمجرد إرادته بعيداً عن شرائط المادة والآلة وهذا الملكوت قد حاز عليه ابراهيم كما ورد في {وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}(3)، فإراءة الملكوت لابراهيم كانت مقدمة لافاضة اليقين عليه، وأهل اليقين لا يحجبهم عن ربهم حجاب قلبي من معصية أو جهل أو شك أو ريب، بل يكون لهم شهود حضوري على الأعمال أي أعمال البشر.
فالامام هاد يهدي بامر ملكوتي يصاحبه، والامامة بحسب الباطن نحو ولاية على الناس في أعمالهم، وهدايتها ايصالها إياهم إلى المطلوب بامر الله دون مجرد اراءة الطريق الذي هو شأن النبي والرسول(4).
____________
1- يس 36: 83.
2- القمر 54: 50.
3- الانعام: 75.
4- الميزان 1: 274.
ففي سورة الملك تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماوَات طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِن تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ....} فالآية تشير إلى أن الذي بيده الملك هو بيده القدرة وعلله {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماوَات } أي كل عالم الخلقة، فالملك بيد الله لأن ايجاد الخلق بيد الله، فكون وجود الاشياء منه وانتساب الاشياء بوجودها وواقعيتها إليه تعالى هو الملاك في تحقق ملكه الذي لا يشاركه فيه غيره، ولا يزول عنه إلى غيره ولا يقبل نقلا ولا تفويضا، وهذا هو الذي يفسر الملكوت في قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء}(1) فالملكوت هو وجود الاشياء من جهة انتسابها إلى الله سبحانه وتعالى، أي جنبة الإيجاد والقيومية والهيمنة والاحاطة.
فالمخلوق يكون ذا جهتين فإذا لحظناه بما هو في نفسه فإنك تلحظه من جهة المخلوقية، أما إذا لحظته بما هو دال على خالقه تكون جنبة ملكوتية، ومن هنا كان النظر في ملكوت الأشياء يهدي الانسان إلى التوحيد هداية قطعية، فإراءة ابراهيم ملكوت السماوات والأرض هو توجيهه تعالى نفسه الشريفة إلى مشاهدة الاشياء من جهة استنادها ووجودها إليه(2).
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ}(3)، فالملك هنا يشمل الحقيقي والاعتباري، بل قد يقال بالأول فقط وهو قد يعطيه من
____________
1- يس 83.
2- الميزان 7: 170 ـ 172.
3- آل عمران: 6.
إذن فالامامة هي الهداية الايصالية الملكوتية النابعة من العلم والقدرة، فالامام هو رابطة تكوينية بين الخالق والمخلوق فهو يشهد الاعمال {كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}(1)، فالمقربون لهم نوع من العلم الحضوري، ويضيف العلامة أنه يوجد في سورة الانبياء قيد آخر {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} فمتعلق الوحي جاء خال من (إن) وقد حرر في البلاغة أن إضافة العامل إلى معموله إن كانت بـ (أن والفعل) فإنه يفيد الاستقبال وأنه أمر تشريعي، مثل {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أنْ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ} اما إذا أضيف إلى ما يضاف الفعل لمعموله من دون توسط (أن) بين أوحينا إليهم وبين فعل الخيرات، فهذا يدل على تحققه فعلا على نحو ما ورد في آية التطهير {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ} فإن الفعل لم يسبق بأن وهو دال على وقوع التطهير فعلا، ففعلهم نابع من الوحي والتسديد الإلهي وهو معنى العصمة أي لا يحتاج إلى هداية غيره.
- وقوله تعالى {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ}.
يذهب العلامة إلى أن المراد من الامام هنا هو إمام الهدى، إذ ان الآية تدل على أن لكل زمان إمام، ولا يخلو أناس في عصر من العصور من إمام فيكون المراد من الإمام هنا هو إمام الهدى، نعم الروايات دالة على وجود إمامين هدى وضلال، واستظهار العلامة وإن خالف ظاهرها لكن لا مخالفة حقيقية عند التدبر في الروايات، وذلك لان الروايات المفسرة للقران على نحوين:
أحدهما: أنها تقوم بمعالجة ظاهر القران الكريم بحيث تبين المراد من الآية
____________
1- المطففين: 20.
والقسم الآخر: من الروايات التي تقوم ببيان باطن القرآن وهذه الروايات لا تنفي حجية الظاهر بل يبقى على حجيته فهي لا تحصر معنى الآية فيما تذكر، والشاهد على ذلك ورود روايات متعددة في تفسير الآية الواحدة، فهذه كلها غير متناقضة إذ أنها تشير إلى أسرار الآيات التي لا يصل إليها غير المعصوم. وهذا بحث حرره الأصوليون.
نعود إلى الآية الكريمة: فعلى فرض كون المراد من الامام هو إمام الضلال أيضا لا الامام الذي اجتباه الله، فإن إمام الهدى هو من البشر، وقد عرفته آيات أخرى من أن هدايته تكون بأمر ملكوتي خلاف إمام الضلال الذي لم تعرفه الآيات بهذا السنخ،وسيأتي مزيد تفصيل لهذا المعنى في فقه الآيات.
وقد ذهب البعض إلى أن المراد من الامام هوا لكتاب التشريعي كالتوراة والانجيل والقرآن، وهذا غير صحيح لأن المراد من كل أناس أنه يعم كل الناس من الأولين والآخرين،وليس مختصا بفئة معينة، ويلاحظ أن القرآن إذا أراد تخصيص فئة معينة من الناس لها هدف معين فإنه يعبر عنهم بالامة وعدم استخدامه لهذا اللفظ هنا يدل على إرادته كل الناس في مختلف الأزمنة.
ونعود إلى إمام الهدى والضلال; فإن امام الهدى هو الذي تكون هدايته بأمر ملكوتي بخلاف إمام الضلال الذي تكون هيمنته على مستوى الشيطنة، وهذه
ففي الانسان الصغير بظل أئمة الضلال من الواهمة والمتخيلة والغضبية والشهوية لا تستطيع أن تترفع إلى مستوى التجرد العقلي فكذلك أئمة الضلال في الانسان الكبير إبليس وأشياعه وأتباعه.
ويستعين العلامة في توضيح الهداية المخبوة في الامام بقوله تعالى {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى}(1)، فإن الآية تجعل المقارنة بين هاديين إلى الحق (والهادي إلى الضلال خارج عن هذه المقارنة) أحدهما يهدي إلى الحق من نفسه والآخر يحتاج إلى هداية الغير من أجل أن تهتدي نفسه ثم يقوم بهداية غيره.
إن قلت: أن الذي يهدي من نفسه ولا يحتاج إلى هداية الغير هو الله سبحانه وتعالى كما ذكرته الآية في الشق الأول، والذي يحتاج إلى هداية الغير هم الأنبياء والرسل والائمة المهتدون بهداية الله سبحانه.
قلت: إن لازم ذلك أن يبعث الله للناس نحو هداية نفسه مباشرة لا الهداية التي في الرسل والانبياء لأنهم يهتدون بغيرهم، وبتعبير آخر لازم ذلك أن ينهانا عن اتباع الرسل والانبياء في حين لا توجد لدينا قناة لاستلام الهداية إلا من الرسل فيحصل تنافي في مدلول الآية الشريفة، وهداية الله لا يدعيها أحد من دون توسط الرسل والانبياء، فبالتأكيد هذا المعنى خاطئ،والصواب أن الآية دالة على أن الهادي الذي يتبع هو المعصوم الذي علمه لدني لا من الأغيار البشرية وإن كانت
____________
1- يونس: 35.
وذلك المعصوم هو الذي يكون هاديا للحق على نحو الدوام أما الشخص الآخر الذي لا يهتدي إلى الحق إلا بهداية غيره فإذا لم يوجد ذلك الغير فهو يهدي إلى الباطل والضلال. وهداية الله لهؤلاء المعصومين تكون بأحد الطرق الثلاثة {مَا كَانَ لِبَشَر أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً}(1).
وينقل العلامة دليلا عقليا على وجوب العصمة وهو تفسير الامامة بأنه يهدي (بأمرنا) وأن الهداية ايصالية كما مر ذكره سابقا، فلابد أن مَن يكون لديه القدرة على تلك الهداية أن يكون مهتديا بنفسه بل تدل الآية على أن الفيوضات الكمالية العملية على النفوس، وانتقال النفوس في سيرها التكاملي من موقف لآخر إنما يتم عبر الامام، وذلك لأنه يهدي بأمرنا إي بالامر الملكوتي وهو (كن فيكون) فالفيوضات تكون بواسطة رابطة الامامة أما رابطة النبوة فهي من أجل هداية الخلق في الاراءة فقط وهي الجهة التشريعية.
فتحصل مما تقدم:
1 ـ ضرورة كون الامام معصوما.
2 ـ أن يكون موجودا في كل زمان.
3 ـ أنه يفوق غيره في الفضائل النفسية سواء المعاشية أو الاخروية.
4 ـ أن الإمامة باقية في عقب ابراهيم، وهذا يستفاد من نفس سؤاله لله تعالى في سورة البقرة، واستجابته تعالى لذلك، وما ورد في سورة الانعام من الآية 82 ـ 90: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ...وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا
____________
1- الشورى: 51.
ويطرح العلامة اشكالا ويجيب عنه، أما الاشكال فهو أن الآية تدل على أن من يكون نبيا فهو مهتديا فهذا يدل على أن كل نبي إمام، ويجيب عنه: أنه مما لا شك فيه أن النبي يكون مهتديا لكن ليست لدينا قاعدة أن كل مهتدي فهو هاد هداية ايصالية، نعم ما دلت عليه آية {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ...} تدل على أن الهادي إلى الحق يجب أن يكون مهتديا فالتلازم من طرف واحد لا من طرفين.
ويضيف العلامة في آية سورة الزخرف 28: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لاَِبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أن الله عز وجل جعل الهداية باقية في عقبه.
نعم يبقى اثبات أن المراد من الهداية في (سيهدين) حيث أنه كان نبيا ويدعو قومه فيجب أن تكون تلك الهداية غير ما هو حاصل عنده وما ذلك إلا الهداية الايصالية والامرية المجعولة باقية في عقبه.
ويخلص العلامة إلى أنه يتضح من آية البقرة سبع مسائل هي امهات مسائل الامامة:
1 ـ أن الامامة مجعولة.
2 ـ أن الامام يجب أن يكون معصوما بعصمة إلهية 3 ـ أن الارض لا تخلو من أمام حق.
4 ـ أن الامام يجب أن يكوم مؤيدا من عند الله.
5 ـ أن اعمال العباد غير محجوبة عن علم الإمام.
7 ـ أنه يستحيل أن يوجد من يفوقه في فضائل النفس.
وفي كتاب المقالات التأسيسية يذكر العلامة تعريفا أوسع للامامة: أن الامام هو السائق للنفوس البشرية إلى لقاء الله وإلى المعاد حيث يسوق أعمالهم ونفوسهم إلى الله تعالى، فبه معادهم وحشرهم ونشرهم حيث تشير الروايات المستفيضة إلى ورود الامام في كافة منازل الآخرة، وقد أشار القرآن إلى ذلك {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} فهذه الآية تثبت للرسول الذي هو حي في عالم الدنيا بأنه يشهد الاعمال وهي من سنخ ملكوتي والمؤمنون هم المعصومون يشهدون الاعمال بمقتضى {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}.
ونضيف على ما ذكره العلامة أن رابطة الامام والرسول بما هو امام لا تقتصر على عالم الدنيا وما بعده بل حتى ما قبل عالم الدنيا، حيث بعثه في عالم الذر إلى الآخرين وبقية العوالم السابقة على نشأة الدنيا، وأن الهداية الارائية ايضا مفروضة في الامامة لتقدمها على الايصالية - وان كانت هي في الامام في طول الهداية الارائية للنبي (صلى الله عليه وآله) - وهو ما يعبر عنه بالحافظ والمبين للدين عند المتكلمين، وأن الامامة في المجتمع - الانسان المجموعي - هي الزعامة السياسية أيضا مفروضة في حدّ الامامة.