الصفحة 54
لأبواب والغلق لأبواب أُخرى.

ومنها: يُضاعف العمل ثلاثين ألف ضعف، كما قال تعالى: {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر}. إلى غير ذلك من الخصائص التي امتازت بها ليلة القدر، إلاّ أنّ كلّ ذلك هو تمهيد وتوطئة وإعداد لأكبر امتياز وخاصّية امتازت بها ليلة القدر، وهو نزول القرآن والروح والملائكة فيها في كلّ عام.

وروي في مجمع البيان عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: "إنّ الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتّى يضيء فجرها، ولا يستطيع فيها أن ينال أحداً بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد، ولا ينفذ فيه سحر ساحر"(1).

ليلة القدر بيئة لنزول القرآن كلّ عام:

فكلّ الإعداد السابق للمسلم والمؤمن في بيئة شهر رمضان المباركة ومحيط أجواء النور في ليلة القدر وعبادة المؤمن وأعماله في هذه الليلة المتضاعفة أضعافاً، تبلغ أجر العمل في هذه الليلة من كلّ عام ما يزيد على عمر الإنسان لو قدّر تطاوله إلى ما يزيد على ثلاث وثمانين عاماً.

كلّ هذا الإعداد والرقي الروحي للمؤمن يُكتب له لأجل أن يدرك ليلة القدر، وإدراكها بدراية (ما ليلة القدر) حيث قال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}(2) وهو تحضيض وترغيب وحثّ على دراية ومعرفة ليلة القدر; فـ {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} أي ما أعلمك بليلة القدر، فإدراكها بدرايتها.

____________

1- تفسير مجمع البيان 10 / 409.

2- سورة القدر 97: 2.


الصفحة 55
وليست درايتها ومعرفتها هي بمعرفة وقتها الزماني ليتخيّل أنّ إدراكها هو بتحديد أي ليلة هي من الليالي لتوقع الأعمال العبادية فيها، بل هذا أدنى درجات الإدراك، ومعدّ إلى درجات أُخرى لإدراكها بدرايتها ومعرفة الإرهاصات التي تقع فيها، ومن ثمّ قال تعالى عقيب قوله {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} بقوله تعالى بخيرّيتها من ألف شهر، وأوج معرفتها بتنزّل الملائكة والروح فيها من كلّ أمر، فالعمدة في درك ودراية هذه الليلة بمعرفة نزول الروح والملائكة فيها من كلّ عام.

ويواجه الباحث هنا عدّة تساؤلات:

الأوّل: ما هي العلاقة بين نزول القرآن في ليلة القدر ونزول الروح؟ وما هذه الصلة التي يجدها ملحوظة في سورة القدر؟ حيث إنّ الضمير في {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} يعود إلى القرآن، كما أنّ الضمير في سورة الدخان {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة} يعود إلى الكتاب المبين، وقوله تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(1).

الثاني: هل النزول للقرآن يستمرّ باستمرار نزول الروح في ليلة القدر من كلّ عام؟

الثالث: ما هي الصلة بين الكتاب المبين والقرآن الذي أُنزل في الليلة المباركة ليلة القدر؟ كما في سورة الدخان التي تقدّمت، وفي سورة الزخرف من قوله تعالى: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}(2).

وقد وصفت الآيات المحكمات بأنّهن أُمّ الكتاب في سورة آل عمران في قوله

____________

1- سورة البقرة 2: 185.

2- سورة الزخرف 43: 1-4.


الصفحة 56
تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}(1).

الرابع: ما هي الصلة بين نزول القرآن ونزول الروح والملائكة، وتقدير كلّ أمر من الحوادث والآجال والأرزاق، وكلّ صغيرة وكبيرة تقع على كلّ شخص وكلّ مجتمع بل كلّ نبات وحيوان وجماد وكون ومكان ودول وجماعات وأحزاب ومنظمات إقليمية وقطرية ومذاهب وطوائف وحرب وسلم وغلاء ورخص وأمن وخوف ومواليد وأموات؟

وتدبير كلّ شيء من عظائم الأُمور وصغائرها، وأحلاف سياسية وعسكرية وأمنية، ومخطّطات ومشاريع، وظواهر اجتماعية واقتصادية، وظواهر فكرية اعتقادية، وانتشار الأمراض والأوبئة المهدّدة للصحّة العالمية البشرية، والسياسات المتبنّاة في كلّ إقليم، وتوازن القوى الاجتماعية والإقليمية والدولية، وسقوط دول وبروز أُخرى، وتبدّل أعراف ونشوء أُخرى قانونية واجتماعية وأخلاقية، وما سيدور في الدوائر الأمنية والسياسية والمخابراتية الدولية والقطرية من خلف الكواليس؟ حيث قال تعالى في سورة الدخان: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}(2)، وقال في سورة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر}(3)، وقوله تعالى: {يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}(4)، وقوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ}(5)، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً}(6).

وروى الكُليني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: "كان عليّ (عليه السلام) كثيراً ما يقول: ما اجتمع

____________

1- سورة آل عمران 3: 7.

2- سورة الدخان 44: 4 - 5.

3- سورة القدر 97: 4.

4- سورة الرعد 13: 39.

5- سورة النحل 16: 2.

6- سورة النحل 16: 89.


الصفحة 57
التيمي والعدوي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقرأ إنّا أنزلناه بتخشّع وبكاء، فيقولان: ما أشدّ رقّتك لهذه السورة؟ فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لِما رأت عيني ووعى قلبي، ولِما يرى قلبُ هذا من بعدي. فيقولان فما الذي رأيت وما الذي يرى. قال: فيكتب (صلى الله عليه وآله) لهما في التراب {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر}. قال: ثمّ يقول: هل بقي شيء بعد قوله عزّوجلّ: (كلّ أمر) فيقولان: لا.." الحديث(1).

وروى الكُليني صحيح محمّد بن مسلم، عن أحدهما، قال: ".. وسُئل عن ليلة القدر فقال: تنزّل فيها الملائكة والكتبة إلى السماء الدنيا، فيكتبون ما يكون في أمر السنة وما يصيب العباد، وأمره عنده موقوف له وفيه المشيئة، فيقدّم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء"(2).

وروى في صحيح الفضلاء في حديث، في قوله عزّوجلّ {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم} قال: يقدّر في ليلة القدر كلّ شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل خير وشر وطاعة ومعصية ومولود وأجل أو رزق، فما قدّر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم ولله عزّوجلّ فيه المشيّة(3).

الخامس: من هو الذي ينزل عليه الروح والملائكة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) في هذه الأُمّة إلى يوم القيامة؟ حيث إنّ نزول الملائكة والروح بحسب سورة القدر وسورة الدخان كان قطعاً على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، حيث إنّ نزول الروح والملائكة كان إنزالاً للقرآن على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فلم يكن نزولاً بلا مقصد ينتهي إليه النزول، وكذا قوله في سورة الدخان: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}(4) فالآية تصرّح أنّ مورد النزول هو من يشاء الله من

____________

1- الكافي 1 / 249.

2- الكافي 4 / 157.

3- الكافي 4 / 156.

4- سورة الدخان 44: 3 - 5.


الصفحة 58
عباده، أي يصطفيهم لذلك ليكونوا منذرين، وكذلك سورة غافر في قوله تعالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}(1).

السادس: هل هذا المتنزّل من الكمّ الهائل من المعلومات عن كلّ ما يحدث في الأرض والذي ينزل على من اصطفاه الله لذلك وشاء له ذلك بنصّ سورة النحل وغافر والتي هي نظم ومنظومات معلوماتية بالغة الخطورة عن المستقبل في كلّ الحقول ونظم الاجتماع السياسي والاقتصادي والأمني، فهل نزولها للترف العلمي ومجرّد اطّلاع من يشاء الله من عباده، أم أنّ ذلك ليقوم بمهام وأدوار خطيرة في البشرية في كافّة أرجاء الأرض؟

وعلى كلّ تقدير، فإنّ ظاهر سورة القدر {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} هو نزول القرآن في ليلة القدر، كما هو ظاهر قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(2)، فإنّ مفادهما كما اعترف بذلك جملة كثيرة من المفسّرين من الفريقين، هو نزول القرآن جملة واحدة في شهر رمضان، وظاهر الضمير في سورة القدر عائد إلى القرآن، كما أنّ لفظ الآية في سورة البقرة كذلك {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}، حيث إنّ ظاهر (ال) في المجموع، وكذلك هو مفاد قوله تعالى في سورة الدخان: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}، فإنّ الضمير عائد إلى الكتاب المبين برمّته. هذا مضافاً إلى أنّ بعثة الرسالة النبويّة هي في شهر رجب وهو مبدأ نزول القرآن نجوماً وأنّ أوّل سورة نزلت هي سورة العلق وغيرها من السور، فمن ثمّ حُمل ذلك على استظهار أنّ للقرآن نزولان:

النزول الأوّل: بجملة القرآن.

____________

1- سورة غافر 40: 15.

2- سورة البقرة 2: 185.


الصفحة 59
والنزول الثاني: هو نزول مفصّل تدريجي نجومي بحسب الوقائع والأحداث.

وقد تفطّن إلى ذلك في دلالة الآيات ببركة ما ورد من روايات أهل البيت (عليهم السلام) وانتشر من حديثهم، فتبنّاها جملة من طبقات التابعين أخذاً عنهم وإن لم يسندوها إليهم، فقد ورد عنهم (عليهم السلام) كما في صحيحة حمران أنّه سأل أباجعفر (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}؟ قال: "نعم، ليلة القدر، وهي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلاّ في ليلة القدر.."(1).

وقال علي بن إبراهيم في تفسيره في معنى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}: فهو القرآن نزل إلى البيت المعمور في ليلة القدر جملة واحدة، وعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في طول ثلاث وعشرين سنة {وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ}. ومعنى ليلة القدر أنّ الله تعالى يقدّر فيها الآجال والأرزاق، وكلّ أمر يحدث من موت أو حياة أو خصب أو جدب أو خير أو شرّ، كما قال الله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم}(2) إلى سنة، قوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم} قال: تنزّل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان، ويدفعون إليه ما قد كتبوه من هذه الأُمور)(3).

وروى الكُليني بسنده عن الحسن بن عبّاس بن جريش، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، قال: "قال الله عزّوجلّ في ليلة القدر: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم} يقول: ينزل فيها كلّ أمر حكيم، والمحكم ليس بشيئين إنّما هو شيء واحد، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عزّوجلّ"(4). الحديث.

وروى الكُليني بسنده إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "نزل القرآن جملةً واحدة في

____________

1- الكافي 4 / 157.

2- سورة الدخان 44: 4.

3- تفسير القمّي 2 / 431.

4- الكافي 1 / 247 ح 3.


الصفحة 60
شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ نزل في طول عشرين سنة. ثمّ قال: قال النبيّ (عليه السلام) أُنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان"(1).

وروى الكُليني بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "نزلت التوراة في ستّ مضت في شهر رمضان، ونزل الإنجيل في اثنتي عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، ونزل الزبور ثماني عشرة من شهر رمضان، ونزل القرآن في ليلة القدر"(2).

مكان نزول القرآن:

ومن ثمّ كان للقرآن نزولان، وكان ما يتلقّاه النبيّ (صلى الله عليه وآله) في النزول الأوّل هو حقيقة القرآن التكوينية، وفي النزول الثاني هو معاني القرآن وألفاظه. فالنزول الأوّل: هو نزول جملة القرآن وحقيقته التي في نشأة الملكوت التي هي الكتاب المبين، وقد أطلق عليها الروح في القرآن الكريم، أي أنّه وجود حيّ شاعر عاقل أعظم خلقاً من الملائكة، كما أشارت إليه الآيات والروايات.

والنزول الثاني: هو نزول معاني وألفاظ القرآن، وهو نزول القرآن نجوماً على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، والذي سُمّي القرآن فرقاناً بلحاظه.

وقد ذهب إلى تنوّع النزول أكثر المفسّرين والمحدّثين، ويشير إلى النمط الأوّل من النزول قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ}(3)، وقوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ أَلرُّوحُ

____________

1- الكافي 2 / 629 ح 6.

2- الكافي 4 / 157 ح 5.

3- سورة الشورى 42: 52.


الصفحة 61
أَلاَْمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ أَلْمُنْذِرِينَ}(1)، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}(2)، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}(3)، وقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ}(4). ومن ثمّ اختلف توقيته، توقيت النزول الجملي للقرآن عن بدء البعثة في رجب التي هي مبدأ لأوّل ما نزل بنحو نجومي متفرّق فرقاني، أو الذي هو من النمط الثاني.

ويشير أيضاً إلى: النمط الأوّل من النزول جملة من الروايات:

منها: ما رواه العياشي عن إبراهيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "سألته عن قوله تبارك وتعالى: {شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ}(5)، كيف أُنزل فيه القرآن وإنّما أُنزل القرآن في عشرين سنة من أوّله إلى آخره، فقال (عليه السلام): نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ أُنزل من البيت المعمور في طول عشرين سنة"(6).

وفي اعتقادات الصدوق، قال في نزول القرآن: اعتقادنا في ذلك أنّ القرآن نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثمّ نزل من البيت المعمور في مدّة عشرين سنة، وأنّ الله تبارك وتعالى أعطى نبيّه العلم جملة واحدة، ثمّ قال له: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}(7) وقال عزّوجلّ: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(8).(9)

وما ذكره مضمون جملة من الأخبار والروايات، وفي بعض الزيارات تضمّن

____________

1- سورة الشعراء 26: 193 ـ 194.

2- سورة الدخان 44: 3.

3- سورة القدر 97: 1.

4- سورة البقرة 2: 185.

5- سورة البقرة 2: 185.

6- تفسير العياشي 1 / 80، والكافي 2 / 629.

7- سورة طه 20: 114.

8- سورة القيامة 75: 16 ـ 19.

9- الاعتقادات: 83.


الصفحة 62
الخطاب "أيها البيت المعمور".(1)

وفي تفسير القمّي: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} يعني القرآن، {فِي لَيْلَة مُبَارَكَة} وهي ليلة القدر أنزل الله القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثمّ نزل من البيت المعمور على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في طول عشرين سنة.. الحديث(2). وبنفس هذه الرواية والألفاظ رواها عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير سورة القدر.

في دلائل الإمامة للطبري بسنده إلى الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث أنّه قال (عليه السلام): "ونحن البيت المعمور الذي من دخله كان آمناً"(3).

وروى الصدوق في الأمالي صحيحة حفص، قال: قلت للصادق (عليه السلام): "أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: {شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ} كيف أُنزل القرآن في شهر رمضان وإنّما أُنزل القرأن في مدّة عشرين سنة أوّله وآخره؟ فقال (عليه السلام): أُنزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم أُنزل من البيت المعمور في مدّة عشرين سنة"، وروى مثله في كتاب فضائل الأشهر الثلاثة(4).

وفي دلائل الإمامة للطبري بسنده عن الصادق (عليه السلام) في حديث، قلت: "والبيت المعمور أهو رسول الله؟ قال: نعم، المملي رسول الله والكاتب عليّ"(5).

وغيرها من الآيات والروايات التي تشير إلى النمط الأوّل من النزول، الذي هو عبارة عن نزول حقيقة القرآن الملكوتية لا المعاني والألفاظ، والتي تقدم أنّها روح القدس، وهي خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل.

____________

1- مقدمة تفسير البرهان مادة المعمور.

2- تفسير القمي في ذيل سورة الدخان.

3- البحار 56 / 197، ودلائل الإمامة للطبري: 126.

4- البحار 94 / 11، والأمالي: 62.

5- دلائل الإمامة: 478.


الصفحة 63

الروح النازل في ليلة القدر هو القرآن:

وفي جملة من الروايات المتضمّنة لنزول القرآن في ليلة القدر الظاهر منها أنّ القرآن النازل في ليلة القدر هو الروح الأعظم الذي ينزل في ليلة القدر ويُنزّل به الملائكة.

فقد روي في الكافي والفقيه بإسنادهما عن حمران أنّه سأل أباجعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}؟ قال: "هي ليلة القدر، وهي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، ولم ينزّل القرآن إلاّ في ليلة القدر، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم}(1).." الحديث(2).

وبإسنادهما عن يعقوب قال: "سمعت رجلاً يسأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن ليلة القدر، فقال: أخبرني عن ليلة القدر كانت أو تكون في كلّ عام؟ فقال أبا عبد الله (عليه السلام): لو رُفعت ليلة القدر لرُفع القرآن"(3).

وبهذا المضمون جملة مستفيضة من الروايات في ذيل سورة القدر وسورة الدخان، ومقتضاها: أنّ قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} عطف بيان أو بدل عن الضمير في قوله تعالى {أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، أو أنّ الفعل (تنزّل) الملائكة والروح بدل عن فعل (أنزلناه)، والنتيجة متّحدة مع الاحتمال السابق.

ثمّ إنّ تفسير البيت المعمور بقلب النبيّ (صلى الله عليه وآله) كما أشارت إليه الروايات السابقة ـ لا ينافي تفسير البيت المعمور في جملة أُخرى من الروايات بالبيت الظراح المبني في السماء الرابعة التي تطوف به الملائكة كلّ يوم، فإنّه من تعدّد معاني التأويل،

____________

1- سورة الدخان 44: 3.

2- الكافي 4 / 157 ح 6.

3- الكافي 4 / 158.


الصفحة 64
وقد اطلق البيت في التعبير القرآني بهذا المعنى، كما في قوله تعالى: {فِي بُيُوت أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ}(1)، فرجال عطف بدل على بيوت.

أمّا النمط الثاني من النزول وهو النزول التدريجي والنجومي أي نزول المعاني والألفاظ، فيشير إليه جملة من الآيات والروايات، كما في قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(2)، وقوله تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}(3)، وكذا الآيات التي تشير إلى حدث زماني بخصوصه، نظير قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}(4)، ومثلها قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}(5)، وغيرها من الآيات والسور النازلة بحسب أسباب النزول الحادثة حالاً بحال، فضلاً عن تدريجية نزول الآيات والسور كما في أوّل ما نزل من السور، كما في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِْنْسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَْكْرَمُ}(6)، وغيرها من السور النازلة بحسب سنوات البعثة وسنوات الهجرة الذي عُرف بآخر السور نزولاً.

وبعبارة أُخرى: أنّ ظاهر قوله تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(7)، وقوله تعالى: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة}(8)، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}(9)، هو نزول

____________

1- سورة النور 24: 36-37.

2- سورة القيامة 75: 16-19.

3- سورة طه 20: 114.

4- سورة المجادلة 58: 1.

5- سورة الجمعة 62: 11.

6- سورة العلق 96: 1-3.

7- سورة البقرة 2: 185.

8- سورة الدخان 44: 1.

9- سورة القدر 97: 1.