الأمر الأول
استعراض نماذج الإمامة في القرآن
ونستعرض فيها قائمة لأولياء الله الحجج، وكيفية توفّرهم على العلم اللدني وتصرّفهم على طبقه، ومنه سوف ينكشف لنا جوانب هذا العلم.
النموذج الأوّل: قصّة الخضر وموسى
والتي تناولها القرآن الكريم في سورة الكهف من الآية 60 وحتّى الآية 82.
وقبل استعراض الآيات يجب أن نلقي الضوء على الجوّ العامّ الحاكم على سورة الكهف، فالآيات التي ابتدأت بها السورة تستعرض حرص الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) على قومه لعدم استجابتهم وأسفه عليهم لعنادهم، حيث قال تعالى:
استعراض تفصيلي للآيات:
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى...}(2) أي واذكر أيضاً قصّة موسى، ممّا يدلّل على ما ذكرناه من أنّ القصص الثلاث أتت في سياق واحد ومن أجل هدف واحد.
وفي أسباب النزول: أنّ موسى عندما أنزل الله عليه الألواح رجع إلى بني إسرائيل وصعد المنبر وأخبرهم أنّ الله قد أنزل عليه التوراة وكلّمه، فقال في نفسه: ما خلق الله خلقاً أعلم منّي، فأوحى الله إلى جبرئيل أدرك موسى فقد هلك، واعلمه أنّ عند ملتقى البحرين عند الصخرة رجلاً أعلم منك، فسر إليه وتعلّم منه.
أي أنّ للخضر علم مغاير لعلم موسى، وهذا مع التسالم على أنّ موسى أفضل من جميع من سواه في عصره.
{لاَ أَبْرَحُ...}(3) ظاهر في وجود أمر بالمجيء إلى هذا المكان وبالتالي وجوده
____________
1- سورة الكهف 18: 6.
2- سورة الكهف 18: 60.
3- سورة الكهف 18: 60.
{ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ}(1) يدلّ على تحديد المكان بالعلامة. والآيات اللاحقة تبين أنّ موسى قد لقي الخضر نائماً ولم يلتفت إلى أنّه هو الذي يجب أن يتبعه فسار قليلاً، فارتدّا على آثارهما بعد أن التفتا إلى ذلك.
{فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}(2)، وهذه الآية تبين لنا صفات الخضر:
أ - الإضافة التشريفية لله جلّ وعلا، حيث عبّر عنه أنّه من عبادنا، ممّا يدلّ على الحظوة والانتساب.
ب - إنّ التتبّع في استخدامات (عبادنا) يفيد أنّه لم يُستخدم إلاّ في الأنبياء والمرسلين والأولياء، ولم يستخدم هذا التعبير لجميع العباد.
ج - إنّه مشمول بالرحمة الخاصّة.
د - إنّه متّصل بالغيب من خلال العلم الذي أوتي من الذات المقدّسة، وإنّ هذا العلم من لدن العليم الخبير، ففيه إشارة إلى عدم كون علمه كسبياً بل إفاضياً، وأنّه علم يفاض من لدن الذات.
{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}(3)، يذكر الشهيد الثاني في منية المريد جملة دلالات في هذه الفقرة على التواضع، إنّ في هذه الجملة الوجيزة اثني عشر فائدة من فوائد الآداب، منها: التواضع في الطلب، فقوله: (هل) تفيد الاستيذان منه قبل الالتحاق به، والتعبير بـ (أتّبعك) ولم يقل أرافقك أو أماشيك، ممّا يفيد معنى التبعية وما فيه من معنى المتابعة المطلقة،
____________
1- سورة الكهف 18: 64.
2- سورة الكهف 18: 65.
3- سورة الكهف 18: 66.
وهذا خضوع وتواضع من قبل النبيّ موسى للخضر (عليه السلام) مع أنّه من أولي العزم ومن الأئمّة، حيث إنّ بعض الأنبياء من غير أولي العزم وصفوا بأنّهم أئمّة، فكيف بأولي العزم، مضافاً إلى أنّه كان حاكماً على بني إسرائيل، والحكومة من شؤون الإمامة لا من شؤون النبوّة، لكنّ الإمامة لها درجات مختلفة في الكمال والفضيلة الكونية كاختلاف النبوّة في الدرجات.
كما أنّ هذا التواضع ليس من باب الخلق الحسن، بل هو من باب ما يقتضيه حقيقة العلم الذي يمتلكه الخضر والذي امتاز به عن النبيّ موسى.
الواضح من هذه الآيات أنّ العلم الذي كان لدى الخضر هو من الشريعة الكونية والسنن الإلهية في نظام التكوين; وذلك لأنّه لو كانت من الظاهرة لعلم بها موسى، وإنّما سميت شريعة لأنّ فيها أوامر وإرادة إلهية كونية، وعدم تزويد موسى بها دليل على أنّها خاصّة بالبعض.
والعامّة لجمودهم وابتعادهم عن بيت الوحي والعصمة تراهم وقعوا في حيص وبيص في كيفية تصوير اختلاف العلم الذي لدى الخضر مع العلم الذي لدى نبيّ الله، وهل هو من سنخ النبوّة أم غير ذلك؟ وما ذلك إلاّ لأنّهم لم يذعنوا بالإمامة والعلم اللدني ولم يعترفوا بمقام الولاية الذي يطّلع على المشيئة الإلهية والإرادات الإلهية، والذي يعرّف الشريعة بحسب السنن الإلهية التكوينية، وجمدوا على منصّة الشريعة الظاهرة.
ويدلّ هذا المقطع على اختصاص الشريعة بحسب الدرجة الواقعية الكونية بالأولياء المصطفين المعصومين، حيث لم يزوّد بها بتمامها حتّى موسى (عليه السلام) فضلاً عن عموم المكلّفين.
{قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}(2)، إشارة إلى نظير وما فعلته عن أمري، الدالّ على أنّه أمر إلهي وارادة كونية، إلاّ أنّه ليس من الشريعة الظاهرة، وهو إشارة إلى ما يأتي من قول الخضر.
{قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا}(3) ففيه أيضاً ـ إشارة إلى تأدّب الخضر مع النبيّ، فلم يأمره بالاتّباع بل علّقه على مشيئته وإرادته، كما أنّ الاستعلام العلمي عن حكمة فعل من الأفعال لا ينافي الائتمام; وذلك لأنّ التبعية ليست معلّلة أو موقوفة على حكمة الفعل.
إنّ هذه الآداب بين الحجج تشير إلى مطلب مهم وهو اعتقادهم بالمناصب الإلهية لكلّ منهما، وقد ورد في حديث المعراج: أنّ النبيّ في أحد المواقف تقدّم على الأنبياء وأمّهم للصلاة، ولم يكن لديه خشية وخوف مع إذعان جميع الأنبياء لهذا التقدّم.
____________
1- سورة الكهف 18: 67.
2- سورة الكهف 18: 69.
3- سورة الكهف 18: 70.
كما يدلّ هذا المقطع على أنّ المأموم تابع لإمامه إمامةً تعبّدية، فلا يحقّ له تعليق تبعيته على معرفة الحكمة والمصلحة في أوامر إمامه، نعم، له الحقّ أن يسأل إمامه عن وجه الحكمة، ولكن كما ذكرنا أنّ منشأ المتابعة ليس معرفة الحكمة وإنّما الإمامة، فالآداب المتبادلة بين الخضر وموسى ذات منشأ وبذر عقائدي.
{لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}(1)، اعتراض من موسى بحسب الشريعة الظاهرة; لأنّ خرق السفينة تصرّف في ملك الغير.
{قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا}(2)، ليس المقصود من النسيان المعنى المصطلح وهو المنفي عن مقام العصمة للنبيّ، كما سيتّضح ذلك في الآيات القادمة، بل إنّ عدم اعتراض موسى سوف يكون نقصاناً في علمه النبويّ، وإنّ من الكمال لموسى هو الاعتراض، فالمعنى المراد من النسيان هاهنا ضرب من المعنى لا ينافي العصمة، نظير المعنى المجازي في قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}(3)، إذ النسيان هو بحسب مقام الولاية الذي كان عند الخضر المطّلع على الشريعة بحسب الواقع الكوني، وهو لا ينافي عصمة موسى بحسب الشريعة الظاهرة، كيف والنسيان ليس أسوأ من عدم علمه بما يعلمه الخضر، ومع ذلك لم
____________
1- سورة الكهف 18: 71.
2- سورة الكهف 18: 73.
3- سورة التوبة 9: 67.
والمفاد المطابقي لكلام النبيّ موسى (عليه السلام) ليس كلاماً واستفهاماً وإنّما هو اعتراض بمقتضى الشريعة الظاهرة واستنكار للفعل. نعم، يقتضي بالتلازم العقلي الدفاع والجواب من الخضر، فمحور التجاذب في الكلام هو عمّا لم يطلع عليه موسى، ومن ثمّ كانت إجابة الخضر: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}(1)، وهو يشير إلى ما قاله لموسى في بدء لقائهما: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}(2)، أي ما لم تعلمه، ومن ثمّ لم يقل له إنّك لم تفِ بما تعهّدت به، فالموازين بحسب الشريعة الظاهرة هي السبب في اعتراضه الموجب لترك الشرط فيما بينهما، إذ الشرط لا يغير الحكم الأوّلي عمّا هو عليه.
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}(3)، وهذه هي الحادثة الأولى، والتي رأى فيها موسى تصرّفاً في ملك الغير وتعريض الآخرين للغرق، كما يُلاحظ أنّ موسى استخدم تعبير (إمراً) أي مستقبح، بينما في قتل الغلام كما سترى ـ يستخدم نكراً وهي أشدّ من الأولى; لشدّة قباحة الفعل ظاهراً.
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا}(4)، وهو قتل الخضر للطفل الصغير الذي لم يبلغ الحلم، وفي هذا تعدّيان في نظر موسى: أحدهما هو القتل من دون سبب مجوّز له، والآخر أنّه ما زال صغيراً ولا يؤاخذ بما يفعل فضلاً عمّا لم يأت به.
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا
____________
1- سورة الكهف 18: 72.
2- سورة الكهف 18: 68.
3- سورة الكهف 18: 71.
4- سورة الكهف 18: 74.
{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}(2).
إنّ هذه الآية الكريمة توضّح لنا أنّ للخضر نوع من العلم الذي ليس لدى النبيّ موسى; وذلك لأنّ العلم النبويّ هو العلم بإرادات الله التشريعية، وهذا بخلاف العلم اللدني الذي يكون لدى أولياء الله الحجج، ونحن في نفس الوقت نثبت أنّ كلّ نبيّ من حيث نبوّته قد يكون مطّلعاً على العلم اللدني من بعض جوانبه.
ومن امتيازات الشريعة في تطبيقها بدرجتها في سنن نظام الكون والعلم اللدني، أنّ الواجبات والأحكام يمكن تطبيقها في دائرة واسعة زمنية، أي يقع التزاحم بين الفعلي والمستقبلي حيث يعلم به، وكذا تشخّص الأهمّية في الملاك بعد ملاحظة تداعياته وما يترتّب عليه. وهذا هو سرّ الفرق بين حكومة المعصوم (عليه السلام) وحاكميته بتوسّط ما يتنزّل عليه كلّ عام في ليلة القدر من مقدّرات كلّ شيء، وبين حكومة غير المعصوم وحاكميته حيث يجهل كلّ ذلك، بل في حكومة المعصوم يُتفادى ذات التزاحم نفسه، لما فيه من التفريط ببعض المصالح الشرعية، بخلاف حكومة غير المعصوم فإنّه لعدم إحاطته بتداعيات الأحداث والحوادث يفرط وينفرط عليه زمام الحفظ للملاكات والحدود الشرعية، ويقع في سلسة من التفويت للأغراض الشرعية تحت ضغط ظروف التزاحم المفاجئ والتدافع التي تفرض عليه بسبب عدم قدرته على الإحاطة بخفايا الأُمور الراهنة
____________
1- سورة الكهف 18: 77.
2- سورة الكهف 18: 78.
وعلى ضوء ذلك تتبلور فظاعة الطغيان والكفر، كما في مَن أحيا نفساً فقد أحيا الناس جميعاً، كما ورد عن الصادق (عليه السلام): "ذلك تأويلها الأعظم"(1) الإحياء بالمعرفة.. وهو قد ينطبق ويلتئم مع تداعيات الفعل في سلسلة ممتدّة، كما في إعزاء كلّ ذنوب الأُمّة إلى الأوّل والثاني.
وهناك مقولة تقول: إنّ الفقه بمعنى الكلمة ـ مَنْ يتوصّل إلى أغراض الشرع بدون تزاحم، ومن بعد الدرجة اللاحقة مَنْ يصل إليها بالتزاحم، ولا تصل النوبة إلى التعارض، ومن بعد مَنْ يتوصّل إليها بالجمع العرفي، فالتعارض هو الخيار الأخير لمن يعجز عن الإحاطة بالدرجات السابقة.
وهذه المقولة تؤشّر على أنّ كثيراً من التزاحمات المتصوّرة هي وهم تزاحم لا حقيقة، ومع تحقّقه فلا طريق إلاّ التعامل مع الملاك بشكل مقطعي، وهذا ليس إلاّ لفقدان الوسيلة، لا لاختلاف التزاحم بين الشريعة بحسب درجة تطبيقها في النظام الكوني والظاهرة.
نعم، لا يحيط غير المعصوم بالإرادات الكلّية حضوراً، وإنّما هو مختصّ بمن له الهداية في الإراءة، كما أنّه لا قياس ولا مقارنة بين علم المعصوم بالشريعة الظاهرة وما يتوصّل إليه الفقيه بالظنّ القاصر عن الإحاطة بكلّ الشريعة الظاهرة، بل القاصر عن الوصول إلى متن الشريعة، بل من وراء حجاب دلالة الألفاظ مع عدم إحاطته أيضاً بكلّ الدلالة ولا بكلّ تناسباتها، فمن ثمّ يقع الخطأ حتّى في هذا المقدار المحدود من النزر اليسير، فضلاً عن عدم إحاطته بتنزّلات الإرادات الكلّية ومنظوماتها.
____________
1- راجع الكافي 2 / 211.
فلو أنّهم إذا سُئلوا عن شيء من دين الله فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول الله ردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم من آل محمّد (صلى الله عليه وآله)، والذي منعهم من طلب العلم منّا العداوة والحسد لنا، لا والله ما حسد موسى (عليه السلام) العالم وموسى نبيّ الله يوحي الله إليه، حيث لقيه واستنطقه وعرفه بالعلم، ولم يحسده كما حسدتنا هذه الأُمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ما علمنا وما ورثنا عن
____________
1- سورة الأعراف 7: 144.
2- سورة الأعراف 7: 145.
وقد كان العالم يعلم أنّ موسى (عليه السلام) لا يصبر على علمه فكذلك ـ والله يا إسحاق بن عمار ـ حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم اليوم لا يحتملون والله ـ علمنا ولا يقبلونه ولا يطيقونه ولا يأخذون به ولا يصبرون عليه، كما لم يصبر موسى (عليه السلام) على علم العالم حين صحبه ورأى ما رأى من علمه وكان ذلك عند موسى (عليه السلام) مكروهاً وكان عند الله رضاً وهو الحقّ، وكذلك علمنا عند الجهلة مكروه ولا يؤخذ وهو عند الله الحقّ"(3).
والهداية الإيصالية شيء وراء الوساطة في الفيض في قوس الصعود أو هي، ومع كونها هي هل هي مختصّة بالمؤمن أو تعمّ الكافر حيث إنّ الوساطة لم يُستثن منها أحد؟
بل هي مع خصوصيات تذكر في محلّها، والوساطة لم يُستثن منها أحد سوى أنّ الكافر لا فيض إليه وإنّما حرمان، فالوساطة وساطة في الحرمان من تحصيله على كمالات، والواسطة في مثل هؤلاء أئمّة الشرّ والضلال كإبليس والجبت والطاغوت.
وباختصار: إنّ السورة المباركة (الكهف) في صدد بيان قصّة الإمامة، وإنّها ظاهرة مستمرّة لا تنقطع، وإنّ إكمال الدين ليس بالنبوّة المجرّدة عن الولاية
____________
1- سورة الكهف 18: 68.
2- سورة الكهف 18: 69.
3- تفسير العياشي 2 / 357 ح 46.
ثمّ إنّ الظاهر أفضلية موسى على الخضر من بعض الجهات; بقرينة تبعية الثاني لشريعة الأوّل، المستفاد من بيانه لشرعية أفعاله بموازين شريعة التوراة، وإن كان يمتاز على موسى بالعلم اللدني للوصول إلى أغراض الشريعة.
وبيانه بشكل مفصّل يعتمد الالتفات إلى هاتين النقطتين:
النقطة الأولى: يذكر في علم أصول الفقه أنّ القضية الشرعية الحقيقية التي ينشأها الشارع ويعتبرها، لها بعد تكويني وهو الإرادة التشريعية، وحقيقة هذه الإرادة تكوينية تتعلّق باعتبار الحكم الذي هو فعل الشارع.
والإرادة التكوينية هذه كلّية من جهة أنّ متعلّقها هو الاعتبار الكلّي. بل العراقي ومن قبل النهاوندي افترضا أنّ حقيقة الحكم هي هذه الإرادات والإنشاء والاعتبار مجرّد وسيلة تخبر عن حكم الله الذي هو الإرادة.
ومن ثمّ سواء قلنا إنّ حقيقة الحكم الاعتبار والإرادة مبدأه كما هو الحقّ، أم قلنا إنّ حقيقته الإرادة والاعتبار مبرز وكاشف ومخبر، فالنتيجة المتوخاة واحدة، وهي أنّ التكوين ذو صلة بالاعتبار، وأنّ غطاء الاعتبار أو محكيه هو الإرادات الإلهية التكوينية الكلّية، وهذه الإرادات بحكم نظام الوسائط تتنزّل حتّى تنتهي بنفس الوحي ومن قبل النبيّ.
هذا ويذكر في علم الأُصول أيضاً أنّ الحكم الكلّي ينحلّ عقلاً إلى أحكام جزئية شرعية اعتبارية، وكذا الإرادات الكلّية تنحلّ إلى إرادات جزئية تكوينية، وقد نبّه إلى ذلك العرفاء أيضاً، وهو الحقّ.
النقطة الثانية: إنّ تنزّل الأمر والشأن منه تعالى على عالم مثل الدنيا يتمّ عبر
وعلى هذا الأساس نقول: إنّ النبيّ الحامل لشريعة الظاهر تتلقّى نفسه الشريفة التشريع في لوائح عالية في النشآت الغيبية، فهو يعلم بالاعتبارات وموجبها وهي الإرادات الكلّية التكوينية.
وأمّا حامل الولاية والشريعة في السنن الكونية فيتلقّى الإرادات الإلهية التكوينية الجزئية في نشآتها النازلة، كما يتلقّى الإحاطة بالإرادات الكلّية عن المقام الروحي للنبيّ عن مقامه الغيبي ومن ذلك يظهر استحالة النبوّة مجرّدة عن الولاية كاستحالة تجرّد الحكم الاعتباري الشرعي وانفكاكه عن الإرادة الشرعية، فكما أنّ الحكم الشرعي من دون إرادة إلهية مستبطنة خلفه محال، فكذلك استحالة النبوّة والرسالة من دون تعقّبها بما يليها في المقام الغيبي وهي الولاية والإمامة.
ومنه يتّضح أنّ الشريعة لو اقتصر فيها على سطح العلم الظاهر من فقه المعارف والأحكام وهو العلم الحصولي الكسبي بالشريعة الظاهرة من دون عمق العلم اللدني بالحقائق والإرادات الإلهية التكوينية وهو الولاية والإمامة الإلهية، لكان ذلك من قيام الاعتبار من دون نشأة الحقيقة التكوينية، وكان خيال وسراب محض، ولكن مثل الخضر (عليه السلام) من أقسام الولي الحجّة، وكذا مريم (عليها السلام).
كما تقدّم له الهداية الإراءية فهو محيط بالإرادات الكلّية حضوراً فكيف كان موسى أفضل منه؟ فهو باعتبار أنّ الولي الحجّة مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) المتبوع له يتلقّى في القنوات الروحية عن ذلك النبيّ يتبعه، فالزهراء (عليها السلام) تتلقّى في الباطن الروحي عن المقام الروحي لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله). وعلى أساس هذا الفرق يتبين أكملية النبيّ حامل
ثمّ إنّنا نلحظ في قضية الخضر أدباً إلهياً بعد الالتفات إلى أنّه أسند الأفعال تارةً إلى نفسه في: {أَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} لا إلى الله تعالى، وأُخرى إلى الله في: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا}(1)، وسرّ الاختلاف كما تبينه الرواية عن الصادق (عليه السلام) أنّ في القول الأوّل حيث كان الفعل معبّراً عن نقص فلم ينسب إليه تعالى تأدّباً، بخلاف الثاني، فلمّا لم يكن إلاّ أمراً خيرياً نسب إلى الله تعالى.
وبهذا يمكن أن نفهم الفرق بين موسى والخضر وأكملية الأوّل على الثاني من بعض الجهات.
كما يمكن على هذا الأساس أن نسجّل تعريفاً دقيقاً لكلّ من شريعة الظاهر ونظام التكوين، فالأُولى هي الإرادات الكلّية التكوينية الإلهية المتعلّقة بأفعال المختار بتوسّط تعلّقها بفعل الشارع، وهو الأمر والإنشاء والاعتبار، والثانية هي الإرادات الجزئية المنحلّة من الإرادات الكلّية.
وهذه القصّة في واقعها أحد أوجه الفرق بين العلم النبويّ والعلم اللدني والتي سبق أن أشرنا إليها، وهي أنّ العلم اللدني له مجال أوسع; إذ يشمل أولياء الله الحجج وهو نوع من الاصطفاء، ويكون مقاماً أعمّ من الإمامة وأعمّ من النبوّة، فيشمل الزهراء (عليها السلام) ومريم (عليها السلام) التي لها نوع من الولاية، وبقية أولياء الله الحجج التي تشير إليهم الآيات القرآنية، لذا فهو يشمل النبيّ والإمام والحجّة الولي.
أمّا العلم النبويّ فإنّه يختصّ بالأنبياء، وهذا لا يعني التقاطع بينهما، بل إنّ النبوّة تلازم وجود شعبة من العلم اللدني للنبيّ دون العكس، ومن هنا قيل إنّ كلّ نبيّ
____________
1- سورة الكهف 18: 81.