وبتعبير آخر: أنّ النبيّ بولايته يتلقّى من الباري ويعلم بالإرادات التكوينية ثمّ في تنزّلها تكون ظاهراً ورسالة، وهذا العلم اللدني هو المنشأ للظاهر ولا يشمل كلّ الإرادات التكوينية، كما يأتي الإشارة مفصّلاً في حقيقة التشريع.
أمّا التأويل الوارد ذكره في الآية الكريمة; فإنّ التأويل عموماً ورد في القرآن بعدّة استعمالات:
1 - في سورة يوسف، تأويل الأحاديث والرؤيا، وأنّه لديه علم التأويل، وهذا لا يخصّ الرؤيا كما قد يبدو لأوّل وهلة، بل يعمّ كلّ ما يرتبط بالنشأة ما قبل الدنيا.
2 - في قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ}(1) بلحاظ نفس الوجود الخارجي لحقيقة القرآن.
3 - التأويل بلحاظ الوجودات والنشآت المختلفة، ومنه ما ورد أنّ الآخرة تأويل للدنيا.
4 - التأويل الوارد في آية المحكم والمتشابه.
5 - التأويل الوارد في هذه السورة، وهو تأويل ببيان الشريعة بحسب السنن الكونية الإلهية.
والتأويل مأخوذ من الأول والأوب وهو الرجوع والانتهاء، والغاية تأويل المغيا، وغاية الغاية تأويل الغاية، وهذا هو المعنى الجامع بين هذه المعاني، وهو
____________
1- سورة الأعراف 7: 53.
في تفسير الخضر أفعاله لموسى، وقبل ذلك نعرض لنقطتين:
النقطة الأولى: على صعيد التعليلات التي ذكرها الخضر لموسى يجب التوجّه إلى:
أ - إنّ مقام التعليل الغرض منه هو إقناع الطرف الآخر، ولذا يجب أن يذكر فيه علّة مشتركة على مبنى المتكلّم والسامع.
ب - إنّ فعل الخضر كان على أساس مقام الولاية من الشريعة بحسب السنن الإلهية الكونية، واعتراض موسى كان على أساس الشريعة الظاهرة من مقام النبوّة، ممّا يعني وجود مشترك بين درجتي الشريعة بحسب الظاهر ونظام التكوين; وإلاّ لما كان تعليل الخضر مفهوماً لموسى، مع أنّا نلحظ أنّ موسى اقتنع بل انجلى له فظاعة ما تقدّم.
ج - يستنتج من هاتين النقطتين أنّ ما علّل به الخضر هو القاسم المشترك بين الشريعة الظاهرة والشريعة في السنّة الإلهية الكونية.
د - إنّ موسى اقتنع بما ذكر له الخضر وانجلى له صحّة الأفعال التي قام بها الخضر حتّى على مستوى الشريعة الظاهرة.
هـ - ومن هنا نستنتج حقيقة مهمّة في النسبة بين درجتي الشريعة، وهي أنّ السنّة الإلهية الكونية تطبيق للظاهرة، وأنّ النظام الكوني لا يلغي الظاهر بل هما متلاحمان، وأنّ الولاية إنجاز لأغراض النبوّة.
ومن هذه النتيجة يمكن أن نؤشّر على ظواهر انحرافية هي تلك التي ألغت
النقطة الثانية: من القواعد المهمّة التي تحكم الشريعة الظاهرة والتي تحتاج من الفقيه إلى تدبّر وتمعّن في الموازنة بين الأحكام الظاهرية، هي حالة التصادم بين الأحكام المختلفة وأي حكم يجب تقديمه في هذا المقام، وهو المعروف بين الفقهاء بالتزاحم، وقد ذكرنا مفصّلاً في بحث علم أصول الفقه التزاحم في الملاكات وفي مقام الامتثال والضوابط التي يجب مراعاتها في تقديم أي الملاكين، وقد أشرنا هناك إلى أنّ ما ذهب إليه العامّة من بحث المصالح المرسلة وسدّ الذرائع ما هو إلاّ نوع من التطبيق لمبدأ التزاحم، واختلافنا معهم في كيفية استكشاف الملاكات وفي طريقة التقديم، فهم قد اكتفوا بالملاكات الظنّية والتقديم الظنّي أو جعلوا ذلك ضابطة للتشريع الثابت.
وسوف نلاحظ أنّ الأفعال التي قام بها الخضر هي من باب التزاحم والسعي إلى حفظ الملاكات الواقعية التي خفيت عن النبيّ موسى، والتي لو كان قد علم بها لما اعترض عليه:
أوّلاً: خرق السفينة
وهاهنا سؤالان:
الأول: كيف ينسجم التعليل مع موازين الظاهر؟
ففي هذا الفعل كان هناك ملاكاً مهمّاً سعى الخضر إلى المحافظة عليه; وهو حفظ مال المساكين من سطوة الحاكم الظالم، وهذا لم يكن موسى على علم به، ثمّ في مقام التطبيق كان الأمر يدور بين عطب السفينة وبين تعييبها; إذ في كلاهما يتحقّق الغرض، ومن الواضح أنّ المحافظة على الكلّ أولى من المحافظة على البعض، فالخضر عمل بقاعدة التزاحم وهذا من موازين الظاهر أيضاً، لكنّه اختصّ بعلم وجود مصاديق التزاحم من اغتصاب الملك الظالم لكلّ سفينة.
ثمّ في كيفية التصرّف الذي قام به الخضر من دون إذن أصحابها، فيمكن القول فيه: إنّ التصرّف العقدي يحتاج إلى إذن صريح ورضا بالإنشاء، أمّا التصرّف المجرّد غير العقدي كالأكل والشرب ـ فلا يحتاج إلى ذلك بل يكتفي فيه بالعلم بطيب النفس وإن لم يكن المالك ملتفتاً، ومن هنا تظهر النكتة في أنّ إذن الفحوى لا يحتاج إلى إبراز إنشائي، ومن الواضح أنّ المالك لو خير بين تلف العين أو صفة العين فإنّه سوف يختار الثاني.
فنلاحظ أنّ الخضر بالعلم اللدني علم أنّ الملك سوف يأخذ كلّ سفينة غصباً، فهو إعمال للعلم اللدني في تطبيق الشريعة الظاهرة، وهذا هو الحدّ الذي تعطيه الآية في العلقة بين الشريعتين، أو بتعبير أدق بين درجتي الشريعة، أي أنّ الشريعة بحسب السنّة الإلهية الكونية ومقام الولاية تسعى إلى التحفّظ على الملاكات في الشريعة الظاهرة ومقام النبوّة بنحو لا يقبل الخطأ، وتكون مصيبة دائماً.
ثانياً: قتل الغلام
والإشكال فيه كما ذكرنا سابقاً من جهة الاقتصاص قبل الجريمة، وكونه غلاماً لم يبلغ الحلم.
والجواب عنه نقضاً وحلاًّ:
أمّا النقض فبوجود موارد يوجد فيها جواز للقتل من دون جرم، كما في حالات تترّس الكفّار بالمسلمين في الحرب فيجوز عند استهداف الكفّار للقتل حينئذ قتل المسلمين. وكما في حالات الدوران - على بعض الأقوال الفقهية وإن لم يكن تامّاً عند المشهور المنصور من الرأي الفقهي - بين حفظ النفس ونفس أُخرى أهمّ ملاكاً من الأُولى، فيرفع اليد عن وجوب حفظ أحد النفسين، ويحافظ على النفس الأهمّ.
أمّا الحلّ: إنّ قوانين التزاحم التي تحكم الشريعة الظاهرة هي مختصّة في الحكمين الفعليين، أمّا في شريعة السنن الإلهية الكونية فإنّ التزاحم يطبّق حتّى في موارد الشيء الفعلي والآخر المستقبلي، وهذا ما يحدث في العلم اللدني حيث يرى أنّ الملاك الأهمّ بمراتب وإن كان ليس بفعلي يتصادم مع الملاك الفعلي، وهذا وإن لم يكن ميزاناً في ظاهر الشريعة لعدم حصول العلم بالشيء المستقبلي لاسيما إذا كان متمادياً في طول الزمان.
والروايات تشير إلى أنّ الله أبدلهما ببنت تزوّج منها نبيّ من أنبياء الله وتسلسل منه سبعون نبيّاً، فلو بقي هذا الغلام لكان سبباً في كفر الأب، وبالتالي انقطاع النسل النبويّ، وهذا لا يمكن استعلامه بالشريعة الظاهرة، بل يتمكن منه من أُوتي العلم اللدني.
ثالثاً: الجدار
إنّ إشكال موسى هنا لم يكن في مؤاخذة إلزامية، بل كان لترك ما هو الأولى والأرجح.
ويلاحظ من التعليل الوارد في هذه الآية الشريفة أمران:
أ - إنّ الإرادة الإلهية ليست من سنخ إرادة الله (كن فيكون)، بل إرادة في واقعها تتحقّق بالاختيار البشري، وبتوسّط البشر لا بتوسّط الملك أو مخلوقات أُخرى.
ب - إنّ الملاك الأهمّ الذي أراد الله عزّوجلّ حفظه هو ملاك ندبي، وهو كون أبيهما صالحاً، فأراد الحقّ تعالى إكراماً لهذا الأب الصالح أن يحفظ بصلاحه ذرّيته.
وهنا ننتقل للقول بأنّ الإرادة الإلهية كان لها هذا الدور من خلال هذه المنظومة في حفظ هذه الأغراض التي ليس لها تلك الأهمّية الإلزامية وتتّصف بالشخصية، فكيف بتلك الأغراض الجادّة المهمّة التي تؤدّي إلى انعطافات مهمّة في الدين والشريعة، فهذا يدلّنا على وجود مجموعة من الأولياء ورجال الغيب الذين لهم تلك الخصوصية من الاطلاع على العلم اللدني وتكون وظائفهم حفظ الأغراض التي يوليها الشارع تلك العناية، وأنّ الحقّ تعالى لا يوكل الأمر إلى مجموع الاختيار البشري، بل إنّ هذه المجموعة هي التي تسعى بالمجموع للوصول إلى مقاصد الشريعة.
والأمر المهمّ الذي نستفيده من هذه التعليلات أنّ الشريعة الكونية والسنن الإلهية التكوينية تطبيق للشريعة الظاهرة، وأنّ الهداية الإيصالية في الشريعة الكونية هي إقامة خفية للشريعة الظاهرية، فلا يُكتفى بالهداية الإرائية، بل تكون إلى جنبها الهداية الإيصالية، وأن لا تترك الأُمور إلى الصدف، بل تكون هناك يد
وقوله تعالى {عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا}، يؤكّد أنّ الخضر ليس وحيد سنخه، وإنّما هنالك منظومة من الأبدال والأوتاد والأولياء قد زوّدوا بالعلم اللدني، وأنّ من جملة وظائفهم تحقيق الأغراض التي هي الملاكات وغايات الشريعة الظاهرة.
فـوائـد
الفائدة الأُولى: حقيقة التشريع
إنّ قضية الخضر مع النبيّ موسى وما اختصّ به كلّ منهما من الكمالات يستدعي التعمّق قليلاً في بيان حقيقة التشريع السماوي الذي أوتيه النبيّ موسى (عليه السلام) وحقيقة العلم الذي أوتيه الخضر، وأنّ هذه القصّة لا تدلّ على أفضلية الخضر على النبيّ موسى من كلّ جهة، بل هو تابع له في شريعته السماوية.
لقد سعى الأصوليون خلال سنين متعدّدة إلى تركيز النظر في حقيقة الحكم الشرعي والمراحل التي يمرّ بها، وإذا كان تسليط الضوء على أحكامه في الفترة التي تعقب صدوره من الناحية المقدّسة عن طريق الرسول (صلى الله عليه وآله)، فإنّ المراحل التي تسبق مرحلة الإنشاء كانت أيضاً محلّ بحث وتأمّل بين العلماء، وكان السؤال الذي دار في أذهانهم ما هو الارتباط بين عالم الاعتبار وعالم التكوين؟ وهل هما منفصلان بعد المفروغية من أنّ الاعتبار يستتبعه التكوين والفعل الخارجي لكنّ الكلام في المرحلة السابقة؟
فذهب جمهرة من الأصوليين إلى أنّ الإرادة الإلهية التكوينية هي الأساس لهذا التشريع والاعتبار، بمعنى أنّ وراء الاعتبار إرادات تكوينية متعلّقها ليس الفعل الخارجي، بل متعلّقها إنشاء الحكم واعتباره، وهي بالتأكيد تسبق الاعتبار والحكم التشريعي، وكلّيتها متعلّقها هو الاعتبار والإنشاء أو جعل حكم كلّي.وذهب المحقّق النهاوندي في تشريح الأصول إلى أنّ الأحكام الشرعية ليست أحكاماً اعتبارية، بل هي إرادات تكوينية تشريعية، ومتعلّقة بفعل المكلّف، وتبعه المحقّق العراقي. وأنّ الأحكام الشرعية التكليفية إرادات تكوينية سابقة على النشأة الأرضية، والإنشاء مجرّد وسيلة تخبر عن حكم الله الذي هو الإرادة.
وعلى كلّ حال، فسواء جعلنا الإرادة التكوينية هي منشأ الشريعة الظاهرة أو أنّها هي، فإنّ هذه الإرادات ليست حالة في الذات، بل هذه الإرادات بحكم نظام الوسائط تتنزّل من اللوح والقلم. حتّى تصل إلى نفس النبيّ أو الوصيّ أو الوليّ الحجّة، وأن إراداتهم هي إرادة الله ومشيئاتهم مشيئات الله.
نبّه الأصوليون إلى أنّ الأحكام قسمان: الشرعية الاعتبارية والأحكام التكوينية. فالأُولى تكون على صيغة القضايا الحقيقية، وهي تنحلّ إلى قضايا جزئية في موارد عديدة، وبالمقابل في الأحكام التكوينية، أي أنّ الأحكام التكوينية الكلّية تنحلّ إلى أحكام تكوينية جزئية تكون وراء كلّ حكم شرعي جزئي، وقد نبّه أهل المعرفة على ذلك.
وقد أشارت الروايات وفسّرها أهل المعرفة والحكمة ـ إلى أنّ الأمر والشأن من الله في تنزّله إلى العوالم السفلية يتمّ عبر مراحل، ويعبّرون أنّها تتمّ عبر لوائح تكوينية وأقلام تكوينية، وكلّما كانت النشأة أكثر علوية كانت الإرادات الإلهية فيها كلّية، وكلّما تنزّلت هذه الأوامر الإلهية في اللوائح النازلة كلّما ضيّقت وقدّر وصارت ليلة القدر أي ليلة التحديد.
إذا التفتنا إلى النكات السابقة نستطيع معرفة الفارق المحوري بين الشريعة في الدرجة الظاهرة والكونية ونظام التكوين، وبين مقام صاحب الشريعة بالدرجة الظاهرة، وبين مقام صاحب شريعة السنن الكونية الإلهية.فإنّ النفس النبويّة تتلقّى الإرادات الكلّية التشريعية الإلهية في لوائح ونشآت عالية، ويكون لها علم بتلك الإرادات التكوينية الكلّية، أمّا صاحب النفس الولوية والشريعة الكونية فإنّه يتلقّى الإرادات الإلهية الجزئية التكوينية في اللوائح والنشآت النازلة.
وبناءً عليه نرى أنّ الذي يطّلع على تلك الإرادات الكلّية يكون أفضل مقاماً من الذي يطّلع على الإرادات الجزئية فقط، ولا يكون له اطّلاع على تلك الكلّيات إلاّ من خلال الإرادات التشريعية الواردة عن طريق النفس النبويّة، ومن هنا نقول إنّ هؤلاء الأولياء الحجج يكونون تابعين لصاحب الشريعة النبيّ الذي في زمانهم; وذلك لأنّ تلك الإرادات الكلّية تكون عن طريق تلك النفس النبويّة في عهده.
ومن ثمّ إنّ النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله) يكون واسطة في تلقّي الأئمّة عن طريق الملكوت والأرواح التي هي مرتبطة بعالم الأمر والملكوت، لا عن طريق الحسّ والظاهر. وبتفاوت النبوات وأفضليتها تتفاوت مقامات التابعين والأولياء، ويمكن أن نفهم الفرق بين موسى والخضر وأكملية الأوّل على الثاني، مع عدم علم موسى ببعض ما عند الخضر.
كما يظهر تعريف آخر للشريعة الظاهرة: أنّها الإرادات الكلّية الإلهية ومتعلّقها أفعال المكلّفين المختارين بتوسّط تعلّقها بفعل الشارع وهو الأمر والإنشاء والاعتبار. والشريعة في السنن الإلهية الكونية: أنّها الإرادات الجزئية المنحلّة من
كما يعلم الحال في غير المعصومين وأنّ فقهاء الشريعة إنّما يصلون إلى الحكم الظاهري في الشريعة الظاهرة عن طريق الطرق والإمارات الشرعية، بينما النبيّ يكون له اطّلاع مباشر على الإرادات التكوينية الكلّية، أمّا الفقيه فلا يحيط بذلك فضلاً عن الاطّلاع على الإرادات الجزئية، ويفهم من ذلك أنّ مجرّد الحصول على الملكة الكسبية لا يعني الاطّلاع والوصول إلى تلك الإرادات الكلّية ولا الجزئية، فلابدّ أن يكون تابعاً إلى صاحب الولاية.
الفائدة الثانية:
وتتضمّن تحليل أدبي لغوي فلسفي لأدب من الآداب الإلهية، أشار إليه الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية ذكرها صاحب نور الثقلين، وهي تتعلّق بملاحظة طريقة تفسير الخضر لأفعاله واختلاف نسبة الأفعال في الوقائع الثلاث، ففي قصّة السفينة قال: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا}، وفي قضية القتل قال: {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا
____________
1- وهذا من الفوارق بين الشريعة الكونية والظاهرة في مقام التعبير; وذلك لأنّه لا يمكن التعبير في الشريعة الكونية إلاّ بحدودها الحقيقية، أمّا في الظاهرة فيجوز استخدام المثال والصورة الكونية وأمثالها من التمثيلات التي لا يجوز استخدامها في نظام التكوين.
ولا بأس أن نشير هنا إلى أنّ النسبية في الحقائق تارةً يراد منه معنى ويكون مؤدّياً إلى السفسطة، وتارةً يكون معنى مقبولاً، فالقول بالنسبية المطلقة والتي تعني عدم وجود ثابت فهو سفسطة، أما إذا عنينا بها النسبية التي تسعى إلى درك الحقائق الواقعية اللامتناهية التي هي غير محدودة فإلى أي مقدار تصل إليه تظلّ المعرفة محدودة ولا تستطيع الإحاطة بها.
فنلاحظ أنّه تارةً يسنده إلى نفسه، وتارةً للمجموع، وثالثةً لله عزّوجلّ، والملاحظ أنّه في الأفعال الخيرة يسند الفعل لله عزّوجلّ، وفي الأفعال التي ظاهرها النقص يسندها إلى نفسه أو إلى من هو مثله. فالإعابة والقتل والخشية من أفعال الآدميين، والإرادة والإبدال هي من أفعال الله عزّوجلّ، فمع أنّ الكلّ من عند الله عزّوجلّ إلاّ أنّه في مقام التأدّب معه تعالى لا يسند ما ظاهره النقص له تعالى.
أمّا المجموع في (فخشينا) فلا يمكن أن يريد الخضر نفسه، والجمع بلحاظ التفخيم; وذلك لأنّ الخضر لا يفخّم نفسه في قبال الله تعالى، ولا أيضاً في قبال موسى، مضافاً إلى أنّه في الشريعة للسنن الكونية الإلهية يُراعى دقّة الحقائق لا المجازات، وإذا أخذنا في عين الاعتبار ما ورد في صدر القصّة من عبادنا، فنعلم أنّ المراد من الخشية هنا هو مجموع رجال الغيب، وهي مجموعة تسالمت المذاهب المختلفة على وجودها وإن اختلفت تسميتها من الأبدال والأوتاد والسياح والأركان، وأنّ هذا العلم لا يختصّ بالخضر بل إنّ تلك العلوم يزوّد بها رجال هذه المنظومة، فهم وإن كانوا غير موكّلين كلّهم بهذه المهمّة إلاّ أنّ العلم بهذا العلم يولد خشية لدى الجميع، وإن كان التنفيذ مختصّاً بواحد منهم، وكأنّه ينوب عنهم في تأدية هذا الفعل.
إنّ هذا الأدب الإلهي الذي أشرنا إليه فيما مضى أيضاً في طلب موسى من الخضر وإجابة الخضر له، إنّما يدلّ على جذر عقائدي يدعم ويولّد تلك المعرفة
____________
1- سورة الكهف 18: 80 - 81.
وهكذا صفة الشجاعة فهي تعود إلى مقام توحيدي بالاعتقاد بأنّ القدرة الحقيقية كلّها ترجع إليه سبحانه، وبالتالي لا يكون هناك أحد مالكاً للقدرة إلاّ بإقدار منه، فينشأ من هذا الاعتقاد عدم خشية الإنسان من أحد، وإذا شاهدنا أمثال هذه الصفات من أحد فإنّها تنمّ عن مقدار من التوحيد بنحو الإجمال البسيط في فطرته، بل ما ورد في سورة البلد يدلّ على أنّ الصفات الحميدة دالّة على الإيمان: {فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة * يَتِيمـًا ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}(1).
ولا يخفى أنّ هذا الأدب ليس مجرّد مجاملات شكلية، وإنّما يعتمد أساساً على قاعدة تمّ مراعاتها من قبل الخضر، وهو ما أشار إليه القرآن من نسبة السيئة إلى العبد ونسبة الحسنة إلى الله مع كون كلّ منهما من عند الله.
____________
1- سورة البلد 90: 11 - 17.
المقالة الثانية
التصدّي الفعلي الخفيّ للإمام في عصر الغيبة
لإدارة وتدبير النظام الاجتماعي البشري
وهذا التصدّي الفعلي الخفي السريّ المستتر ليس خاصّاً بعصر الغيبة وليس خاصّاً بالإمام المهدي (عج)، بل هو من لدن إمامة آدم (عليه السلام) وأوصيائه، وإمامة نوح وإبراهيم إلى إمامة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) قبل بعثته وأثناء حكومته الظاهرية، وأمير المؤمنين (عليه السلام) قبل حكومته الظاهرية وأثناءها أيضاً، وكلّ الأئمّة (عليهم السلام) إلى عهد إمامة المهدي (عج) في عصر غيبته، ونلحظ هذه الحقيقة في شؤون الإمامة الإلهية من خلال نموذج الخضر.
فنلحظ أنّ الخضر قد نسب ثالثة الفعل إلى المجموع في قوله (فخشينا، فأردنا)، وهو ينسجم مع قوله: {عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا} الظاهر في أنّ الخضر واحد من مجموعة قد زوّدوا بالعلم اللدني وكُلّفوا للمحافظة على أغراض الشريعة الظاهرة
بعد كلّ هذا. يمكن أن يسجل هذا السؤال معترضاً على فكرة الولاية و(النزعة الملكوتية والخفاء) في الإمامة، وفكرة الجماعة المزوّدة بالعلم اللدني الموظّفة بما ذكرناه والتي يديرها الإمام (عليه السلام)، وفكرة أنّ قوام الإمامة المقوّم لها هو الهداية الإيصالية.
والسؤال: إنّ ما ذكر لا يظهر من الكتاب والسنّة المستفيضة، وهو لا يعدو تنظير الصوفية، والذي خلاصته: تشابك الأرواح والنفوس على شكل منظومة هرمية تستبطن عدة خلايا ترتبط جميعها بالإمام، والذي اختلفت تعبيراتهم عنه بين القطب والغوث والإمام.
وقد جاء ما يوازي هذا الفهم في تعبير الفلاسفة والذي برهنوه عقلاً ـ بسلسلة الارتباط العلي الوجودي.
ومعه لا يمكن أن تأخذ هذه الأُطروحة مجالها في الفكر الشيعي ما لم تصبغ بصبغة دينية وتكون ذات غطاء قرآني روائي، وهو مفقود.
ومن ثمّ لابدّ من الاقتصار على أنّ الإمامة منصب إلهي يعني المرجعية الدينية (الهداية الإرائية) والزعامة السياسية، مع قبول ارتباطه بالغيب وتزويده بالعلم اللدني; فإنّ هذا القدر هو الظاهر من القرآن والسنّة.
والجواب: إنّ الموجود عند الصوفية لا يتجاوز بذوره ومبدأ نشأته القرن الثالث، بل بلورته كنظرية جاءت في أواخر القرن السابع وبدايات القرن الثامن، مع أنّ الروايات في هذا المجال أسبق بكثير من هذا التاريخ فضلاً عما في القرآن وكلمات الرسول (صلى الله عليه وآله) والأمير (عليه السلام) وبقية الأئمّة (عليهم السلام) بل إنّ معظم ما لدى الفرق الصوفية والعرفاء هو طفيل ووليد عن فرق الغلاة الشيعية التي ظهرت في النصف
فلم يكن خلاف الحكمة الإلهية إعطاءه الآيات من الاسم الأعظم مع علم الباري في الغابر أنّه لن يستقيم، ولكن الإعطاء الغيبي من الباري لبلعم بن باعورا حجّة عليه بعد استحقاقه في ظرف الاستقامة للعطية الغيبية الإلهية، وفي ذلك حكم أُخرى منه تعالى، مثل تنبيه البشر على أنّ من يتّق الله يجعل له فرقاناً، واتّقوا الله يعلمكم، أي تنبيههم على وجود علوم غيبية ليست في متناولهم.
وأنّ نشأة الغيب نشأة لا تنزف ولا تنفذ كما ورد في الحديث القدسي: "لأعطين الحكمة من زهد في الدنيا، فأمّا المؤمن فهي حجّة له، وأمّا الكافر فهي حجّة عليه"(2).
هذا وغيره هو وجه الحكمة في تربية أهل البيت (عليهم السلام) بعض أصحاب السرّ أيام الاستقامة مع علمهم بما سيؤول حال أُولئك الأصحاب، هذا مع أنّ جملة كثيرة أُخرى من أصحاب السرّ بقوا على الاستقامة، كسلمان الفارسي وكميل بن زياد النخعي وميثم التمّار ورشيد الهجري وحبيب بن مظاهر وجابر بن يزيد الجعفي ويونس بن عبد الرحمن وذريح المحاربي، وغيرهم.
وعلى أي تقدير، فما عند الصوفية من سمن إذا فصل عن الغثّ، أو صواب
____________
1- سورة الأعراف 7: 175.
2- لم يذكر مصدره.
وبالإضافة إلى أنّ الصوفية لا يعدون ذلك من مبتدعاتهم أو ما ثبت لهم بالمكاشفة فقط، وإنّما ينسبون ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).
وبالتالي فما ذكرناه لا يمثّل اختراقات الفكر الصوفي السنّي للفكر الشيعي، وإنّما هو تأثيرات الفكر الشيعي على الفكر السنّي المتمثّل بهذه الطبقة.
ومن ثمّ نفهم الحسّاسية البالغة عند فقهاء السنّة ومحدّثيهم من صوفيتهم، حيث تجرّ أطروحة الصوفيين الفكر السنّي إلى الفكر الشيعي، وتجعل من مبدأ الإمامة الشيعي ضرورة، فحاولوا الطعن عليهم بأنّهم متأثّرون بالاتّجاه الباطني وهو الشيعة، مستهدفين بذلك تجريد الأُطروحة من الدليل والشرعية.
فقد جاءت الباطنية في كلماتهم في سياق الذمّ وأنّها منقصة، ومن ثمّ نسبوها إلى أئمّة أهل البيت، حتّى قال بعضهم: إنّ نسبة الباطنية إلى عليّ (عليه السلام) لها وجه، وأمّا نسبتها إلى جعفر بن محمّد فلا ريب فيها.
وقد غفل هؤلاء عن أنّ ما ذكر مديح للأمامية بأنّهم يؤمنون بالغيب، وأنّ فكرة الباطنية بمعنى الاعتقاد بعالم ونشأة الغيب والارتباط به واشرافه على عالم الشهادة من دون التنكّر لعالم الغيب، كما هو مذاق المادّيين الحسّيين، هي أطروحة الشيعة لا من مستورداتهم، سوى أنّ هذه الفكرة قبلتها الشيعة بالشكل الذي مرّ، وهو حفظ التوازن بين البطون والظهور وعدم تغليب أحدهما على حساب الآخر، وبين التأويل كحقيقة قرآنية بيد الراسخين في العلم وهم أهل آية التطهير وبين ظهور الكتاب وبين تنزيل الكتاب في المصحف الشريف بين الدفّتين وبين القرآن المجيد في نشأة اللوح المحفوظ والكتاب المكنون الذي لا يمسّه إلاّ المطهّرون والكتاب المبين الذي يستطرّ فيه كلّ شيء الذي هو حقيقة قرآنية يجب