وقد ذهب المفسّرون أنّ إبراهيم كان في تساؤله طلباً واستفهاماً وغايته الاطمئنان القلبي، في حين كان تساؤل عزير استنكاراً لقدرة الله تعالى، وأنّ إبراهيم إستعمل أدباً خاصّاً في طرحه لهذا التساؤل الاستفهامي، لذا فإنّ الإحياء الذي وقع لإبراهيم كان فيه كرامة في حين كان الإحياء لدى عزير واقعاً في نفسه حيث كان محلاًّ لقدرة الله تعالى.
إضاءة حول الرجعة:
وفي قوله تعالى: {كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم}.
فالمحاورة التي جرت بين الله تعالى وبين عزير كانت على مستوى الروح وليس على مستوى البدن; لأنّ بدن عزير لم يتمّ إنشاء إعادته أثناء المحاورة، فلا سمع بدني عندئذ ولا لسان ولا جوارح أُخرى تُقدِره على ذلك.
كما أنّ طبيعة النفس الإنسانية إذا وجدت في نشأة بعد نشأة أُخرى فإنّها تكون في حالة غيبوبة، ولدى النفس إقبال على النشأة الجديدة وذهول عن النشأة السابقة كما في قوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الُْمجْرِمِينَ يَوْمَئِذ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا}(1)، وهذا ممّا يؤيّد ما تذهب إليه الإمامية في الرجعة، وذلك أنّه لو أُشكل بأنّ القول بالرجعة ينافي كون الدنيا دار امتحان وذلك بسبب إبطال الامتحان فيما سبق من النشآت، ممّا يعني أنّ أهل جهنّم عندما يرجعون إلى دار
____________
1- سورة طه 20: 102 ـ 104.
والجواب: إنّ النفس عندما تقبل على نشأة أُخرى جديدة فإنّها تنسى النشأة السابقة وتعيش في نشأة جديدة.
ونفس الجواب يُجاب به لمن أشكل من فلاسفة المسلمين من الخاصّة حيث يستشكلون في عالم الذرّ من أنّ فرض وجود روح والمخاطبة في عالم لو كان كذلك لما نُسي عالم الذرّ في عالم النشأة اللاحقة، وكما أشكل ملاّ صدرا إضافة إلى ما سبق ـ بقوله: ولكنّا معطّلين الوجود في عالم الذرّ أي لو كانت النفس غير حادثة بحدوث البدن، بأن كانت أسبق منه في الخلق، واستدلّ بأنّا لا نتذكّر أنّا كنّا في حركة وتأثير وفعّالية، ومن ثمّ اختار وأسّس نظريته أنّ النفس جسمانية الحدوث وروحانية البقاء، ورفض كون النفس روحانية الحدوث وروحانية البقاء. والجواب عن كلّ ذلك هو أنّ انبعاث النفس إلى نشأة جديدة وانشدادها إليها ينسيها مشاهد النشأة السابقة والنشآت السابقات، كما يقصّه لنا القرآن الكريم حول نسيان النفوس نشأة البرزخ.
علماً أنّ السؤال الفطري في عالم الذرّ لا ينافي النسيان في النشأة اللاحقة.
وقوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ}.
إنّ بدن عزير في الظاهر قد بُلي، أمّا الطعام والشراب لم يبلَ، وهو نوع إعجاز، والقدرة الإعجازية هنا تعلّقت بالطعام والشراب الذي لابدّ من فساده ولم يفسد وإحياء ما قد بُلي وهو عزير.
وهذا شاهد قرآني على طول عمر الإمام الحجّة (عج); فإذا أمكن إبقاء قابلية الطعام والشراب على البقاء ففي قدرته تعالى على إبقاء الإمام الحجّة (عج) أولى.
وقوله تعالى: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ}، أي: معجزة للناس، ولم يكن عزير نبيّاً
إنّ كون الشيء آية لعموم النوع والجنس مثل خلق الإنسان، فلا تكون الحجّية لكلّ واحد من الناس بخصوصه في خلقته، في حين لو كان الإعجاز لشخص معين من حيث هو فعل الله تعالى لشخص من باب التكريم والرحمة، فإنّ هذه الكرامة هي قدرة الله تعالى تظهر في الشخص الذي هو في مقام الحجّة الإلهية.
على أنّ الذي يُحبى بالمعجزة الإلهية لا يمكن أن يكون غير حجّة; لأنّ ذلك سيكون تغريراً بالمكلّفين، نعم، فيما إذا كانت المعجزة لا من باب التكريم بل من باب النقمة، فإنّ الذي تقع عليه المعجزة عندئذ ليس بحجّة، كما حدث لفرعون وأمثاله من الظالمين.
كما أنّ أغلب موارد غير الحجّة لا يُعبّر عنها بالجعل، بل يُعبّر عنها بغير ذلك، نحو: (ليكون آية)، {فَالْيَوْمَ نُنَجّيِكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}(1)، في حين موارد الحجّية أغلبها عبّر عنها القرآن الكريم "بالجعل"، كما في قوله تعالى: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً}(2)، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً}(3)، وهذا ما يؤيّد حجّية عزير، فقوله تعالى: {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ}(4)، والآية هنا آية تكوينية.
قوله تعالى: {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ}.
وهذا أحد مؤيّدات حجّية عزير; لأنّ العلم هنا إشارة إلى العلم اللدني لا الاكتسابي، ومن القرائن المؤيّدة أنّ عزير له مقام الحجّة، ذكر في دعاء أُمّ داود في النصف من رجب، حيث ورد ذكره في سياق الحجج كلقمان وخالد بن حنظلة
____________
1- سورة يونس 10: 92.
2- سورة مريم 19: 21.
3- سورة المؤمنون 23: 50.
4- سورة البقرة 2: 259.
قوله تعالى: {قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ}، إنّ اليهود ادّعوا أنّ العزير ابن الله لا على سبيل البنوّة، بل تشريفاً، كقوله تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}(1)، أي: اتّخاذ تشريفي لا حقيقي على سبيل البنوّة. لذا فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) حين حاجج اليهود - كما في رواية الطبرسي في الاحتجاج - وسألهم عن سبب اتّخاذهم هذه الدعوى، وكون عزير هو ابن الله، فقالوا: لأنّه أحيى التوراة فأقرّهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) على أنّه أحيى التوراة ولكن لم يؤيّدهم على دعواهم الفاسدة أنّه ابن الله.
وهذه بنفسها قرينة على أنّ الإحياء للتوراة لا يكون إلاّ من قبل وصي.
وفي رواية ابن عبّاس أنّ الله تعالى ألقى التوراة في قلب عزير، فهو إلهام لدني، ولكنّ بعض المفسّرين قالوا: إنّ الإحياء هو جمع أوراق التوراة وليس هو إلقائها، إلاّ أنّ الروايات متّجهة إلى الرأي الأوّل وهو إلقاء التوراة من قبل عزير.
وفي رواياتنا أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) استنسخ التوراة وتوارثها أهل البيت (عليهم السلام)، وهو ما يسمّى بالجفر الذي يشمل التوراة وصحف موسى وغيرها، ففيها ما هو كائن.
والقرآن الكريم لم يُخطّئ اليهود في تعظيم عزير ومقام الحجّية لديه، بل يخطّئهم في دعواهم أنّ العزير ولد الله، سبحانه عما يصفون.
كما يُلاحظ في قصّة عزير نكتة هامّة وهي أنّ إحياؤه للتوراة وحفظه للرسالة دليل على أنّ عزير نفسه مؤهّل أن يُفاض عليه ما أفاض الله تعالى على النبيّ موسى (عليه السلام)، وهذا دليل على كونه حجّة من حجج الله تعالى.
____________
1- سورة الكهف 18: 4.
النموذج القرآني العاشر: الحواريون
قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}(1)، وظاهر الآية هو وحي وإحياء الله لهم مباشرة لا بتوسّط النبيّ عيسى، كما ورد في الرواية عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في تفسير العياشي أنّهم: أُلهموا، وقولهم استجابة لهذا الوحي تخاطباً مع الله عزّوجلّ، أي اشهد يا الله.
وقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): "أنّ عدّتهم اثنا عشر، وأنّهم سمّيوا بالحواريين لأنّهم مخلصين في أنفسهم ومخلّصين لغيرهم من أوساخ الذنوب"(2)، وكذلك عن الإمام الرضا (عليه السلام): "إنّ عدّتهم اثنا عشر وكان أفضلهم الوقا"(3)، وفي احتجاج الرضا (عليه السلام) على جاثليق النصارى في مجلس المأمون، قال (عليه السلام): "أنا مقرّ بنبوّة عيسى وكتابه وما بشّر به أُمّته وأقرّت به الحواريون"(4). أي بشارته لأُمّته بسيد الأنبياء وهو الذي أقرّت به الحواريون، فيظهر من كلامه (عليه السلام) أنّ الحواريين هم من الحجج المنصوبين، حيث احتجّ بإقرارهم. وفي رواية عن أبي جعفر (عليه السلام): "ثمّ إنّ الله أرسل عيسى بن مريم إلى بني إسرائيل خاصّة، فكانت نبوّته في بيت المقدس، وكان من بعده الحواريون اثني عشر، فلم يزل الإيمان يستسر في بقية أهله منذ رفع الله عيسى (عليه السلام)، وأرسل الله تعالى محمّداً (صلى الله عليه وآله) إلى الجنّ والإنس عامّة، وكان خاتم الأنبياء وكان من بعده الاثنا عشر الأوصياء (عليهم السلام) "(5).
____________
1- سورة المائدة 5: 111.
2- عيون أخبار الرضا 2 / 79، وتوحيد الصدوق: 421، وعلل الشرائع: 80.
3- التوحيد: 421، وعيون أخبار الرضا 1 / 158.
4- التوحيد: 420، وعيون أخبار الرضا 1 / 156، وبحار الأنوار 10 / 301.
5- البحار عن إكمال الدين للصدوق 11 / 52.
القائمة الثانية
من النماذج القرآنية
وهو ما حبى الله تعالى به من الأنبياء والرسل كما في القرآن الكريم من مقامات ومناصب إلهية، لا ترتبط وحيثية النبوّة، إلاّ أنّ أهل سنّة الجماعة فسّروا هذه المقامات بأنّها من باب الإعجاز، إلاّ أنّ القرآن الكريم وصفها بأنّها مناصب إلهية وليس هي لغرض الإعجاز فقط.
وجواب آخر لهذا التوهّم وهو أنّ المعجزة يكفي فيها وقوعها بنحو دفعي فقط فيما كانت من الأفعال، أما استمرارها فلا حاجة إليه، فالمعجزة كالبارقة الغيبية لإثبات الإعجاز، والحال أنّ هذه المقامات الموهوبة لهم مستمرّة طيلة أعمارهم الشريفة.
وجواب ثالث: إنّ هذه القدرات والمناصب لا ترتبط بحيثيات النبوّة، والشاهد على ذلك أنّ عصمة الأنبياء لو كانت في دائرة التبليغ فقط دون مقام حكومتهم لاستلزم التدافع عقلاً بين عدم العصمة في حكومتهم والقول بأنّ نصبهم من الله
فيتبين من ذلك أنّ منصب الحاكمية والحكومة والإمامة الثابت لسيد الرسل ولمن قبله في جملة من الرسل هو مقام لهم لدني زائد على مقام النبوّة، وهذا ممّا يدلّل على أنّ المقامات الإلهية لا تختصّ بالنبوّة والرسالة فقط، بل تشمل الحاكمية وهي الإمامة وغيرها، كما في مقام الحجّية في دائرة محدودة كما في مريم وأُمّ موسى، ومن ثمّ فإنّ أهل سنّة الجماعة يذعنون للنبيّ (صلى الله عليه وآله) بالعصمة في حكومته ولكن يتحاشون من التصريح بذلك; خوفاً من لوازمها، ويشهد لإذعانهم الخفي بذلك أنّهم يقرّون بلزوم التوفّر على الفضائل في من يخلف النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولابدّ أن يكون صاحب فضائل يفوق غيره.
وهذه الفضائل والمناقب التي يذعنون بلزومها فيمن يخلف النبيّ إذا أمعن النظر في معانيها وحقيقتها يتّضح أنّها هي حقيقة العصمة، وأنّهم اضطرّوا إلى دعوى أنّ الخلفاء الثلاثة هم أفضل الخلق لأجل ذلك، فهذا إقرار خفي منهم بأنّ المفضول لا يقدّم على الفاضل، وبذلك أذعنوا إلى حقيقة مهمّة وهي أنّ من يتولّى منصب الإمامة والخلافة لابدّ من عصمته، إلاّ أنّهم يحاولون الاجتناب عن التصريح بذلك.
إذن فهناك حبوات ملكوتية تُعطى للأنبياء ليس على سبيل الإعجاز فقط، بل هي عناوين ومناصب إلهية أُخرى غير النبوّة.
ومعنى ذلك أنّ هذه المقامات لدى الأنبياء لا بما هم أنبياء، بل بما هم أولياء، فهذه الجهات مجعولة من قبل الله تعالى بما هم حجج أولياء; لغرض الهداية الإيصالية، فالقرآن نبّه على هذه المقامات بما هم حكام أولياء لا بما هم رسل أنبياء.
النموذج الأول لهذه القائمة: آدم (عليه السلام)
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَْرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(1)، والآية مطلقة في الجعل الكلّي للخلافة والإمامة، والخلافة هي ولاية مطلقة، والنيابة هي ولاية متوسّطة، والوكالة هي ولاية ضعيفة.
والقرآن الكريم لا يستعرض بصراحة نبوّة آدم بل صرّح بخلافته، لذا أنكر بعض المنحرفين نبوّة آدم لعدم التصريح بذلك في الآيات.
قوله تعالى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ}، فاعتراضهم من جهة ولاية آدم وليس في تبليغه كنبيّ.
قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الاَْسْمآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ}، وتعليم الأسماء ليس فيه بعثٌ لآدم في مقام النبوّة، فهي ليست شريعة ولا منهاجاً، بل حقائق مقامات تكوينية مرتبطة بأصل الديانة والولاية الإلهية.
والآية بينت أنّ ولاية آدم ليست مختصّة في الأرض، بل هي شاملة على الملائكة والإنس والجنّ، فالكلّ تُفترض عليه طاعة آدم.
وفي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(2)، والاصطفاء لا يختصّ بالنبوّة، بل يعمّ سائر المقامات والفضائل والكمالات اللدنية الوهبية، هذا الاصطفاء كالجنس العامّ للمقامات الغيبية; وذلك لدخول مريم (عليها السلام) في آل عمران
____________
1- سورة البقرة 2: 30.
2- سورة آل عمران 3: 33 - 34.
النموذج الثاني: إبراهيم (عليه السلام)
قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(1)، إنّ أصل الإمامة ليس هو مجرّد منصب اعتباري، بل هو منصب تكويني غيبي، وجعل إبراهيم إماماً إحدى درجاته النازلة هو الإدارة الظاهرة المعلنة أو الخفية لشؤون البشر، وتزويده بالعلم اللدني وجعله إماماً هو مقام غيبي يغاير مقام النبوّة.
وإذا كانت الهداية الإراءية أي بقاء الشرائع والتي هي من مهام الأنبياء غير منقطعة في أي حقبة من حقبات البشر، فإنّ الهداية الإيصالية التي هي من مهام الإمامة غير منقطعة كذلك، ومعنى ذلك أنّ الإمامة لا يمكن أن تنقطع أبداً، فمنصب الإمامة يؤكّده القرآن كسنّة إلهية، وليس هو بدعاً في العقيدة بل عقيدة قرآنية راسخة.
قوله تعالى: {تِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ}(2)، ومعنى الإيتاء هنا هو الإيتاء بالعلوم اللدنية والمقامات الإلهية التي ليست زائدة على شؤون النبوّة وحيثياتها.
____________
1- سورة البقرة 2: 124.
2- سورة الأنعام 6: 83.
قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمـًا}(2)، فالكتاب والحكمة وإيتاء الملك العظيم ليس يتعلّق بحيثيات النبوّة، والملك سنخ ملكوتي لدني وليس سنخ اعتباري، ومن هنا يُفسّر الملك العظيم كما في الروايات بأنّه الإمامة.
لأنّ الملك مصحوب بالقدرة نظير عنوان الخلافة، كما في آدم زوّد بالأسماء ثمّ سجدت له الملائكة، فقدرته نابعة من الأسماء التي علّمها الله تعالى إيّاه.
ودُعّم هذا المعنى بنفس الآية في قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}، وهذا هو الملك العظيم الذي هو القدرة وطاعة وخضوع جميع الملائكة في السموات والأرضين وائتمارهم للخليفة فضلاً عمّن هو تحت سيطرة الملائكة.
قوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(3)، يُعبّر عن الإمامة بتعابير مختلفة، فمرّة يُعبّر عنها بالملك، وأُخرى يُعبّر عنها بالخليفة والإمامة، ورابعاً يُعبّر عنها بالكلمة، وإلى غير ذلك.
____________
1- سورة الجاثية 45: 16.
2- سورة النساء 4: 54.
3- سورة الزخرف 43: 28.
وقوله تعالى: {يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}(1) أي يقيم الحقّ بكلماته، بيان للقائمين بالهداية الإرائية والإيصالية، والكلمات هم الحجج الذين يتولّون مهام الهداية الإرائية، ومن ثمّ مهام الهداية الإيصالية كذلك.
وفي قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ}(2) وإراءة الملكوت مقام زائد على مقام النبوّة، ومن ثمّ امتاز به إبراهيم على جملة من بقية الأنبياء، والملكوت هو الجانب الأمري والسلطة على كلّ مخلوق والذي هو بيده تعالى.
النموذج الثالث: إسحاق ويعقوب (عليهما السلام)
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ}(3)، فالجعل هنا كالتعريف لبيان حدود المعنى للإمامة، إذ هناك منصب آخر غير النبوّة وهو منصب الإمامة كما ورد في القرآن الكريم، والهداية المعبّر عنها بقوله تعالى:
____________
1- سورة يونس 10: 82.
2- سورة الأنعام 6: 75.
3- سورة الأنبياء 21: 73.
وقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ..}، ممّا يدلّ على أنّ الإمامة هي وحي تسديدي وليس من الوحي النبوي.
وقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ}، ولم يكن التعبير: (وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات) والفرق بين التعبيرين أنّ في التعبير الأوّل متعلّق الوحي ذات فعل الخير تكوينياً، وأمّا في التعبير الثاني متعلّق الوحي ليس هو ذات الفعل وإنّما هو الأمر التشريعي والطلب الإنشائي للفعل، وهو دليل على أنّ الأئمّة (عليهم السلام) لديهم العصمة الفعلية، كما أنّ منصب الإمام ليس هو مجرّد منصب تشريعي اعتباري، بل منصب تكويني لدني.
فهناك عصمة علمية وعصمة عملية لقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ}، ممّا يدلّ على أنّ أفعالهم حجّة إلهية، فضلاً عن أقوالهم صلوات الله عليهم أجمعين.
وقوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}(1)، والآية تدلّ على وجود الهداية الإيصالية في الإمامة لقوله تعالى: {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}، أي هناك حيثية إيصالية في هدايتهم لبيان الغاية والعاقبة.
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا
____________
1- سورة القصص 28: 5.
وقوله تعالى: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(2)، إنّ التعبير {إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} دليل على أنّ العلم هذا ليس علماً كسبياً، بل هو علم لدني أوتي به يعقوب غير مرتبط بالنبوّة، هو من غير قناة النبوّة، بل هو من باب الولاية الاصطفائية.
قوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْء إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْم لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(3)، وهذا هو العلم الذي عُلّم به يعقوب، غير مرتبط بالنبوّة، بل مرتبط بتدبير الأُمور على نحو التفصيل في الشؤون المعاشية المرتبط بالولاية، والتعبير لما علّمناه هو تأكيد آخر على كونه علماً لدنياً غير كسبي.
النموذج الرابع: يوسف (عليه السلام)
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الاَْرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الاَْحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(4)، إيتاء علم تأويل الأحاديث ليوسف
____________
1- سورة السجدة 32: 24.
2- سورة يوسف 12: 96.
3- سورة يوسف 12: 68.
4- سورة يوسف 12: 21.