ومنها ما رواه الكشي (1) في ترجمة الفضل بن شاذان من ان ابا محمد (عليه السلام) دخل عليه حامد بن محمد ـ الملقب بغورا ـ الذي بعثه الفضل بن شاذان فلما اراد ان يخرج سقط منه كتاب في حضنه ملفوف برداء له، فتناوله (عليه السلام) ونظر فيه وكان الكتاب من تصنيف الفضل، وترحم عليه.
ومنها: ما ورد في عرض كتاب سليم بن قيس على السجاد (عليه السلام) .
ومنها: عرض كتاب ظريف بن ناجح في الديات على ابي عبد الله (عليه السلام) والرضا (عليه السلام) (2) .
ومنها: ما ذكره الحر العاملي (3) حول عرض كتب يونس بن عبد الرحمن، وكتب بنى فضال، والفضل بن شاذان، وعبيد الله بن علي الحلبي على الصادق (عليه السلام) .
مضافاً إلى روايات كثيرة تثبت ان الاصحاب كانوا يعرضون كتبهم على الائمة او نوابهم كالعرض على الحسين بن روح، ويصححة الائمة او ينكرونه او يقبلونه.
2 ـ ان اصحاب الكتب كانوا يدققون في الكتب والروايات ولا يودعونها إلا بعد ان يتيقنوا عدم الدس. كتشدد القميين في قبول الرواية، واخراجهم الضعاف او من يروي عن الضعاف من قم. وكاستثنائهم لروايات كتب الحديث كالذي استثنوه من نوادر محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري وما نقل من تشدد محمد بن الحسن بن الوليد معروف. ومن يتصفح تراجم القميين يراه حافلاً بعملية تصفية وغربلة الأحاديث.
3 ـ ما ورد في ترجمة العديد من الرواة من أنه لا يروى ولا يرسل إلا عن ثقة كابن ابي عمير وغيره.
____________
1- 2 / 820.
2- الوسائل باب 8 من ابواب صفات القاضي ح 32.
3- في الوسائل في الباب 8 من ابوب صفات القاضي ح 73 - 81.
5 ـ ما ورد في طريقة رواتهم حيث لا يعتمدون على التلقي فقط بل يروون عمن سمع من الثقات اما من وجد في الكتب فقط فيتحرزون في الرواية عنه حتى ان علي بن الحسن بن فضال لم يرو كتب ابيه الحسن عنه مع مقابلتها عليه، وانما يرويها عن اخويه احمد ومحمد عن أبيه، واعتذر عن ذلك بأنه يوم مقابلة الحديث عن ابيه كان صغير السن ليس له كثير معرفة بالحديث.
وملاحظة ديدنهم في كتب الامالي، وما ذكره الميرزا النوري من ان التهذيب وصل اليه وعليه توقيع تلامذة الشهيد الثاني وأنهم قرأوه عليه وكذا ما ذكره الفخر في الايضاح عن التهذيب، يظهر مدى عناية المحدثين في النقل والرواية.
6 ـ ما هو منقول في كيفية تصنيف كتب الحديث فالكليني قضى عشرين سنة في التصنيف، وهذه الفترة انما احتاج اليها لانه كان يدقق في الحديث وينتقي من بين الاحاديث.
7 ـ ما ذكره اصحاب المصنفات كما في الفقيه وكامل الزيارات من انهم لا يكتبون من الاحاديث إلا ما يعتقدون حجيته بينهم وبين الله. وانهم رووه عن المشايخ الثقات وقرائتهم عليهم من الكتب المعتبرة.
مضافاً إلى أن خصوص القرائن المولّدة للعلم الإجمالي الأول هي بنفسها مذيلة بما يوجب انحلالها، فإن الأئمة (عليهم السلام) كانوا على ترصّد ومراقبة لما يدلّسه أولئك الكذبوان، وذكروا ضوابط لمعرفة الحديث المدلس والموضوع من أولئك بحيث تمت عملية الغربلة في ذلك الحين. مضافاً إلى ضوابط روايات العرض على الكتاب والسنة القطعية.
فيتحصل ان القرائن الكاشفة عن اهتمام الاصحاب في تنقيح الأخبار كثيرة جدا، مما يدعو إلى انحلال العلم الإجمالي الأول. وهذه الاحاديث التي بين دفتي
المبحث الثالث:
حجية العقل
وينقسم العقل إلى قسمين نظري وعملي.
1 ـ اما النظري فهو القوة الموجودة في الإنسان المجردة عن المادة والتي بواسطتها يحصل الادراك وهي تنطلق من رأس مال البديهيات والفطرة وهو معصوم فيها ومنها ينطلق إلى النظريات والتي لا يكون معصوما فيها. وتجدر الإشارة إنه في بديهياته لا يكون خالقاً لها وانما تصل اليه عن طريق اتصاله بالعوالم العالية عن طريق الالهام الفطري او الايحاء.
ـ والحقائق التي يقوم على اثباتها العقل النظري غير متناهية بل متطورة فبعض الحقائق عجز عن اثباتها بالبرهان الفلاسفة المتقدمون كابن سينا بينما اثبتها المتأخرون نحو المعاد الجسماني فقد عجز عن ذلك ابن سينا بينما اثبتها صدر المتألهين مسترشداً بالدليل النقلي، وكذلك مسألة الرجعة فقد اثبتها من المتأخرين بالبرهان ابو الحسن الرفيعي (1) ، فعدم اقامة السابقين الدليل العقلي علي مسألة لا يعني عدم امكان المتأخرين على ذلك، فليس من سبق كُمّلي العقول حتى يمتنع على المتأخرين اقامة البرهان بل العقول في سير تكاملي إذ الفحص والاسترشاد بالوحي يفتح ابواباً واسعة من العلوم والمعارف العقلية.
____________
1- مجموعة رسائل ومقالات فلسفي ـ للحكيم المحقق العلامة الرفيعي ـ ط. انتشارات الزهراء ـ طهران.
ـ ان كثيرا من روايات المعارف ذكر فيها الاستدلال العقلي فالعمل بها لا يكون من باب التعبد بالنقل بل يكون عقليا وبرهانيا أيضاً.
2 ـ اما العقل العملي فقد عرفوه بانه القوة المدركة للقضايا التي ينبغي ان يقع العمل عليها.
ومنذ القدم بزغ الخلاف في ان العقل العملي والنظري قوتان مختلفتان ام انهما قوة واحدة والاختلاف بينهما من حيث المدركات والصحيح انهما قوتان مختلفتان، وقد ذكر لذلك ادلة متعددة نذكر منها دليلان: -
1 ـ ويتكون من مقدمتين الأولى ماقرره الفلاسفة في علم النفس ان التعرف على قوى النفس انما يتم باختلاف اثارها فكل أثر يكون ويتم عن درجة معينة من درجات النفس.
والثانية. ان الفلاسفة قرروا في الحكمة العملية ان كمال الإنسان يكون عندما تنصاع قواه السفلية إلى القوة العقلية. أي ان القوة العقليه تدير القوة الوهمية والحسية والشهوية والغضبية، بمعنى ان القوة العقلية تقوم بالتأثير في هذه القوى والهيمنة عليها. وهذا يعني ان القوة العاقلة لها عملان ادراك وتأثير وهو عمل وهو غير سنخ الادراك.
فهذا يدل - بضميمة المقدمة الأولى - على انه توجد قوتان عقليتان نظرية وظيفتها الادراك وعملية وظيفتها العمل والتأثير.
2 ـ ان آخر التحقيقات لدى صدر المتألهين أدت إلى القول بان التصور
ومن هنا نقول ان العقل له امر ونهي تكويني اي بعث وزجر للقوى الاخرى الكلية.
والإنسان المهذب والكامل في صلاته يتوجه بقلبه إلى ما فوق عالم العقل حيث الصقع الربوبي والرؤية القلبية وهذا نمط من الادراك لكنه ليس بالقوة العاقلة. ويطلق عليه الادراك القلبي وهو ذو درجات أربع سر وخفي وأخفى وهي ليست من سنخ الادراكات الحصولية بل ادراكات حضورية، وهذا استدراك لتوضيح درجات الإنسان الوجودية ومعرفة النفس البشرية وسوف يأتي مزيد بيان للعلاقة والارتباط بين هذه المراتب.
التنبية الأول:
الحسن والقبح العقليان:
وهذه المسألة من امهات مسائل علم الفلسفة وعلم الكلام والتي جرى البحث عنها منذ القدم في بداية عهد الفلسفة الاسلامية وقبلها الفلسفات الهندية الفهلوية واليونانية.
وقد ذهب الاشاعرة إلى كونهما اعتباريين بجعل العقلاء وأيدهم في ذلك بعض الإمامية وذهب كثير منهم إلى القول بعقليتهما وتكوينيتهما، ويبتني على هذه المسألة ثمرات عدة اذ ان اغلب البراهين تعود إلى حسن العدول وقبح الظلم فاذا كان الحسن والقبح اعتباريين فان الاستدلالات سوف تكون خطابية لا برهانية.
وتظهر خطورة المسألة اكثر حيث يذهب كثير من المتأخرين إلى اعتبارها من المشهورات التي لا واقع لها وراء تطابق آراء العقلاء، وينتج عن ذلك اختلال البنية التحتية للشريعة وذلك لأن المتكلمين يقولون أن الاحكام الشرعية ألطاف في الاحكام العقلية، أي ان العقل لو علم بملاكات الاحكام الشرعية لحكم بها، فهي موضوعات لطف في الكمال يحكم بها العقل لو اطلع عليها. فاذا كانت البنية التحتية للشريعة هي الأحكام العقلية وهي مسألة الحسن والقبح وهي مسألة اعتبارية بيد المعتبر وتتبع نظره، فينتج من ذلك تغيير الاحكام تبعا لتغيير الافكار وهو ما يُعرف حديثا بنظرية تغير المعرفة الدينية أو بسط وقبض الشريعة فلا تتصف الشريعة حينئذ بالثبات.
ولكن بحمد لله ومنّه هذا الاشكال وغيره مدفوع حتى على القول باعتبارية الحسن والقبح. كما سوف يأتي بيانه.
من الناحية التاريخية المسألة مرت بمراحل متعددة: -
2 ـ ان ابن سينا الذي قام بمهمة ترجمة كتب القدماء عدل عن هذا الرأي ولم يبين عدوله ولم يشر اليه، وهكذا أثر في مَن أتى مِن بعده حيث تعاملوا مع كتبه على انها ترجمة امينة لكتب القوم. وقد تأثر هو في ذلك بما ذكره ابو الحسن الاشعري في التفكيك بين معاني الحسن والقبح.
وابن سينا تتضارب كلماته فهو في منطق الشفاء والاشارات (يمثل للمشهورات بالحسن والقبح وهي الاراء المحمودة التي تطابقت عليها آراء العقلاء) ، وفي مقام اخر في النمط الثالث من الاشارات يقول: "ان احكام العقل العملي يستعين بالنظرى وقضاياه اما اوليات او مشهورات"، وكذلك عبارات أخرى كما في الهيات الشفاء في مسألة استجابة الدعاء يذكر فيها ان قضايا الحسن والقبح قضايا حقة يمكن اقامة البرهان عليها.
3 ـ بعض المتأخرين كالمحقق اللاهيجي في كتابة "گوهر مراد" والسبزواري في شرح الاسماء الحسنى ذهب إلى انها تكوينية ولا ينافي كونها مشهورة من جهة أخرى.
4 ـ المحقق الاصفهاني ومن بعده ذهب إلى أنها اعتبارية مطلقا ولا يمكن اقامة البرهان عليها وهذا هو المذهب السائد إلى الان.
فمن خلال هذا السبر التاريخي نلاحظ كيف تحولت هذه القضية من عقلية تكوينية إلى اعتبارية جعلية.
اما الاسباب التي دعت ابن سينا إلى القول بالاعتبارية: -
1 ـ المغالطة التي ذكرها ابو الحسن الاشعري بالتفكيك بين معاني الحسن
2 ـ تعريفه للعقل العملي حيث إنه قد عرفه بتعريف هو عين العقل النظري، والاختلاف بينهما في المدرَك وأن العقل مطلقا شأنه الادراك وليس من شأنه التأثير والانفعال، فكيف يمكن تصور ان العقل له تدخل في اعمال الافعال النفسانية! بل العمليات ليست إلا تأديبات وعادات، وهذا المبنى على خلاف مبنى الفلاسفة المتقدمين كالفاربي وتقسيمهم الحكمة إلى نظرية وعملية.
3 ـ غض ابن سينا النظر عن أحد قسمي البرهان الذين ذكرهما ارسطو وهو البرهان العياني او الشهودي ويمتاز هذا البرهان بأنه يقام على اثبات الجزئيات الحقيقية، واكتفى بالقسم الأول المعروف في باب البرهان وهو مختص بالكليات لذا يشترط فيه الابدية وعدم التغيير.
ولابأس بذكر نبذة عن هذا البرهان: -
هناك قوة في الإنسان تسمى بقوة الفطنة وهذه قوة تُرَوي أعمال الإنسان وتُراعي صدور الارادة على طبق الحكمة، فهي قوة تكون محيطة باحوال الأمور الواقعية الجزئية فتوجب انطباق الكليات على الجزئيات والوصول إلى الكمال المنشود.
توضيح ذلك:
ان ادراك القضايا حتى العملية لايكفي للوصول إلى الكمال، وانما هذا هو كمال لقوة خاصة وهي العقل النظري، وكمال العقل العملي والقوى السفلى يكون
العقل النظري - ثم مرحلة الاذعان في العقل العملي والتأثير على القوى السفلى - ثم مرحلة تشخيص الأمور الجزئية بالدقة وتطبيق تلك الكليات عليها.
وشبيه هذا التسديد عند التنزل من الاعلى إلى الاسفل قوله تعالى: (بالحق انزلناه وبالحق نزل) فهو اشارة إلى السداد والعصمة في مراحل التنزيل، حيث كونه حقا لوحده لا يكفي بل يجب ان يكون السداد في النزول، وفي النفس الانسانية الادراك والاذعان وحده غير كاف بل يجب ان يحصل التسديد في التنفيذ على الأمور الخارجية الجزئية وهذا لا يكون إلا بقوة الفطنة. وهي قوة فوق القوى المادون (الغضبيية والعمّالة والشهوية) فهي تستخدم هذه القوى للوصول إلى الجزئي الحقيقي المندرج تحت الاجناس العالية، فتصدر بعد ذلك اوامرها في عالم النفس لتولد الشوق والارادة وصدور الفعل بعد ذلك.
وقوة الفطنة هي التي تقوم بالبرهان العياني الذي يحتاجه الإنسان في تطبيق الكليات علي الجزئيات، والكمال في الواقعة الجزئية مبتن على هذا البرهان فتلخص الفارق بين البرهان العياني والبرهان النظري
1 ـ ان البرهان النظري هو مختص بالكليات، والعياني للجزئيات
2 ـ ان النظري يتوسط العقل النظري والعملي، اما العياني فالنظري والعملي والفطنة.
انه لو اذعنا بلزوم كون الاعمال برهانية فلا بد من القول بارتكاز الجزئيات على انها قضايا برهانية والذي يمكنه البرهنة على ان الجزيئات حسنة وحكيمة اما الحسن والقبح او التشريع، اي ادراك حسن وكمال الافعال الجزئية يكون باحد هذين، والاحكام الشرعية ألطاف في الاحكام العقلية.
وبتعبير اخر: ان البرهان العياني يبرهن على ان العمل الجزئي على وفق الحكمة والكمال، ولا يمكن البرهنة على كل واقعة جزئية إلا بتوسط استناد البرهان إلى قضايا يقينية لا قضايا مشهورة لا أساس لها إلا الاعتبار. فحينئذ يحصل الالتفات إلى أن قضايا العقل العملي والحسن والقبح تكوينية لا مشهورة.
ـ وحينئذ نقول ان التوحيد النظري وحده من دون تنزله إلى توحيد عملي هو توحيد أجوف، ولا يحصل هذا التنزل من التوحيد النظري إلى التوحيد في الطاعة إلا بالبرهان العياني وقوة الفطنة.
ومن هنا أن التوحيد والاعتقاد بالنبوة من دون الولاية لا يقبل: "اليوم أكملت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام ديناً" وسيأتي بسط الكلام فيه.
فهذه الأمور الثلاثة هي التي سببت الخلط الحاصل لدى ابن سينا وعليه ابتنى اشتباه المتأخرين.
بعد اتضاح هذا الخلط التاريخي في مسألة القبح والحسن نعرض للأدلة التي اقيمت على اعتباريتهما ومناقشتها ثم تعرض الى الادلة التي ذكرها صدر المتألهين.
أولاً: ادلة اعتبارية الحسن والقبح: -
1 ـ اختلاف العقلاء في تحسين بعض الأمور وتقبيحها باختلاف الازمنة والأمكنة، فهذا يعني عدم وجود واقع تكويني ثابت بحيث يبقى الشيء حسنا دائما أو قبيحا دائما.
3 ـ يذكرون في اثبات النفس أن الإنسان لو خلق من دون اعضاء أصلا فإنه سوف يدرك ذاته وهذا يدل على مغايرة الذات للبدن، وهكذا فيما نحن فيه فلو خلق الإنسان وحيدا في هذا العالم ولم يؤدب على العادات الحسنة ولم يلاقِ أي انسان آخر، فإنه سوف لن يحكم بحسن العدل وقبح الظلم فهذا يدل على أنهما ليسا تكوينين بل هما امران جعليان.
4 ـ ان العقلاء انما يحكمون بهذا الحكم من اجل مصلحة اجتماعهم ونظامهم، فلو انعدم الاجتماع والنظام لما حكم العقلاء بذلك. وبعبارة أخرى أنّ هذه الأحكام للوصول لإغراض أخرى بواسطة هذا الاعتبار.
5 ـ ما ذكره المحقق الاصفهاني: - ان الفعل المقتضي للمدح والذم على أحد نحوين إما بنحو اقتضاء السبب لمسببه والمقتضي لمقتضاه وإما بنحو اقتضاء الغاية لذى الغاية.
اما السببية والمسببية فهي تكوينية لكنها ليست ناشئة عن النزعة العقلية وقوى الإنسان العقلية، بل هي ناشئة بداوعي حيوانية كالانتقام والتشفي والغيظ. اما الغاية وذي الغاية فانها اذا ثبتت فهي تعني وتدل على الاعتبارية، لأن الغاية لهيئة الاجتماع الاعتبارية، والمدح والذم موجب لما فيه صلاح العامة فهو اعتباري محض.
6 ـ ما ذكره ابن سينا والاصفهاني: ان الحسن والقبح لو كانا عقليين تكوينيين لما خرج عن احدى البديهيات الست وهي ليست بواحدة منها. فيبطل كونها من البديهيات.
7 ـ ان المدح والذم يعده العقلاء من الانشائيات، والانشاء من سنخ الاعتباريات.
8 ـ ما ذكره الشهيد الصدر ان تعريف العدل هو اعطاء كل ذي حق حقه،
و هذه الأدلة كلها مردودة و قبل ان نستعرضها نتعرض لما ذكره الاشعري بالتفكيك بين معاني الحسن والقبح و هو كما ذكرنا احد الاسباب التي ادت إلى مغالطة ابن سينا.
وبتعبير آخر: فان وظيفة المدح هو الحكاية الحقيقية عن الكمال اي المحمول الذهني الحاكي عن الكمال الحقيقي الخارجي، والذم كذلك، فالا رتباط بينهما هو الارتباط بين الحاكي والمحكي عنهما، وهما متحدان هوية ومختلفان وجوداً، فالكمال الحقيقي وجود خارجي والمدح وجود ذهني.
وحكاية وجود عن وجود أمر متسالم عليه، وأكمل صورة هو حكاية الموجودات عن وجود الخالق اذ انها آيات عظمته وقدرته وكلما كان الوجود أكمل فحكايته عن الوجود الالهي اعظم وأتم. وقد قال (عليه السلام) : "ما لله اية اكبر مني" باعتبار ان الكمالات التي وصل اليها (عليه السلام) (بغير وجوده البدني) حاكية عن وجود الحق اكثر من حكاية السماوات والأرضين. فالوجود الخارجي يكون حاكيا عن وجود خارجي آخر أكمل وأتم من الأول.
فالحكاية ليست مقتصرة على الوجود الذهني. بل ان الافعال القبيحة الصادرة من الفاعل البشري المختار حاكية عن الهيئات الرديئة في النفس.
وقد يكون الانكار في بعض الاحيان نتيجة حالة مرضية تصيب القوة العاقلة حيث لاينصاع العقل العملي لمدركات العقل النظري، فيصاب بحالة التشكيك الدائم كما وقع للرازي. فهذا كله لا يؤدي إلى عدم بداهة القضية.
هذا كله جواب إجمالي عن ادلة اعتبارية الحسن والقبح، أما الجواب التفصيلي.
1 ـ ان اختلاف العقلاء في التحسين والتقبيح حسب اختلاف الازمنة والامكنة إما أن يكون ناشئا من اختلاف التشخيص أي عدم اصابة الكمال الواقعي والنقص الواقعي وذلك لاختلاف الافهام والعقول. واما ان يكون ناشئا من اختلاف الظروف البيئية المختلفة كالاختلاف بين الاماكن الباردة والحارة فانه في الاولى يقبح لبس الملابس الخفيفة بخلاف الثانية.
2 ـ اما وقوع التشاجر والخلاف بين العلماء فيُعلم جوابه مما مر.
وابن سينا نفسه وقع في التناقض حيث قال في الهيات الشفاء في مسألة استحابة الدعاء والتضرع والتوسل أن اكثر ما في ايدى الناس من الحسن والقبح حق يقام علية البرهان.
4 ـ اما ما ذكره المحقق الاصفهاني من ان سببية الفعل للمدح والذم تكون من مناشئ حيوانية، فهو غير تام وذلك لأن للعقل ملائمات ومنافرات، وبالتالي يمكن ْأن يكون المنشأ هو داع عقلي محض، ويكون العقل سبباً للمدح والذم وهذا واضح في الكُمّلين من البشر حيث نلاحظ ان انفعالاتهم ومدحهم وذمهم ليس ناشئاً من دواع حيوانية، وذلك لأن قواهم كلها منصاعة تماما للقوى العقلية فتكون كل تصرفاتهم منبعثة عن العقل، فعندما يذمون ظالما مثلا لا يكون الذم بداعي الغريزة الحيوانية. ويمكن ان يكون تعبير القرآن عن موسى: (ولما سكت عن موسى الغضب) اشارةً إلى ذلك، اذ ان النطق والسكوت من خصائص الإنسان بخلاف الحركة والسكون العامة لمطلق الحيوان، فقد استخدم تعبير السكوت للدلالة على أن غضبه لم يكن ناشئا من القوى الحيوانية بل من القوى العاقلة وسره هو ما ذكرناه.
وهذا التحليل هو الذي يفسر لنا كيف أن الإنسان الكامل يكون رضاه رضا الله وغضبه غضب الله، لأن قواه كلها منصاعة لقواه العقلية التي هي معصومة في ما تتلقاه من مدركات عن العوالم العلوية من مشيئة الله.
ومن الجهة الأخرى أي عندما نُخبر بأن رضا الله في رضا فاطمة "ان الله
5 ـ اما اشكال الشهيد الصدر فجوابه بمخالفته لتعريف الظلم والعدل، فان التعريف الصحيح للعدل هو وصول كل موجود إلى كماله المطلوب من دون اعاقة وممانعة موجود آخر، والظلم هو مما نعة موجود من وصول موجود آخر لكماله. فالعدالة الاجتماعية مثلاً هي وصول كل افراد المجتمع في حسن نظام المجتمع إلى كمالاته الممكنة من دون اعاقة الافراد الاخرين. أما عندما تصل طبقة لكمالها على حساب طبقة أخرى فانه يكون من الظلم الاجتماعي، والتشريع انما يكون عادلا لأنه يكون كاشفا عن الكمالات المخبوءة في الأفعال والتي بها يصل الإنسان لكمالاته.
فالعدل كمال والظلم نقص، فيكون توصيف العدل والظلم بالحسن والقبح تكوينيا لا اعتباريا.
اما الاحترام والتعظيم فنفس الاحترام والتعظيم ليس بشيء، بل المهم هو الداعي للاحترام والداعي للتعظيم لما فيه من ترويض النفس وهو في الواقع تقديس واحترام للكمال المخبوء في ذلك الشخص. فالتقديس لا للبدن بل للصفات العالية، ومن هنا نقول ان التقديس اذا كان للحقائق والكمالات فهو دعوة نحوهما وسير حثيث اتجاههما.
وبهذا يختلف عن تقديس الاباطيل والخرافات فهذه قدسية باطلة، وبتعبير آخر يمكن القول ان القدسية والتقديس هو خضوع قوى الإنسان السفلى إلى قواه العقلية العملية، فاذا كانت تلك القوى العملية مصابة بحالة مرضية وتنصاع للاباطيل فتكون قدسية مذمومة، أما لو كانت القوة العملية منصاعة للكمالات العالية والتي بها تكبح جماح القوى المادون فإنها قدسية محمودة.
فتبين من كل ما سبق ان الحسن والقبح امران تكوينيان واقعيان وليسا اعتباريين كما ذهب اليه جلّ المتأخرين.
أدلة واقعية الحسن والقبح:
ونلفت أخيرا إلى براهين أقامها صدر المتألهين تثبت تكوينية الحسن والقبح ذكرها بعد ان كان قد انكر واقعيتهما عندما تعرض لهما ابتداءً، وهذا يلفت إلى الخلط والتردد الحاصل لدى مَن أتى بعد ابن سينا، بسبب الاضطراب الحاصل في كلماته والبراهين التي ذكرها للدلالة على واقعية الحسن والقبح فيه ثلاث: -
1 ـ العناية الالهية:
اي أن للحق تعالى عناية بخلقه والقاعدة الفلسفية المثبتة هنا هي ان علمه بالنظام الاتم والاكمل ورضاه به لهذا النظام. توضيح ذلك:
ان الباري يكون على اكمل واشرف واعلى ما يمكن ان يكون في مقام ذاته، فالصادر من الحق يكون كذلك حيث ان ايات ومخلوقات الله تدل على صفة الكمال في الباري. والنظام الذاتي يكون علة للنظام الخلقي وافاضة الكمال على ما دون هو من العناية وهكذا يستفيد الملا صدرا أنّ علم الباري هو منشأ افاضة الكمالات للمخلوقات، وصفة العناية هذه هي التي تفيض ما يعرف بالنظام الأحسن والأكمل حيث يكون كل عالم من العوالم بنحو يؤدي إلى تحقيق الكمالات الوجودية بنحو اكثر وأرفع فعناية الحق توصل تلك
ومؤدّى هذه القاعدة (العناية) يمكن ان يستبدل بقاعدة اللطف المعروفه إلا ان الاولى الحاكم بها هو العقل النظري والثانية الحاكم بها هو العقل العملي.
ونعود فنقول ان الافعال يجب ان تؤدي إلى الكمال المطلوب، وهذا يقتضي ان يكون لهذه الافعال في الواقع كمال مُعين (العلم تابع للمعلوم الذاتي وهو النظام الكمالي الذاتي، فالعلم (فعله الصادر) يتحدد طبقاً للكمال الذي في المعلوم وهذا يعني ان في الأفعال الإرادية في حد نفسها كمال ونقص وأن الخير والشر نابع من واقع الفعل الإرادي، وأن الحكم التشريعي الإلهي على طبق ما في الأفعال من خير وشر، فهو كاشف عما هي عليه في الواقع، لا كما يقوله الاشعري ان واقع الفعل تابع لنمط التشريع ولا هوية له في نفسه، أو لك أن تقول ما قدمناه من أن حقيقة المدح الاخبار عن الكمال، والذم الاخبار عن النقص فللافعال الإرادية في نفسها مدح وذم أي حسن وقبح.
2 ـ تجسم الاعمال:
وهي قاعدة مهمة نقحها بوضوح فائق فلاسفة الامامية مسترشدين بالروايات الواردة في ذلك ومؤداها ان تكرار الفعل يولد ملكات اما حسنة نورانية او ملكات رديئة، وكلما ازدادت ترسخت في النفس اكثر حتى تصبح جوهرية، ومن هنا قالوا ان الإنسان ليس هو النوع الاخير بل يتلبس بعد الصورة الإنسانية بصورة وفعل اما ملكي أو شيطاني أو بهيمي أو سبعي. وهكذا وفي كل نوع هناك شعب أخرى. بيان ذلك:
ان الإنسان في سعيه نحو الكمال انما يبتغي ان يحصل على ما له ثبات، الكمال العرضي يكون في معرض الزوال فتعود حاله إلى ما كانت عليه قبل تحصيله.