هذا أذ أرادنا تشريعا يكون مظهرا للحقائق الواقعية ومطابقا وصحيحا.
وهذا الإنسان الذي يمتلك تلك القابلية هو الذي يكون مظهرا للرضا الالهي وللغضب الالهي وللعزائم الالهية وذلك لا يكون الا بأن تتساوى كل حركاته وسكناته بلحاظ التأثر بالعوالم العلوية.
ومن لا يمتلك تلك المكانة والقابلية فلن يكون تشريعه سالما وصحيحا ومن هنا قلنا بأن الولاية التشريعية تابعة للمقام التكويني الخاص.
والمقام الأكمل الذي يصل اليه المشرع والمسن للقوانين هو مقام العصمة، وهي كما لا يخفى على درجات فبعضهم أصحاب شرائع، وبعضهم اولوا عزم، وبعضهم شرائعهم دائمة وأبدية وهكذا تختلف درجاتهم العصموية بالاختلاف درجات قربهم من الصقع الربوبي. وتتنزل درجات العصمة حتى تصل إلى العصمة في الإنسان العادي وتتمثل في حدود البديهيات الموجودة في العقل البشري حيث ان عدم وجودها يؤدي إلى نوع من الاضطراب والخلل حيث لا يوجد حينئذ ما يتكأ عليها الفكر البشري.
الوجه الثالث:
السنن التكويني والسنن التشريعي.
ذكرنا فيما سبق ان الإنسان يركز ويستند في علومه إلى نوع محدود من العصمة وذلك من خلال البديهيات الموجودة في العقل البشري والتي ينتهي اليها في كل قضية، وبدونها يحل الاضطراب في الفكر البشري، كما اشرنا فيما سبق إلى
التنبيه الخامس
العلاقة بين العقل العملي والعقل النظري
نلاحظ بعض الظواهر التي يتحد فيها حكم العقلين وان اختلف طريقهما من امثلة ذلك قاعدة اللطف الكلامية المعروفة ومدركها العقل العملي، وقاعدة العناية الفلسفية ومدركها العقل النظري وهما قاعدتان ينتجان نتائج متشابهة بنحو كبير.
وهكذا في بحث العقوبة الاخروية بمقتضى المعاد الجسماني وكون القبح والحسن عقليين، فان العقل العملي يحكم بالعقوبة الاخروية حيث ان مدح الله ثوابه وذمه عقابه أو أن مدح الفعل بالكمال المنتهي إليه وذم الفعل بالنقص، والعقل النظري يحكم به بالعقوبة الاخروية بتوسط نظرية تجسم الأعمال وهكذا سوف نجد موازاة بين قواعد أخرى يحكم بها العقلان. فهذا الارتباط بينهما ليس ارتباطاً عفويا وصدفة وانما له منشأ تكويني.
بيان ذلك: أن ضابطة مدركات العقل العملي هو ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله، وما ينبغي فعله هو الحب التكويني الفطري والانجذاب نحو الكمال فلذا هو يطلبه طلبا تكوينيا ويبتغيه كغاية، وما لا ينبغي فعله هو خلافه أي ما تنفر منه تكوينا.
والكمال هو الخير والوجود والنقص هو الشر والعدم، وضابطة مدركات العقل النظري هي الوجود ونفي الوجود، فمباحث الحكمة النظرية مرتبطة بالكمال والوجود، ومباحثه تؤثر في العقل العملي الذي ينجذب تكويناً نحو الكمال الذى
وهكذا نلاحظ الارتباط الحاصل بين العقلين والاندماج بين مدركاتهما بحيث يفتح بابا جديداً في الاستدلال الحكمي البرهاني والمعرفة العقلية ويمكن استخدام الادلة الكلامية في المباحث الفلسفية حيث تكون كاشفا كشفا إنيا وكذلك العكس واستخدام الادلة الفلسفية في المباحث الكلامية.
المبحث الرابع
حجية المعارف القلبية
والبحث فيها من جهات: -
الجهة الأولى:
في بيان المراد من المعارف القلبية.
ان الحديث عن المعارف القلبية متشعب وطويل وسوف نتناول منه ما يهمنا في بحثنا وعن المقدار الذي يكون فيه حجة متميزة عن غير الحجة.
يتفق الفلاسفة على أن هناك نحوين من الادراكات التي يتوصل بها الإنسان لمعرفة الحقائق الأول هي الادراكات العقلية والثاني هو الادراكات القلبية، وضابطة التفصيل بينهما يعتمد على كيفية الادراك فالأول يتم عن طريق الصور الحصولية للأشياء والثاني يتم عن طريق الادراكات الحضورية وهو الارتباط بالشيء ارتباطاً ما.
توضيح ذلك: ان الادراكات العقلية تعتمد على الصور ويختلف مدى ارتباط هذه الصور بالمادة حسب المراتب.
ففي الصورة الحسية فان نفس الصورة وان كانت مجردة عن الخارج إلا ان لها ثلاثة تعلقات:
2 ـ من جهة المشخصات والالوان.
3 ـ لابد من محاذات وجود خارجي محسوس، ففيها تجرد عن نفس المادة ولها ثلاث تعلقات من لوازم المادة.
اما الصورة الخيالية ففيها شيء من اللطافة اذ يضاف اليها تجرد عن المحاذات لشيء محسوس لكن مع تعلق من جهة الابعاد ومن جهة العوارض المشخصة.
اما الصورة الوهمية فيضاف اليها تجرد عن الابعاد الثلاثة وعن العوارض لكن تبقى لها تعلق باعتبار وجوب اضافتها إلى الجزئي الحقيقي كحب زيد وبغض عمر وهكذا.
واما في العقل العملي والنظري ففيه تجردات تامة لكن يبقى له تعلق بالصور.
والنفس في ادراكها لهذه الصور المختلفة لها إياب وذهاب وخلط وترتيب وربط بين هذه الصور المختلفة، فقد تغرب عن الصور الحسية اي الوهمية أو الخيالية وتحمل المعنى الوهمي على المعنى الحسي وهكذا.
وهذا ما يسمى في الاصطلاح ان النفس لها حركة تجرد وتعلق.
اما المعارف القلبية فهي أشد تجردا حيث لا تتعلق بالصور كما في الادراكات العقلية بل هو الارتباط بالشيء بنحو ما.
وللنفس أيضا اياب وذهاب في مراتب المعارف القلبية الاربعة وهي: -
1 ـ القلب وهو الارتباط بحقائق الاشياء من دون توسط الصور المادية، نعم يدرك في هذه المرحلة الصور العينية البرزخية كما في سماع انين الموتى من الصالحين وكذلك تشمل ادراكات عالم المثال، و يقال حينئذ انها تدرك صور الجوهر المثالي.
2 ـ السر وهي الادراكات التي فوق عالم البرزخ والمثال فهي اكثر سعة من مرتبة القلب واكثر احاطة وجودية.
اذا اتضح ذلك نقول:
1 ـ إنه كما ان الادراكات العقلية موجودة في كل انسان لكن قد لا يستطيع البعض استخدامها ويعجز عن الوصول حتى إلى القوة الوهمية بل تظل نفسه محبوسة بين الحس والخيال، فهكذا المراتب القلبية فهي مراتب شأنية يستطيع كل انسان ان ينالها لكن تحتاج إلى قوة ايمانية وكمالات عالية حتى يكون للنفس سبح في هذه المراتب ولا ينالها الا ذو حظ عظيم، والإنسان بعمله ومناعة نفسة يرتقي إلى هذه المراتب.
2 ـ ان التمييز بين المراتب القلبية الأربعة هو التمييز في الحدود الوجودية.
3 ـ ان مدرسة أهل البيت عليهم السلام تبنت الرؤية القلبية للذات المقدسة لا الرؤية الحصولية الوهمية ولا الخيالية ولا الحسية وأما الرؤية العقلية بتوسط المعاني المجردة فقد أثبتتها العديد من الروايات الواردة عنهم المتضمنة للتنبيه على لزوم الوحدة والبساطة في المعاني والصفات وعدم تطرق التركيب العقلي التحليلي فيها، وأنه الفارق في التوصيف العقلي للذات الواجبة عن الممكنات وهو متطابق مع ما قام عليه البرهان الحكمي.
وفي بعض الروايات (1) انه لو احيل الادراك بالمعاني العقلية لكانت المعرفة أمر لا يطاق عند عامة البشر، كما أن الروايات نبهت على أن المعبود هو المحكي بالمعاني العقلية وهو المسمى لا نفس المعاني العقلية وهي الاسم. فالذات المقدسة لا تقتنص بحس ولا بوهم ولا بخيال لعدم الحدود والمقدار فيه. فكيف يمكن اقتناصها بتلك القوى واثبات الرؤية الحسية لها، نعم الادراكات العقلية هي الحالة الوسط بين الادراكات الصورية النازلة وبين الادراكات القلبية، ولذا فهي بوابة على الغيب لكنها تبقى معان حاكية وليست هي نفس المحكي أي ليست هي نفس
____________
1- أصول الكافي: 1 / 83 ـ ح 6.
4 ـ فوائد المعارف القلبية:
آ ـ ان الإنسان لم يخلق للخلود في هذا العالم بل هو مخلوق لعوالم أخرى، فهو يعيش منذ ولادته عالمه البرزخي بمعنى إنه يصنع بأعماله وعقائده عالمه البرزخي، وعندما يتكامل ويبلغ ويرشد يصنع حياته الاخروية التي هي بعد الحياة البرزخية في عين عيشه حالياً للحياة الدنيوية، والمراتب القلبية تجعله مشرفاً على تلكم العوالم.
وقد يظن البعض أن هذا نوع من الخيال وتسطير الكلمات فما الحاجة إلى الاشراف على هذه العوالم وهو لم يعشها بمعنى لم يحن ظرفها الزماني فنقول: - خير مثال على ذلك الطفل الذي يعيش في بطن امه يكون له اذن وانف وفم ولسان وشفتين وكل شيء فَلِمَ كل هذه الاجهزة هل هى حتى يستعين بها في حياته داخل رحم أمه؟ بالطبع لا، من الواضح ان هذه الاجهزة لأجل ان يعيش بها في عالم آخر غير عالم الرحم. وهو عالم الدنيا. وهكذا الإنسان في مراحله القلبية فالانسان لا يحتاج اليها في ادارة شئون عالم الدنيا إلا إنه محتاج لها في عالم الاخرة.
ب ـ ان المراتب القلبية هي السبيل لمعرفة الغيب فكلّ يستطيع ادراك الغيب وكلا يعيش الغيب ولو مرتبة ضامرة.
جـ ـ الفائدة الجليلة والعظيمة في الادراكات القلبية هي رؤية أشرف مرئي وهو نور واجب الوجود.
5 ـ ان الإنسان اذا أدرك بلحاظ المراتب القلبية حقيقة من الحقائق وأراد لها ان تنزل إلى الادراك العقلي النظري فلابد ان تتنزل بمعناها لا بوجودها وحقيقتها، فالارتباط بين المراتب القلبية والعقل النظري هي بوحدة المعنى وبوحدة المفهوم،
والمرآة هي القوى الادراكية الحصولية العقلية.
6 ـ ان الادراكات العقلية يتصور فيها التصور والشك والترديد والجزم، اما في المدركات القلبية فهي صحيحة دوماً على صواب أبدً لا مكان للشك فيها حال المعاينة القلبية. والسر في ذلك إنه في الادراكات العقلية يكون المدرك هو صورة الشيء، والحاكي عن الشيء، فيرد التساؤل عن مدى مطابقته للواقع أو عدم مطابقته، (وقد ذكرنا في نهاية التنبيه الأول مشكلة الخطأ في الفكر البشري وكيفية معالجته وان تحصيل اليقين في الامور النظرية من الأمور الصعبة) بخلاف ما اذا كان نفس الشيء وعينه حاضرا فإنه يكون يقينا لا لبس فيه ولا ترديد، ومن هنا نجد ان الكثير من روّاد علم المعارف الإلهية اشار إلى ندرة الحصول على اليقين بل كلها ظنون متاخمة لليقين، وتطرق إلى ذلك السيد الصدر في بحثه عن الاستقراء (كلا لو تعلمون اليقين لترونّ الحجيم) .
ومن هنا نعرف السر في حث كثير من العلماء على تنزيه النفس وتربيتها لنيل تلك العلوم اليقينية، وألاّ يقتصر على تحصيل العلوم التي لا تتجاوز الصور. إذ الادراكات القلبية أشرف من العلوم الحصولية وإن كانت هي البوابة المأمونة لها.
7 ـ ان مراتب الادراكات القلبية تتفاوت شدة وضعفا حيث أن الوصول إلى الحقائق تتبع سعة ظرفية الواصل (المدرِك) ، فقد يصل الانسان إلى هذه المراتب بنحو العرض، وقد يصل إلى تلك المراتب وتكون بالنسبة اليه كفصل جوهري حيث يكون قد حصل لذاته تكامل ورقي وجودي أوصله إلى تلك المرحلة فيتصفح حيث ما شاء في العالم الغيبي.
فالذي يدرك الغيب لا يعنى إنه ادرك كل الغيب، فالله عز وجل لا تحيطه الابصار والقلوب بل عرفته القلوب بحقائق الايمان.
9 ـ ان معرفة الإنسان لنفسه هي بوابة المعرفة الربوبية، وذلك لأن كل مخلوق هو آية لخالقه، وكل كامل نازل هو آية للكمال الصاعد فيقال ان كل غيب نازل له حكاية تكوينية لغيب صاعد، وهذه الحكاية ليست على نسق حكاية الصور الحصولية، بل هي حكاية الرقيقة عن الحقيقة، كما عبر بذلك الفلاسفة، او حكاية المظهر عن الظاهر كما عبر العرفانيون. لكن هذه الحكاية وان كانت غير قابلة للخطأ والصواب بل هي صواب دائم إلا انها ليست حكاية احاطة لأن الرقيقة لا تمثل كل كمالات الحقيقة.
10 - من الأمور التي تدلل على أهمية الادراكات القلبية هو رجوع جميع الادراكات العقلية اليها بيان ذلك: -
إنه قد ثبت في محله رجوع جميع التصورات والتصديقات النظرية إلى البديهيات التصورية والتصديقية وهي رأس مال الإنسان في تحصيل علومه، وحينما نقوم بتحليل هذه البديهيات نرى انها في تكونها محتاجة إلى الادراكات القلبية فعندما نقول إنه صادق فيعني عدم احتمال اللامطابقة والسر في ذلك ان النفس تدرك ذاتها ووجودها والصورة نفسها مدركة لديها بالعلم الحضوري فالمحكي والحاكي كلاهما موجود لدى النفس فلا يحتمل اللانطباق، وهذا ببركة العلم الحضوري.
ونفس الشيء يقال في أول البديهيات التصديقية وهو استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما فموضوع القضية اجتماع النقضين ومحمولها هو الامتناع. حيث
من خلال هذا العرض نصل إلى حقيقة في وجود الإنسان هي إنه في اتصاله بعالم المادة يكون عبر قنطرة الصور الحصولية اما اتصاله بالغيب فهو اتصال حضوري مباشر.
الجهة الثانية:
حول ضابطة حجية المعارف القلبية.
قد يتراءى لغوية هذا البحث وذلك لما ذكرناه سابقا من ان المدرَك بالقلب هو عين ومتن الواقع فلا يحتمل الخطأ، وبالتالي فهو حجة كله، بل كل ادراكه صدق، ولكن في الواقع نحن بحاجة إلى هذا البحث وذلك لأن العرفاء انفسهم في بحث المكاشفات يشيرون إلى ان المكاشفات على اقسام وان الادراكات الحضورية على درجات، وأن بعض الاشياء العينية قد تكون من تسويل وتمثلات العيانية من الشياطين أو كون قوى النفس قد اختلقتها. فلا يمكن القول بحجية كل الادراكات القلبية، فكما ذكرنا في العلوم الحصولية قد تحصل الحجب والامراض التي تمنع عن ادراك الحقائق فهنا كذلك تحصل حجب النفس التي تحجب الواقع عن ادراكه - وقد تعرضنا تفصيلا في بحث الرؤية القلبية (1) إلى تصرف الشياطين والجن في قلب الكائن البشري هو تصرف تكويني وفعل حضوري ولكن ليس حضور الحقائق العالية.
ـ وقد ذكر القيصري نفسه في مقدمات شرح الفصوص والسيد حيدر الآملي في نص النصوص، على ان من الكشف ما هو رحماني ومنه الشيطاني ومنه النفساني...
____________
1- انظر كتاب دعوى السفارة في الغيبة الكبرى ـ مسألة الرؤية القلبية.
نلاحظ مما تقدم ان العرفاء ركزوا على نكتة ان المدركات قد لا تكون من الحقائق فلذا يجب الاعتماد على الميزان المعصوم وادراك معصوم.
ويتبقى جانب آخر نشير اليه وهو تنزل المدركات القلبيه الى المدركات العقلية، حيث ان العلوم الحضورية يجب ان تنزل إلى القوة العقلية حتى يستطيع ان يستفيد منها الإنسان وتكون مؤثرة في واقعه الحياتي، وهذا التنزل يجب ان يكون مأموناً والمقصود بالأمن ان الصور الحصولية التي يلتقطها العقل يجب ان تكون متطابقة مع حقائق الاشياء التي توصل اليها بالعلم الحضوري.
فكما ذكرنا سابقا توجد امراض تمنع من تنزل ادراكات العقل النظري وتمنع من سيطرة العقل العملي على القوة السفلى، فهنا ايضاً توجد امراض واخطار تمنع من حصول الادراكات العقلية الصحيحة. فالعقل هو كالمرآة التي تنطبع عليه مدركات القلب فقد يكون المنطبِع شبح الحقيقة لا عين الحقيقة وقد تكون الصورة مشوشة.
وبتعبير آخر: ان مرآة العقل قد تصاب بسبب الاخلاق الرديئة او الأعمال السيئة تشوبها حجب فلا تنطبع فيها صور الحقائق بنحو صاف وسليم ومن هنا نحتاج إلى ضابط وميزان لتمييز الحجة من اللاحجة. حيث ليس لنا أمان من الزلل والخطأ لا في نفس المدرَك، ولا في تنزله، ويظهر من هنا الميزة للفرد المعصوم حيث إنه لا يدرك الا ما هو حق ولا يتنزل إلا بتنزل من الحق. ومن هنا نرى ان القران يوصف بأوصاف متعددة (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) فهو مدرك حق (في كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون) اي المعصومون من الذنوب والخطأ (بالحق انزلناه وبالحق نزل) فالعصمة في صدوره لا تكفي بل عصمة في التنزل من العوالم العلوية.
لذلك نفي عن النبي (صلى الله عليه وآله) الجنون ونفي عنه الشعر ونفي عنه الكهانة فقواه العقلية تسير بالسير الفطري مطابقة المادون للاعلى وعدم تصرف الشيطان في قلبه، فكل ذلك الوارد في وصف القرآن والوارد في وصف الرسول (صلى الله عليه وآله) من اجل بيان ان هذه القناة معصومة مأمونة من الخطأ والزلل. وهذا دليل على أنه ليست كل مدركات القلب حجة و الا لما احتيج إلى كل ذلك التأكيد ودفع الشبهات.
فالضابطة الميزان في كل ذلك هو الكتاب والسنة حيث يعبران عن الوحي المعصوم وكذلك العقل البديهي والنظري فيمكن عرض التنزل على تلك البديهيات ليعلم الصحيح منها من السقيم.
وهذه النتيجة لا تعني انكار الغيب او انكار للمدركات القلبية بل هي الضابطة التي تحتاج اليها النفوس البشرية غير المعصومة. ونحن لا ننفيها بنحو مطلق بل ننفي الحجية المطلقة لها.
خاتمة:
حول العلاقة بين الحجج الاربعة.
لقد مضى الكلام في هذا الفصل حول الطرق والحجج الاربعة اثنان نقليان هما الكتاب والسنة واثنان تكوينيان هما العقل والقلب والغرض من هذه الخاتمة هو الإشارة إلى الارتباط والعلاقة بين هذه الطرق.
وقد ذكر للعلاقة بينها امور: -
ـ ان الفلسفة وهي الباحثة عن مدركات العقل والعرفان وهو الباحث عن لغة الادراكات الحضورية، وهما تلميذان يؤهلان لفهم نكات الوحي.
ـ ان العقل والقلب يرجع اليهما في رفع متشابهات النص، وإنه يرجع إلى محكمات النص ليرفع متشابهات العقل والقلب فيرفع متشابة كل منهما بمحكم الآخر.
ـ ان العقل والقلب شأنهماالادراك، اما الوحي فهو نفس المدرَك.
ـ وقال البعض: - ان وظيفة العقل والقلب هو التصور، وأما الحكم فهو من وظيفة الوحي بمعنى ان المخاطَب هو العقل والقلب اما نفس الخطاب هو الكتاب والسنة حيث انهما مواد الوحي. فالمخاطَب ليس هو القوى النازلة بل المخاطب هو العقل والقلب، واللغة اللسانية وظيفتها احداث التصور، واللغة العقلية وظيفتها احداث أصل الادراك، والحكم والتصديق يكون من الشارع فالمدرك لهذا الحكم والتصديق والتصوير هو العقل، والمدرك لهذه الاشعاعات النورية هو القلب.
فكما أن الالفاظ موصلة للمعنى وبها يحتج فكذلك في لغة العقل بهما يحتج على الإنسان فالعقل والقلب هما المخاطبان ولغة الخطاب هو الوحي.
ـ ان هناك سنناً تكوينية جعلها الله عز وجل في طريقة التفكير البشري، فالعلم وان كان نورا يقذفه الله في قلب الإنسان الا ان طريقه القذف تعتمد على أحد نحوين:
الاول: هي الوصول إلى الاستنتاج عن طريق تهيئة المقدمات والمواد وعبر مراعاة موازين ما يسمى بالمنطق، وذكرنا انها معدات تعد الإنسان لكي يفاض عليه النتائج.
والآخر: هو التصفية والتخلية عن الرذائل والتحلية بالفضائل والايمان والمعارف، فيصل الإنسان إلى العلوم الحضورية وهذا مسلك الاشراق والعرفاء...
فهاتان سنتان تكوينيتان في نيل الفكر والمعرفة الانسانية، ويضاف إلى هاتين السنتين سنة وطريقة ثالثة وهي الوحي (الكتاب والسنة) .
وهذه الطرق ليست متقابلة بل يجب الاستعانة بكل منها مع الاخر فاذا استمد الإنسان بالسنتين التكوينيتين دون الوحي فيعني خسران المعارف الهائلة، وكذلك لا يستفيد تمام وكمال الفائدة من الرافد الاخير إلا بالرافدين الاوليين لانهما قناتي وطريقي المعارف.
ـ ووجه آخر لبيان العلاقة وهو ان الرياضة العقلية في العلوم العقلية، والرياضة القلبية في العلوم القلبية العرفانية بالغة الأهمية من حيث كونها معدة للتأهل وخوض الوحي لفهم اسراره.
والعمدة التي تدور حولها جميع هذه الاجوبة لبيان العلاقة هو بيان التلازم بين هذه الطرق المختلفة بوضع كل في دوره الموظف له بحيث لا يلغى أحدهما الاخر
وفي حديث طويل عن الصادق (عليه السلام) أن أول الأمور ومبدأها وقوتها وعمارتها التي لا تنفع شيء إلا به، العقل الذي جعله الله زينة لخلقه ونورا لهم، فبالعقل عرف العباد خالقهم وانهم مخلوقون.... وعرفوا به الحسن من القبيح وأن الظلمة في الجهل وان النور في العلم فهذا ما دلهم عليه العقل. قيل له: فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره؟ قال: ان العاقل لدلالة عقله الذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته علم، أن الله هو الحق وانه هو ربه، وعلم ان لخالقه محبة وان له كراهية وأن له طاعة وان له معصية فلم يجد عقله يدله على ذلك وعلم أنه لا يوصل إليه إلا بالعلم وطلبه وأنه لا ينتفع بعقله إن لم يصب ذلك بعلمه..."الحديث (1) .
فيبين الإمام (عليه السلام) أن مصدر الأمور وأسسها هو العقل، ثم سأل سائل هل يكتفي بالعقل فقال: إنه علّم العقل بانه لا يصل الى الحقائق من رضى الله وغيرهما....بل يصل اليها بعلم الوحي.
فلابد منهما كليهما ولا يتوهم ان الشريعة والمعارف تجريد وغيب محض بل هو غيب وشهادة وذلك اننا اذا حافظنا على موازين تلقي معارف الغيب حينئذ يكون التنزل سليما حتى الى عالم الحس والشهادة، فبيوت الغيب يجب ان تؤتى من ابوابها فلابد من التدرج عبر بوابة العقل ثم بوابة القلب، فكما ان سنة الله مع عالم المخلوقات جرت بالتدرج فكذلك تنزل هذه المعارف.
فالنتيجة ان التمسك بالوحي ورفض العقل والقلب هو رفض للوحي ايضاً وذلك لأن المخاطب بالكتاب والسنة هو العقل وجعل المخاطب غير العقل والغاء شرط العقل هو في الواقع الغاء للكتاب والسنة.
____________
1- اصول الكافي: 1 / 29.
وقد حاول العلامة الطباطبائي أن يذكر في كل مسألة الفحص في هذه الطرق الاربعة ولا يقتصر على جانب دون آخر، وممن حاول أيضاً الجمع بين هذه الطرق هو الملا صدرا في الحكمة المتعالية، وبغض النظر عن مدى موفقية كل منهما في النتائج التي توصلا اليها إلا أنها محاولة جريئة وجديدة في بابه فلم يقصر فكره على طريقة واحدة ومنهجية واحدة، حيث إنه استفاد من نكات مذكوره في السنة في ايجاد براهين عقلية لأمور عجز العقل في السابق عن اثباتها كالمعاد الجسماني.
ـ اما الشيخ الانصاري فيذكر في الرسائل:
ان التنافي بين الادلة النقلية والادلة العقلية لو قدر وجوده لا يخرج عن صور ثلاث:
اما صورة التعارض لدليلين قطعيين.
واما صورة تعارض نقلي قطعي وعقلي نظري.
واما صورة تعارض نقلي ظني وعقلي قطعي (نظري وبديهي) .
اما الصورة الاولى: فلا وجود لها ولم يشر أحد من الباحثين اليها قط.
اما الصورة الثانية: فهي وان كانت بدوا تعارض إلا أن الإنسان اذا دقق ولاحظ في مواد الدليل العقلي لوجد أنها ظنية وليست قطعية، والمشكلة تكمن اننا للوهلة الاولى لا نلتفت الى ذلك بل بعد فتره من الزمن حيث نتصور استحكام التعارض والسر في عدم التعارض هو ان الوحي برهان وقطعي حيث ثبت
اما الصورة الثالثة: إنه لو اعيد النظر في العقل القطعي وتأكدت من قطعيته فانه يكون قرينة على التصرف في الظاهر الظني والتأويل.
وتوجد صورة رابعة في التعارض بين الظني النقلي والظني العقلي وفي هذه الصورة نلاحظ ان العقل الظني ليس بحجة اما النقلي الظني فقد ذكرنا في بداية بحثنا امكان اعتباره ووقوعه - كما يظهر من عبارة الشيخ في بحث الانسداد، ومال إلى ذلك كثير من علمائنا كالبهائي والشيخ الطوسي والميرزا القمي وغيرهم.
ويشير الشيخ إلى توصية هامة وهي: -
انه في بحوث المقام يجب التتبع وبذل الجهد للحصول على المعارف النقلية القطعية منها والظنية المعتبرة بناءً على اعتباره في التفاصيل النظرية في شعب المعرف"، فكما نجهد انفسنا في البحوث العقلية البحتة أو القلبية فانه يجب بذل الجهد بعناية فائقة في تحصيل القطعيات النقلية، ومما يؤسف له قلة الجهود المبذولة في هذا المضمار بالقياس إلى حجم النقل الواصل بإيدينا وبالقياس إلى ما يبذل من جهود في المجال الآخر، فإنه لو اثريت البحوث العقلية الاستدلالية في المعارف النقلية لتوفّر تبويب كثير من الطوائف للأدلة النقلية ولأمكن العثور على جم كبير من القرائن والاستفاضات المعنوية في كثير من المسائل.