
تمهيد
أحسب أن القوم لم ينسجوا هذا الإفك [ اسلام والدي أبي بكر ] على نول الجهل بتراجم الرجال فحسب، ولا أن لهم مأربا في آباء المهاجرين أسلموا أو لم يسلموا، أو أن لهم غاية في إسلام أبوي أبي بكر، لكنهم زمروا لما لم يزل لهم فيه مكاء وتصدية من تكفير سيد الأباطيح شيخ الأئمة أبي طالب والد مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليهما، وذلك بعد أن عجزوا عن الوقيعة في الولد فوجهوها إلى الوالد أو إلى الوالدين كما فعله الحافظ
فلم تفتأ هلم في ذلك جلبة ولغط مكابرين فيهما المعلوم من سيرة شيخ الأبطح وكفالته لصاحب الرسالة، ودرئه عنه كل سوء وعادية، وهتافه بدينه القويم، وخضوعه لناموسه الإلهي في قوله وفعله وشعره ونثره، ودفاعه عنه بكل ما يملكه من حول وطول.
____________
(1) أفك الرجل على جمهور المسلمين، فان الإمامية والزيدية على بكرة أبيهم ومن حذا حذوهم من محققي أهل السنة ذهبوا إلى إسلام والدي النبي الأقدس، ومن شذ عنهم فلا يؤبه به ولا يلتفت إليه. (المؤلف).
(2) ثبير وثمام: اسما جبلين.
(3) في شرح النهج: إياة، ومعناه الضوء.
(4) ذكرها ابن أبي الحديد نفسه في شرحه: 3 / 317 [ 14 / 84 كتاب 9 ]. (المؤلف).
وهناك طرق لا يمكن التوصل إلى الإذعان بنفسيات اي أحد إلا بها، ألا وهي:
1 ـ استنباطها مما يلفظ به من قول.
2 ـ أو مما ينوء به من عمل.
3 ـ أو مما يروي عنه آله وذووه. فإن أهل البيت أدرى بما فيه.
4 ـ أو مما أسنده إليه من لاث به وبخع له.
_ 1 _
أقوال أبي طالب المثبته لإيمانه
أما أقوال أبي طالب سلام الله عليه فإليك عقودا عسجدية من شعره الرائق مثبتة في السير والتواريخ وكتب الحديث.
أخرج الحاكم في المستدرك (1) (2 / 623) بإسناده عن ابن إسحاق قال: قال أبو طالب أبياتا للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم ـ يعني عن المهاجرين إلى الحبشة من المسلمين:
وقال سلام الله عليه من قصيدة:
____________
(1) المستدرك على الصحيحن: 2 / 680 ح 4247.
(2) في البيت إقواء.
ديوان أبي طالب (ص 32)، شرح ابن أبي الحديد (3 / 313) (2).
ومن شعره في أمر الصحيفة التي سنوقفك على قصتها قوله:
____________
(1) في رواية: والجماجم. الغلاصم جمع الغلصمة: اللحم بين الرأس والعنق. (المؤلف).
(2) ديوان أبي طالب: 84 ـ 85، شرح نهج البلاغة: 14 / 73 كتاب 9.
(3) في رواية ابن هشام:
رقش: كتب وسطر. الراغية من الرغاء: أصواب الإبل. السقب: ولد الناقة. (المؤلف).
سيرة ابن هشام (1 / 373)، شرح ابن أبي الحدبد (3 / 313)، بلوغ الأرب (1 / 325)، خزانة الأدب للبغدادي (1 / 261)، الروض الأنف (1 / 220)، تاريخ ابن كثير (3 / 87)، أسنى المطالب (ص 6، 13)، طلبة الطالب (ص 10) (6). ومن شعره قوله:
____________
(1) في سيرة ابن هشام [ 1 / 377 ]: الترى، بدل الزبى. (المؤلف).
(2) الحرب العوان: التي قوتل فيها مرة بعد أخرى. أشد الحروب. (المؤلف).
(3) العزاء: السنة الشديدة. عض الزمان: شدته وكلبه. (المؤلف).
(4) تبن: تنفصل. السوالف: صفحات الأعناق. أترت: قطعت. (المؤلف).
(5) ضنك: ضيق. الضياع العرج مر ص 58. الشرب: الجماعة من القوم يشربون. والشطر الثاني في سيرة ابن هشام [ 1 / 379 ]: به والنسور الطخم يعكفن كالشرب. (المؤلف).
(6) السيرة النبوية: 1 / 377 ـ 379، شرح نهج البلاغة: 14 / 72 كتاب 9، خزانة الأدب: 2 / 76، الروض الأنف: 3 / 283، البداية والنهاية: 3 / 108.
ديوان أبي طالب (5) (ص 29)، شرح ابن أبي الحديد (3 / 312) (6).
وله قوله مخاطبا للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم:
____________
(1) الوشيج: الرماح.
(2) في الديوان: تفرقوا. بدلا من: تفلقوا. و: بالحطيم. بدلا من: بالحميم.
(3) التسدم من السدم: الهم مع الندم، الغيظ مع الحزن. (المؤلف).
(4) في رواية شيخ الطائفة: مبرم. (المؤلف).
(5) ديوان أبي طالب: ص 82 ـ 83.
(6) شرح نهج البلاغة: 14 / 71 كتاب 9.
رواها الثعلبي في تفسيره وقال: قد أتفق على صحة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب: مقاتل، وعبد الله بن عباس، والقسم بن محضرة، وعطاء بن دينار.
راجع: (2) خزانة الأدب للبغدادي (1 / 261)، تاريخ ابن كثير (3 / 42)، شرح ابن أبي الحديد (3 / 306)، تاريخ أبي الفدا (1 / 120)، فتح الباري (7 / 153، 155)، الإصابة (4 / 116)، المواهب اللدنية (1 / 61)، السيرة الحلبية (1 / 305)، ديوان أبي طالب (ص 12) طلبة الطالب (ص 5) بلوغ الارب (1 / 325)، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية (1 / 91/ 211)، وذكر البيت الأخير في أسنى المطالب (ص 6) فقال: عدّة البرزنجي من كلام أبي طالب المعروف.
لفت نظر:
زاد القرطبي وابن كثير في تاريخه على الأبيات:
____________
(1) وفي رواية القسطلاني:
(المؤلف)
(2) خزانة الأدب: 2 / 76، البداية والنهاية: 3 / 56، شرح نهج البلاغة: 14 / 55 كتاب 9، فتح الباري: 7 / 194، 196، المواهب اللدنية: 1 / 223، السيرة الحلبية: 1 / 287، ديوان أبي طالب: ص 41، السيرة النبوية لزيني دحلان: 1 / 45، أسنى المطالب: ص 10.
قال السيد أحمد زيني دحلان في أسنى المطالب (1) (ص 14): فقيل: إن هذا البيت موضوع أدخلوه في شعر أبي طالب وليس من كلامه.
قال الأميني: هب أن البيت الأخير من صلب ما نظمه أبو طالب عليه السلام فإن أقصى ما فيه أن العار والسبة، اللذان كان أبو طالب عليه السلام يحذرهما خيفة أن يسقط محله عند قريش فلا تتسنى له نصرة الرسول المبعوث صلى الله عليه وآله وسلم، إنما منعاه عن الإبانة والإظهار لاعتناق الدين، وإعلان الإيمان بما جاء به النبي الأمين، وهو صريح قوله: لوجدتني سمحا بذاك مبينا، أي مظهرا، وأين هو عن اعتناق الدين في نفسه، والعمل بمقتضاه من النصرة والدفاع ؟ ولو كان يريد به عدم الخضوع للدين لكان تهافتا بينا بينه وبين أبياته الأولى التي ينص فيها بأن دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خير أديان البرية دينا، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم صادق في دعوته أمين على أمته.
ومن شعره قوله قد غضب لعثمان بن مظعون حين عذبته قريش ونالت منه:
ومن شعره يمدح النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قوله:
____________
(1) أسنى المطالب: ص 25.
(2) شرح ابن أبي الحديد: 3 / 313 [ 14 / 73 كتاب 9 ] (المؤلف).
أخرجه (1) البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن يزيد، وأبو نعيم في دلائل النبوة (1 / 6)، وابن عساكر في تاريخه (1/275)، وذكره له ابن أبي الحديد في شرحه (3 / 315)، وابن كثير في تاريخه (1 / 266)، وابن حجر في الإصابة (4 / 115)، والقسطلاني في المواهب اللدنية (1 / 518) نقلا عن تاريخ البخاري، والديار بكري في تاريخ الخميس (1 / 254) فقال: أنشأ أبو طالب في مدح النبي أبياتا منها هذا البيت:
حسان بن ثابت ضمن شعره هذا البيت فقال:
والزرقاني في شرح المواهب (3 / 156) وقال: توارد حسان معه أو ضمنه شعره وبه جزم في الخميس، أسنى المطالب (2) (ص 14).
ومن شعره المشهور كما قاله ابن أبي الحديد في شرحه (3) (3 / 315).
____________
(1) التاريخ الصغير: 1 / 38، دلائل النبوة: 1 / 44 ح 2، تاريخ مدينة دمشق: 3 / 32 ـ 33، شرح نهج البلاغة: 14 / 78 كتاب 9، البداية والنهاية: 2 / 325، المواهب اللدنية: 2 / 25.
(2) أسنى المطالب: ص 24.
(3) شرح نهج البلاغة: 14 / 77 كتاب 9.
جاء أبو جهل بن هشام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد وبيده حجر يريد أن يرميه به، فلما رفع يده لصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد، فقال أبو طالب:
____________
(1) عمرو: أسم هاشم بن عبد مناف. الخضم: كثير العطاء. الربيكة: طعام يعمل من تمر وأقط وسمن.
(2) مات الشيء ميتا: مرسه. ومات الملح في الماء: أذابه. العنجد: الزبيب.
(3) المأزمان: موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة وهو شعب بين جبلين [ معجم البلدان: 5 / 40 ].
(المؤلف)
(4) الأزرق: عاقر ناقة صالح.
ديوان أبي طالب (1) (ص 13)، شرح ابن أبي الحديد (3 / 314) (2).
قال ابن أبي الحديد في شرحه (3) (3 / 314): قالوا: وقد اشتهر عن عبد الله المأمون رحمه الله أنه كان يقول: أسلم أبو طالب والله بقوله:
وتوجد هذه الأبيات مع بيت زائد في ديوانه (5) (ص 24).
ولسيدنا أبي طالب أبيات كتبها إلى النجاشي بعد ما خرج عمرو بن العاص إلى بلاد الحبشة ليكيد جعفر بن أبي طالب وأصحابه عند النجاشي. يحرض النجاشي على إكرام جعفر والإعراض عن ما يقوله عمرو (6) منها:
____________
(1) ديوان أبي طالب: ص 42.
(2) شرح نهج البلاغة: 14 / 74 كتاب 9.
(3) المصدر السابق.
(4) الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذي ولا يركب لكرامته جمع فنق وأفناق. (المؤلف).
(5) ديوان أبي طالب: ص 70.
(6) ديوان أبي طالب ص 109 وهي مما استدركه محقق الديوان على جامعه.
تاريخ ابن كثير (2) (3 / 77)، شرح ابن أبي الحديد (3/314).
قال ابن أبي الحديد في شرحه (3) (3 / 315): ومن شعره المشهور أيضا قوله يخاطب محمدا، ويسكن جأشه، ويأمره باظهار الدعوة:
قال ابن هشام (5): ولما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تاركه لشيء أبدا، حتى يهلك دونه، فقال أبو طالب:
____________
(1) أبيت اللعن، كلمة كانت العرب تحيي بها ملوكها في الجاهلية، معناها: أبيت أيها الملك أن تأتي بها تلعن عليه.
(2) البداية والنهاية: 3 / 97.
(3) شرح نهج البلاغة: 14 / 77 كتاب 9.
(4) في المصدر: إن بليت بهم.
(5) السيرة النبوية: 1 / 291.
____________
(1) أظنة: جمع ظنين: المتهم. (المؤلف).
(2) سمراء سمحة: أراد بها قناة لينة تسمح بالانعطاف عند هزها. العضب: القاطع. المقاول: أراد بها السادات. (المؤلف).
(3) نور وثبير وحراء: جبال في مكة. (المؤلف).
(4) نبزى: تسلب.
(5) الروايا: الإبل التي تحمل الماء، واحدتها: راوية. الصلاصل جمع الصلصلة: الصوت وذات الصلاصل: المزادات التي فيها بقية من الماء يسمع لها صوت حين تسير الإبل. (المؤلف).
(6) يقال: ركب ردعه، أي خر صريعا لوجهه. الأنكب: الذي يمشي على شق. (المؤلف).
____________
(1) حولا مجرما: أي مكملا. يقال: تجرمت السنة، إذا كملت وانقضت. (المؤلف).
(2) الذمار: ما يلزمك أن تحميه. ذرب: فاسد. مواكل: يتكل على غيره. (المؤلف).
(3) لا يخيس من قولهم: خاس بالعهد إذا نقضه وأفسده، ويروى لا يخس أي لا ينقص. عائل: جائر. (المؤلف).
(4) قيضا بنا: عوضا منا تقول: قاضه بكذا أي عوضه به. الغيطلة: من بني مرة بن عبد مناة إخوة مدلج بن مرة وهي أم الغياطل، فقيل لولدها: الغياطل وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص.(المؤلف).
(5) الطمل: الرجل الفاحش لا يبالي ما صنع. اللئيم، الأحمق، اللص الفاسق. (المؤلف).
(6) كل واغل: أراد كل ملصق ليس من صميم، وأصل الواغل الداخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى. (المؤلف).