هذه القصيدة ذكر منها ابن هشام في سيرته (2) (1 / 286 ـ 298)، أربعة وتسعين بيتا وقال: هذا ما صح لي من هذه القصيدة. وذكر ابن كثير منها اثنين وتسعين بيتا في تاريخه (3) (3 / 53 ـ 57)، وفي رواية ابن هشام ثلاثة أبيات لم توجد في تاريخ ابن كثير وقال (ص 57) قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم.
وذكرها أبو هفان العبدي في ديوان أبي طالب (4) (ص 2 ـ 12) في مائة وأحد عشر بيتا ولعلها تمام القصيدة.
وقال ابن أبي الحديد في شرحه (5) (3 / 315) بعد ذكر جملة من شعر أبي طالب: فكل هذه الأشعار قد جاءت مجيء التواتر، لأنه إن لم تكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك وهو تصديق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومجموعها متواتر كما أن كل واحدة من قتلات علي عليه السلام الفرسان منقولة آحادا ومجموعها متواتر يفيدنا
____________
(1) حديث عطفت ومنعت. الذرى جمع ذرة: أعلى ظهر البعير. الكلاكل جمع كلكل: معظم الصدر.
(المؤلف)
(2) السيرة النبوية: 1 / 291 ـ 299.
(3) البداية والنهاية: 3 / 70 ـ 74.
(4) ديوان أبي طالب: ص 21 ـ 38.
(5) شرح نهج البلاغة: 14 / 78 كتاب 9.
وقال القسطلاني في إرشاد الساري (1) (2 / 227): قصيدة جليلة بليغة من بحر الطويل، وعدة أبياتها مائة وعشرة أبيات، قالها لما تمالأ قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونفروا عنه من يريد الإسلام.
وذكر منها في المواهب اللدنية (2) (1 / 48)، أبياتا فقال: هي أكثر من ثمانين بيتا قال ابن التين: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا وغيره من شأنه. وقال العيني في عمده القاري (3): (3 / 434) قصيدة طنانة وهي مائة بيت وعشرة أبيات أولها:
وذكر منها البغدادي في خزانة الأدب (4) (1 / 252 ـ 261) اثنين وأربعين بيتا مع شرحها، وقال: أولها:
____________
(1) إرشاد الساري: 3 / 26.
(2) المواهب اللدنية: 1 / 185.
(3) عمدة القاري: 7 / 30.
(4) خزانة الأدب: 2 / 59 ـ 75.
(5) النهنه: المضيء، والنير الشفاف الذي يظهر الأشياء على جليتها. البلابل: جمع بلبلة أو بلبال، وهما بمعنى الهم ووساوس الصدر.
وذكر الآلوسي عدة منها في بلوغ الأرب (1) (1 / 237) وذكر كلمة ابن كثير المذكور وقال: هي مذكورة مع شرحها في كتاب لب لباب لسان العرب.
وذكر منها السيد زيني دحلان أبياتا في السيرة النبوية هامش الحلبية (2) (1 / 88) فقال: قال الإمام عبد الواحد السفاسقي (3) في شرح البخاري: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا الراهب وغيره من شأنه، مع ما شاهده من أحواله، ومنها الاستسقاء به في صغره ومعرفة أبي طالب بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم، جاءت في كثير من الأخبار زيادة على أخذها من شعره.
قال الأميني: أنا لا أدري كيف تكون الشهادة والاعتراف بالنبوة إن لم يكن منها هذه الأساليب المتنوعة المذكورة في هذه الأشعار ؟ ولو وجد واحد منها في شعر أي أحد أو نثره لأصفق الكل على إسلامه، لكن جميعها لا يدل على إسلام أبي طالب. فاعجب واعتبر !
هذه جملة من شعر أبي طالب عليه السلام الطافح من كل شطره الإيمان الخالص، والإسلام الصحيح، قال العلامة الأوحد ابن شهرآشوب المازندراني في كتابه متشابهات القرآن عند قوله تعالى: (ولينصرن الله من ينصره) (4): إن أشعار أبي طالب الدالة على إيمانه تزيد على ثلاثة آلاف بيت يكاشف فيها من يكاشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويصحح نبوته. ثم ذكر جملة ضافية ومما ذكر له قوله في وصيته:
____________
(1) بلوغ الإرب: 1 / 326.
(2) السيرة النبوية: 1 / 43.
(3) هو ابن التين المذكور في كلام القسطلاني. (المؤلف).
(4) الحج: 40.
ـ 2 ـ
ما ناء به من عمل بار وقول مشكور
أما ما ناء به سيد الأباطح أبو طالب سلام الله عليه من عمل بار وسعي مشكور في نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلاءته والذب عنه والدعوة إليه وإلى دينه الحنيف منذ بدء البعثة إلى أن لفظ أبو طالب نفسه الأخير، وقد تخلل ذلك جمل من القول كلها نصوص على إسلامه الصحيح، وإيمانه الخالص، وخضوعه للرسالة الإلهية، فإلى الملتقى. روى القوم:
1 ـ قال ابن إسحاق: إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير هب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بزمام ناقته وقال: يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم لي ؟ فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا. قال: فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وتهيأ راهب يقال له بحيرا في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة راهب إليه يصير علمهم من كتاب فيهم كما يزعمون يتوارثونه كائنا عن كائن، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون عليه قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يتعرض لهم، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريبا من صومعته فصنع لهم طعاما كثيرا وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله صلى الله عليه وآله وسلم من بين القوم. ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت، يعني تدلت أغصانها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى
____________
(1) في النسخة المطبوعة من متشابهات القرآن تصحيف وتحريف في الأبيات. راجع: 2 / 65. (المؤلف).
فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرفها وهي موجودة عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا، فقالوا: يا بحيرا ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالهم، قال: فلا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقال رجل من قريش: والات والعز أن لهذا اليوم نبأ. أيليق أن يتخلف ابن عبد الله عن الطعام من بيننا؟ ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر الى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرا فقال له: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما اسألك عنه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تسلني باللات والعزى شيئاً قط، فقال بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. فقال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من نومه وهيئته وأموره ورسول الله يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر الى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. الحديث.
فقال ابو طالب في ذلك:
وقال أيضاً:
____________
(1) قلص القوم: اجتمعوا فساروا. قلصت الناقة: استمرت في مضيها. تقلص: انضم وانزوى، تدانى.
(المؤلف)
(2) مصالت: الماضي في الحوائج. الصلت الجبين: الواضح. نجد جمع النجد: الضابط للأمور يذلل المصاعب. الشجاع الماضي فيما يعجز غيره. سريع الإجابة إلى ما دعي إليه. (المؤلف)
(3) في الموضعين في رواية: طبة. بالموحدة مؤنث الطب بفتح الطاء. الناحية. (المؤلف)
(4) في الديوان: على شرف من المرصاد.
(5) وفي رواية:
(المؤلف)
(6) كذا في تهذب تاريخ دمشق: 1 / 272، وفي الديوان: وثنى بحيراء زبيراً فانثنى…
(7) كذا في تهذيب تاريخ دمشق، وفي الديوان والروض الأنف: كرام، بدلاً من حرام.
____________
(1) في الديوان والروض الأنف، مواسين بدلاً من: مواسير.
(2) العرام: الشراسة والأذى. (المؤلف)
(3) دريس، وتمام، وزبير ـ في بعض النسخ: زدير. أحبار من اليهود. (المؤلف)
ديوان أبي طالب (1) (ص 33 ـ 35)، تاريخ ابن عساكر (2) (1 / 269 ـ 272)، الروض الأنف (3) (ا / 120).
وذكر السيوطي الحديث من طريق البيهقي في الخصائص الكبرى (4) (1 / 84) فقال في (ص 85): وقال أبو طالب في ذلك أبياتاً منها:
استسقاء أبي طالب بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم
أخرج ابن عساكر في تاريخه في تاريخه (5) عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم واستسق. فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابه قتماء وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بإصبعه الغلام، وما في السماء قزعة (6)،
(1) ديوان أبي طالب: ص 89 ـ 90.
(2) تاريخ مدينة دمشق: 3 / 12 ـ 14.
(3) الروض الأنف: 2 / 227.
(4) الخصائص الكبرى: 1 / 144.
(5) مختصر تاريخ دمشق: 2 / 161 ـ 162.
(6) القزعة: القطعة من السحاب. (المؤلف)
شرح البخاري للقسطلاني (2 / 227)، المواهب اللدنية (1 / 48)، الخصائص الكبرى (86 / 124)، شرح بهجة المحافل (1 / 119)، السيرة الحلبية (1 / 125)، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية (1 / 87)، طلبة الطالب (ص 42) (1).
ذكر الشهرستاني في الملل والنحل (2) بهامش الفصل (3 / 225) سيدنا عبد المطلب وقال: ومما يدل علي معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب العظيم، وأمسك السحاب عنهم سنتين، أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى عليه الصلاة والسلام وهو رضيع في قماط، فوضعه على يديه واستقبل الكعبة رماه إلى السماء وقال: يا رب بحق هذا الغلام. ورماه ثانياً وثالثاً وكان يقول: بحق هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هاطلاً. أن يلبث ساعة طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد، وأنشد أبو طالب ذلك الشعرالامي الذي منه:
ثم ذكر أبياتاً من القصيدة، ولا يخفى على الباحث أن القصيدة نظمها أبو طالب عليه السلام أيام كونه في الشعب كما مر.
____________
(1) إرشاد الساري: 3 / 27، المواهب اللدنية: 1 / 184، الخصائص الكبرى: 1 / 146، 208، السيرة الحلبية: 1 / 116، السيرة النبوية: 1 / 43.
(2) الملل والنحل: 2 / 249.
فاستسقاء عبد المطلب وابنه سيد الأبطح بالنبي الأعظم يوم كان صلى الله عليه وآله وسلم رضيعاً يافعاً يعرب عن توحيدهما الخالص، وإيمانهما بالله، وعرفانهما بالرسالة الخاتمة، وقداسة صاحبها من أول يومه، ولو لم يكن لهما إلا هذان الموقفان لكفياهما، كما يكفيان الباحث عن دليل آخر على اعتناقهما الإيمان.
3 ـ أبو طالب في مولد أمير المؤمنين عليه السلام:
عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ميلاد علي بن أبي طالب فقال: «لقد سألتني عن خير مولود ولد في شبه المسيح عليه السلام، إن الله تبارك وتعالى خلق علياً من نوري وخلقني من نوره وكلانا من نور واحد، ثم إن الله عز وجل نقلنا من صلب آدم عليه السلام في أصلاب طاهرة إلى أرحام زكية، فما نقلت من صلب إلا ونقل علي معي، فلم نزل كذلك حتى استودعني خير رحم وهي آمنة. واستودع علياً خير رحم وهي فاطمة بنت أسد». وكان في زماننا رجل زاهد عابد يقال له المبرم بن دعيب بن الشقبان قد عبد الله تعالى مائتين وسبعين سنة لم يسأل الله حاجة، فبعث الله إليه أبا طالب، فلما بصره المبرم قام إليه وقبل رأسه وأجلسه بين يديه ثم قال: من أنت؟ فقال: رجل من تهامة. فقال: من أي تهامة؟ فقال: من بني هاشم. فوثب العابد فقبل رأسه ثم قال: يا هذا إن العلي الأعلى ألهمني إلهاماً. قال أبو طالب: وما هو؟ قال: ولد يولد من ظهرك وهو ولي الله جل وعلى. فلما كان الليلة التي ولد فيها علي أشرقت الأرض، فخرج أبو طالب وهو يقول: أيها الناس ولد في الكعبة ولي الله، فلما أصبح دخل الكعبة وهو يقول:
قال: فسمع صوت هاتف يقول:
أخرجه الحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب (1) (ص 260) وقال: تفرد به مسلم بن خالد الزنجي وهو شيخ الشافعي، وتفرد به عن الزنجي عبد العزيز بن عبد الصمد وهو معروف عندنا.
4 ـ بدء أمر النبي وأبو طالب
أخرج فقيه الحنابلة إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتابه نهاية الطلب وغاية السؤول في مناقب آل الرسول (2) بإسناده عن طاووس عن ابن عباس في حديث طويل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للعباس رضى الله عنه إن الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك؟ فقال له العباس رضي الله عنه: يا بن أخي تعلم أن قريشاً أشد الناس حسداً لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطماء والداهية العظيمة ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفاً، صلتا (3) ولكن قرب إلى عمك أبي طالب فإنه كان أكبر أعمامك إن لا ينصرك لا يخذلك ولا يسلمك، فأتياه، فلما رآهما أبو طالب قال: إن لكما لظنة وخبراً، ما جاء بكما في هذا الوقت؟ فعرفه العباس ما قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أجابه به العباس، فنظر إليه أبو طالب وقال له: أخرج يا بن أخي فإنك الرفيع كعباً، والمنيع حزباً، والأعلى أباً، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد، والله لتذلن لك العرب ذل البهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب جميعاً، ولقد قال: إن من صلبي لنبياً، لوددت أني أدركت ذلك
____________
(1) كفاية الطالب: ص 406.
(2) راجع الطرائف لسيدنا ابن طاووس: ص 85 (ص 302 ـ 303 ح 388)، وضياء العالمين لشيخنا أبي الحسن الشريف (المؤلف)
(3) الصلت: الشديد.
قال الأميني: أترى أن أبا طالب يروي ذلك عن أبيه مطمئناً به؟ وينشط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا التنشيط لأول يومه، ويأمره بإشهار أمره والإشادة بذكر الله، وهو مخبت بأنه هو ذلك النبي الموعود بلسان أبيه والكتب السالفة، ويتكهن بخضوع العرب له، أتراه سلام الله عليه يأتي بهذه كلها ثم لا يؤمن به؟ إن هذا إلا اختلاف.
5 ـ أبو طالب وفقده النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ذكر ابن سعد الواقدي في الطبقات الكبرى (1) (1 / 186) طبع مصر و (ص 135) طبع ليدن حديث ممشى قريش إلى أبي طالب في أمره صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن قال: فاشمأزوا ونفروا منها ـ يعني من مقالة محمد ـ وغضبوا وقاموا وهم يقولون: اصبروا على آلهتكم، إن هذا لشيء يراد، ويقال المتكلم بهذا عقبة بن أبي معيط. وقالوا: لا نعود إليه أبداً، وما خير من أن نغتال محمداً. فلما كان مساء تلك الليلة فقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتياناً من بني هاشم وبني المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة، ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كل فتى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحنظلية ـ يعني أبا جهل ـ فإنه لم يغب عن شر إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال؛ فقال: يا زيد أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفاً. فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبداً حتى أراه؛ فخرج زيد سريعاً حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بيت عند الصفا ومعه اصحابه يتحدثون فأخبر الخبر فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بي طالب، فقال: يا بن أخي أين كنت؟ أكنت في خير؟ قال: نعم. قال: ادخل بيتك، فدخل
____________
(1) الطبقات الكبرى: 1 / 202 ـ 203.
لفظ آخر
وأخرج الفقيه الحنبلي إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتابه نهاية الطلب (1) بإسناده عن عبد الله بن المغيرة بن معقب، قال: فقد أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فظن أن بعض قريش اغتاله فقتله، فبعث إلى بني هاشم فقال: يا بني هاشم أظن أن بعض قريش اغتال محمداً فقتله، فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة وليجلس إلى جنب عظيم من عظماء قريش، فإذا قلت: أبغي محمداً. قتل كل منكم الرجل الذي إلى جانبه. وبلغ رسول الله جمع أبي طالب وهو في بيت عند الصفا، فأتى أبا طالب وهو في المسجد، فلما رآه أبو طالب أخذ بيده ثم قال: يا معشر قريش، فقدت محمداً فظننت أن بعظكم أغتاله فأمرت كل فتى شهد من بني هاشم أن يخذ حديدةً ويجلس كل واحد منهم إلى عظيم منكم، فإذا قلت: أبغي محمداً قتل كل واحد منهم الرجل الذي إلى جنبه، فاكشفوا عما في أيديكما يا بني هاشم فكشف بنو هاشم عما في أيديهم فنظرت قريش إلى ذلك فعندها هابت قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أنشأ أبو طالب:
____________
(1) راجع الطرائف لسيدنا ابن طاووس: ص 85 (ص 303 ح 389). (المؤلف)
لفت نظر: قال شيخنا العلامة المجلسي في البحار (4) (9 / 31): روى جامع الديوان ـ يعني ديوان أبي طالب ـ نحو هذا الخبر مرسلاً ثم ذكر الأشعار هكذا…
فذكر الأشعار وفيها زيادة عشرين بيتاً على ما ذكر، وهي لا توجد في الديوان المطبوع لسيدنا أبي طالب.
لفظ ثالث:
وقال السيد فخار بن معد في كتابه الحجة (5) (ص 61): وأخبرني الشيخ الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد ابن الجوزي المحدث البغدادي ـ وكان ممن يرى كفر أبي طالب ويعتقده ـ بواسط العراق سنة إحدى وتسعين وخمسمائة بإسناد له إلى الواقدي،
____________
(1) في تاج العروس: 3 / 272: فإني والسوابح كل يوم. وفي ص 320: فإني والضوابح كل يوم. (المؤلف)
(2) السفاسرة: أصحاب الأسفار وهي الكتب. الشهور: العلماء جمع الشهر. كذا فسر البيت كما في تاج العروس: 3 / 272ن 320. (المؤلف)
(3) الأنف: السيد. (المؤلف)
(4) بحار الأنوار: 35: 149 ح 85.
(5) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص 254.
فرجعت قريش على أبي طالب بالعتب والاستعطاف وهو لا يحفل بهم ولا يلتفت إليهم.
قال الأميني: هذا شيخ الأبطح يروقه أن يضحي كل قومه دون نبي الإسلام وقد تأهب لأن يطأ القوميات كلها والأواصر المتشجة بينه وبين قريش بأخمص الدين، فحياها الله من عاطفة إلهية، وآصرة دينية هي فوق أواصر الرحم.
6 ـ أبو طالب في بدء الدعوة:
لما نزلت: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (2). خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصعد على الصفا فهتف: يا صباحاه. فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح الجبل أكنتم مصدقي؟" قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تباً لك، أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم أحضر قومه في داره، فبادره وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصبأة (3) واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأن أحق من أخذك فحبسك بنو أبيك، وإن أقمت ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن ينب لك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشر مما جئتهم به. فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتكلم.
____________
(1) راجع ما اسلفناه: ص 334. (المؤلف)
(2) مر حديثها في الجزء الثاني: ص 278. (المؤلف)
(3) الصبأ: الخروج من دين إلى دين آخر. (المؤلف)
ثن دعاهم ثانية وقال: «الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إل هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنما الجنة أبداً والنار أبداً».
فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب(1).
قال الأميني: لم يكن دين عبد المطلب سلام الله عليه إلا دين التوحيد والإيمان بالله ورسله وكتبه غير مشوب بشيء من الوثنية، وهو الذي كان يقول في وصياه: إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبه عقوبة. إلى أن هلك ظلوم لم تصبه عقوبة. فقيل له في ذلك، ففكر في ذلك، فقال: والله إن وراء هذه الدار داراً يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء باساته، وهو الذي قال لأبرهة: إن لهذ البيت رباً يدب عنه ويحفظه، وقال وقد صعد ابا قبيس:
____________
(1) الكامل لابن الأثير: 2 / 24 (1 / 486). (المؤلف)
(2) الملل والنحل للشهرستاني هامش الفصل: 3 / 224 (2 / 249)، الدرج المنيفة للسيوطي: ص 15 مسالك الحنفاء: ص 37. (المؤلف)
ويعرب عن تقدمه في الإيمان الخالص والتوحيد الصحيح انتماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه ومباهاته به يوم حنين بقوله:
وقد أجاد الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في قوله:
وهذا هو الذي أراده أبو طالب ـ سلام الله عليه ـ بقوله: نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب. وهو صريح بقية كلامه، وقد أراد بهذا السياق التعمية عل الحضور لئلا يناصبوه العداء بمفارقتهم، وهذا السياق من الكلام من سنن العرب في محوراتهم، قد يريدون به التعمية، وقد يراد به التأكيد للمعنى المقصود كقول الشاعر:
ولو لم يكن لسيدنا أبي طلب إلا موقفه هذا لكفى بمفرده في إيمانه الثابت، وإسلامه القويم، وثباته في المبدأ.
قال ابن الثير (3): فقال أبو لهب: هذه والله السوء (4)، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا. وفي السيرة الحلبية (5) (1 / 304): إن الدعوة كانت في دار أبي طالب.
____________
(1) طبقات ابن سعد طبع مصر رقم التسلسل ص 665 (2 / 151)، تاريخ الطبري: (3 / 76 حوادث سنة 8هـ). (المؤلف)
(2) مسالك الحنفاء للسيوطي: ص 40، الدرج المنيفة ص 14. (المؤلف)
(3) الكامل في التاريخ: 1 / 487.
(4) في المصدر: السوأة.
(5) السيرة الحلبية: 1 / 285.
قال عقيل بن أبي طالب: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي كعبتنا وفي ديارنا ويسمعنا ما نكره، فإن رأيت أن تكفه عنا فافعل. فقال لي: يا عقيل التمس لي أبن عمك. فأخرجته من كبس (1) من كباس أبي طالب. فجاء يمشي معي يطلب الفيء يطأ فيه لا يقدر عليه، حتى انتهى الى أبي طالب فقال: يا بن أخي والله لقد كنت لي مطيعاً جاء قومك يزعمون أنك تأتيهم في كعبتهم وفي ناديهم فتؤذيهم وتسمعهم ما يكرهون، فإن رأيت أن تكف عنهم. فحلق بصره إلى السماء وقال: والله ما أنا بقادر أن أرد ما بعثني به ربي، ولو أن يشعل أحدهم من هذه الشمس نارً. فقال أبو طالب: والله ما كذب قط، فارجعوا راشدين.
قال الأميني: هكذا أخرجه البخاري في تاريخه (2) بإسناد رجاله كلهم ثقات، وبهذا اللفظ ذكره المحب الطبري في ذخائر العقبى (ص 223). غير أن ابن كثير لما رأى لكلمة: راشدين. قيمة في إيمان بي طالب حذفها في تاريخه (3) (3 / 42). حيا الله الأمانة!
وأخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (4) (1 / 171) حديث الدعوة عن علي وفيه: «ثم قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: من يؤازرني على ما أنا عليه ويجيبني على أن يكون أخي وله الجنة؟ فقلت: أنا يا رسول الله، وإني لأحدثهم سناً، وأحمشهم ساقاً. وسكت القوم، ثم قالوا: يا أبا طالب الا ترى ابنك؟ قال: دعوه فلن يألو (5) ابن عمه خيرا».
وروى أبو عمرو الزاهد الطبري عن تغلب عن ابن الأعرابي انه قال في لغة ـ العور ـ إنه الردي من كل شيء قال: ومن العور ما في رواية ابن عباس. ثم ذكر
____________
(1) الكبس: البيت الصغير. (2) التاريخ الكبير: 7 / 50 رقم 230. (3) البداية والنهاية: 3 / 55. (4) الطبقات الكبرى: 1 / 187. (5) يألو: يقصر. (المؤلف).
وإلى هذا الحديث وكلمة أبي طالب ـ اسكت يا أعور ما أنت وهذا؟ ـ وقع الإيعاز في النهاية لابن الأثير(1) (3 / 156), والفائق للزمخشري (2) (2 / 98) نقلاً عن ابن الأعرابي، وفي لسان العرب (3) (6 / 294)، تاج العروس (3 / 428).
قال الأميني: اي كافر طاهر هذا سلام الله عليه وهو يدافع عن الإسلام المقدس بكل حوله وطوله، ويسلق رجال قومه بلسان حديد، ويحض النبي الأعظم على الدعوة وتبليغ رسالته عن ربه، ويراه الصادق المصدق؟.
7 ـ قول أبي طالب لعلي: إلزم ابن عمك:
قال ابن إسحاق: ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فاذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن با طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان، فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا بن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: «اي عم هذا
____________
(1) النهاية: 3 / 319.
(2) الفائق: 3 / 37.