الصفحة 11

مقدّمة المركز

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمدُ للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق اللّه أجمعين ، النبيّ الأُمّي، سيّدنا ومولانا محمّد بن عبد اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ً

الحمدُ للّه على الهداية ، وإكمال الدين ، وإتمام النعمة بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) .

الاستبصار مأخوذ من البَصيرة:

قال الجوهري (ت حدود 396هـ ): "البَصيِرةُ: الحُجّة والاستبصار في الشيء، وفي قوله تعالى: {بَلِ الإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}(1)، قال الأخفش: جعله هو البصيرة، كما يقول الرجل للرجل: أنت حُجّة على نفسك"(2) .

وقال الراغب الأصفهاني (ت حدود 425هـ ): "قوله تعالى: {وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ}(3) أي طالبين للبصيرة"(4)، أي طالبين للحجّة.

والتَحَوُّلُ: هو "التنقّل من موضع إلى موضع ، والاسم الحول"(5).

ويُطلق هذان المصطلحان ـ "الاستبصار" و"التحوّل" ـ في أيامنا هذه على

____________

1- القيامة: 14 .

2- الصحاح 2: 592 "بصر" .

3- العنكبوت: 38 .

4- مفردات ألفاظ القرآن: 128 .

5- الصحاح 4: 1680 "حول" .


الصفحة 12

الذي ترك مذهبه الذي كان عليه واختار مذهب أهل البيت(عليهم السلام); لقيام الحجّة عنده على أحقيّة هذا المذهب دون المذاهب الإسلاميّة الأُخرى ، لذلك نشاهد أنّ المستَبصر يمرُّ بعدّة مراحل مهمّة وخطرة في حياته، وهي: مرحلة التشكيك بما كان عليه، ثمّ مرحلة البحث والتنقيب عن المذهب الصحيح، ثمّ مرحلة الاختيار، ثمّ الإعلان والإفصاح عن اعتناقه مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

وبإعلانه هذا يكون المستبصر قد جنّد نفسه لما سيلاقيه من مضايقات، بل قطيعة كاملة من أقرب الناس إليه ، أهله وعشيرته. بل يتعرّض لحملة تسقيط شعواء، يحاول المخالفون فيها إلصاق شتى التهمّ به. وهنا يبدأ الامتحان الإلهي لهذا المؤمن الجديد الذي حباه اللّه بهذه النعمة العظيمة، ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام).

من هُم الرافضة؟

في سفرتي الأخيرة لدولة تونس العربية الواقعة شمال أفريقيا، التقيتُ بأحد رجال الدين السنّة ، ودار الحوار بيننا حول مواضع شتّى، وقد رأيته يكرّر كلمة "الرافضة" ، فسألته: لماذا تسمّون الشيعة بالرافضة؟

فقال موجهاً خطابه لي: لأنّكم رفضتم خلافة سيّدنا أبي بكر الصديق.

فقلت له: وأنتم أيضاً رفضتم خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، إذ انقسم المسلمون بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قسمين:

الأوّل: قال بإمامة وخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ورفض خلافة أبي بكر.

والثاني: قال بخلافة أبي بكر، ورفض خلافة وإمامة علي بن أبي طالب(عليه السلام). فلماذا تختصّ كلمة "الرفض" بالشيعة دون السنّة؟

فقال: لأنّكم رفضتم الحقّ; لذلك سُمّيتم رافضة.

فقلت له: هذا أوّل الكلام، كلّ فرقة تدّعي أنّها على حقّ وغيرها على باطل.

فقال: نحن لدينا أدلّة على أحقيّة سيّدنا أبي بكر الصدّيق للخلافة.


الصفحة 13

فقلت له: وأدلّتنا على أحقيّة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) لها أكثر من أدلّتكم وأقوى في الحجّيّة، إذ "علي مع الحقّ والحقّ معه"، ثمّ بدأت بذكر أدلّتنا من مصدري التشريع الإسلامي، الكتاب والسنّة.

علماً بأنّ إطلاق "الرفض" على أتباع أهل البيت(عليهم السلام) ليس بالأمر الجديد، بل كان موجوداً في زمن أئمتنا(عليهم السلام)، حتّى إنّ المخالفين لنا كانوا يعيّرون الشيعة بهذه الكلمة، وكأنّها جرم ارتكبوه، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك، فقد استحّل بعضهم أموال ودماء الكثير من المسلمين بسبب "الرفض"؟

لذلك كان الشيعة يلجأون إلى أئمتهم(عليهم السلام) في بيان مظلوميتهم بهذه التسميّة وما لحقهم من أذى بسببها، فكانوا(عليهم السلام) يجيبون شيعتهم ومحبّيهم ، ويبيّنون لهم أنّ هذه التسميّة لا ضير فيها، وهي من صلب العقيدة، إن كان معناها كما يفسّره المخالفون، ولنقرأ معاً بعض هذه الأحاديث:

في المحاسن: عن علي بن أسباط، عن عتيبة بيّاع القصب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: "واللّه لنعم الاسم الذي منحكم اللّه ما دمتم تأخذون بقولنا، ولا تكذبون علينا".

قال: وقال لي أبو عبد اللّه(عليه السلام) هذا القول، إنّي كنت خبّرته أنّ رجلاً قال لي: إيّاك أن تكون رافضيّاً"(1).

(2) وفيه أيضاً عن ابن يزيد، عن صفوان، عن زيد الشحّام، عن أبي الجارود، قال: أصمّ اللّه أذنيه كما أعمى عينيه إن لم يكن سمع أبا جعفر(عليه السلام) ورجل يقول: إنّ فلاناً سمّانا باسم، قال: "وما ذاك الاسم"؟

قال: سمّانا الرافضة.

فقال أبو جعفر(عليه السلام) بيده إلى صدره: "وأنا من الرافضة وهو منّي" قالها ثلاثاً(2).

____________

1- المحاسن 1: 157 حديث 90 .

2- المحاسن 1: 157 حديث 91 .


الصفحة 14

(3) وفيه أيضاً عن ابن يزيد، عن ابن محبوب، عن محمّد بن سليمان، عن رجلين، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): جُعلت فداك اسم سُمّينا به استحلّت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا.

قال: "وما هو"؟

قلت: الرافضة.

فقال أبو جعفر(عليه السلام): "إنّ سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون فأتوا موسى(عليه السلام) فلم يكن في قوم موسى أحدٌ أشدٌّ اجتهاداً وأشدُّ حبّاً لهارون منهم، فسمّاهم قوم موسى الرافضة، فأوحى اللّه إلى موسى أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة فإنّي نحلتهم، وذلك اسم قد نحلكموه اللّه"(1).

(4) وفي تفسير فرات: عن محمّد بن القاسم بن عبيد، عن الحسن بن جعفر، عن الحسين، عن محمّد ـ يعني ابن عبد اللّه الحنظلي ـ عن وكيع، عن سليمان الأعمش، قال: دخلت على أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد(عليه السلام) قلت: جُعلت فداك إنّ الناس يسمّونا روافض، وما الروافض ؟

فقال: "واللّه ما هم سمّوكموه، ولكنّ اللّه سمّاكم به في التوراة والإنجيل على لسان موسى و لسان عيسى(عليهما السلام) وذلك أنّ سبعين رجلاً من قوم فرعون رفضوا فرعون ودخلوا في دين موسى فسمّاهم اللّه تعالى الرافضة، وأوحى إلى موسى أن أثبت لهم في التوراة حتّى يملكوه على لسان محمّد(صلى الله عليه وآله).

ففرّقهم اللّه فرقاً كثيرة و تشعبّوا شعباً كثيرة فرفضوا الخير فرفضتم الشرَّ واستقمتم مع أهل بيت نبيكم(عليهم السلام) فذهبتم حيث ذهب نبيّكم، واخترتم من اختار اللّه ورسوله، فأبشروا ثُمّ أبشروا فأنتم المرحومون، المتقبّل من محسنهم والمتجاوز عن مسيئهم، ومن لم يلق اللّه بمثل ما لقيتم لم تقبل حسناته ولم يتجاوز عن سيئاته، يا سليمان هل سررتك"؟

____________

1- المحاسن 1: 157 حديث 92 .


الصفحة 15

فقلت: زدني جُعلت فداك.

فقال: "إن للّه عزّ وجلّ ملائكة يستغفرون لكم حتى تتساقط ذنوبكم كما تتساقط ورق الشجر في يوم ريح، وذلك قول اللّه تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}(1) هم شيعتنا وهي واللّه لهم يا سليمان، هل سررتك".

فقلت: جُعلت فداك زدني.

قال: "ما على ملّة إبراهيم(عليه السلام) إلاّ نحن وشيعتنا، وسائر الناس منها بريء"(2).

(5) وفي بصائر الدرجات: محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن محمّد بن الفضيل، عن بكر بن كرب الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول: "ما لهم ولكم؟ وما يريدون منكم؟ وما يعيبونكم؟ يقولون: الرافضة. نعم واللّه رفضتم الكذب واتّبعتم الحقّ . أما واللّه إنّ عندنا ما لا نحتاج إلى أحد والناس يحتاجون إلينا، إنّ عندنا الكتاب بإملاء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّه عليّ(عليه السلام) بيده، صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها كُلّ حلال وحرام"(3).

(6) وروى الشيخ في أماليه عن أبي محمّد الفحّام، عن عمّ أبيه، قال: دخل سماعة بن مهران على الصادق(عليه السلام) فقال له: "يا سماعة، من شرّ الناس عند الناس"؟

قال: نحن يا ابن رسول اللّه.

قال: فغضب حتّى احمرّت وجنتاه، ثُمّ استوى جالساً وكان متّكئاً فقال: "يا سماعة من شرّ الناس عند الناس"؟

____________

1- غافر: 7 .

2- تفسير فرات: 139 .

3- بصائر الدرجات : 169، باب (13) باب آخر فيه أمر الكتب ، حديث 14 .


الصفحة 16

فقلت: واللّه ما كذبتك يا بن رسول اللّه، نحن شرّ الناس عند الناس; لأنّهم سمّونا كفّاراً ورافضة. فنظر إليّ ثُمّ قال: "كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنّة، وسيق بهم إلى النار، فينظرون إليكم فيقولون: ما لنا لا نرى رجالاً كنّا نعدّهم من الأشرار؟ يا سماعة بن مهران إنّه من أساء منكم إساءة مشينا إلى اللّه تعالى يوم القيامة بأقدامنا فنشفع فيه فنشفّع، واللّه لا يدخل النار منكم عشرة رجال، واللّه لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال، واللّه لا يدخل النار منكم رجل واحد، فتنافسوا في الدرجات، وأكمدوا أعداءكم بالورع"(1).

(7) وفي الكافي: عن العدّة، عن سهل، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام) إذ دخل عليه أبو بصير وقد خفره النفس، فلمّا أخذ مجلسه قال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): "يا أبا محمّد ما هذا النفس العالي"؟

فقال: جُعلت فداك يا بن رسول اللّه، كبرت سنّي ودقّ عظمي واقترب أجلي، مع أنّني لست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي؟

فقال: أبو عبد اللّه(عليه السلام): "يا أبا محمّد وإنّك لتقول هذا"؟!

قال: جُعلت فداك فكيف لا أقول؟

فقال: "يا أبا محمّد أما علمت أنّ اللّه تعالى يكرم الشباب منكم ويستحيي من الكهول"؟

قال: قلت: جُعلت فداك فكيف يكرم الشباب ويستحيي من الكهول؟

فقال: "يكرم الشباب أن يعذّبهم، ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم".

قال: قلت: جُعلت فداك هذا لنا خاصّة أم لأهل التوحيد؟

قال: فقال: "لا واللّه إلاّ لكم خاصة دون العالم".

قال: قلت: جُعلت فداك فإنّا نبزنا نبزاً انكسرت له ظهورنا، وماتت له أفئدتنا، واستحلّت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم.

____________

1- أمالي الشيخ الطوسي: 295 حديث 581 .


الصفحة 17

قال: فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): "الرافضة"؟

قال: قلت: نعم .

قال: "لا واللّه ما هم سمّوكم، ولكن اللّه سمّاكم به، أما علمت يا أبا محمّد أنّ سبعين رجلاً من بني إسرائيل رفضوا فرعون وقومه، لمّا استبان لهم ضلالهم فلحقوا بموسى صلّى اللّه عليه لمّا استبان لهم هداه، فسمّوا في عسكر موسى الرافضة; لأنهم رفضوا فرعون، وكانوا أشدّ أهل ذلك العسكر عبادة وأشدّهم حبّاً لموسى وهارون وذريتهما(عليهما السلام)، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى موسى أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة، فإنّي قد سمّيتهم به، ونحلتهم إيّاه، فأثبت موسى صلّى اللّه عليه الاسم لهم، ثُمّ ذخر اللّه عزّ وجلّ لكم هذا الاسم حتى نحلكموه.

يا أبا محمّد رفضوا الخير ورفضتم الشرَّ، افترق الناس كُلّ فرقة، وتشعّبوا كُلّ شعبة، فانشعبتم مع أهل بيت نبيكم(صلى الله عليه وآله) ،وذهبتم حيث ذهبوا، واخترتم من اختار اللّه لكم، وأردتم من أراد اللّه، فأبشروا ثُمّ أبشروا فأنتم واللّه المرحومون، المتقبّل من محسنكم، والمتجاوز عن مسيئكم، من لم يأت اللّه عزّ وجلّ بما أنتم عليه يوم القيامة لم يتقبّل منه حسنة، ولم يتجاوز له عن سيئة، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟

قال: قلت: جُعلت فداك زدني.

قال: فقال: "يا أبا محمّد إن للّه عزّ وجلّ ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا، كما يسقط الريح الورق في أوان سقوطه، وذلك قوله عزّ وجلّ: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}(1) استغفارهم واللّه لكم دون هذا الخلق، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟

قال: قلت: جُعلت فداك زدني.

قال: "يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه في كتابه فقال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ

____________

1- غافر: 7 .


الصفحة 18

صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}(1)إنّكم وفّيتم بما أخذ اللّه عليه ميثاقكم من ولايتنا، وإنّكم لم تبدّلوا بنا غيرنا، ولو لم تفعلوا لعيّركم اللّه كما عيّرهم، حيث يقول جلّ ذكره: {وَما وَجَدْنا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْد وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ}(2) يا أبا محمّد فهل سررتك"؟

قال: قلت: جُعلت فداك زدني.

فقال: "يا أبا محمّد ولقد ذكركم اللّه في كتابه فقال: {إِخْواناً عَلى سُرُر مُتَقابِلِينَ}(3) واللّه ما أراد بهذا غيركم يا أبا محمّد فهل سررتك".

قال: قلت: جُعلت فداك زدني .

قال: فقال: "يا أبا محمّد {الأَخِلاّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ}(4)واللّه ما أراد بهذا غيركم، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟

قال: قلت: جُعلت فداك زدني .

فقال: "يا أبا محمّد لقد ذكرنا اللّه عزّ وجلّ وشيعتنا وعدوّنا في آية من كتابه فقال عزّ وجلّ: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ}(5) فنحن الذين يعلمون ، وعدوّنا الذين لا يعلمون، وشيعتنا هم أُلوا الألباب، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟

قال: قلت: جُعلت فداك زدني .

فقال: "يا أبا محمّد، واللّه ما استثنى اللّه عزّ ذكره بأحد من أوصياء الأنبياء ولا أتباعهم ما خلا أمير المؤمنين(عليه السلام) وشيعته، فقال في كتابه وقوله الحقّ: {يَوْمَ

____________

1- الأحزاب: 23 .

2- الأعراف: 102 .

3- الحجر: 47 .

4- الزخرف: 67 .

5- الزمر: 9 .


الصفحة 19

لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللّهُ}(1) يعني بذلك عليّاً وشيعته، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟

قال: قلت: جُعلت فداك زدني .

قال: "لقد ذكركم اللّه في كتابه إذ يقول {يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(2) واللّه ما أراد بهذا غيركم، فهل سررتك يا أبا محمّد"؟

قال: قلت: جُعلت فداك زدني.

فقال: "يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه في كتابه فقال: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ}(3) واللّه ما أراد بهذا إلاّ الأئمة(عليهم السلام) وشيعتهم، فهل سررتك يا أبا محمّد"؟

قال: قلت: جُعلت فداك زدني.

قال: "يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه في كتابه فقال: {فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً}(4) فرسول اللّه في الآية النبيّون، ونحن في هذا الموضع الصدّيقون والشهداء، وأنتم الصالحون، فتسمّوا بالصلاح كما سمّاكم اللّه عزّ وجلّ، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟

قال: قلت: جُعلت فداك زدني .

قال: "يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللّه إذ حكى عن عدوّكم في النار بقوله: {وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرارِ * أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصارُ}(5) واللّه ما عنى اللّه ولا أراد بهذا غيركم، صرتم عند أهل هذا العالم شرار

____________

1- الدخان: 41 .

2- الزمر: 52 .

3- الحجر: 42 .

4- النساء: 69 .

5- ص: 62 ـ 63 .


الصفحة 20

الناس، وأنتم واللّه في الجنّة تحبرون وفي النار تطلبون، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟

قال: قلت: جعلت فداك زدني .

قال: "يا أبا محمّد، ما من آية نزلت تقود إلى الجنة ولا يذكر أهلها بخير إلاّ وهي فينا وفي شيعتنا، وما من آية نزلت تذكر أهلها بشرّ ولا تسوق إلى النار إلاّ وهي في عدوّنا ومن خالفنا، فهل سررتك يا أبا محمّد"؟

قال: قلت: جعلت فداك زدني .

فقال: يا أبا محمّد، ليس على ملّة إبراهيم إلاّ نحن وشيعتنا، وسائر الناس من ذلك براء، يا أبا محمّد فهل سررتك"؟

وفي رواية أخرى فقال: حسبي(1).

ومن هذه الأحاديث وغيرها، ومن خلال الأحداث التأريخيّة الدامية التي جرت على أتباع أهل البيت(عليهم السلام) في القرون الماضية، والتي نقل التاريخ بعضها لنا، نعرف أنّ التاريخ يعيد نفسه، فما يجري في العراق في هذه الأيام من التشريد والنهب والاعتداء والقتل لأتباع أهل البيت(عليهم السلام) لا لسبب، بل لأنّهم شيعة لعلي(عليه السلام)فهو امتداد لتلك السياسة الطائفيّة البغيضة التي سنّها أولئك الظلمة الذين نصبوا العداء لأهل البيت(عليهم السلام) .

ظاهرة الاستبصار العالمية

قد يتصوّر البعض أنّ ظاهرة الاستبصار في العالم جديدة، حدثت في العقدين أو الثلاثة الأخيرة، وأنّها كنتيجة طبيعية للأحداث السياسية التي شهدتها الساحة السياسية الشيعية.

وهذا التصوّر غير صحيح وإن كنّا لا ننكر الدور المهم الذي فعلته تلك

____________

1- الكافي 8 : 33 ـ 35 .


الصفحة 21

الأحداث، وكذلك تطوّر وسائل الاتصال في العالم كالفضائيات والأنترنيت، في تعريف العالم بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) .

فالذي يطالع التاريخ بدقّة يجد أنّ ظاهرة الاستبصار والتحوّل إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حصل ابتداءً من القرن الأوّل الهجري وإلى يومنا هذا، وإذا أردنا أن نثبّت كافة الأسماء التي تعرّفنا عليها من المستبصرين القدماء، فإننا نخرج عن منهج هذه المقدّمة المبنىّ على الاختصار، بل نحتاج إلى مجلّد أو عدّة مجلّدات لاستيعاب ذلك ، ونشير هنا إلى بعضهم على سبيل المثال :

(1) زهير بن القين (المستشهد سنة 61هـ ):

قال ابن الأثير: "وكان زهير بن القين البجلي قد حجّ، وكان عثمانياً، فلمّا عاد جمعهما الطريق، وكان يساير الحسين من مكّة إلاّ أ نّه لا ينزل معه، فاستدعاه يوماً الحسين، فشقّ عليه ذلك، ثُمّ أجابه على كره، فلمّا عاد من عنده نقل ثقله إلى ثقل الحسين ثُمّ قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد، وسأحدّثكم حديثاً، غزونا بلنجر ففتح علينا وأصبنا غنائم ففرحنا، وكان معنا سلمان الفارسي فقال لنا: إذا أدركتم سيّد شباب أهل محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم، فأمّا أنا فاستودعكم اللّه، ثمّ طلّق زوجته وقال لها: الحقي بأهلك"(1).

(2) المختار بن أبي عبيدة بن مسعود الثقفي (ت حدود 67هـ ):

قال ابن حجر: "كان قد طلب الإمارة وغلب على الكوفة حتّى قتله مصعب ابن الزبير بالكوفة سنة سبع وستّين، وكان قبل ذلك معدوداً في أهل الفضل والخير إلى أن فارق ابن الزبير، وكان يتزيّن بطلب دم الحسين .. ويقال: إنّه كان في أوّل

____________

1- الكامل في التاريخ 4: 42 .


الصفحة 22

أمره خارجياً، ثمّ صار زيديّاً، ثمّ صار رافضيّاً .."(1).

(3) زرارة بن أعين (ت 150هـ ):

قال الشيخ المامقاني: "إنّ زرارة كان في الأصل عاميّاً ثمّ اهتدى إلى الحقّ، كما يكشف عن ذلك ما مرّ نقله في ترجمة الحكم بن عيينة عن الكشّي عن علي بن الحسن بن فضّال أنّه قال: كان الحكم من فقهاء العامّة وكان أستاذ زرارة وحمران والطيّار قبل أن يروا هذا الأمر ، وببالي أنّي وجدتُ في البحار أيضاً أنّ زرارة كان في ابتداء أمره عاميّاً ثمّ استبصر واهتدى"(2) .

(4) السيّد الحميري، إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة (ت 178هـ ):

قال الذهبي: "كان السيّد هذا شاعراً محسناً ، إلاّ أنّه رافضي جلد، زائغ عن الحقّ، له مدائح جمّة في أهل البيت(عليهم السلام) .. قيل: كان أبواه يبغضان عليّاً(رضي الله عنه)"(3) .

وقال عبد الحسين الشبستري في الفائق في رواة أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام نقلاً عن عدّة مصادر: "ولد بعمان (كورة على بحر اليمن) سنة 105 هـ من أبويين أباضيين خارجيين .. ترك دين أبويه وصار كيسانياً، ثمّ عرف الحقّ وصار إماميّاً مخلصاً .. توفّي ببغداد وقيل: بواسط"(4).

(5) عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني (ت 221هـ ):

قال ابن حجر: ".. قال جعفر الطيالسي: سمعت ابن معين قال: سمعت من عبد الرزاق كلاماً استدللت به على ما ذكر من المذهب . فقلت له: إنّ أساتيذك الذين أخذت عنهم ثقات كُلّهم أصحاب سنّة، محمّد ومالك وابن جريح والثوري والأوزاعي، فعمن أخذت هذا المذهب ؟

____________

1- الإصابة 6: 275 .

2- تنقيح المقال 1: 445، وانظر الفهرست: 133 .

3- تاريخ الإسلام 11: 158 .

4- الفائق في رواة أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) 1: 183 .


الصفحة 23

قال: قدم علينا جعفر بن سليمان فرأيته فاضلا حسن الهدي فأخذت هذا عنه.

وقال محمّد بن أبي بكر المقدامي: وجدت عبد الرزاق ما أفسده غير جعفر، يعني في التشيّع"(1).

(6) محمّد بن سعيد بن كلثوم المروزي (ت القرن الثالث الهجري):

قال ابن داود في رجاله: "كان متكلّماً ، وذكر أبو عبد اللّه علي الجرجاني أنّ محمّد بن سعيد كان خارجيّاً ثمّ تشيّع بعد مبايعته على الخروج بالسيف"(2) .

(7) علي بن مهزيار (ت250هـ ):

قال الكشّي: "عن يوسف بن السخت البصري قال: كان علي بن مهزيار نصرانياً فهداه اللّه ، وكان من أهل هند، كانت قرية من قرى فارس، ثمّ سكن الأهواز فأقام بها"(3).

(8) جعفر بن محمّد بن مسعود العياشي (ت 320هـ ) ، صاحب التفسير المعروف:

قال الشيخ عبّاس القمّي: "قال مشايخ الرجال: إنّه ثقة صدوق، عين من عيون هذه الطائفة وكبيرها، جليل القدر، واسع الأخبار ، بصير بالرواية، مضطلع بها، له كتب كثيرة تزيد على مائتي مصنّف .. وكان في أوّل عمره عامّي المذهب، وسمع حديث العامّة وأكثر منه، ثمّ تبصّر وعاد إلينا، وهو حديث السنّ .. وأنفق على العلم والحديث تركة أبيه سائرها وكانت ثلاثمائة ألف دينار، وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قار أو معلّق"(4) .

____________

1- تهذيب التهذيب 6: 313 .

2- رجال ابن داود: 173 .

3- اختيار معرفة الرجال 2: 825 .

4- الكنى والألقاب 2: 490 .


الصفحة 24

(9) مهيار بن مرزويه الديلمي (ت 428هـ ):

قال الزركلي: "شاعر كبير، في معانيه ابتكار، وفي أسلوبه قوة.

قال الحرّ العاملي: جمع مهيار بين فصاحة العرب ومعاني العجم.

وقال الزبيدي: شاعر زمانه، كان فارسي الأصل، من أهل بغداد ... وكان مجوسياً وأسلم سنة 394هـ على يد الشريف الرضي فيما يقال، وهو شيخه ، وعليه تخرّج في الشعر والأدب .

وتشيّع وغلا في تشيّعه وسبّ بعض الصحابة في شعره، حتّى قال له أبو القاسم بن برهان: يا مهيار، انتقلت من زاوية من النار إلى أُخرى فيها، كنت مجوسياً فأسلمت فصرت تسبّ الصحابة .."(1).

(10) يوسف بن قزاوغلي الواعظ المؤرّخ شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي (ت 654هـ ):

قال الذهبي: "روى عن جدّه وطائفة، وألّف كتاب مرآة الزمان ، فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنّه بثقة فيما ينقله .. ثمّ إنّه ترفّض، وله مؤلّف في ذلك، نسأل اللّه العافية.

مات سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق.

قال الشيخ محيي الدين السوسي: لمّا بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال: لا رحمه اللّه كان رافضيّاً .

قلت: كان بارعاً في الوعظ ومدرساً للحنفية"(2).

(11) جلال الدين محمّد بن سعد الدواني (ت 907هـ أو 917هـ ):

قال الشيخ عبّاس القمّي: "المنتهي نسبه إلى محمّد بن أبي بكر، الحكيم

____________

1- الأعلام 7: 317 .

2- ميزان الاعتدال 7: 304 .


الصفحة 25

الفاضل الشاعر المدقّق ، صاحب أنموذج العلوم، وهو كتاب لطيف يحتوي على مسائل من كلّ علم، وله شرح على متن التهذيب، وعلى العقائد العضدية، وله الحاشية القديمة والجديدة على شرح التجريد للفاضل القوشجي .. وإنّه كان في أوائل أمره على مذهب أهل السنّة ثمّ صار شيعياً، وكتب رسالة بعد ذلك سمّاها نور الهداية، وهي مصرّحة بتشيّعه"(1).

(12) ملا أحمد الهندي (ت 996هـ ):

قال إسماعيل باشا البغدادي: "كان حنفيّاً ثمّ تشيّع ، وتوفي بلاهور سنة 996هـ ست وتسعين وتسعمائة ، له تاريخ ألف في الوقائع العمومية.."(2) .

قسم المستبصرين في مركز الأبحاث العقائدية

لا نبالغ إن قلنا: إنّ مركز الأبحاث العقائدية هو أوّل مؤسسة اهتمّت بالمستبصرين في إيران ، فيوجد فيه قسم خاصّ يعنى بشؤون المستبصرين والاهتمام بهم .

فكلّ مستبصر يتمّ التعرّف عليه ، يُفتح له ملّف خاص به، ويقوم بملئ استمارة خاصّة ، يبيّن فيها اسمه وعنوانه، ومستواه العلمي، ونشاطه الثقافي، ومؤلّفاته، وسبب استبصاره، والأشخاص الذين تأثّر بهم ، والكتب التي طالعها وكان لها دور فعّال في تغيير معتقده، وغيرها من المعلومات الخاصة به .

ويتمّ نشر هذه المعلومات في موقع المركز على الانترنيت بعد موافقة المستبصر في ذلك ، وكذلك تطبع في هذا الكتاب "موسوعة من حياة المستبصرين" .

ويتمّ تشجيع المستبصرين الذين لديهم قدرة على الكتابة، ويقوم المركز

____________

1- الكنى والألقاب 2: 230 .

2- هدية العارفين 1: 150 .