(16) أحمد حسين يعقوب
(شافعي / الأردن)
مرّت ترجمته في (2/23) من هذه الموسوعة.
ونشير هنا إلى أُمور أخرى لم تذكر في ترجمته السابقة ، منها الخطاب الذي أرسله إلى مجلّة المنبر ، فتّم نشره في العدد العاشر (ذي الحجّة 1421هـ) ، ومنها اللقاء الذي أجرته مجلّة العصر معه ثمّ نشرته في العدد 26 (شهر رمضان 1424هـ):
موضوع مجلّة المنبر
لم يكن مناظرة عقائديّة ، أو شخصيّة علمائيّة ، أو تباحثاً شخصيّاً ، أو كتاباً شيعيّاً .. ذلك الذي دفع المحامي الأردني الشهير "أحمد حسين يعقوب" إلى التشيّع واعتناق عقيدة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام. بل كانت الومضة الأولى التي قادته إلى هذا المعين العذب ، كتاباً أفجعه ، لكاتب سنّيّ هو "خالد محمّد خالد" ، الأديب المعروف.
"أبناء الرسول في كربلاء" ، كان اسم هذا الكتاب الذي وقعت عينا "أحمد حسين يعقوب" عليه ، فقرأه بشغف ، ليكتشف كيف أنّ الظالمين وثبوا لتبديل
شريعة اللّه تعالى ، ومحو ذكر "محمّد وعليّ" صلوات اللّه عليهما ، بما ارتكبوه من جرائم يندى لها جبين الإنسانيّة ، وإرهاب لم تعرف البشرية له مثيلا ، وبما رسّخوه في أذهان العامّة من مضامين ثقافيّة جعلت الحلال حراماً والحرام حلالا ، وبدّلت المعروف بالمنكر ، وآل البيت بالصحابة!
إنّه "الحسين" .. سيّد الأحرار والشهداء ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، هو من فتح ذراعيه "لأحمد حسين يعقوب" ، الذي ظلّ يبكي ألماً ويئنّ لوعة ، لما جرى على "أبي عبداللّه(عليه السلام)" ، فكان جرحه النازف ودمعه الهادر ، طريقاً سلك به إلى برّ الأمان ، حيث صاحب الزمان ، صلوات اللّه وسلامه عليه.
يتحدّث المحامي الذي عاهد ربّه أن يدافع طوال حياته عن قضيّة أهل البيت(عليهم السلام)العادلة ، عن قصّته ، وكيف تبيّن له أنّ شيعة آل محمّد صلوات اللّه عليهم هم الفئة الناجية ، كيف واجه المجتمع والناس ، الذين اتّهموه بالكفر والارتداد والرفض والمروق عن الملّة والدين.
إنّها كلمات يسردها "أحمد حسين يعقوب" صاحب كتاب "المواجهة" الذي حوكم بسببه ، في خطاب خاصّ أرسله إلى "المنبر" ها هو نصّه:
أنتمي لعشيرة بني طه أبو عتمة إحدى بطون عشيرة العنوم ، ولدت في كفرخل الواقعة شمال جرش عام 1939 ، متزوّج من امرأة واحدة ولي عشرة أولاد ذكور ، وأربع بنات ، حصلت على الثانويّة العامّة من مصر ، وأكملت دراسة الحقوق في جامعة دمشق ، وسجّلت للدراسات العالية / دبلوم القانون العام في الجامعة اللبنانيّة وسجّلت لدراسة الماجستير في جامعة الحكمة ، كنت موظّفاً ومعلّماً وخطيب جمعة ورئيس بلديّة ، وأنا أعمل في مهنة المحاماة منذ 17 عاماً.
كيف اهتديت؟
سافرت إلى بيروت لمناقشة بحث قدّمته للجامعة اللبنانيّة عن رئاسة دولة الخلافة في الشريعة والتاريخ، وهو تقليديّ من جميع الوجوه ، ويحمل وجهة نظر
العامّة ومعتقداتها في هذا المجال ، وأثناء وجودي في بيروت قرأت بالصدفة كتاب "أبناء الرسول في كربلاء" لخالد محمّد خالد ، ومع أنّ المؤلّف يتعاطف مع القتلة، ويلتمس لهم الأعذار ، إلاّ أنّني فجعت إلى أقصى الحدود بما أصاب الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيت النبوّة وأصحابهم ، وكان جرحي النازف بمقتل الحسين هو نقطة التحوّل في حياتي كلّها ، وأثناء وجودي في بيروت قرأت كتاب "الشيعة بين الحقائق والأوهام" ، لمحسن الأمين ، وكتاب "المراجعات" للإمام العاملي ، وتابعت بشغف بالغ المطالعة في فكر أهل بيت النبوّة وأوليائهم ، لقد تغيّرت فكرتي عن التاريخ كلّه ، وانهارت تباعاً كلّ القناعات الخاطئة التي كانت مستقرّة في ذهني، وتساءلت إن كانت هذه أفعال الظالمين بابن النبيّ وأهل بيته ، فكيف تكون أفعالهم من الناس العاديّين؟
لقد أدركت بأنّ الدولة التاريخيّة ـ وهي دولة عظمى ـ قد سخّرت جميع مواردها ونفوذها من خلال برامجها التربويّة والتعليميّة لغايات قلب الحقائق الشرعيّة ، وتسخير الدين الحنيف لخدمة وقائع التاريخ وإضفاء الشرعيّة على تلك الوقائع ، وإظهار الدين والتاريخ كوجهين لعملة واحدة.
وأنّ الناس قد انطلت عليهم هذه الخطّة، فأُشربوا ثقافة التاريخ متصوّرين بحكم العادة والتكرار وتبنّي الدولة لهذه الثقافة ، بأنّ ثقافة التاريخ هي ثقافة الدين.
وبهذا المناخ الثقافي حملت الدولة التاريخيّة على أهل بيت النبوّة ومن والاهم ، وصوّرتهم بصورة الخارجين على الجماعة ، الشاقّين لعصا الطاعة ، المنحرفين عن إسلام الدولة ، وتقوّلت عليهم ما لم يقولوه، ونسبت إليهم ما لا يؤمنون به ، وصدّقت العامّة دعايات الدولة ضدّ أهل بيت النبوّة ومن والاهم، وتبنّى الأبناء والأحفاد ما آمنت به العامّة دون تدقيق أو تمحيص ، ولا دليل لا من كتاب اللّه ولا من سنّة رسوله ، لقد صارت كلمة الشيعة في أذهان العامّة مرادفة
لكلمات الانحراف والكفر والخروج على الشرعيّة. وتلك ثمرة من ثمرات الحملة التاريخيّة الظالمة التي شنتها الدولة على أهل البيت(عليهم السلام)عامّة ، وعلى شيعتهم بشكل خاصّ. عندما أخذت الحقائق تنكشف رويداً رويداً خفّفت الدولة من حملتها على أهل بيت النبوّة، ولكنّها ضاعفت وكثّفت حملتها على شيعة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.
لقد تبيّن لي أنّ أهل بيت النبوّة ومن والاهم موالاة حقيقيّة هم المؤمنون حقّاً، وهم الفئة الناجية ، وهم شهود الحقّ طوال التاريخ ، وأنّ الإسلام النقيّ لا يفهم إلاّ من خلالهم ، فهم أحد الثقلين ، وهم سفينة نوح وهم باب حطّة ، وهم نجوم الهدى ، ولولاهم لضاع الإسلام الحقيقيّ ولما بقي للحقّ من شهود ، لقد رفعوا لواء المعارضة طوال التاريخ ، وتحمّلوا في سبيل اللّه فوق ما يتحمّله البشر ، حتّى أوصلوا لنا هذا الدين الحنيف بصورته النقيّة الكاملة المباركة.
وباختصار شديد لقد اهتديت ، وعرفت أنّ لأهل بيت النبوّة قضيّة عالميّة عادلة ، وعاهدت ربّي أن أدافع عن هذه القضية ما حييت ، فكانت كلّ مؤلّفاتي مرافعات ومدافعات عن عدالة هذه القضيّة ، واستنهاضات للعقل المسلم خاصّة، وللعقل البشري عامّة; لينتقل من التقليد الأعمى إلى الإيمان المستنير المبدع.
لقد اهتديت وأولادي والحمد للّه ، فصارت أفراح أهل البيت أفراحنا وأتراحهم أتراحنا ، وأنا على بيّنة من ربّي ، ولست معنيّاً بما يقوله المجتمع عنّي.
لقد وصفت الأكثريّة الساحقة من أبناء المجتمعات القديمة كلّها الرسل والأنبياء الكرام ، بالمجانين ، واتّهمتّهم بالسحر والكهانة والشعر والكذب .. ولم يسلم خاتم النبيّين من هذه الأوصاف الظالمة! لقد بلغ العرب المدى عندما قالوا
بأنّ القرآن أساطير الأوّلين! ولكن بوقت طال أم قصر ، سقطت أكاذيب الأكثريّة من أبناء المجتمعات ، وحصحص الحقّ ، وبقيت الحقيقة الخالدة التي نادى بها النبيّون.
المطلوب أن أنجو بنفسي ، ولا يضيرني عند اللّه إن ضلّ ابني أو تنكّر لي مجتمعي ، ليقولوا : إنّني كافر .. وإنّني رافضي .. الخ ، هم يعرفون أنّني أصلّي وأحجّ وأبكي من خشية اللّه ، لقد كنت خطيبهم، وإمامهم في الصلاة، ورئيس بلديّتهم، فكيف يمكن التوفيق بين هذه الاتّهامات وبين حقيقة الواقع!!
إنّ فرعون كان يعتقد أنّ حكمه وطريقته وعقيدته الفاسدة هي المثلى، وأنّه كان يخشى أن يذهب موسى {بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى}(1) ، كان يعتقد أنّ دينه هو الصحيح ، وهو يخاف من موسى أن ينجح بتبديل دين المجتمع {أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ}(2) كما يعتقد أنّه مصلح ، ويخشى أن يظهر موسى {فِي الأَرْضِ الْفَسادَ}(3)! لكن من يصدّق اليوم أنّ فرعون مصلح، وأنّ طريقته هي المثلى ، وأنّ موسى مفسد ، حاشاه؟! من يصدّق اليوم أكاذيب العرب بأنّ القرآن أساطير الأوّلين؟!! بوقت يطول أو يقصر ستسقط كلّ الأكاذيب، وتزول كلّ الأصباغ الزائفة، وتظهر الحقائق الشرعيّة المجرّدة ، والخاسرون هم الذين يكذّبون على أنفسهم، ويسجنون أنفسهم وعقولهم في كهوف التاريخ ومغره.
لقد أدمنت العامّة على ثقافة التاريخ ، وبتعبير القرآن الكريم: {أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ }(4) واختلطت بدمهم ولحمهم ، وهم يعتقدون بأنّهم على الحقّ لأنّهم
____________
1- طه (20) : 63. 2- غافر (40) : 26 3- غافر (40) : 26 4- البقرة (2) : 93
الأكثريّة ، وأنّ موالي أهل بيت النبوّة على الباطل; لأنّهم الأقليّة ، ونادراً ما ينفع الجدل معهم; لأنّهم قد اكتسبوا معتقداتهم بالوراثة والعادة ، والعادة طبيعة ثانية ، وإبطال مفاعيلها يحتاج لعون من اللّه، ورغبة بالتغيير، وجهد عقليّ منظّم ، وهم ليسوا على استعداد ليبذلوه ، ولقد ساق القرآن الكريم نماذج رائعة من خلال جحد الأقوام لأنبيائهم ورسلهم ، وفي هذه النماذج عبرة {وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ}(1).
لقد تعهّد اللّه تعالى بحفظ القرآن الكريم ، وعمل أهل بيت النبّوة(عليهم السلام)وأوليائهم على حفظ بيان النبيّ لهذا القرآن ، ومهما كانت قوّة الإعلام ومهما عظم المكر التاريخي فإنّ دين اللّه الحنيف من الوضوح بحيث لا يخفى على عاقل ، مع التمسّك بهذه المقدّمة، فقد جرت عدّة محاولات للتحريف ولكنّها كانت مكشوفة، من ذلك ما رواه الطبري في تاريخه عن حديث الدار وقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام علي: "إنّ هذا أخي ووصيّ وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا"(2) ثمّ اكتشف الطبري ، أو الناشرون في ما بعد خطورة هذا النصّ الشرعيّ على ثقافة التاريخ وبناها التحتيّة ، فحذفوا كلمتي وصييّ وخليفتي ووضعوا بدلا منهما ، "إن هذا أخي وكذا وكذا"(3)! هذا نموذج للتحريف ، وعندما ذكر ابن الأثير رسالة محمّد بن أبي بكر لمعاوية لم يذكر نصّ الرسالة; لأنّها تكشف حقيقة معاوية وتاريخه ، واكتفى بالقول بأنّ فيها أموراً لا تحتمل العامّة سماعها !
والثابت أنّ البخاري لم يكن يكتب ما يسمعه من حديث الرسول مباشرة ،
____________
1- الملك (67) : 10 2- تاريخ الطبري 2/321 . 3- جامع البيان الطبري 11/130، ح20374 .
إنّما كان يسمع في بلد ، ويصيغ ما يسمعه في بلد آخر ، مراعياً في صياغته معتقدات الناس ونظرتهم للأمور ، لقد صيغت الأخبار لتكون منسجمة مع الواقع التاريخيّ وغير متعارضة معه.
فالبخاري ومسلم وهما أصحّ كتب الحديث عند إخواننا أهل السنّة يؤكدان بأنّ اليهود قد سحروا الرسول بحيث يخيّل إليه أنّه قد فعل الشيء وما فعله ، وأنّ الرسول كان قد نسي آية من القرآن الكريم فذكّره بها مواطن عادي من الناس ، وأنّ الرسول كان يفقد السيطرة على أعصابه فيسبّ ويشتم ويلعن الناس بلا سبب ... الخ ! وتلك تحريفات واضحة لتخدم وقائع التاريخ ، لأنّ القرآن الكريم يؤكّد بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى ، وأنّ الرسول على خُلق عظيم ، وما رواه البخاري ومسلم يناقض القرآن الكريم، والسيرة النبويّة المطهّرة ، وفي كتابي "المواجهة" تصدّيت لهذه التّرهات، وبيّنت الغاية الحقيقيّة من اختراعها.
وإن تعجب ـ لا أراك الدهر عجباً ـ فاعجب بربك من أحد مشركي مكّة ، دعاه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لتناول الطعام عنده، فرفض هذا المشرك أن يأكل من طعام الرسول بحجّة أنّه لا يأكل إلاّ ما ذكر اسم اللّه عليه!!! وإن كنت في شكّ من هذا فارجع إلى صحيح البخاري كتاب الذبائح باب: ما ذبح على النصب والأصنام !!! وعلى أيّ حال فقد ناقشت أساس مثل هذه الأُمور في كتابي "أين سنّة الرسول وماذا فعلوا بها؟!"
عندما يكون المرء شيعيّاً:
عندما يكون المرء شيعيّاً ، يعني أنّه مؤمن حقيقيّ، يسير على خطى الرسول وأهل بيته الطاهرين ، قانونه النافذ عليه هو كتاب اللّه وبيان النبيّ لهذا الكتاب ، وقيادته الشرعيّة الوحيدة هم أهل بيت النبوّة ، يواليهم ويوالي من يواليهم ، ويعادي من يعاديهم سواء أكان حيّاً أم ميّتاً.
كيف تعرف أنّك شيعيّ؟
علاوة على التزامك الكامل بالإسلام إسأل نفسك ، لو كنت موجوداً في زمن الإمام الحسين (عليه السلام)، هل كنت ستقف معه ، وتقاتل دونه حتّى تقتل بين يديه؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب فأنت من موالي أهل البيت حقّاً ومن شيعتهم ، وإن تردّدت فأنت بحاجة لتعمق مفهوم الولاية في قلبك وذهنك .
الشيعة لا يوالون أهل البيت بطراً:
الشيعة لا يوالون أهل بيت النبوّة بطراً ولا تشهّياً، لكنّهم يوالون أهل البيت بناءً على أحكام شرعيّة وتنفيذاً لأوامر إلهيّة آخذة بالأعناق ، لا مجال للفرار من تنفيذها ، ويترتّب على التنفيذ نتائج محوريّة ومنجية أو مدمّرة ، فالهدى لا يُدرك إلاّ بالتمسّك بالثقلين معاً ، إنّها أحكام شرعيّة يتوقّف على تنفيذها اكتمال الإسلام والإيمان وبالتفصيل الوارد في أمكنته الشرعيّة.
مرتبة دينيّة وثقافيّة:
الموالاة لأهل بيت النبوّة مرتبة ثقافيّة ، وهي أعلى مراتب الوعي عند المسلم ، إنّها تمثّل النضج العقلي ، بأرقى وأرفع صورة ، إنّها القدوة الصالحة ، فأيّ عاقل في الدنيا يترك آل محمّد ويقتدي بغيرهم؟ أصحاب المذاهب الأربعة من تلاميذ الإمام الصادق ، ويتمنّون لو كانوا خدماً لعمداء أهل بيت النبوّة ، والصحابة الكرام على مختلف طبقاتهم لا تصحّ صلاتهم إن لم يصلّوا فيها على محمّد وآل محمّد ، إنّ النصوص الشرعيّة آخذة بالأعناق ، نحن لا نقلّل من أهمّية أصحاب المذاهب، ولا من أهمّيّة الشيخ حسن البنّا ، أو ابن تيميّة ، أو محمّد بن عبد الوهّاب أو غيرهم من قادة الفرق والأحزاب ، لكنّ أيّ أعمى قلب ذلك الذي يترك آل محمّد أعدال الكتاب ويتمسّك بغيرهم من قادة الفرق والاتّجاهات والأحزاب!! بئساً للظالمين بدلا !!
ضحايا التاريخ:
طبعاً الجميع إخواننا ، لنا ولهم كتاب ، ونبيّ واحد ، وقبلة واحدة، ودين واحد ، ومن واجبنا أن نبذل كلّ ما بوسعنا وبالحكمة والموعظة الحسنة، لنضع تحت تصرّفهم الحقائق الشرعيّة والموضوعيّة المجرّدة ، وندلّهم على صراط اللّه المستقيم(1) .
* * *
مقتطفات من لقاء أحمد حسين يعقوب مع مجلّة العصر
سؤال : هل تسمح لنا بالحديث عن رحلتك مع أهل البيت(عليهم السلام)؟
جواب : أعتقد أنّ الولاء لأهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) مرحلة من مراحل التكامل العقليّ ، وأعتقد أيضاً بأنّ أيّ إنسان لو يترك نفسه على سجيّتها، ويبحث بحثاً علميّاً مجرّداً فإنّه سيصل إلى نتيجة مفادها أنّ الولاء لأهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) هو الحلّ، وهو الطريق السليم ، ولو أنّ الناس عرفوا حقيقة أهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) لدخلوا جميعاً في دائرة الولاء لهم(عليهم السلام) ، ولو أنّهم أحاطوا علماً بوجهة نظر أهل بيت النبوّة لتغيّر مجرى التاريخ تماماً.
في الحقيقة أنا لم أصل إلى هذا الاعتقاد نتيجة نشاط عقليّ ، ولم يخطر في بالي هل أنّي على المذهب الحقّ حقّ أم لا ؟ ولم أكن أفكّر بالإجابة على مثل هذا السؤال،لكن عندما ذهبت إلى بيروت لمناقشة رسالة بحث لدبلوم القانون العامّ ، وبينما كنت أتجوّل في الشارع رأيت رجلا يبيع كتباً ، فتناولت كتاباً اسمه "المراجعات" للسيّد عبدالحسين شرف الدين ، وكتاباً آخر اسمه "الشيعة بين الحقائق والأوهام" حدث لي تحوّل ، وفعندما قرأت الكتابين أدركت أنّ هنالك
____________
1- مجلّة المنبر: العدد العاشر ، ذي الحجّة 1421.
شيئاً مخفيّاً عن الناس ، وهو أنّ لأهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) فكراً كاملا يغطّي ساحة الحياة، ولكنّ وسائل الإعلام طوال التاريخ طمسته وتجاهلته.
ومنذ ذلك التاريخ أخذت أقرأ وأقرأ وأقرأ ، فتبيّن لي تفاصيل مأساة كربلاء التي اكتشفت فظاعتها ، إذ لو كان الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) حبراً يهوديّاً أو عالماً مسيحيّاً لما فعل فيه ذلك الجيش الذي يدّعي الإسلام ما فعله. ولما تصرّفوا معه بهمجيّة بالغة. لقد أدركت عندما وقفت على كلّيّات وتفاصيل محنة الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء أنّ أهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) هم وحدهم القادرون على فهم الإسلام على حقيقته ، ووحدهم المكلّفون بقيادة العالم نحو الأفضل .. لقد صرت حينها أقرأ أو أكتب كلّ يوم ما بين العشر والاثنتي عشرة ساعة .. وأنا الآن وللّه الحمد أقول ـ بغير ادّعاء ـ : بأنّني على علم بالكثير من كلّيّات وتفاصيل قضيّة أهل البيت(عليهم السلام) العادلة.
سؤال : برأيك ما هي أهمّ الأسباب التي أدّت إلى وقوع الاختلاف بين المسلمين؟
جواب : الاختلاف في المجتمعات يكون نتيجة واحد من سببين : القيادة أو القانون ، وقد حسم اللّه سبحانه وتعالى مسألة القيادة طوال عصر النبوّة ، فرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو القائد، وهو المرجع ، أمّا مسألة القانون فإنّ القرآن الكريم وبيان وتفسير النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)لهذا القرآن هما التشريع أو القانون النافذ .
وفي نفس اليوم الذي أعلن فيه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنباء النبوّة والرسالة والكتاب ، أعلن عن ولاية الإمام عليّ (عليه الصلاة والسلام) فقال أمام عشيرته الأقربين : "إنّ هذا أخي وخليفتي ووصيّ فيكم فاسمعوا له وأطيعوا" وتشاء العناية الإلهيّة أن لا يبقى لرسول اللّه ولد من صلبه، ويأمره اللّه سبحانه وتعالى أن يزوّج ابنته فاطمة (سلام اللّه عليها) المعروفة بسيّدة نساء العالمين إلى هذا الرجل الذي اختاره اللّه ليكون خليفة لنبيّه من بعده ، فسيّدة نساء العالمين تتزوّج سيّد
المسلمين وسيّد العرب ، الصدّيقة الطاهرة تتزوّج وليّ اللّه الذي أعدّه لقيادة مرحلة ما بعد النبوّة ، ومن هذين الزوجين الطاهرين انبعثت القيادة للعالم أجمع.
لقد كان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول للإمام عليّ(عليه السلام) أمام الصحابة: "أنت سيّد المسلمين" ويقول أيضاً: "أنت راية الهدى ونور من أطاعني وإمام أوليائي" أي: كان يخلع على الإمام عليّ(عليه السلام) كافّة المصطلحات التي يخلعها الناس على الرئيس عادة ، ويقدّمه كإمام من بعده ، ولم يفعل ذلك لأنّه قريبه وابن عمّه ، بل لأنّ اللّه سبحانه وتعالى أمره بذلك، والذي أمره أيضاً بأن يعدّ هذا الإمام إعداداً تامّاً بحيث يكون هو الأفضل والأعلم والأتقى والأقرب ، وهذا الأمر لا يجادل فيه أحد من المسلمين حتّى الذين كرهوا الإمام عليّاً(عليه السلام)اعترفوا بأنّه الأعلم، واعترفوا بأنّه الأشجع والأقرب لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله). وهكذا حلّت مسألة القيادة ومن قبلها مسألة القانون بعد رحيل النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، غير أنّ المسلمين لم يلتزموا بهما كاملا، فوقع الاختلاف فيما بينهم .
سؤال : برأيك أين تكمن مواطن الضعف عند المسلمين على الرغم من الفكر الأصيل، والتراث العظيم الذي يملكونه؟
جواب : موطن الضعف في المسلمين أنّهم دائماً مع الغالب ، فمن يغلب ينصاعون له ، والمغلوب يتركونه. تلك السنّة قد تعلّموها من ثقافة التاريخ ، فعندما تمكّن يزيد بن معاوية من سحق المقاومة في المدينة المنوّرة واستباحة مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، سأل الناس أحد أقطابهم الروحيّة آنذاك : "من يؤمّ بنا؟ فقال : نحن مع من غلب"!!
سؤال : كيف استطعت الجمع بين الأُمور المختلفة التي مارستها في حياتك ، مثل المحاماة والبلديّة وإمامة المصلّين والخطابة والتأليف والتحقيق؟
جواب : أنا كنت إماماً وخطيباً معيّناً من وزارة الأوقاف الأردنيّة وموظّفاً ، ثمّ أُحلت على التقاعد، وترشّحت لرئاسة البلديّة، ونجحت في الانتخابات ، وبعد
فترة معيّنة درست القانون وأصبحت محامياً وأستاذاً، واتّخذت لنفسي مكتباً في جرش ، وعندما تعرّفت على معالم قضيّة أهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) توقّفت عن ممارسة مهنة المحاماة، وتفرّغت للبحث والدراسة والتحقيق، وكلّ هذا بفضل من اللّه ونعمه .
سؤال : في ضوء الإرهاصات العالميّة والصحوة الإسلاميّة الشاملة للأمّة ، ما هو الدور الذي يلعبه الولاء لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) في مواجهة التحدّيات المعاصرة؟
جواب : الولاء لأهل بيت النبوّة (عليهم الصلاة والسلام) يؤهّل الإنسان لتحمّل المسؤوليّة ; لأنّ الولاء لهم قائم على الشرع الحنيف ، وكلّ ما يقوله من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو من عند اللّه (عزّ وجلّ) ، لذلك بقدر ما يفهم الناس من أهل بيت النبوّة(عليهم السلام) بقدر ما يستفيدون منهم ، فهم كالنهر الصافي والجاري ، يعرفه الذين يشربون منه أكثر من الذين يتفرّجون عليه .. وعلى كلّ حال لن تكون هناك صحوة حقيقيّة إلاّ باللجوء إلى أهل البيت(عليهم السلام)(1).
مؤلفاته:
ذكرنا في الترجمة السابقة للمحامي أحمد حسين يعقوب (2/23) كافة مؤلفاته ، ونضيف إليها في هذا المجلد الكتاب التالي.
الاجتهاد بين الحقائق الشرعية والمهازل التاريخية ، الطبعة الأولى ، 1421 ، مركز الغدير للدراسات الإسلامية.
ويبحث هذا الكتاب حول قضية الاجتهاد وهو يتضمن الأبواب والفصول التالية:
الباب الأوّل : مفهوم التاريخ المقارن للاجتهاد ، الآثار والنتائج.
____________
1- مجلّة العصر: العدد 26 (شهر رمضان 1424 هـ).
الفصل الأوّل : الاجتهاد والتآمر على معناه.
الفصل الثاني: الجماعات التي أيّدت قادة التآمر.
الفصل الثالث: اختفاء المعايير الشرعية وسيادة المعايير الاجتهادية.
الفصل الرابع: مظاهر نقض عُرى الإسلام .
الفصل الخامس: نماذج من "اجتهادات" الأوّلين .
الفصل السادس: منهاج العاملين بالرأي في مقابل النص ومواقف أهل البيت(عليهم السلام)منه.
الباب الثاني: تلمُّس المفهوم الشرعي للاجتهاد واقعة وأركانه.
الفصل الأوّل : استذكار المعنى الأصلي للاجتهاد.
الفصل الثاني: الاجتهاد في عهد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).
الفصل الثالث: المرجعيتان والرئاستان.
الفصل الرابع: ثنائية الرئاسة العامة والمرجعية.
الفصل الخامس: بيان الأحكام الشرعية بعد سقوط الخليفة وغياب الإمام والمرجع الشرعي.
(17) بشّار خليفات
(شافعي / الأردن)
نشأ في أسرة أردنيّة تنتمي إلى مذهب أهل السنّة وفق المذهب الشافعي ، وبقي متّبعاً لهذا المذهب حتّى استبصر أحد أقربائه ويدعى "مروان خليفات" وهو صاحب كتاب "وركبت السفينة".
فالتقى "بشّار" بـ "مروان خليفات" ليطّلع على أسباب استبصاره ، فهيّأ له هذا الأمر فرصة للبحث في الكتب الدينيّة من أجل معرفة الحقّ.
مظلوميّة أهل البيت(عليهم السلام):
وجد "بشّار خليفات" خلال بحثه العقائديّ ومطالعته للكتب الدينيّة ، بوجود محاولة لطمس معالم ومقام أهل البيت(عليهم السلام)، وإخفاء مكانتهم العلميّة ، فاستغرب في البداية من ذلك ، ولكنّه وبعد مواصلة البحث عرف بأنّ الحكومات الغاصبة للحكم الإسلاميّ في عهدي بني أميّة وبني العبّاس حاولت محاربة أهل البيت(عليهم السلام) بكلّ وسيلة ممكنة، فتبلور في ذهنه مجموعة أسئلة منها:
لماذا حاربت هذه السلطات أهل البيت(عليهم السلام)؟
ما هو الداعي الذي دفع هذه السلطات لعداء أهل البيت(عليهم السلام)؟
ما هو الأمر الذي كانت تخشاه السلطات من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)؟
دواعي مظلوميّة أهل البيت(عليهم السلام):
تبيّن لـ "بشّار خليفات" خلال البحث أنّ السبب الأساسيّ الذي دفع هذه السلطات الجائرة لمحاربة أهل البيت(عليهم السلام) هو كون الخلافة الإسلاميّة من حقّهم(عليهم السلام)، وأنّ هذه السلطات ـ في الواقع ـ غاصبة لحقّ أهل البيت(عليهم السلام) ، فلهذا يكون من الطبيعيّ أن تبادر هذه السلطات إلى محاربة أهل البيت(عليهم السلام).
كما أنّ هذه السلطات ومن حولها من وعّاظ السلاطين الذين لا يملكون من العلم والمعرفة شيئاً ، وكانوا يحاربون أهل البيت(عليهم السلام); خشية أن يتعرّف الناس على عظمة مكانتهم العلميّة فيلتفّوا حولهم ، فيؤدّي ذلك إلى فقدانهم للحياة والمكانة الاجتماعيّة التي اغتصبوها منهم.
اتّباع أهل البيت(عليهم السلام):
إنّ النتائج العلميّة التي توصّل إليها "بشّار خليفات" والتي ساعده فيها "مروان خليفات" دفعته في نهاية المطاف إلى الاستسلام للواقع واتّباع أهل البيت(عليهم السلام) ; لأنّه وجد أهل البيت(عليهم السلام) أحقّ بالاتّباع من غيرهم ، وقد قال تعالى:
{ أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلاّ أنْ يُهْدَى }(1).
ومن هذا المنطلق أعلن "بشّار خليفات" استبصاره وركب مع "مروان خليفات" في سفينة أهل البيت(عليهم السلام) التي قال عنها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):
"مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك"(2).
____________
1- يونس (10) : 35 . 2- المستدرك، الحاكم 2/454 ح3362، وقال: هذا حديث صحيح، مجمع الزوائد، الهيثمي 9/189، ح14980 .
(18) تاج الدين الجاعوني
(سني / الأردن)
مرّت ترجمته في (2/185) من هذه الموسوعة ونضيف إلى ما ذكرناه في ترجمته السابقة: إنّ من أهمّ المصادر التي دفعت الدكتور تاج الدين الجاعونى إلى معرفة الحقّ هي القرآن الكريم; لأنّه يرى بأنّ "القرآن الكريم منهج حياتيّ ينبض بالحياة، يحرّك المشاعر، ينبّه الفكر، ينوّرالسبيل، ويقود إلى الطريق المستقيم.. فهو أي: القرآن الكريم يجري مجرى الشمس والليل والنهار، ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تنقضي عجائبه، ولا تكشف الظلمات إلاّ به، كما وصفه الإمام عليّ كرّم الله وجهه في نهج البلاغة"(1).
القرآن يُسأل فيجيب:
ويضيف الدكتور تاج الدين: "فإن كنت أيّها القارىء العزيز حرّكت فيها مشاعر الاعتزاز بأنّك قرآنيّ الشخصيّة، رساليّ المبدأ، إسلاميّ الصبغة، فقد حقّقت بعض أهدافي من هذا العمل المتواضع ]أي تأليفه لكتاب الانسان هذا الكائن
____________
1- الإنسان هذا الكائن العجيب، للدكتور تاج الدين الجاعوني: 1/26.
العجيب[، وإن كنت استطعت أن اجعلك ـ عزيزي القارىء ـ أن تجلس أمام القرآن الكريم، مسلماً كنت أو غير ذلك، ليس كمستمع فقط، بل في حوار استنطاقي معه، لتتنبه وتستشفّ معانيه، وتتفهّمه، فقد وُفقت لما أصبوا إليه، ذلك أنّ القرآن يُسأل فيجيب; لأنّه عطاء لا ينفد، فيه علم ما كان وعلم ما سيأتي.
القرآن الكريم هو المفسّر الأوّل لجميع أسئلة البشريّة، ومتطلّباتها الواسعة المناحي، ومشكلاتها المترامية الأبعاد، وقضاياها المتشعّبة"(1).
ومن هنا نستكشف بأنّ الدكتور تاج الدين لم يختر مذهب الحقّ إلاّ بعد استئذانه من القرآن الكريم وبعد أن تبيّن له من خلال القرآن صحّة ما يفعل.
____________