الصفحة 243

(58) محمّد آصف أكبري

(إسماعيليّ / أفغانستان)

ولد سنة 1974م في قرية "منجي" التابعة لمدينة "درايم" في منطقة "بدخشان" ، ونشأ في أسرة إسماعيليّة المذهب ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتى حصل على شهادة الإعداديّة ثمّ عمل في مجال التعليم.

خواء العقائد الموروثة:

التفت "محمّد آصف" خلال ممارسته لمهنة التعليم إلى أنّ الإنسان يزداد بصيرة بالحياة نتيجة ارتقاء مستواه العلميّ ، فدفعه ذلك ليعيد النظر في مرتكزاته الفكريّة وأسسه العقائديّة من أجل بناء معتقداته على الأسس والدعائم الصحيحة.

ومن هذا المنطلق تبيّن لـ"محمّد آصف" أنّ عقيدته الموروثة عقيدة أفرطت في اتّخاذ الفلسفة اليونانيّة عماداً وسنداً لمذهبها ، فأدخلت في معتقداتها الكثير من المفاهيم المعقّدة التي كان ضررها أكثر من نفعها ، وتحوّلت الكثير من عقائدها إلى مسائل فلسفيّة خاطِئة تخالف الأصول والثوابت الإسلاميّة.

كما تبيّن لـ"محمّد آصف" أنّ المذهب الذي هو عليه محاط بهالة من الغموض، بحيث لا يقف عليه أحداً إلاّ الطبقة الخاصّة من علماء المذهب ، وهم في نفس الوقت يبخلون بآرائهم وكتبهم على الغير ولا يقومون بتبيين عقائدهم بوضوح.


الصفحة 244

فبذل "محمّد آصف" جهداً كبيراً لكشف النقاب عن وجه العقيدة الإسماعيليّة فتبيّن له بعد ذلك خواء هذه العقيدة.

البحث عن العقيدة الصحيحة:

وجد "محمّد آصف" بعد البحث بأنّ المذهب الإسماعيليّ لا يستحقّ الاتّباع ، فدفعه ذلك إلى البحث عن البديل ، فغاص في بطون كتب المذاهب الإسلاميّة بحثاً عن العقيدة التي تقدّم له الرؤية الكونيّة الصحيحة التي تعتمد على القرآن الكريم والسنّة الصحيحة، وتجعل منهما مصدراً لبلورة المعتقدات التي أراد الله تعالى للبشريّة الالتزام بها والتمسّك بهديها.

وفي نهاية مطاف البحث الذي أجراه "محمّد آصف" ، تبيّن له أنّ الحقّ في المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ ، فلم يتردّد لحظة واحدة في اعتناق هذا المذهب ; لأنّه وجد العقل يحكم عليه باتّباع هذا المذهب ، فأعلن استبصاره سنة 1993 م وهو في مهجره بمدينة "بيشاور" الباكستانيّة تاركاً ما كان عليه من تقليد أعمى لمذهب آبائه وأجداده.


الصفحة 245

(59) محمّد حسين جوادي

(إسماعيليّ / أفغانستان)

ولد سنة 1969 م في منطقة "بدخشان" ، ونشأ في أسرة إسماعيليّة المذهب ، واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة الإعداديّة ، ثمّ تلقى بعض الدروس الدينيّة; ليرفع بذلك مستواه المعرفي في الصعيد العقائديّ ، ثمّ توجّه إلى العمل في مجال التعليم .

البحث عن معتقدات قاطعة:

شعر "محمّد" خلال دراسته لمعتقدات المذهب الإسماعيليّ أنّها معتقدات مبنيّة على الظنّ والتخمين لاعلى القطع واليقين ، وأنّ علماء مذهبه لا يستندون إلى سند قطعيّ يعتمدون عليه في إثبات الأفكار التي يعرضونها على الآخرين.

فدفعه هذا الأمر إلى المزيد من البحث من أجل التعرّف على المذهب الذي يقدّم دراساته وأبحاثه ومعطياته العلميّة وفق أسس منهجيّة ومنظّمة ومحدِّدة، ويعتمد على الأسس المنطقيّة والمنهجيّة العلميّة.

نتائج البحث:

توجّه "محمّد" في بحثه عن المذهب الذي يقدّم معتقداته بأدلّة مقنعة وبراهين ساطعة لا غبار عليها ، فتبيّن له خلال غربلته لمعتقدات المذاهب


الصفحة 246

الإسلاميّة ، أنّ المذهب الشيعيّ الإماميّ الاثني عشريّ ، مذهب يقتبس عقائده من أئمّة نصّ عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجعلهم السبيل لعدم الوقوع في الضلال من بعده.

كما تبيّن لـ"محمّد" أنّ وجود الأئمّة الاثني عشر أدّى إلى محافظتهم على ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وصيانة أتباعهم من الانحراف والوقوع في أودية الضلال.

وبمرور الزمان انكشفت الحقائق لـ"محمّد" بوضوح ، وتبيّن له بأنّ المذهب الإسماعيليّ فرقة انحرفت عن الصراط المستقيم، ثمّ أدّى بها ابتعادها عن الأئمّة الذين اصطفاهم الله تعالى أن يكون مآلها الضلال والوقوع بيد الأهواء والميول البشريّة.

ومن هذا المنطلق أعلن "محمّد" سنة 1991 م استبصاره، واعتناقه للمذهب الإماميّ الاثني عشريّ ، ثمّ حاول أن يعمّق معارفه الدينيّة بعلوم الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) ، فخصّص لنفسه وقتاً لمواصلة بحثه ومطالعته للتراث الإماميّ، وقراءة الكتب الشيعيّة القديمة والمعاصرة.


الصفحة 247



(60) محمّد نبي البلخي

(حنفيّ / أفغانستان)

ولد حوالي سنة 1934 م في بلدة "كامرد" من أب حنفيّ يدعى "محمّد سوراب" وأمّ شيعيّة من أسرة تعرف بـ"تاجيك" ، ثمّ قرأ القرآن وكتب اللغة والأدب في المكتب ، ثمّ التحق بمدرسة "ايوبك" لدراسة الفقه الحنفي على يد المولوي "قاري سيلان" ودرس الكثير من الكتب منها: فقه الجيلاني والمختصر وقدوري وشرح الوقاية.

تعرفه على مذهب التشيّع:

لم يكن "محمّد نبي البلخي" غريباً عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فقد كانت أمّه تحدّثه عن فضائل الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)، وتدعوه إلى الاعتقاد بهم والتمسّك بتعاليمهم ; لكنّه كان تابعاً لمذهب أبيه الحنفيّ ، وكان يرى بأنّ المذاهب الإسلاميّة الصحيحة هي المذاهب الأربعة المعروفة التي نالت الصفة الرسميّة من قبل الحكّام ، حيث اعترفوا بهذه المذاهب وروّجوا لها ، ولم يجيزوا التعبّد بغيرها.

مع ذلك لم يكن "محمّد نبي البلخي" ممّن يعيش حالة الاتّباع الأعمى لكلّ ما يقرأه في كتب مذهبه، فقد لفت نظره في احدى أيّام الدراسة وجود مثل هذه العبارة في كتاب "قدوري": "إنّ جلد الكلب يطهر بالدباغة ، أمّا جلد الخنزير


الصفحة 248

والإنسان فلا يطهران بتاتاً" ، فتعجّب من ذلك وقال في نفسه: هل الإنسان أنجس من الكلب وأخبث؟!

توسّله بالإمام علي(عليه السلام):

تعرّض "محمّد نبي البلخي" ذات يوم لمرض "التيفوس" وزادت عنده الحمّى بحيث لم يستطع التنفّس إلاّ بصعوبة بالغة ، وفي اليوم الثالث انقطع رجاؤه من الحياة ، فتذكّر كلام أمّه حول توسّل الشيعة بالإمام علي(عليه السلام) عند الشدائد، فتوجّه إلى الإمام علي(عليه السلام)بتواضع، وجعله الوسيلة إلى الله تعالى ، فنادى من أعماق قلبه ثلاث مرّات: اغثني يا امير المؤمنين. وفي المرّة الثالثة أحسّ بتحسّن حاله ، وتصبّب منه العرق حتّى ابتلّت ثيابه ، ثمّ غادرته الحمّى فوراً ، واستطاع القيام من فراش المرض ، فنذر زيارة المزار المشهور المنسوب لأمير المؤمنين(عليه السلام)في بلدة "مزار شريف" في شمال أفغانستان ، وبقي فيه عدّة أيّام ثمّ اشتدّت علاقته الروحيّة بأمير المؤمين علي ابن أبي طالب(عليه السلام) حتّى رآه في المنام، وهو يدعوه إلى أتّباع الطّريق المستقيم.

بحثه عن الحقيقة:

قرّر "محمّد نبي البلخي" بعد ذلك أن يعيد النظر في معتقداته الموروثة وأن يبذل غاية جهده لمعرفة المذهب المنسوب للإمام علي(عليه السلام).

ومن هذا المنطلق دخل "محمّد" في رحاب التشيّع ، وكان يوم بعد آخر يزداد محبةً للإمام علي(عليه السلام) نتيجة معرفته لمكانته وفضائله ومواقفه وسيرته.

ولم تمض فترة حتّى أعلن "محمّد" تشيّعه ، وكان ذلك سنة 1956 م ، ثمّ التحق بالحوزة العلميّة ليزداد إلماماً بعلوم ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) (1).

____________

1- نقلناه بتصرّف من كتاب "لماذا اخترنا مذهب الشيعة الإماميّة" للسيّد محمّد الرضي الرضويّ .


الصفحة 249

(61) وردان كنكر (أبو خالد الكابليّ)

(كيسانيّ / أفغانستان)

كان من حواريّ الإمام زين العابدين علي بن الحسين(1) ، وقد روى عنه أحاديث كثيرة ، وله كتاب(2) في الرواية عنه ، وحينما أراد الحجّاج والي الأمويّين قتله ، هرب إلى مكّة وأخفى نفسه فيها ، ونجا منه(3).

استبصاره:

نقل الكشّي بإسناده عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قوله:

"كان أبو خالد الكابلي يخدم محمّد بن الحنفيّة دهراً ،وما كان يشكّ في أنّه إمام حتّى أتاه ذات يوم فقال له: جعلت فداك ، إنّ لي حرمة ومودّة وانقطاعاً ، فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلاّ أخبرتني: أنت الإمام الذي فرض الله طاعته على خلقه؟

قال: فقال: يا أبا خالد ، حلّفتني بالعظيم، الإمام عليّ بن الحسين عليّ وعليك وعلى كلّ مسلم.

فأقبل أبو خالد لمّا أن سمع ما قاله محمّد بن الحنفيّة ، فجاء إلى عليّ بن

____________

1- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّى) للشيخ الطوسي 1/41 رقم 20 .

2- معجم رجال الحديث للسيّد الخوئي :15/133، رقم9779 .

3- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّى) للشيخ الطوسى حديث 1/339 رقم195 .


الصفحة 250

الحسين(عليه السلام) ، فلمّا استأذن عليه فأخبر أنّ أبا خالد بالباب ، فأذن له ، فلمّا دخل عليه دنا منه قال(عليه السلام):

مرحباً يا كنكر ، ما كنت لنا بزائر ، ما بدالك فينا؟

فخرّ أبو خالد ساجداً شاكراً لله تعالى ممّا سمع من عليّ بن الحسين(عليه السلام) .

فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتّى عرفت إمامي.

فقال له علي(عليه السلام): وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟

قال: إنّك دعوتني باسمي الذي سمّتني أمّي التي ولدتني وكنت في عمياء من أمري ، ولقد خدمت محمّد بن الحنفيّة دهراً من عمري ، ولا أشك إلاّ وأنّه إمام حتّى إذا كان قريباً سألته بحرمة اللّه وبحرمة رسوله وبحرمة أمير المؤمنين فأرشدني إليك ، وقال: هو الإمام عليّ وعليك وعلى جميع خلق اللّه كلّهم ، ثمّ أذنت لي فجئت فدنوت منك ، سميتني باسمي الذي سمّتني أمّي فعلمت أنّك الإمام الذي فرض اللّه طاعته على كلّ مسلم"(1).

اهتمام الامام زين العابدين(عليه السلام) به:

كان "وردان كنكر" مورد عناية الإمام زين العابدين(عليه السلام) وقد نقل "الكشّي" عن أبي جعفر(عليه السلام) أيضاً:

"خدم أبو خالد الكابلي علي ّبن الحسين(عليه السلام) دهراً من عمره ، ثمّ إنّه أراد أن ينصرف إلى أهله فأتى عليّ بن الحسين(عليه السلام) ، فشكا إليه شدّة شوقه إلى والديه.

فقال(عليه السلام): يا أباخالد ، يقدم غداً رجل من أهل الشام له قدر ومال كثير ، وقد أصاب بنتاً له عارض من أهل الأرض ، ويريدون أن يطلبوا معالجاً يعالجها ، فإذا أنت سمعت قدومه فأته ، وقل له: أنا أعالجها لك على أنّي أشترط عليك أنّي أعالجها على ديّتها عشرة آلاف درهم ، فلا تطمئن إليهم وسيعطونك ما تطلب منهم.

____________

1- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّى)للشيخ الطوسي حديث 1/336، رقم 192 .


الصفحة 251

فلما أصبحوا قدم الرجل ومن معه بها ، وكان رجلاً من عظماء أهل الشام في المال والمقدرة .

فقال: أما من معالج لبنت هذا الرجل؟

فقال له أبو خالد: أنا أعالجها على عشرة آلاف درهم ، فإن أنتم وفّيتم وفّيت لكم على ألاّ يعود إليها أبداً.

فشرطوا أن يعطوه عشرة آلاف درهم ، ثمّ أقبل إلى عليّ بن الحسين(عليه السلام)فأخبره الخبر.

فقال(عليه السلام): إنّي لأعلم أنّهم سيغدرون بك، ولا يفون لك ، انطلق يا أبا خالد، فخذ بأذن الجارية اليسرى ، ثمّ قل: يا خبيث ، يقول لك عليّ بن الحسين: أخرج من هذه الجارية ولا تعد .

ففعل أبو خالد ما أمره ، وخرج منها ، فأفاقت الجارية ، فطلب أبو خالد الذي شرطوا له فلم يعطوه ، فرجع أبو خالد مغتمّاً كئيباً .

فقال له عليّ بن الحسين(عليه السلام): مالي أراك كئيباً ياأبا خالد ، ألم أقل لك إنهم يغدرون بك؟ دعهم فإنهم سيعودون إليك ، فإذا لقوك فقل لهم لست أعالجها حتى تضعوا المال على يدي عليّ بن الحسين(عليه السلام) ، فإنّه لي ولكم ثقة.

فرضوا ووضعوا المال على يدي عليّ بن الحسين .

فرجع أبو خالد إلى الجارية وأخذ بأذنها اليسرى ، ثمّ قال: ياخبيث ، يقول لك عليّ بن الحسين(عليه السلام): أخرج من هذه الجارية ، ولا تعرض لها إلا بسبيل خير ، فإنّك إن عدت أحرقتك بنار الله الموقدة التي تطلّع على الأفئدة ، فخرج منها ولم يعد إليها ، ودفع المال إلى أبي خالد ، فخرج إلى بلاده"(1).

____________

1- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي) ح 193 .


الصفحة 252

(62) هاشم أحمدي

(إسماعيليّ / أفغانستان)

ولد سنة 1974 م في مدينة "بدخشان" ، ونشأ في أسرة أملت عليه الانتماء إلى المذهب الإسماعيليّ ، ثمّ عمل في مجال الزراعة.

استبصار أخيه:

بقي "هاشم" منتمياً للمذهب الإسماعيليّ الذي ورثه من البيئة التي كان يعيش فيها ، ولم يجد دافعاً لتغيير انتمائه المذهبي; لعدم وجود ما يحفّزه على ذلك ، وبقي "هاشم أحمدي" على هذه الحالة حتّى استبصر أخوه واعتنق المذهب الإمامي الاثني عشريّ.

ومن هذا المنطلق اندفع "هاشم" إلى البحث نتيجة المناظرات العقائديّة التي جرت بينه وبين أخيه ، واستمرّ "هاشم" بالبحث حتّى تبيّن له بأنّ إسماعيل بن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) قد مات في عهد أبيه، وأنّ قصّة وفاة إسماعيل بالتمويه والتغطية أسطورة حاكتها يد الخيال ، وأنّ الامام الصادق(عليه السلام) وأصحابه الأجلاّء لم يكونوا على منهج المذهب الإسماعيليّ الذي يؤمن بالحركات السريّة ، ليفتعل موت ابنه بمرأى ومسمع من الناس وهو بعد حيّ يرزق.

معرفة الإمام الحقّ بعد الإمام الصادق (عليه السلام):

اندفع "هاشم" بعد أن ثبت له كذب إمامة إسماعيل بن الإمام جعفر بن


الصفحة 253

محمّد الصادق(عليه السلام)إلى معرفة الإمام الذي جاء بعد الإمام الصادق(عليه السلام) فساقته الأدلّة إلى إمامة الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام) ، فدرس حياة الإمام موسى الكاظم فتبيّن له بأنّ الإمام الكاظم(عليه السلام) هو الإمام الذي نصّ عليه أبوه من بعده ، وأنّه على الرغم من التحديات الخطيرة التي واجهها الوجود الشيعيّ نتيجة ادّعاء البعض لإمامة غيره حاول أن يعالج الموقف بأسلوب هادئ من أجل حلّ الأزمة التي واجهها الشيعة.

وكان موقف الإمام الكاظم(عليه السلام) تبيين الحقيقة ، ثمّ ترك للشيعة الحرّيّة في أن تكتشف بنفسها كفاءة من ادّعى أنّ الإمامة لغيره ، كما أنّه استخدم أسلوب المعجزة; لإثبات أنّه إمام مفترض الطاعة.

وقد روي عن أبي بصير عن الإمام الكاظم(عليه السلام) قال: دخلت عليه ، فقلت: جعلت فداك بم يعرف الإمام؟

فقال(عليه السلام): "بخصال: أمّا أوّلهنّ فشيء تقدّم من أبيه فيه وعرَّفه الناس ونصّبه لهم علماً ، حتّى يكون حجّة عليهم ; لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نصب عليّاً(عليه السلام)، وعرَّفه الناس ، وكذلك الأئمّة يعرِّفونهم الناس وينصّبونهم لهم حتّى يعرفوه ، ويسأل فيجيب ، ويسكت عنه فيبتدي ، ويخبر الناس بما في غد ، يكلّم الناس بكلّ لسان"(1).

اعتناق مذهب الحق:

واصل "هاشم" بحثه ومناظراته مع أخيه الذي استبصر قبله حتّى تبيّن له أنّ الحقّ مع المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ ، فأعلن استبصاره والتحقّ بركب أخيه ليعينه على نشر المعارف الحقّة بين الذين هم في غفلة عن معرفة الحقّ.

____________

1- قرب الاسناد للحميري : 339، ح1244 .


الصفحة 254



(63) الكه اشميت (فاطمة)

(مسيحيّة / ألمانيا)

ولدت عام 1965 م في "ألمانيا" ، ونشأت في ظلّ عائلة تعتنق المذهب الپروتستاني المسيحيّ.

فترة المراهقة:

تقول "الكه اشميت": لم تكن لنا صلة يعتدّ بها بالدين والقضايا المذهبيّة ، سوى أنّني كنت في الصغر أذهب مع أمّي إلى الكنيسة، واستمع إلى المواعظ التي يلقيها علينا القسيس.

ولكنّني لصغر سنّي كنت لا أفهم ما يقوله القسّيس ، وكان معظم ما يلفت انتباهي هو التزيين البديع الذي كانت الكنيسة قد تلبّست به .

كنت ذلك الحين لا أعرف أنّ العظمة الظاهريّة للأمور ليست دليلاً على عظمتها الحقيقيّة ، فكنت منبهرة بظاهر الكنيسة وجمالها الخارجيّ.

وحينما بلغت الرابعة عشر من عمري كنت افتقر إلى وعي يردعني عن التصرّفات التافهة، ويصونني من الانجراف بالتّيار المدمّر لكرامة الإنسان في مجتمعنا ، ذلك التيّار الذي فرض على المرأة أن تهتمّ دائماً بمظهرها وزينتها، وعرض مفاتنها للآخرين.


الصفحة 255

بداية التوجّه الديني:

تضيف "الكه اشميت": لم أكن أمتلك في فترة المراهقة ذلك الوعي ; لأنّني كنت أعيش في أوساط أجواء لم تمنحنا الثقافة المطلوبة ، ولكن صادف في الإعداديّة أن أقيم صفّاً لتعليم الأمور الدينيّة ، وكان الدافع في البدء للحضور في هذا الصف أوّلاً لأنّه كان بمثابة احتفال نجتمع فيه، فيأنس بعضنا مع بعض ، وثانياً للجوائز التي كانت تعطى للطلبة في ذلك الصف نتيجة حفظهم لبعض فقرات الإنجيل.

ولكنّني بمرور الزمان أدركت أهمّيّة هذا الصف، ودوره في إنشاء الوازع والمانع لارتكاب بعض الأمور المتدنّية التي لا تليق بكرامة الإنسان.

ومن ذلك الحين ازدادت صلتي بالدعاء ، فكنت أجلس وحيدة في غرفتي ، فالتجىء إلى خالقي وبارئي فاناجيه، وأشكو اليه همومي ، وكانت تلك اللحظات عندي من أسعد اللحظات.

تقوية البنية العقائديّة:

تقول "الكه اشميت": بمرور الزمان كثر توجّهي إلى الأمور الدينيّة، ولكنّني بدأت أعاني من بعض الشبهات التي كنت لا أجد لها حلاًّ ، وكان دأب أستاذنا الدينيّ أنّه يحذّرنا من الوقوع في الشكّ ، فكان يقول: لا ينبغي الاعتراض والتشكيك في المسائل الدينيّة ، ولا بدّ من قبولها تعبّداً وعدم الاستفسار عن حكمتها.

وسألته ذات يوم: إنّ الأمور الدينية التي نتلقّاها منكم ، يرتكز اهتمامها في الجانب النظري فقط ، فهي لا تعطّينا حلاًّ لكيفيّة التعامل مع الواقع الخارجيّ، وكيفيّة إصلاحه، وإعادة بنائه وفق الرؤية الدينيّة، فمعظم توجيهاتكم تشمل جانب واحد من جوانب النفس الإنسانيّة، وتهمل الجوانب الأخرى ، وهذا ما يجعلنا نعاني دوماً من حالة فقدان التوازن نتيجة عدم تمكّننا لإنشاء حالة الوفاق بين


الصفحة 256

الجوانب المتعدّدة لكياننا.

فنهرني الأستاذ ووبّخني على مقالتي هذه ، وحذّرني من العودة إلى ذكرها مرّة أخرى.

وكان يعيش في منطقتنا بعض المهاجرين الإسلاميّين ، وكنت التقي بهم في بعض الأحيان ، فاستفسرت من الأستاذ في احد الأيّام عن أصحاب باقي الانتماءات الدينيّة.

فقال: جميع الأديان غير المسيحيّة باطلة.

فقلت له: وما مصير الذين ينتمون إليها .

قال: كلّهم قد حقّت عليهم كلمة العذاب، وشملتهم لعنة الله!

فتفاجأت من مقولته كثيراً ، وقلت له: اذاً فلا يوجد داعي للبحث عن مبادئ الانتماءات الأخرى، وأخذ الأفكار النافعة منها.

فقال: أيّ انتماء تقصدين؟

فقلت: هنالك عائلة إسلاميّة قد تعرّفت عليها ، فاحببت أن اطّلع على بعض رؤاهم الفكريّة.

فقال لي الأستاذ: الإسلام دين مولع بالحرب والعنف والتطرّف ، وهو ينظر إلى المرأة نظرة احتقار ، ولهذا فهو يسلب حقوق المرأة ، ويحاول أن يتعامل معها معاملة السيّد مع عبده.

فقلت له: ما الضرر في أن يتعرّف الإنسان على مبادئهم; ليوسّع بذلك دائرة معلوماته الثقافيّة.

فقال لي: إنّني أخشى عليك من التسمّم المعرفي!

فقلت في نفسي إنّ هذا التحذير ينافي شعار الحرّيّة الذي ننادي به ليل نهار ، فشبابنا يتوجّهون إلى ارتكاب الرذائل، والأعمال المنحطّة ، ولا يردعهم أحد، ولا ينهاهم أحد من هذا التسافل والانهيار ، ولكن لما يبلغ الأمر إلى الفكر ، ويودّ


الصفحة 257

أحدنا أن يرفع مستواه الفكريّ يقف البعض أمام وجهه فيردعونه عن ذلك مدّعين أنّهم يخشون عليه لئلاّ يقع في الضلال.

من ذلك الحين قرّرت معرفة الدين الإسلاميّ ، وكان معظم دافعي في هذا المجال هو الحصول على بعض المعارف لأسدّ بها الثغرات الموجودة في البناء الفكريّ المسيحيّ الذي كنت متمسّكةً به.

فراجعت الكتب والصحف والنشريّات، وتابعت البرامج التلفزيونيّة المرتبطة بهذا المجال، ولكنّني لم أجد فيها سوى التشنيع ضدّ الإسلام ، وبقيت على هذا المنوال حتّى بلغت التاسعة عشر من العمر ، مرحلة المراهقة والبحث عن الاستقلال والحرّيّة الفرديّة ، فازدادت تصرّفاتي الطائشة وأعمالي المتهوّرة ممّا سبّبت لي الكثير من المشاكل مع أبي وأميّ.

واستمرّ بي الأمر على هذا المنوال حتّى سئمت الحياة، وشعرت بتفاهة تصرّفاتي، وعدم اتّزانها ، ففكّرت في نفسي قائلة: إلى متى تريدين مواصلة السير في هذا الطريق الوعر المليء بالفتن والمشاكل والاضطرابات ، ألم يأن لك أن تتوجّهين إلى إصلاح نفسك وتهذّيبها لتعيشين في ظلّ حياة هادئة مليئة بالقيم والأخلاق والنزاهة.

فعزمت الجدّ مرة أخرى ، وتوجّهت إلى الأمور الدينيّة ، وقرّرت مواصلة أبحاثي الدينيّة التي قمت بها سابقاً.

التعرّف على الإسلام:

كان في مجال دراستي للدين الإسلامي أنّني قرّرت اتّخاذ منهجاً آخر في هذا المجال ،فنشرت إعلاناً في إحدى المجلات النسويّة وأبديت فيه رغبتي للتعرّف على بعض النساء المسلمات، والتحدّث معهنّ حول الإسلام. فاستطعت بهذه الطريقة أن أتّصل بأربعة من الأخوات المسلمات عبر البريد ، وبذلك تمكّنت أن


الصفحة 258

أتعرّف على الإسلام بالصورة المطلوبة.

ثمّ قرأت ترجمة القرآن فوجدته كتاباً فيه نور وهداية ، وكنت كلّما أُكثر من قراءته ازداد خشوعاً وخضوعاً إلى ربّي ، حتّى استنارت بصيرتي، وتفتّح عقلي بعد أن تحطّمت في نفسي أغلال الشرك والضلال.

وتبيّن لي بعد ذلك بأنّ الإسلام يكنّ للمرأة المنزلة الرفيعة، وأنّه لم يأمرها بالحجاب إلاّ ليصونها بذلك من أعين الذين في قلوبهم مرض، والحجاب يضفي على المرأة هالة من الوقار والاتّزان ، والإسلام لم يسحق كرامة المرأة باسم الحرّيّة والشعارات البرّاقة ليجعلها سلعة رخيصة بيد الرجال الانتهازيّين.

استبصارها:

تقول الكه اشميت: فلمّا زالت عن بصيرتي كافّة الحجب الداكنة ، أعلنت إسلامي وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ; لأنّني وجدت عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أقرب الناس إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) روايات كثيرة في حقّهم ، فلهذا فضّلت الانتماء إليهم ومن ثم سمّيت نفسي "فاطمة".

ولمّا علمت أنّ الإسلام يجبّ ما قبله ، أحسست براحة نفسيّة لا مثيل لها ، وشعرت أنّ حملاً ثقيلاً قد أزيل عن عاتقي.

وكانت هذه الراحة النفسيّة هي عوني في مواجهة القوى المعاكسة التي وقفتْ بوجهي; لتمنعني من مواصلة الطريق الذي اخترته لنفسي.

ردود الفعل بعد الاستبصار:

كانت من جملة تلك المعاناة التي واجهتها سخط أبي عليّ ; لأنّه تفاجأ لمّا وصل إليه نبأ إسلامي ، وحاول بشتّى السبل أن يصرفني عن ذلك ، ولكن خابت كافّة محاولاته ، فكان دوماً يصرخ بوجهي ويحاول الاستهزاء بي.

ولمّا ارتديت الحجاب الإسلاميّ اشتدّ غضب أبي ، وكان يقابلني بالسبّ


الصفحة 259

والشتم ، فكنت أتألّم حينما أراه في تلك الحالة ; لأنّني كنت أحبّه، ولا أرضى أن أراه بتلك الحالة ، ولكنّني كنت لا أجد سبيلاً للتخلّي عن مبادئي ، كما أنّ الإسلام أمرني بعدم إطاعة الوالدين إذا أرادا إيقاعي في وادي الضلال.

وكنت أحاول إقناع أبي، وتبيين الحقائق له ، ولكنّه كان لا يفسح لي المجال ، وكان يقول: إنّ هذا الدين الجديد سيدفعك إلى العزلة والقوقعة والحياة التعيسة ; لأنّ أبناء بلدك سيبتعدون عنك نتيجة تغيير انتمائك الدينيّ ، وحتّى المسلمين فإنّهم سوف لا يعيرون لك اهتماماً ، بل يبتعدون عنك ; لأنّك كنت فيما سبق في انتماء آخر ، ولكنّني كنت أقول له: إبتاه، إنني أسلمت لله ووجّهت وجهي للذي فطرني فهو الذي يرعاني.

ولكن كان أبي لا يفهم ما أقول; لأنّه كان ينظر إلى الأمور من منظار مادّي بحت ، ولكنّني كنت أرى الأمور بنور الله تعالى ، وما كان أبي يشعر بالسعادة التي كانت تعتريني نتيجة اتّصالي وقربي بالله عزّ وجلّ ، وأملي أن يفتح الله له ولجميع البشريّة التي لم تهتدِ بنور ربّها نافذة ليذوقوا جماليّة هذا النور الربّانيّ .