(64) إينغريد (سعيدة)
(مسيحيّة پروتستانتية / ألمانيا)
ولدت في "المانيا الغربيّة" بمدينة هامبورغ في أسرة كان انتماؤها الظاهري هو مذهب الپروتستانت ; لأنّها لم تكن في الواقع العملي ملتزمة بدينها.
البحث عن الطمأنينة والسكينة:
تقول "اينغريد": في فترة طفولتي لم يكن أبي وأمّي يذهبان إلى الكنيسة ، ولم تكن لي فرصة للذهاب إلى الكنيسة إلاّ مع طلاّب مدرستنا ، وكنت أهوى الكنيسة; لأنّها كانت تمنحني الطمأنينة والراحة النفسيّة التي كنت أتصوّر أنني أستمدّها من ربّنا الرؤوف الذي يعيش في السماء والذي يعيننا إذا توجّهنا إليه.
ولمّا بلغت الحادية عشر من العمر شاركت في بعض الدروس الدينيّة التي كانت تقام في مدرستنا، ولم يكن ذلك منّي إلاّ مماشاة مع باقي الطلبة ، لأنّني كنت أرى بأنّ هذه الصفوف تضعف اتّصالي بالله، وتعقّد صلتي بربّي ، لانّها كانت تثير الشكوك والشبهات أكثر من تقوية علاقتي بربّي فلهذا كنت لا أشعر برغبة نفسيّة اتّجاهها.
إمعان النظر في الديانة المسيحيّة:
وبالتدريج موازاتاً مع زيادة عمري ارتفع مستواي العلميّ في تحليل
ودراسة الأمور ، فأمعنت النظر في الديانة المسيحيّة التي كنت عليها ، فرأيتها لا تصلح لأن تكون سبيلاً للتقرّب إلى ربّي ; لأنّ فيها الكثير من الأمور الفلسفيّة المعقّدة ، وفيها بعض الأمور المنافية للطبع الإنساني السليم ، من جملتها اعتبار الخمر الذي نتناوله في الكنيسة أنّه دم المسيح في حين أنّ جميع الأطبّاء الإخصائيّين يقرّون بأضرار الخمر وآثاره السلبيّة على الحياة الفرديّة والاجتماعيّة.
وكنت حينما أوجّه أسئلتي إلى بعض الأساتذة أو رجال الدين لا أجد أحداً يجيبني بجواب مقنع ، وهذا ما دفعني للابتعاد عن الدين.
ولكنّني مع ذلك كنت أؤمن في قرارة نفسي بوجود الله واؤمن بالمعاد ، ولكنّني كنت أجهل السبيل الذي يرشدني إلى ربّي.
الحيرة والضياع:
بقيت في الحيرة فترة من الزمن حتّى ضعف إيماني نتيجة فقداني السبيل الذي يربطني به، فلمّا فشلت محاولاتي كلّها في البحث عن الرابط بيني وبين ربّي ، التجأت إلى تخدير نفسي باللهو واللعب ، لئلاّ أشعر بتأنيب الضمير الذي كان يحثّني على الاجتهاد والمثابرة ، فقرّرت بعدها أن التجىء إلى الطرب والموسيقى، وكان هدفي هو أن أصبح قائدة للأركسترا! فاشتريت بعض الأجهزة الموسيقيّة ، بدأت بالعزف عليها ، وكنت أحاول أن لا أشغل بالي بأمر يعيقني عن الوصول إلى هدفي.
ولكن فجأة برزت فكرة الموت أمام عيني ، فاقشعرّ لها جلدي ، وقلت في نفسي: إنّ الموت يسلب منّي كلّ ممتلكاتي ، وما قيمة عمل نلتذّ به ، ولكنّنا نجهل الآثار المترتّبة عليه ، كما قلت في نفسي: لماذا لا ألتجىء إلى سبيل يمنحني الطمأنينة في الحياة.
فقرّرت أن لا أيأس في البحث عن الحقّ، وعن السبيل الذي اختاره الله لعباده ليتقرّبوا به إليه.
التعرّف على الإسلام:
صادف في هذه الفترة أن التقيت بأحد الشبان اللبنانيّين المسلمين في الجامعة لقاءً قصيراً، تحدّث معي فيه حول القيم والأخلاق ودور الرسل في بناء الشخصيّة ، فاعجبت كثيراً بأفكاره ومبادئه ورؤاه ، وكان أكثر ما لفت انتباهي فيه في هذا اللقاء القصير ، هدوءه وطمأنينتة النفسيّة التي كان يتمتّع بها.
فقرّرت بعد ذلك أن أتعرّف على الإسلام بصورة جادّة ، فتوجّهت إلى الكتب الباحثة حول الإسلام فلم أجد فيها سوى التشنيع والاستهزاء به ، ولم أجد فيها البحث الموضوعيّ المنصف، فقرّرت أن أتلقّى المعارف الإسلاميّة بصورة مباشرة ، فطلبت من أبي أن يوافق على تعلّمي للغة العربيّة ، فقبل أبي ذلك ، واستدعى لي أستاذاً في هذا المجال.
وكان الأستاذ مسلماً ، ولكنّه لم يكن ملتزماً بدينه ، وكان لا يعرف عن الإسلام سوى بعض طقوسه الدينيّة الظاهريّة.
فاكتفيت منه بتعلّم اللغة العربيّة ، وكان الأستاذ يهديني بعض الكتب العربيّة من أجل ممارسة قراءتها ، وكان من جملة تلك الكتب كتاباً تحت عنوان "الحياة والرؤية الكونيّة في الإسلام" فلمّا قرأته بتمعّن تفتّحت آفاق رؤيتي، ووجدت بأن الدين الاسلاميّ يتلاءم مع الفطرة ، ويرفع الإنسان إلى مستوى فكريّ رفيع ; لئلا تشغله توافه الحياة، والمظاهر الدنيويّة المزيّفة ، وعرفت أنّ الإسلام بخلاف ما شُنّع عليه، بل هو سبيل يهدي إلى الرشاد والتكامل.
عقبات بعد اعتناق الإسلام:
تقول "اينغريد" لمّا وجد الإسلام طريقه إلى قلبي اهتزّ كياني، واقشعرّ جلدي، واعترتني حالة من الوجد والشغف، تركت أثراً بالغاً في تهذيب وتزكية نفسي، وتطهير الأدران المتراكمة على قلبي ، ولكن كانت أوّل عقبة بعد إسلامي هو
صعوبة ارتداء الحجاب، ومواصلة الصلاة اليوميّة .
فقرّرت في البدء أن لا أرهق نفسي بأمور قد يكون مردودها السلبي أكثر من ايجابيّاتها على نفسي ، فاجتهدت لتنمية المناعة النفسيّة، وإنشاء رصيد متين أتحصّن به ، فتوجّهت إلى مطالعة الكتب الدينيّة الإسلاميّة، واجتهدت لأوفّر لنفسي أجواءً تترعرع فيها الخصال الحسنة وتنمو وتزدهر فيها الفضائل في نفسي.
الانتماء إلى المذهب الحنفيّ:
وبعد مضيّ عدّة أشهر من إسلامي تعرّفت على شاب مسلم ينتمي إلى المذهب الحنفي ، وكان نصيبي أن تمّ زواجي به فالتحقت به وانتميت إلى مذهبه الإسلاميّ.
ثمّ واصلت مطالعاتي الإسلامية فتبيّن لي وجود فرق ومذاهب كثيرة في الإسلام ، وكنت أجهل سبب ذلك ، وكنت استفسر من المسلمين عن سبب ذلك ، ولكن لم يقدّم لي أحد جواباً يقنعني.
وبقيت هذه المسألة غامضة لي حتّى حضرت عام 1988 في مؤتمر إسلامي أقيم في المركز الإسلاميّ في هامبورغ ، فتعرّفت فيه على أخت تنتمي إلى مذهب التشيّع ، ورافقتها طيلة الأيّام الثلاثة التي أقيم فيه المؤتمر.
وكانت هذه الأخت تتمتّع بثقافة إسلاميّة عالية ، فلهذا انتهزت الفرصة ، وكنت أوجّه لها الأسئلة والشبهات التي كانت في ذهني ، وكانت الأخت تصغي إلى أسئلتي ثمّ تجيب عليها بإجابات قويّة ومقنعة.
معرفة أسباب نشوء الفرق الإسلاميّة:
تقول "اينغريد": كان من جملة الأسئلة التي وجّهتها للأخت الشيعيّة هو سؤالي القديم حول سبب نشوء الفرق في الإسلام ، فاجابت أنّ الرسول أوصى أمّته بالتمسّك بالثقلين كتاب الله وعترته أهل بيته وجعل الرسول الاعتصام بهذين
الركنين عصمةً من الضلال ، ولكن البعض من أجل تحقيق مصالحهم ومآربهم رفضوا عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان هذا سبباً لابتعادهم عن الرؤى الإسلاميّة الصحيحة، واتّباعهم للأهواء ، وهذا ما أدى إلى نشوء التفرّق في أوساط الأمّة الإسلامية.
اعتناق مذهب أهل البيت (عليه السلام):
تضيف "اينغريد": أخذت كلام هذه الأخت الشيعيّة بعين الاعتبار ، وتوجّهت نحو البحث في الكتب حول هذا الموضوع ، ففعلت ذلك حتّى تبيّن لي صحّة ما قالت ، ولمّا حان موعد اقتطاف ثمرة أبحاثي اعلنت تشيّعي فاستاء زوجي لذلك ، وحاول أن يصرفني عن السبيل الذي اخترته لنفسي ، ولكنّه لم يتمكّن من ذلك ، لأنّني شعرت بعد تشيّعي بثقة نفسيّة كبيرة ، وكان لمفاهيم أهل البيت(عليهم السلام) دور كبير في تنمية الثبات في نفسي.
مرحلة ما بعد الاستبصار:
تقول "اينغريد": أنا الآن لست كما كنت فيما سبق همج رعاع، أتّبع كلّ ناعق، وأستجيب لكلّ دعوة ، بل دليلي اليوم هو عقلي الذي امتلأ نوراً من مصابيح الهدى واستضاء بنور علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام).
كما أنّني ارتديت بعد ذلك الحجاب الإسلاميّ ، وواظبت على الصلوات الخمس، والتزمت بشرايع ديني، ولم تأخذني في الله لومة لائم ، ثمّ غيّرت اسمي ، وسمّيت نفسي "سعيدة" ذلك لأنّني شعرت بعد إكمال ديني أنّني في الواقع قادرة برصيدي المعنويّ الذي تلقيّته من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) على مواجهة كافة الأزمات والكروب، وتحمّل الصعوبات والمصائب، ومقاومة مشاعر السخط والضجر والسأم والملل واليأس.
وأنا من خلال تعديل طريقة تفكيري وتحسين سلوكياتي الإراديّة قادرة
على أن أكون في معظم مراحل حياتي نشطة ومرتاحة، وذلك بفضل ثقتي بالله واتّصالي به عبر المناهج التي قدّمها لنا أهل البيت(عليهم السلام) عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
فلذلك أنا بالفعل سعيدة; لأنّ قلبي الممتلىء بمحبّة أهل البيت(عليهم السلام) يفيض دوماً بمشاعر الرضا والثقة والأمل.
(65) باولا كورنيليا (مريم)
(مسيحيّة / ألمانيا)
ولدت في المانيا الغربيّة ، ونشأت في عائلة مسيحيّة ، واصلت دراستها الأكاديميّة حتّى حصلت على شهادة الإعداديّة.
تشويه صورة الإسلام:
حاول أعداء الإسلام عن طريق استخدام جيمع وسائل التضليل والتشويه أن يطيحوا بالإسلام وأن يشوّهوا تاريخه عن طريق الاقلام المغموسة في الحقد، والألسن الناطقة بالفكر الجاهلي.
ولكن رغم هذا الإعلام المكثّف ضدّ الإسلام ، فإنّ المجتمع الغربي يتضمّن الكثير من أصحاب العقول المتحرّرة التي لا تتأثّر بالدعايات المغرضة، ولا تبني انطباعاتها إزاء الجهات الأخرى وفق الإعلام الذي لا يستند في طرحه على الأدلّة والبراهين المقنعة. وكانت "باولا كورنيليا" من هذا النمط الذي لا يسمح للجهات المغرضة أن تغيّر أفكارها عن طريق بثّ الدعايات المغرضة.
وكان هذا الأمر هو الذي دفع "باولا" أن تبحث عن فرصة للالتقاء بأحد المسلمين من أجل التعرّف على واقع الأمر.
وبقيت "باولا" على هذه الحالة حتّى وفّقها الباري عزّ وجلّ للالتقاء بأحد
علماء الشيعة ، فانتهزت الفرصة وقدّمت إليه مجموعة من الأسئلة العالقة بذهنها بالنسبة إلى الإسلام والمسلمين.
ما هو الإسلام؟
تبيّن لـ "باولا" خلال لقائها بذلك العالم الشيعي أنّ الإسلام رسالة سماويّة جاء بها الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يشكّل بكامل بنيته وحدة فكريّة وتشريعيّة متكاملة، وأنّ الإسلام يستهدف توثيق الصلة بين الإنسان وخالقه ، فيعرّف الإنسان بربّه وبالمسؤوليّة اتجاهه ; ليتمكّن الإنسان عن طريق الهداية التي جاء بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي حفظها أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من بعده أن يشقّ طريقه إلى الكمال ويضمن مصيره يوم العودة إلى عالم الخلود والبقاء.
ثمّ تبيّن لـ "باولا" أنّ الإسلام بريء من الصور التي يحاول الإعلام الغربي تشويهه بها ، وأنّ تلك التضليلات الإعلاميّة ليست سوى تهم موجّهه للإسلام من أجل خلق حجاب يمنع أبناء الغرب من التأثّر بالإسلام، أو التوجّه لدراسته.
خرق الحجب:
كانت تستهدف "باولا" من معرفتها للإسلام أن تعرف مدى صحّة ما ينسب إلى الإسلام فحسب ، ولم تتوقّع أن يكون للإسلام من الجاذبيّة بحيث لا يمكنها أن تمرّ منه مرور الكرام ، فاستمرّت بعد ذلك بالبحث ومطالعة الكتب الإسلاميّة حتّى استنارت بصيرتها بنور الإسلام ، فاعلنت استبصارها ، واجتهدت بعد ذلك أن تلتزم بالأحكام الإسلاميّة التي جاء بها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليطهّر الناس بها قلوبهم من الأدران وتكون عاقبتهم الخلود في جنّة النعيم عند ربّ العالمين.
(66) بربارا سيبلر (فاطمة)
(مسيحيّة / ألمانيا)
ولدت في "ألمانيا الغربيّة" ، ونشأت في أسرة مسيحيّة ، ثمّ حصلت على شهادة البكالوريوس.
الاهتمام بالدين:
كانت "بربارا" من المهتمّات بشأن دينها ; لأنّها كانت تعي بأنّ التديّن فطرة إنسانيّة لها جذور متأصّلة في ذات الإنسان ، وأنّ كلّ إنسان لا بدّ له من دين وطريقة في الحياة ، ولكن هذه الطريقة قد تكون خاطئة وقد تكون صحيحة.
فاذا كانت خاطئة فإنّها ستدفع صاحبها إلى الانحراف، وممارسة الطقوس والشعائر الخرافيّة التي لا تكون لها نتيجة سوى الانحطاط والضلال.
ولكن إذا كانت هذه الطريقة صحيحة فإنّها سترشد صاحبها إلى الطريق التعبّديّ السليم، وتقوده نحو شاطىء الأمان والسلام.
انطلقت "بربارا" من منطلق اهتمامها بالدين نحو دراسة الديانة المسيحيّة بصورة معمّقة ، ولكنّها واجهت خلال البحث بأنّ هذه الديانة لا تروي تعطّشها الفطريّ وذلك نتيجة وجود الكثير من الثغرات في بنيتها العقائديّة.
كما أنّها كانت مقتنعة بأنّ الأناجيل محرّفة ، كما أنّها تتضمّن الغموض من
ناحية المعاني ، ولكنّها مع ذلك بقيت متمسّكة بديانتها ; لأنّها لم تجد طريقاً آخر يمكن الوصول به إلى الله تعالى.
تعرّفها على القرآن الكريم:
تعرّفت "بربارا" ـ عن طريق التقائها بأحد أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ـ على القرآن الكريم ، فاشتاقت لقراءته والتعرّف عليه ، ثمّ خصّصت لنفسها وقتاً للتعرّف على هذا الكتاب الذي يدّعي المسلمون أنّه من الله تعالى.
طالعت "بربارا" القرآن الكريم فأصابتها الدهشة من العظمة الكامنة فيه ; لأنّها وجدته كتاباً إلهيّاً من المستحيل لبشر أن يأتي بمثله ، وهو كتاب للإنسانيّة كلّها، وهو دستور شامل وتبيان لكلّ شيء، يحتاجه الإنسان في طريق هدايته إلى الله تعالى وهو كما قال تعالى:
{وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الكتابَ تِبْيَاناً لكلّ شَيء وَهُدى وَرَحْمَة وَبُشْرَى لِلمسْلِمِين}(1) فلم تتمالك "بربارا" نفسها ، فخرّت إلى الأرض ساجدة للربّ الذي أنزل هذا الكتاب لهداية البشريّة.
اعتناقها للإسلام:
ومن هذا المنطلق توجّهت "بربارا" نحو الإسلام ، وبدأت بمطالعة أصول ومعارف ومباني هذا الدين حتّى اقتنعت بضرورة اعتناق الإسلام والتمسّك بأهل البيت(عليهم السلام) الذين هم الجهة الوحيدة القادرة بفضل الله تعالى على النهوض بمهمّة تفسيره بعد التحاق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى ، فأعلنت استبصارها بعد ذلك لتعيش باقي حياتها في ظلّ الحياة النورانيّة التي تقتبس نورها من القرآن الكريم ومن أقوال الرسول وأهل بيته(عليهم السلام).
____________
1- النحل (16) : 89 .
(67) برن هارد واهين (مهدي)
(مسيحيّ / ألمانيا)
ولد في مدينة "مولهايم" بألمانيا ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى التحق بالجامعة ، ثمّ زار إيران مع اثنين من أصدقائه أيّام دراسته الجامعيّة ، فالتقى ببعض العلماء فيها ، وخاض نقاشات علميّة معهم في أمور الدين ولاسيّما فيما يخصّ إثبات وجود الخالق ، فلمس "برن هارد" في الفكر الشيعيّ قوّة في الدليل والبرهان ، فاستغرب من ذلك; لأنّه كان يتصوّر بأنّ الإسلام هو مجموعة أعراف وتقاليد للعرب ترتبط بالعهد الجاهلي ، ولكنّه رأى بأنّ الإسلام المتمثّل بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو عبارة عن منظمومة فكريّة متينة لها في كلّ مفردة من مفرداتها العقائديّة مجموعة أدلّة لا يمكن ترك الإذعان بها إلاّ عناداً أو تعصّباً ، وهذا ما دفعه إلى قبول الإسلام ديناً وأهل البيت(عليهم السلام) قادة على سبيل النجاة ، ثمّ اختار لنفسه اسم "مهدي" تيمناً باسم إمام العصر والزمان.
وقد جاء في إحدى محاوراته مع أحد العلماء حول إثبات وجود الخالق
سأل "برن هارد واهين": عن أسهل الأدلّة لإثبات وجود الخالق؟
فاجابه العالم: إنّ أحد الطرق لإثبات وجود الله سبحانه هو برهان "النظم" أو دليل "الأثر يدلّ على المؤثّر".
"برن هارد واهين": أرجو تبيين هذا الدليل ، وشرحه ولو بصورة مبسّطة.
العالم: لتوضيح هذا الأمر وفهمه بصورة أفضل نضرب لك هذا المثال(1).
حساب الاحتمالات:
لو بعثرنا أوراق كتاب مؤلف من مائة ورقة ، ثمّ كلّفنا رجلاً أعمى بأن يقوم بترتيب أوراق هذا الكتاب وإعادتها كما كانت عليه فيما سبق ، فإنّ حساب الاحتمالات يقول: إنّ هذا الأعمى سوف يلتقط الصفحة رقم (1) لأوّل مرّة بنسبة 100/1 ، وأنّه لو أراد التقاط الصفحة رقم (1) ثم الصفحة رقم (2) متعاقباً ، فستكون النسبة 10000/1 ، ثمّ أنّه لو أراد التقاط الصفحة رقم (1)، ثمّ الصفحة رقم (2)، ثمّ الصفحة رقم (3) متعاقباً فتكون النسبة 1000000/1 ، وهكذا لو واصل هذا الأعمى هذه العمليّة لتنظيم أوراق هذا الكتاب ، فسوف يتضاعف عدد الاحتمالات في كلّ مرة مائة مرّة وبالتالي يصل احتمال تنظيم الكتاب من قبل هذا الأعمى إلى الصفر والعدم، ولا يتصوّر عاقل أنّه يمكنه تنظيم الكتاب بدون استخدام وسائل أخرى تعينه على ذلك.
ومنه نستنتج عدم إمكان تنظيم الكتاب لوحده عن طريق الصدفة، وعن طريق أعمى لا يمكنه معرفة أرقام الصفحات ، ونستنتج أيضاً أنّ كلّ نظام وترتيب يدلّ على وجود الناظم له; لأنّ النظم والترتيب لا يأتي عن طريق الصدفة.
وعليه فيمكننا أن نجزم بأنّ النظام الموجود في عالم الخلقة يدلّ على وجود ناظم وخالق قد قام بتنظيمه بهذه الصورة الماثلة أمام أعيننا.
مظاهر النظام في وجودنا:
أقرب الأشياء إلينا هي نفوسنا وأجسامنا ، فمن الأفضل أن نرى مظاهر النظام العجيبة فيها أوّلاً ، وقد ورد في الحديث: "من عرف نفسه فقد عرف ربّه".
____________
1- ترجمنا هذا الحوار من اللغة الفارسيّة (بتصرّف) ، لاحظ: كتاب "پاسخ به سؤالات فلسفى واعتقادى"، سيد حسن أبطحي (نشر بطحاء) : 301 ـ 312.
ونكتفي بمثال واحد.
خطوط رؤوس الأصابع:
لو لاحظ الشخص الخطوط الموجودة في رؤوس أصابعه، وقارنها مع الخطوط الموجودة في رؤوس أصابع صديقه ، للاحظ وجود الاختلاف في انسيابها وتركيبها ، ويمكن امتحان ذلك بوضع رؤوس الأصابع في الحبر وضغطها على الورق الأبيض; لملاحظة نقوشها المختلفة التي تظهر على الورق.
إنّ هذا الاختلاف لا يوجد فقط بين شخصين أو ثلاثة أو أربعة ، بل هو موجود بين خطوط رؤوس أصابع جميع البشر في الدنيا ، بحيث لا يوجد شخصان تتشابه خطوط رؤوس أصابعهما بالكامل.
"برن هارد واهين": نعم هذا من العجائب ، وإنّ هذه القضيّة أصبحت علماً خاصّاً تستفيد منه أجهزة الأمن في العالم لمعرفة المجرمين.
العالم: إضافة إلى ذلك لقد ثبت لدى العلماء أنّ هذه الخطوط تختلف أيضاً عند كلّ الأجيال السابقة التي وجدت على الأرض ، وكذلك الأمر عند الأجيال اللاحقة التي ستحيا على هذه الأرض ، وعليه أنّ المجرم يمكن القبض عليه بواسطة خطوط رؤوس الأصابع ولو بعد مرور عشرات السنين على ارتكابه للجناية.
فهل كانت هذه الظاهرة العجيبة والدقيقة من عمل الطبيعة الصمّاء والعمياء؟
وهل يمكن أن يوضع هذا النظام المحيّر للعقول في حساب الصدفة؟
وهل يتصوّر عاقل أنّ هذا النظام وجد تلقائيّاً ولم يكن هناك خالق؟
كلاّ وألف كلاّ!!
إنّ عقولنا لا تقبل إمكانيّة ترتيب كتاب مؤلف من مائة ورقة من دون استعمال الحواس والفكر ، فكيف تقبل بأن يكون هذا النظام مخلوقاً للطبيعة وعن طريق الصدفة ، وأن لا يكون هناك خالق عالم وصانع مقتدر؟!
من المسلّم به أنّ كلّ عاقل يعرف جيّداً بأدنى تأمّل أنّ النظام العجيب الموجود في جسم الإنسان هو من خلق ناظم عالم قدير خلق الإنسان ، وهو "الله" سبحانه وتعالى.
إنّ كلّ الأمور في هذا الكون تجري وفق نظام خاصّ، وحساب دقيق لكلّ واحد واحد أو مجموعة منّها ، وكلّ الأشياء وجدت على أساس من العلم والمصلحة حسب ما قدّره لها خالقها وموجدها.
هل هناك مظاهر عشوائيّة في نظام العالم:
"برن هارد واهين": نرى أحياناً في عالم الخلقة حالات من عدم النظام ، قد يكون لها آثار تبدو عشوائيّة ، ألا تخالف هذه الحالات نظام العالم؟.
العالم: إذا نظر الإنسان بصورة سطحيّة إلى هذا الكون ، فإنّه قد لا ينتبه للنظام الموجود فيه ، بل يمكن أن يتصوّر بأنّ العالم ليس منظّماً ، وعلى سبيل المثال: أن ينظر إلى النجوم في السماء ويعتقد أنّ النظم سيتحقّق فيها لو كانت مرتّبة حسب الحجم والكبر ، لا أن تكون نجمة صغيرة وسط نجمتين كبيرتين بحيث يبدو عدم وجود نظام في عالم النجوم جميعاً، لكن العالم المفكّر المستنير الذي يعلم قوانين الجاذبيّة والطرد المركزي ، ويعرف حركات الأرض وسائر الأجرام الموضعيّة والانتقاليّة لا يرى في هذا الكون إلاّ النظام والترتيب ، ويعلن ذلك على الأشهاد ، ويورد الأدلّة عليه من آثار هذه الحركات كظاهرة الليل والنهار وكحساب السنة والأشهر والأسابيع.
وهكذا لو رأى شخص عادي ـ لا علم له بالأمور الفنّية لصناعة السيّارات ـ محرّك السيّارة مثلاً فلا يمكنه تصوّر النظام فيه ; لأنّه يرى ظاهراً غير مرتّب، وغير مفهوم لديه.
أمّا لو أبصر المحرّك شخص ميكانيكيّ خبير وماهر لم يرَ إلاّ النظام والترتيب في شكل المحرّك وعمله وطريقة ارتباط بعض اجزائه بالبعض الآخر.
هكذا أيضاً لو شرح جسد إنسان أمام شخص جاهل وأُمّي، فإنّه لا يرى حسب تصوّره سوى أجهزة غير منظّمة ، ولكن الطبيب الحاذق يرى هذا الجسد وأجهزته مرتّبة ومنظّمة وليس فيها أيّ نقص.
وهكذا النظام الموجود ، فإنّ لكلّ ظاهرة من ظواهره وإن كانت تبدو ظاهرة سلبيّة لبعض الناس ، لكنّها تتّضح لمن له الرؤية الشموليّة لهذا النظام أنّها ظاهرة ضروريّة، ولها دور أساسيّ لتحقّق التوازن في نظام الكون.
(68) برند كاتز جالك (محمّد جعفريّ)
مسيحيّ / ألمانيا
ولد في "ألمانيا" ، ونشأ في أسرة تعتنق الديانة المسيحيّة ، ثمّ أصبح قبطان سفينة في القوّة البحريّة.
اتّساع آفاق رؤيته العقائديّة:
كان "برند كاتز" كثير السفر بحكم عمله ، وهذا ما أتاح له اللقاء بمختلف أصحاب الديانات والمذاهب، ومختلف أصحاب التيّارات الفكريّة والاتّجاهات العقائديّة.
ومن هذا المنطلق تفتّحت ذهنيّة "برند كاتز" واتّسعت آفاق رؤيته في الصعيد العقائديّ، وهذا ما دفعه إلى البحث والتنقيب والمقارنة بين هذه المذاهب المختلفة من أجل اختيار أفضلها، واعتناق المذهب الذي يمكن الوثوق به نتيجة قوّة الادلّة والبراهين التي تمتلكها مفرداته العقائديّة.
تقييم الأديان المختلفة:
اطّلع "برند كاتز" على مختلف الديانات والمذاهب فوجد الكثير منها لا تستطيع أن تخفّف من آلام الإنسان ومعاناته رغم أنّها ادّعت لنفسها الحقّ المطلق ، ثمّ بحث "برند كاتز" ليعرف السبب في ذلك فتبيّن له أنّ السبب يكمن في ابتعاد هذه الاديان عن الايمان الصحيح بالله تعالى، وميلها إلى سوى منهج
الله وشريعته التي اختارها لعباده.
تعرّفه على الدين الإسلامي:
إنّ معنى الإسلام في لغة العرب هو الخضوع والرضوخ والانقياد، وسُمّي الإسلام بهذا الاسم; لأنّه يعني الانقياد لأوامر الله تعالى التي أنزلها على رسوله محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتبيّن "لبرند كاتز" خلال دراسته للإسلام أنّه عقيدة إلهيّة ينبثق عنه نظام كامل للحياة; لأنّه دين يتضمّن كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في الصعيد الفردي والاجتماعي ، كما أنّه دين منسجم مع فطرة الإنسان وقد قال تعالى:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ}(1).
ولهذا تدبّر "برند كاتز" في القرآن الكريم، ودرس ما في السنّة الشريفة من معارف وأحكام وتعاليم ، فوجدها خير وسيلة للوصول إلى الله تعالى فأعلن إسلامه واعتناقه للدين الذي جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لينقذ البشريّة من الغواية والضلال.
اعتناقه لمذهب التشيّع:
تعرّف "برند كاتز" خلال إحدى سفراته إلى إيران على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فأدرك أنّه بعد إسلامه لم يزل في بداية طريق البحث ، فرفع بعد ذلك مستوى وعيه العقائديّ; لئلاّ يدفعه الجهل إلى التمسّك بالبدع والأمور المنحرفة.
وهكذا واصل "برند كاتز" مسيرته في البحث حتّى رست سفينة بحثه على شواطىء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فأعلن استبصاره ثمّ سمّى نفسه "محمّد جعفريّ".
____________
1- الروم (30) : 30.