فادّعاء الملازمة بأنّ الطعن في التلميذ يستلزم الطعن في المعلّم هذا الأمر لا وجه له، بل ترد عليه اشكالات لا مخرج منها، كما تقدّم.
وبعد هذا فلينظر الكاتب إلى أقوال النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في أصحابه، ممّا رواه أهل السُـنّة في كتبهم..
أخرج البخاري في صحـيحه: عن أبي هريرة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: " يرد علَيَّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُحلّؤن(2) عن الحوض، فأقول: يا ربّ! أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى "(3).
وعن أبي هريرة أيضاً، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " بينا أنا قائم إذا زمرة، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم. فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم. فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل
____________
1- سورة هود: الآية 46.
2- أي: يُطردون ويُبعـدون.
3- صحيح البخاري 7 / 208 كتاب الرقاق، باب: في الحوض.
أقـول:
ومَن قرأ قوله تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِى الرُسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَـبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْــًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّـكِرِينَ }(2)، ثمّ قرأ قوله تعالى: { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ }، تبيّن له تطابق الكتاب والسُـنّة في هذا المورد تماماً، وإنّهما يصدّقان بعضهما البعض ; فانظر هل ترى من فطور؟!
قال تعالى: { مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَـنِ مِن تَفَـوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِـيرٌ }(3) صدق الله العليّ العظيم.
وكذا أخرج مسلم في صحيحه عن قيس، عن عمّار، أنّ حذيفة بن اليمان أخبره، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " في أصحابي اثنا عشر منافقاً، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سـمّ الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدُّبيلة "(4)، وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم(5).
____________
1- صحيح البخاري 7 / 208..
قال في لسان العرب 11 / 710: وفي حديث الحوض: " فلا يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم"، الهمل: ضوالّ الإبل، واحدها: هامل ; أي: إنّ الناجي منهم قليل في قلّة النعم الضالّة.
2- سورة آل عمران: الآية 144.
3- سورة الملك: الآية 3 و 4.
4- الدُّبيلة: خُرّاج ودُمّل كبير، تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالباً، وورد تفسيرها في بعض أحاديث الباب بأنّها: شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك.
5- صحيح مسلم 8 / 122 ح 9، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم.
قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عيّاش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهدُ على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: " فأقول: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً! لمَن غيَّرَ بعدي "(1).
وهذه الأحاديث رواها حفّاظ الحديث من أهل السُـنّة بطرق كثيرة جدّاً وبألفاظ متقاربة، وفي ما ذكرناه كفاية(2).
قال الدليمي:
" إنّ الطعن فيهم... هو قنطرة للقول بتحريف القرآن، إضافة إلى السُـنّة النبوية ; لأنّهم هم الّذين رووا ذلك كلّه وعن طريقهم نقل، والطعن في الراوي طعن في الرواية ولا بُدّ "(3).
____________
1- صحيح البخاري 7 / 208، صحيح مسلم 7 / 66.
2- راجع إن شئت: سُـنن ابن ماجة 2 / 1016، مسند أحمد 1 / 384، و 402 و 406 و 407 و 425 و 439 و 453 و 455، و ج 5 / 339 و 393، مجمع الزوائد 10 / 363 و 364.
3- ص 7.
أقـول:
حاشا لله! أن يجعل رواة كتابه الكريم ـ وهو خاتمة الكتب السماوية ـ ونقلته إلى الأجيال اللاحقة من المنافقين أو الفاسقين أو البغاة، الّذين علمنا بوجودهم الإجمالي، ووجودهم التفصيلي في بعض الموارد، بين الصحابة(1).
وحاشا أيضاً للصادق الأمـين (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتمن على أمانته العظيمة ـ القرآن الكريم ـ أمثال هؤلاء، بل الثابت المعلوم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عيّن جماعة من الصحابة يحفظون القرآن ثمّ يعرضـونه عليه، وكان كلّ ذلك يجري تحت عنايته وإشرافه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كـ: ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وغيرهما(2).
____________
1- انظر: قوله تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَـهَدَ اللَّهَ لَئنْ ءَاتَـلـنَا مِن فَضْلِهِ ى لَنَصَّدَّقَنَّ ـ إلى قوله ـ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَاوَعَدُوهُ)، سورة التوبة: الآية 75 ـ 77، الّذي جاء بحقّ الصحابي ثعلبة.
وقوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ)، سورة السجدة: الآية 18، والمؤمن في الآية هو: عليّ بن أبي طالب، والفاسق هو: الصحابي الوليد بن عقبة.
وقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الاِْسْلَـمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّـلِمِينَ)، سورة الصفّ: الآية 7، الّذي جاء بحقّ الصحابي عبـد الله بن أبي سرح، الّذي ولاّه الخليفة عثمان بعد ذلك مصـر.
راجع تفسير الآيات وسبب نزولها في تفسير ابن كثير، وتفسير الطبري، و الكشّاف للزمخشري، و أسباب النزول للسيوطي، و السيرة الحلبية ـ للحلبي الشافعي ـ باب: فتح مكّة، وغيرها.
2- جاء في تفسير مجمع البيان ـ للشيخ الطبرسي ـ 1 / 15، وأيضا عن الشبلنجي المصري في نور الأبصار: 48 ـ في ما نقله عن العلاّمة الدميري في حياة الحيوان ـ: وأمّا مَن جمع القرآن حفظاً على عهده (صلى الله عليه وسلم) فأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو يزيد الأنصاري، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وعثمان بن عفّان، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وأبو أيّوب الأنصاري. انتهى.
وانظر للاستزادة: البرهان في علوم القرآن ـ للزركشي ـ 1 / 240 فصل: في بيان مَن جمع القرآن حفظاً من الصحابة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
كما كان (عليه السلام) يقول: " سلوني عن كتاب الله! فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل... "(2).
الأمر الّذي يدلّ على أنّ الله عزّ وجلّ قد جعل لدينه قلوباً صافيات وآذاناً واعيات، كما في قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ (عليه السلام) عند نزول قوله تعالى: { وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَا عِيَةٌ }(3): " سألت الله أن يجعلها أُذنك يا عليّ ". قال عليّ: " فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى "(4).
كلّ هذا مع ملاحظة: أنّ القرآن لا يدّعي أحد بأنّ نقله قد تمّ عن فلان الثقة عن مثله وهكذا ; إذ لم يثبت بهذه الطريقة، وإنّما ثبت القرآن بالتواتر جيلا عن جيل، وعصر عن عصر، وقرن عن قرن، وأُمّة عن أُمّة، ولهذا لا يُلتفت حينئذ لتوثيق الأفراد فرداً فرداً عند التواتر، فلا تثبت عدالة جميع الصحابة ; لأنّها لا تشترط في ثبوت القرآن وإثباته!!
وهنا أودّ أن أسأل الكاتب سؤالين يتعلّقان بكلامه السابق:
____________
1- حلية الأولياء 1 / 68، تاريخ دمشق 42 / 397.
2- الطبقات الكبرى 2 / 338.
3- سورة الحاقة: الآية 12.
4- راجع تفسير الآية في تفاسـير: الطبري، والسيوطي، والرازي، وابن كثير، والقرطبي، والشوكاني، وغيرهم.
السؤال الأوّل:
ماذا تقول لو أوقفتك الأدلّة على نفاق أو فسق أو بغي أحد من الأصحاب؟ فهل تطمئن بعد ذلك إلى روايته للكتاب والسُـنّة وتأخذهما عنه، مع أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبرنا بأنّ المنافق إذا حدّث كذّبَ، وأنّ الفاسق يبيع دينه بأكلة، وأنّ الباغي مائل عن الحقّ؟!
فإن قلت: نعم ; فاقرأ على دينك السلام.
وإن قلت: لا ; فعليك أن تتخلّى إذاً عن قولك بخيرية الصحابة جميعاً، وتبدأ بالبحث عن المؤمنين الصادقين منهم لتأخذ دينك عنهم.
وهذا ما فعله الشيعة الأبرار ; إذ ميّزوا بين الغث والسمين في الموضوع، بعد أن تظافرت لديهم الأدلّة ـ كتاباً وسُـنّةً ـ على وجود المنافقين، تفصـيلا وإجمالا، بين أصحاب النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).
السؤال الثاني:
ما الّذي يلزمك على أخذ دينك عن كلّ مَن هبّ ودبّ من الصحابة، الّذين علمت بوجود المنافقين والفاسقين والبغاة بينهم، إجمالا وتفصيلا، دون أن تمحَصَ ذلك(1)، أو ترجع إلى الّذين ثبتت عدالتهم فقط، والله تعالى يقول: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَج }(2)؟!
ثمّ أين أنت من الّذين أمر الله المسلمين بمودّتهم، وأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)
____________
1- مَحصَ: استخرج الخالص منه، يقال: محص الذهب بالنار، أي: أخلصه ممّا يشـوبه.
2- سورة الحجّ: الآية 78.
أمّا عن رواية السُـنّة النبوية فأُحبّ أن ألفت نظر الكاتب إلى:
إنّ الأصحاب قد مُنعوا من رواية السُـنّة النبوية طيلة مدّة الخليفتين أبي بكر وعمر(3).
وإنّ الشيخين قد أحرقا الأحاديث النبوية الشريفة(4).
____________
1- سيأتي في الصفحات القادمة إن شاء الله تعالى بيان الأشخاص المعنيّين بالمفردات المذكورة أعلاه، من الكتاب الكريم والسُـنّة النبوية الشريفة المتّفق عليها.
2- مسند أحمد 1 / 300 و 3 / 113، سُـنن الترمذي 4 / 77، سُـنن الدارمي 2 / 245.
3- انظر: تذكرة الحفّاظ 1 / 3 و 4 / 7، مجمع الزوائد 1 / 149.
وجاء في كنز العمّال 10 / 292: عن محمّـد بن إسحاق، قال: أخبرني صالح ابن إبراهيم بن عبـد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: والله! ما مات عمر بن الخطّاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجمعهم من الآفاق: عبـد الله بن حذافة، وأبا الدرداء، وأبا ذرّ، وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث الّتي قد أفشيتم عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الآفاق؟ قالوا: أتنهانا؟ قال: لا، أقيموا عندي ما عشت، فنحن أعلم نأخذ ونردّ عليكم، فما فارقوه حتّى مات. انتهى.
وروى الحاكم في مستدركه 1 / 193: عن سعيد بن إبراهيم، عن أبيه: أنّ عمر ابن الخطّاب قال لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذرّ: ما هذا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ وأحسبه حبسهم بالمدينة حتّى أُصـيب.
... عن شعبة، فذكر الحديث بإسناده نحوه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وإنكار عمر أمير المؤمنين على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)فيه سُـنّة، ولم يخرجاه. انتهى.
4- انظر: تذكرة الحفّاظ 1 / 5 الطبقات الكبرى 5 / 188.
وجاء في كنز العمّال 10 / 285: قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلّب كثيراً، قالت: فغمّني فقلت: أتتقلّب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلمّا أصبح قال: أي بنية! هلمّي الأحاديث الّتي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها. انتهى.
وإنّ السُـنّة لم تُكتب إلاّ في زمن عمر بن عبـد العزيز الّذي أمر العلماء بتدوين الأحاديث وكتابتها، كما هو المعلوم من تاريخ كتابة السُـنّة النبوية(2)!!
قال الدليمي:
" إنَّ الطعن فيهم... مدعاة لتفريق المسلمين وإلقاء العداوة والبغضاء في صفوفهم كما هو مشاهد "(3).
أقـول:
إنّ الاستناد إلى الكتاب والسُـنّة في بيان واقع الأصحاب، وما هم عليه من تباين في الصفات لا يعدّ طعناً، والمعترض على ذلك إنّما يعترض ـ في واقع الأمر ـ على الكتاب والسُـنّة، وهو ردّ صريح لهما لا يرضاه المؤمن لنفسه، ولكن تبقى مهمّة العلماء والكتّاب المنصفين في بيان الحقيقة كما
____________
1- عن يحيى بن جعدة، قال: أراد عمر أن يكتب السُـنّة، ثمّ بدا له أن لا يكتبها، ثمّ كتب في الأمصار: مَن كان عنده شيء فليمحه. أخرجه ابن عبـد البرّ في جامع بيان العلم وفضله 1 / 65.
2- ولمزيد الاطلاع على هذا التاريخ وتفاصيله يمكن مراجعة كتاب منع تدوين الحديث للسـيّد علي الشهرستاني.
3- ص 7.
قال تعالى: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَا حِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّــنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَـبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ ِفيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَـتُ بَغْيًا
____________
1- قال ابن عرفـة، المعروف بـ: " نفطويـه " ـ وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم ـ في تاريخه: إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيّام بني أُميّة ; تقرباً إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم..
ويدلّ على ذلك كتاب معاوية إلى عمّاله الّذي جاء فيه: إنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصـر، وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وائتوني بمناقض له في الصحابة مفتعلة ; فإنّ هذا أحبّ إليَّ، وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله.
فُقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وأُلقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسـع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله.
راجع: شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 11 / 45، والنصائح الكافية: 98. وانظر: سلسلة الموضوعات في الغدير 5 / 253 ـ 283 ; لتقف بالتحقيق على جملة من هذه الأحاديث المفتعلة.
فإن كان بيان الحقّ يؤدّي إلى الفُرقة بين الناس فهذا الإشكال يرد على الأنبياء أوّلا ; إذ جاؤوا الناس بالحقّ وهم أُمّة واحدة فافترقوا بين مؤيّد لهم ومنكِر، كما هو ظاهر الآية السابقة.
فالوحدة المطلوبة إذاً إنّما هي وحدة الحقّ لا وحدة البدع والأهواء!! فلينفع العاقل نفسـه، وليتّقِ مسلمٌ ربَّه!
____________
1- سورة البقرة: الآية 213.
الفصل الثالث
موقف الإمام (عليه السلام)
من الصحابة
" فما كان قول سيّدنا وإمامنا عليّ (رضي الله عنه) وموقفه منهم؟ هل صحيح أنّه كان يبغضهم ويبغضونه؟ وأنّهم آذوه وظلموه؟ وأنّه كان يسبّهم ويبطن لهم غير ما كان يظهر لهم؟ تعالوا بنا إلى بعض المواضع من كتاب نهج البلاغة لنرى ثمّ نجيب بعد ذلك.
من خطبة لـه (عليه السلام) يعنف بها أصحابـه ويمدح فيها أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وقد رأيت أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما أرى أحداً يشبههم " منكم "، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجّداً وقياماً يراوحـون بين جباهههم وخـدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بين أعينهم رُكب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتّى تبلّ جيبوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء الثواب). نهج البلاغة ج 1 ص 189 ـ 190.
ومن خطبة له (عليه السلام) يخاطب أصحابه: (... ولوددت أنّ الله فرّق بيني وبينكم وألحقني بمَن هو أحقّ بي منكم، قوم والله ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحقّ، متاريك للبغي، مضوا قدماً على الطريقة، وأوجفوا على المحجّة، فظفروا بالعقبى الدائمة، والكرامة الباردة). ج 1 ص 230 "(1).
____________
1- ص 7 ـ 8.
وفي ذلك أقول:
إنّ النصوص الّتي ذكرها الكاتب من نهج البلاغة في حقّ الصحابة هي خاصّة بالمؤمنين منهم، دون المنافقين الّذين يعدّهم أهل السُـنّة صحابة عدولا على مصطلحهم(1)، إذ أنّ الإمام (عليه السلام) ذكر صفاتهم دون أسمائهم، والصفات الّتي ذكرها هي صفات المؤمنين لا المنافقين ; لأنّ المنافقين لا يبيتون لله سُجّـداً وقياماً، وإنّما { إِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }(2)..
كما أنّهم ليسوا بميامين الرأي، ولا مراجيحَ الحلم، بل هم ممّن { اتَّخَذُواْ أَيْمَـنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }(3)..
كما أنّهم ليسـوا بمقاويل بالحـقّ، وإنّما كانوا { وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَـطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُـمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُـدُّهـُمْ فِى طُغْيَـنِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَـبِكَ الَّذِينَ اشْتَـرَوُاْ الضَّلَـلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَـرَتُهـُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }(4)..
____________
1- راجـع تعريـف الصحابي في كتاب: الإصابة في تمييز الصحابة ـ لابن حجر العسقلاني الشافعي ـ 1 / 7.
2- سورة النساء: الآية 142.
3- سورة المنافقون: الآية 2.
4- سورة البقرة: الآيات 14 ـ 16.
وهذا الأمر الّذي ذكره الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) هنا عن صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشمل أصحابه أيضاً، أي أنّ فيهم المؤمن وفيهم مَن هو دون ذلك، بدليل خطابه هنا لجماعة من أصحابه ممّن ابتُلي بتخاذلهم وتقاعسـهم عن الجهاد وهو في مقام مدحه لصحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المخلصـين وقوله لهم: " فما أرى أحداً يشبههم منكم... ".
قال (عليه السلام) في مقام آخر خاطب به الصالحين من أصحابه: " أنتم الأنصارُ على الحـقّ، والإخوانُ في الدين، والجُنَنُ يومَ البأس(1)، والبطانةُ دون الناس(2)، بكم أضربُ المُدبِرَ، وأرجو طاعةَ المُقبل "(3).
فالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يبخس الناس أشياءهم، وكان يعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، فالمؤمن عنده حقّه المدح والتقدير، والمتخاذل عنده حقّه التعنيف والتحذير، كما هو شأن القرآن الكريم في مدحه للمؤمنين وذمّه للمنافقين ; قال تعالى: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أوْلَـبِكَ أَصْحَـبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـلِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّــَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِم كَأَ نَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَّيْلِ مُظْلِمًا أوْلَـبِكَ
____________
1- الجُـنن ـ جمع جُنّة ـ: الوقاية. والبأس: الشـدّة.
2- بطانة الرجل: خواصّـه وأصحاب سـرّه.
3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 231.
وسيأتي في البحوث القادمة ذكر بيانه الصريح (عليه السلام) ومن نهج البلاغة نفسـه بحقّ بعض الأصحاب بشخوصـهم، كـ: عمر بن الخطّاب، وطلحة، والزبير، ومعاوية، ممّا ينخـرم معه استفادة العموم من كلماته السابقة التي أوردها الدليمي عن النهج.
قال الدليمي:
" وقال ـ أي أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ ذاكراً عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه): (لله بلاء فلان! فقد قوّم الأود، وداوى العمد، خلّف الفتنة، وأقام السُـنّة، ذهب نقي الثوب قليل العيب، أصاب خيرها، وسـبق شـرّها، أدى إلى الله طاعته، واتّقاه بحقّه). ج 2 ص 222.
قال ابن أبي الحديد في شـرح نهـج البلاغـة: (وفلان المكنّى عنه: عمر بن الخطّاب، وقد وجـدت النسـخة الّتي بخـطّ الرضـي أبي الحسن جامع نهج البلاغة وتحت فلان: عمر، وسألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى ابن أبي زيد العلوي، فقال لي: هو عمر، فقلت له: أثنى عليه أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فقال: نعم. انتهى). شرح نهج البلاغة، المجلّد 3 ص 12 ج 12، عن الشيعة وأهل البيت (عليهم السلام) ص 96، لإحسان إلهي ظهير "(2).
أقـول:
اختلفت أقوال الشرّاح للـ " نهج " في معرفة الشخص الّذي عناه الإمام
____________
1- سورة يونس: الآيتان 26 و 27.
2- ص 9.
والملاحظ من النصّ الّذي نقله الدليمي هنا بأنّ المراد من فلان: عمر، إنّما هو: نقل ابن أبي الحديد لا غير، وابن أبي الحديد ليس إمامي المذهب، فنقله ليس حجّـة علينا، فالحجّة هو ظاهر كلام الإمام (عليه السلام)، وظاهره لا يدلّ على أنّ المراد هو عمر، وما قاله العلوي إنّما هو اجتهاد لا يلزم غيره، وما كُتب في نسخة الرضي إن كان من غيره فالكاتب مجهول، وإن كانت من الرضي فهو لا يتعدّى كونه اجتهاداً لا يكون حجّـة على غـيره.
ومن هذا كلّه نعلم: إنّ كلام الإمام (عليه السلام) نفسـه لا دليل فيه، وإنّما الدليل من خارج كلامه، والمفروض أنّ الكاتب يستند في دعواه على كلام الإمام (عليه السلام) لا على كلام غيره، وهذا الأمر لم يحصل هنا!!
وعليه: يبقى هذا المقطع من كلام الإمام (عليه السلام) مجملا لا دليل فيه على تعيين مدح أحد بعينه.
نعم، هناك جملة روايات تشير إلى أنّ الإمام (عليه السلام) أراد به عمر بن الخطّاب، وكان يقرّه على لسان نادبة لعمر قالته بعد موته، إلاّ أنّ جميع هذه الروايات ليست تامّة سنداً ; فلا تتمّ الحجّـة بها على أية حال(1).
____________
1- انظر: تاريخ المدينة المنورة 3 / 941 تجده يرويه مرسلا، وتاريخ الطبري 3 / 285، وابن كثير 7 / 157 يرويانه بسند فيه: " ابن دأب "، وهو لم يوثّق ; كما في ميزان الاعتدال ـ للذهبي ـ 3 / 216، ولسان الميزان ـ لابن حجر ـ 4 / 322. ويرويه ابن عساكر في تاريخه 44 / 457 بسندين يشتملان على جماعة من المجاهيل.