الصفحة 182
ما سلمت أُمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلاّ علَيَّ خاصّـة ; التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً في ما تنافسـتموه من زخرفه وزبرجه... "(1).

أقـول:

لو كانت الخلافة شـورى وأنّ الإمام (عليه السلام) ملزم ببيعة مَن يختاره المسلمون ـ حسب هذه الدعوى ـ لَما جاز له أن يعدّ اختيار غيره جوراً عليه خاصّـة، ولَما كان فعلهم تنافساً على زخرف الدنيا وزبرجها..

كيف؟! وهم لم يفعلوا شيئاً سـوى ترشيح أنفسهم، وهو أمر مباح لهم حسب هذه الدعوى، لو صـحّ أمرها، فلا معنى إذاً لتظلّم الإمام (عليه السلام)، ولا معنى لذمّهم بالتنافس على الدنيا، سـوى التنبيه على مخالفتهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الّذي نصّ عليه في أكثر من موضـع وموضع، وهو الأمر الّذي أشار إليه الإمام (عليه السلام) بقوله: " لقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري ".

ولم يكن علم الناس بحقّه (عليه السلام)، الّذي أشار إليه هنا، لولا شيوع النصّ عليه وتسامع الناس به، فيوم الغدير ليس عنهم ببعيد، وقد استمع لخطاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيـه بالنصّ عليه أكثر من مائة ألف مسلم ومسلمة، كما ذكر ذلك بالتواتر المعتبر أرباب السير والتواريخ في كتبهم.

وكلامه (عليه السلام) الأخير واضـح لا يحتاج إلى بيان، لكنّنا آثرنا توضـيح ذلك لمَن كان ضعيف الفهم، أو لمَن كان يقرأ كلمات الإمام (عليه السلام) في موضـوع الخلافة ويفسّـرها على هـواه!

____________

1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 124.


الصفحة 183
ثمّ أورد الدليمي نصّاً آخر من كلام الإمام (عليه السلام) في الخلافة، وهو:

" والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية أربة، ولكنّكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها. ج 2 ص 184..

ـ قال الدليمي: ـ قال ـ أي الإمام (عليه السلام) ـ: ولكنّكم دعوتموني إليها... ولم يقل: الله خصّـني بها، أو نصّ علَيَّ فيها "(1).

أقـول:

قد أوردنا سابقاً شـذرات من كلامه (عليه السلام) الوارد في نهج البلاغة بشأن اختصاصـه وأهل بيته (عليهم السلام) بالخلافة..

منها: قوله (عليه السلام): " إنّ الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم ".

ومنها: قوله (عليه السلام): " لا يقاس بآل محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الأُمّة أحد... ولهم خصائص حقّ الولاية وفيهم الوصية والوراثة ".

أمّا كلام الإمام (عليه السلام) السابق، والّذي أورده الدليمي هنا، فقد كان من كلام له (عليه السلام) كلّم به طلحة والزبير، اللّذين بايعاه بعد مقتل عثمان، وجاءا يعاتبانه على ترك مشورتهما والاستعانة في الأُمور بهما(2).

ومن المعلوم أنّ الإمام (عليه السلام) قد ردّ الناس عن مبايعته بعد مقتل عثمان في أوّل الأمر ; لشـدّة الفتنة الّتي وقع المسلمون فيها بعد مقتله(3)، فقد

____________

1- ص 14.

2- انظر: شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 2 / 183.

3- قال الإمام عليّ (عليه السلام) لعثمان: " إنّي أُنشدك الله! أن لا تكون إمام هذه الأُمّة المقتول، فإنّه كان يقال: يقتل في هذه الأُمّة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ويلبس أُمورها عليها، ويبثّ الفتن فيها، فلا يبصـرون الحقّ من الباطل، يموجون فيها موجاً، ويمرجون فيها مرجاً ". انتهى. نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 69.


الصفحة 184
كان (عليه السلام) يقول للناس لمّا أرادوه على البيعة:

" دعـوني والتمسـوا غـيري ; فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول(1)، وإنّ الآفاق قد أغامت(2)، والمحجّة قد تنكّرت(3)، واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغِ إلى قول القائل، وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمَن وليّتموه أُموركم، وأنا لكم وزيراً، خير لكم منّي أميراً... ".

قال الشيخ محمّـد عبـده في تعليقته: تنكرت: أي: تغيّرت علائمها فصارت مجهولة، وذلك أنّ الأطماع كانت قد تنبّهت في كثير من الناس، على عهد عثمان (رضي الله عنه)، بما نالوا من تفضيلهم بالعطاء، فلا يسهل عليهم ـ في ما بعد ـ أن يكونوا في مساواة مع غيرهم، فلو تناولهم العدل انفلتوا منه، وطلبوا طائشـة الفتنة ; طمعاً في نيل رغباتهم، وأُولئك هم أغلب الرؤساء في القوم، فإن أقرّهم الإمام على ما كانوا عليه من الامتياز فقد أتى ظلماً، وخالف شرعاً، والناقمون على عثمان قائمون على المطالبة بالنصفة إن لم ينالوها تحرّشـوا للفتنة، فأين المحجّة للوصول إلى الحقّ على أمن من الفتن؟ وقد كان بعد بيعته ما تفرّس به قبلها(4).

____________

1- لا تصبر عليه ولا تطيق احتماله.

2- أغامـت: غُطّيت بالغيم.

3- المحجّة: الطريق المستقيمة.

4- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 182.


الصفحة 185
ولا يعني قوله (عليه السلام): " دعوني والتمسوا غيري... " على عدم وجود النصّ عليه، وإنّما كان بقوله هذا، وغيره من الأقوال الواردة بعد مقتل عثمان، يتحرّى السكينة في شؤون المسلمين الّذين عصفت بهم ريح الفتن الشديدة، والّتي جعلتهم في طخية عمياء ـ كما وصفها الإمام (عليه السلام) في خطبته الشقشقية ـ من يوم السقيفة حتّى يوم مقتل عثمان.

أمّا التعبير الوارد عنه (عليه السلام) بالزهد في الخلافة، فقد كان (عليه السلام) يعبّر عن ذلك، بل عن زهده في الدنيا كلّها، وأنّها أزهد عنده من عفطة عنز ـ كما يقول ـ في مواقف عديدة من خطبه، ويؤكّد أنّه لا يطلب أمر الخلافة لولا الرغبة في إقامة الحـقّ..

فمن ذلك: قوله (عليه السلام): " أما والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضـر، وقيام الحجّة بوجود الناصـر، وما أخـذ الله على العلماء أن يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها(1)، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز "(2).

كما كان (عليه السلام) يقول: " اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الّذي كان منّا منافسةً في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردّ المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطّلة من حـدودك "(3)، إلى غير ذلك من كلماته (عليه السلام).

____________

1- الغارب: الكاهل، والكلام تمثيل للترك وإرسال الأمر.

2- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 36.

3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 13.


الصفحة 186
أمّا قول الكاتب ـ الّذي ذكره تعقيباً على كلام الإمام (عليه السلام) ـ: ولم يقل ـ أي الإمام (عليه السلام) ـ ولكن الله خصّني بها أو نصَّ عليَّ فيها... مردود عليه ; لأنّ عدم القول لا يعني القول بالعـدم، فهذا محض تكلّف للأدلّة لا يخفى ضعف الاعتماد عليه عند أهل النظر والبيان.

وأمّا النصّان الآخران اللّذان جاء بهما الكاتب من نهج البلاغة وهما: قوله (عليه السلام): " وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، ثمّ تداككتم علَيَّ تداكّ الإبل الهيم على حياضـها يوم وردوها "(1).

وقوله (عليه السلام): " دعوني والتمسوا غيري... ـ إلى قوله ـ وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمَن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خيرٌ لكم منّي أميراً "(2).

أقـول:

قد مرّت الاجابة على أمثال هذه النصوص الواردة عن الإمام (عليه السلام) بعد مقتل عثمان، وسـرّ تمنّـعه (عليه السلام) عن موافقة الناس على بيعته أوّل الأمر، وقد نقلنا للقارئ الكريم أيضاً تعليق الشيخ محمّـد عبـده على كلامه (عليه السلام)أعلاه، فارجع إليه(3).

____________

1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 222.

2- ص 14.

3- وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ البيعة للنبيّ أو الإمام لا تثبت نبوته أو إمامته، بالمعنى الّذي يفهم منه أنّ عدم مبايعة النبيّ أو الإمام من قبل الناس يلغي نبوته أو إمامته، وإنّما البيعة هي تأكيد شرعي وعرفي للالتزام بخطّ النبوّة والإمامة ليس إلاّ، وإلاّ فالنبوّة والإمامة ثابتتان بالنصّ الإلهي وإن انكرتهما الناس أو جحدوا بهما!


الصفحة 187
وبالإضافة إلى ما ذُكر يمكن القول: إنّ الإمام (عليه السلام) أراد بتمنّعه عن موافقة الناس على بيعته أوّل الأمر، بعد مقتل عثمان، أن يختبر الناس ويمحَص نواياهم نحـوه ; كي لا تكون بيعته فلتة، كبيعة الّذين سـبقوه، من غير تدبّر ولا روية، ولهذا كان يقول للناس الّذين أرادوه للبيعة، كما جاء في النهج: " اعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغِ إلى قول القائل وعتب العاتب ".

وكان الهدف من ذلك واضحاً، فالإمام (عليه السلام) يريد أن يلزمهم ببيعته، فلا يقبل بعد ذلك عذر عاذر عن التخلّف عن طاعته واتّباع أوامره(1)، لأنّ البيعة كانت عن إصرار من الناس وإلحاح عليه، ولم تكن فلتة، لذا تراه يقول للناس بعد ذلك ـ أي بعد البيعة وأخذهم بالعدل في الحكم والسوية في العطاء ـ: " لم تكن بيعتكم إيّاي فلتةً، وليس أمري وأمركم واحداً، إنّي أُريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم... أيّها الناس! أعينوني على أنفسكم، وأيم الله! لأنصـفنّ المظلوم من ظالمه، ولأقودنّ الظالم بخزامته(2)، حتّى أورده منهل الحـقّ وإن كان كارهاً "(3).

وفي ختام هذا الفصل أقول:

لو أنّ الدليمي عند استشهاده بالنصوص كان يذكر كلام الإمام (عليه السلام)

____________

1- انظر إلى خطاباته وأقواله (عليه السلام) في نهج البلاغة للخارجين عليه بعد البيعة، كـ: طلحة والزبير والخوارج ومعاوية.

2- الخزامة ـ بالكسر ـ: حلقةً من شعر تجعل في وترة أنف البعير ليشد فيها الزمام ويسـهل قياده.

3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 19.


الصفحة 188
بتمامه، لأدرك القارئ لكتابه مراد الإمام منه، ولكنّه كان يقتطع النصوص اقتطاعاً، ويقدّمها لقارئه مبتورة مشوّشة بشكل يساعد على تضييع الحقيقة منها، ويحقّق غرضـه الّذي يصـبو إليه في نفسه..

الأمر الّذي يجعل مثل هذه الطريقة ناقصـة، لا تنم عن قدرة متكاملة في البحث والتدقيق ; فإنّ للكلام قرائن مقالية، وقرائن حالية، ودلائل خارجية، وأساليب بلاغية، يتعرّض لها المتكلّم في كلامه، ينبغي للباحث في كلام المتكلّم أن يكون ملّماً بها، ومطّلعاً عليها ليكون بحثه تامّاً وافياً، نافعاً لنفسـه ولغـيره(1).

وهذه الطريقة في الكتابة عند الدليمي تذكّرني بطريقة كاتب آخر لعلّ الدليمي كان يقتفي أثره ويسير على خطاه، وهو الكاتب الباكستاني إحسان إلهي ظهير، الّذي كان يقتطع النصوص اقتطاعاً ويقدّمها لقارئه مبتورة مشوّشـة على طريقة: { ويلٌ للمصـلّين }، لم تكتمل جُملها، ولم يتبيّن للقارئ تمام مراد المتكلّم منها، الأمر الّذي جعل علماء الفريقين، بل عوامّهم، يزدرون بكتبه ولا يلتفتون إليها ; لضعف تحقيقها، وقلّة الإنصاف فيها.


*  *  *

____________

1- ولا أظنّ أنّ الدليمي أكثر علماً أو أكبر شأناً من ابن أبي الحديد، علاّمة المعتزلة، أو الشيخ محمّـد عبـده، شيخ الجامع الأزهر في زمانه، اللّذين شرحا النهج وبيّناه للناس، فارجع إلى شرحيهما تجـد مقدار عنايتهما بالقرائن المقالية والحالية، واهتمامهما بملاحظة الأساليب البلاغية من أجل سبر كلام الإمام (عليه السلام) وفهم المراد منه.


الصفحة 189

الصفحة 190

الصفحة 191


الفصل الخامس



موقف الإمام (عليه السلام)
من أهل الجَـمل





الصفحة 192

الصفحة 193
قال الدليمي:

" من خطبة له (عليه السلام) عند خروجه لقتال أهل البصرة (في وقعة الجمل): (ما لي ولقريش! والله لقد قاتلتهم كافرين، ولأُقاتلنّهم مفتونين). ج 1 ص 81..

ففرّق بين حالهم في الجاهلية حين قاتلهم كافرين وبين حالهم يومذاك إذ سمّاهم: مفتونين. أي: أصابتهم الفتنة فاشتبهت عليهم الأُمور "(1).

أقـول:

جاء في نهج البلاغة: أنّ رجلا قام إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وسأله: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها؟

فقال (عليه السلام): " إنّه لمّا أنزل الله سبحانه قوله: { الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }(2) علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أظهرنا، فقلت: يا رسول الله! ما هذه الفتنة الّتي أخبرك الله تعالى بها؟

فقال: يا عليّ! إنّ أُمّتي سيفتنون من بعدي.

____________

1- ص 18.

2- سورة العنكبوت: الآيتان 1 و 2.


الصفحة 194
فقلت: يا رسول الله! أو ليس قد قلت لي يوم أُحـد حيث استشهد مَن أُستشهد من المسلمين وحيزت عنّي الشهادة فشـقّ ذلك علَيَّ، فقلت لي: أبشر! فإنّ الشهادة من ورائك؟

فقال لي: إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذاً؟

فقلت: يا رسول الله! ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر.

وقال: يا عليّ! إنّ القوم سيُفتنون بأموالهم، ويمنّون بدينهم على ربّهم، ويتمنّون رحمته، ويأمنون سطوته، ويستحلّون حرامه بالشبهات الكاذبة، والأهواء الساهية، فيستحلّون الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع.

قلت: يا رسول الله! فبأي المنازل أنزلهم عند ذلك، أبمنزلة ردة، أم بمنزلة فتنة؟

فقال: بمنزلة فتنة "(1).

ولا خلاف في أنّ الّذين قاتلوا عليّاً (عليه السلام) أيّام خلافته، سواء في البصرة أو صِفّين أو النهراون، هم من البغاة، على هذا اتّفق الفقهاء والجمهور الأعظم ومتكلّمو المسلمين..

قال المناوي الشافعي في فيض القدير: قال عبـد القاهر الجرجاني في كتاب الإمامة: أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي، منهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والجمهور الأعظم من المتكلّمين والمسلمين أنّ عليّاً مصـيب في قتاله لأهل صِفّين، كما هو

____________

1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 49.


الصفحة 195
مصيب في أهل الجمل، وأنّ الّذين قاتلوه بغاة ظالمون له، ولكن لا يُكفَّرون ببغيهم..

وقال الإمام أبو منصور في كتاب الفرق في بيان عقيدة أهل السُـنّة: أجمعوا أنّ عليّاً مصـيب في قتاله أهل الجمل: طلحة والزبير وعائشة بالبصرة، وأهل صِفّين: معاوية وعسكره(1). انتهى.

وهذا النصّ المتقدّم في بيان عقيدة أهل السُـنّة في قتال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأهل الجمل وصِفّين والنهروان لا يختلف فيه الإمامية عن أهل السُـنّة إلاّ في مسألة واحدة، وهي تكفير مَن حارب الإمام (عليه السلام)..

وقد استندوا في قولهم هذا، لِما ورد في الحديث الصحيح عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " حرب عليّ حربي، وسلمه سلمي "(2)..

وحرب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كفر بلا خلاف، فينبغي أن يكون حرب عليّ مثله ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد التشبيه بينهما في الأحكام، أي: حكم حربك حربي، وإلاّ فمحال أن يريد نفس حربك حربي ; لأنّ المعلوم خلافه..

____________

1- فيض القدير 6 / 474.

2- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 2 / 297 ; وعدّه ممّا ثبت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأخبار الصحيحة..

وانظر في معنى الحديث: مسند أحمد 2 / 442، سُنن الترمذي 5 / 360 ح 3962 ; يرويه بسند صحيح إلى زيد بن أرقم، سنن ابن ماجة 1 / 52، المستدرك على الصحيحين 3 / 161، مجمع الزوائد 9 / 169، المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ 7 / 512، صحيح ابن حبان 15 / 433، المعجم الصغير 2 / 3، المعجم الأوسط 3 / 179، المعجم الكبير 3 / 40، ذخائر العقبى: 25، تاريخ بغداد 7 / 144، تاريخ مدينة دمشق 14 / 157، أُسـد الغابة 3 / 11، سير أعلام النبلاء 3 / 258، ترجمة الإمام الحسن ـ لابن عساكر ـ: 99، 143.. والحديث المذكور مروي بطرق كثيرة وألفاظ متقاربة ربّما تجاوزت حدّ التواتر من طريق الفريقين.


الصفحة 196
قال الشيخ المفيد في الجـمل: واجتمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي أمير المؤمنين، ولكنّهم لم يخرجوهم بذلك عن حكم ملّة الإسلام ; إذ كان كفرهم من طريق التأويل: كفر ملّة، ولم يُكفَّروا كفر ردّة عن الشرع مع إقامتهم على الجملة منه وإظهار الشهادتين والاعتصام بذلك عن كفر الردّة المخرج عن الإسلام، وإن كانوا بكفرهم خارجين عن الإيمان(1).

ولعلّ قائل يقول:

لو كان ذلك كفر لأجرى عليهم أحكام الكفر، من منع الوراثة والمدافنة والصلاة عليهم، وأخذ الغنيمة واتّباع المُدبر، والإجازة على المجروح، والمعلوم أنّه (عليه السلام) لم يجرِ ذلك عليهم، فكيف يكون كفراً؟!

قلنا:

أحكام الكفر مختلفة، كـ: حكم الحربي، والمعاهد، والذمّي، والوثني، فمنهم مَن تُقبل منهم الجزية ويُقرَّون على دينهم، ومنهم مَن لا تُقبل، ومنهم مَن يُناكح وتُؤكل ذبيحته، ومنهم مَن لا تُؤكل ذبيحته عند المخالف.

ولا يمتنع أن يكون مَن كان متظاهراً بالشهادتين، وإن حُكم بكفره، أن يكون حكمه مخالف لأحكام الكفّار، كما قالت المعتزلة في المجبِّرة والمشـبِّهة، وغيرهم من الفرق الّذين يحكمون بكفرهم وإن لم تجرِ هذه الأحكام عليهم..

____________

1- الجـمل: 30.


الصفحة 197
ولكن هذا لا يمنع من أن يعود الباغي إلى رشـده ويتوب إلى الله، ويختم حياته بالتوبة عمّا حصل منه بالتفريط في حقّ طاعة لله وإطاعة أوليائه(1).

ولنعـد إلى نهج البلاغة ونطالع أقوال الإمام (عليه السلام) في واقع الّذين حاربوه في البصـرة من أهل الجمل:

قال (عليه السلام) عن رأسي الفتنة في الواقعة، وهما طلحة والزبير: " والله! ما أنكروا علَيَّ منكراً، ولا جعلوا بيني وبينهم نَصـفاً(2)، وإنّهم يطلبون حقّاً هم تركوه، ودماً هم سـفكوه، فإن كنت شريكهم فيه، فإنّ لهم نصيبهم مـنه، وإن كانوا ولّوه دوني فما الطلبة إلاّ قبلهم، وإنّ أوّل عدلهم للحكم على أنفسهم..

إنّ معي لبصيرتي، ما لبست ولا لبّس علَيَّ، وإنّها للفئة الباغية فيها الحمأ والحمة(3)، والشبهة المغدفة(4)، وإنّ الأمر لواضح، وقد زاح الباطلُ

____________

1- يراجع كتاب الاقتصاد ـ للشيخ الطوسي ـ: 226 ; للوقوف بالتفصيل على أحكام البُغاة على أمير المؤمنين (عليه السلام) عند الإمامية.

2- النَصف: الإنصاف.

3- قال الشيخ محمّـد عبـده ـ في تعليقته على النهج 2 / 20 ـ: المراد بالحمأ: مطلق القريب والنسيب، وهنا كناية عن الزبير، فإنّه من قرابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وابن عمّته.

قالوا: وكان النبيّ أخبر عليّاً إنّه ستبغي عليه فئة فيها بعض أحمائه وإحدى زوجاته، والحمة كناية عنها ; وأصلها: الحيّة، أو أُبرة اللاسعة من الهوام.

4- أغدفت المرأة قناعها: أرسلته على وجهها. وأغدف الليل: أرخى سدوله ; يعني أنّ شبهة الطلب بدم عثمان ساترة للحـقّ.


الصفحة 198
عن نصابهِ، وانقطع لسانه عن شَـغَبهِ "(1).

وقال (عليه السلام) عنهما أيضاً: " اللّهمّ! إنّهما قطعاني وظلماني، ونكثا بيعتي(2)، وألّبا الناس علَيَّ، فاحْلُل ما عقدا، ولا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءَة في ما أمّلا وعَمِلا، ولقد استثبتهما قبل القتال، واستأنيتُ بهما أمام الوقاع، فغمطا النعمة وردّا العافية "(3).

وقال (عليه السلام) في كتاب بعثه إليهما: " وقد زعمتما أنّي قتلتُ عثمان! فبيني وبينكما مَن تخلَّف عنّي وعنكما من أهل المدينة، ثمّ يلزم كلّ امرئ بقدر ما احتمل(4)، فارجعا أيّها الشيخان عن رأيكما، فإنّ الآن أعظم أمركما العار، من قبل أن يجتمع العار والنار "(5).

أمّا زوج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عائشة، الّتي خرجت عليه مع طلحة والزبير، فقد قال (عليه السلام) عنها: " وأمّا فلانة فأدركها رأي النساء، وضغن غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلَيَّ لم تفعل(6)،

____________

1- أُسد الغابة 3 / 61، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 9 / 35.

2- وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أمَر عليّاً (عليه السلام) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وهم: أهل الجَمل، وأهل صِـفّين، والخوارج ; راجع ذلك في: المستدرك على الصحيحين ـ للحاكم ـ 3 / 150، مسند أبي يعلى 1 / 397، 3 / 194، المعجم الأوسط 8 / 212، 9 / 165، تاريخ دمشق 42 / 468، البداية والنهاية 7 / 338.

3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 21.

4- أي: نرجع في الحكم لمَن تقاعد عن نصري ونصركما من أهل المدينة، فإن حكموا قبلنا حكمهم، ثمّ ألزمت الشريعة كلّ واحـد منّا بقدر مداخلته في قتل عثمان.

5- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 112.

6- قال الشيخ محمّـد عبـده ـ في تعليقته على النهج: 2 / 48 ـ: المرجل: القدر، والقين ـ بالفتح ـ: الحدّاد، أي أنّ ضغينتها وحقدها كان دائمي الغليان كقدر الحدّاد فإنّه يغلي ما دام يصنع.

لتنال من غيري...الخ: أي لتصيب من غيري غرضاً من الإساءة والعدوان مثل ما أتت إليَّ: أي فعلت بي، لم تفعل، لأنّ حقدها كان عليَّ خاصّة.


الصفحة 199
ولها بعد حرمتها الأُولى، والحساب على الله تعالى "(1).

وفي ذمّ الناكثين ببيعته قال (عليه السلام): " ألا وإنّ الشيطان قد ذمر(2) حزبه، واستجلب جلبه، ليعود الجور إلى أوطانه، ويرجع الباطل إلى نصابه، والله! ما أنكروا علَيَّ منكراً، ولا جعلوا بيني وبينهم نَصفاً "(3).

كما قال (عليه السلام) عنهم: " وإنّ أعظم حجّتهم لعلى أنفسهم، يرتضعون أُمّاً قد فُطمت(4)، ويحيون بدعة قد أُميتت، يا خيبة الداعي! مَن دعا! وإلامَ أُجـيب(5)؟! وإنّي لراض بحجّـة الله عليهم وعلمه فيهم ".

أمّا أهل البصرة، الّذين شاركوا طلحة والزبير والسـيّدة عائشة في الخـروج عليه، فقد قال (عليه السلام) لهم بعد الواقعة: " كنتم جند المرأة، وأتباع البهيمة(6)، رغا فأجبتم، وعُقِر فهربتم، أخلاقكم دقاق(7)، وعهدكم شقاق،

____________

1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 48.

2- حثّهم وحرّضـهم.

3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 59.

4- إذا فَطمت الأُمّ ولدها فقد انقضـى رضاعها وذهب لبنها، يمثّل به طلب الأمر بعد فواته، أو يمثّل به نفسـه، أو بيت مال المسلمين.

5- عن الشيخ محمّـد عبـده ـ في تعليقته على النهج 1 / 60 ـ: هذا استفهام عن الداعي ودعوته ; تحقيراً لهما، والكلام في أصحاب الجمل، والداعي هو أحد الثلاثة الّذين تقدّم ذكرهم في قصّة الجمل، عند الكلام في ذمّ البصرة.

ويا خيبة الداعي: خرج مخرج التعجّـب من عظيم خيبة الدعاء.

6- يريد بـ: " البهيمة ": الجَمل.

7- دقّة الأخلاق: دناءتها.


الصفحة 200
ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق(1) "(2).

أقول:

فما جزاء الّذين كانت أخلاقهم دقاق، وعهدهم شقاق، ودينهم نفاق؟!

قال تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَـفِقِينَ وَالمُنَـفِقَـتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـلِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ }(3).

فأنت تلاحظ حسب الآية القرآنية أنّ نتيجة الكفّار والّذين فُتنوا وصار دينهم نفاقاً واحدة، هي: النار مأواهم، ولهم عذاب مقيم.


*  *  *

____________

1- مالح، وإنّما ذمّهم بملوحـة مائهم لسـوء اختيارهم لمكانها.

2- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 44.

3- سورة التوبة: الآية 68.