الصفحة 201


الفصل السادس



موقف الإمام (عليه السلام)
من معاوية وحزبه





الصفحة 202

الصفحة 203
قال الدليمي:

" من كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية جواباً: (أمّا بعد، فإنّا كنّا نحن وأنتم على ما ذكرت من الأُلفة والجماعة ففرّق بيننا أمس أنّا آمنا وكفرتم، واليوم استقمنا وفُتنتم). ج 3 ص 122..

ـ قال: ـ ففرّق (رضي الله عنه) بين الكفر الّذي كانوا عليه قبل الإسلام، وبين الفتنة ـ وليس الكفر ـ الّتي وقعوا فيها بعد مقتل سيّدنا عثمان (رضي الله عنه) "(1).

أقـول:

قد أشرنا سابقاً إلى أنّ الفتنة الّتي ترد على المسلمين إنّما هي لغرض اختبارهم وامتحانهم وتمحيص نواياهم من الصدق مع الله أو الكذب عليه، كما بيّـنّا أنّ نتيجة أهل الجمل الّذين فُتنوا وصار دينهم نفاقاً ـ كما وصفهم الإمام (عليه السلام) ـ هي نفس نتيجة الكفّار من حيث الخلود في النار والاستحقاق لمقت الله ولعنته ; فما هو حال أهل الشام وقائدهم معاوية بن أبي سفيان، الّذين حاربوا إمام زمانهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وخرجوا عليه؟!

من المعلوم والثابت عند المسلمين جميعاً أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أطلق على أهل الشام الّذين حاربوا الإمام عليّ (عليه السلام) اسم: " القاسـطين "..

____________

1- ص 18.


الصفحة 204
والقاسطون هم: المائلون عن الحقّ إلى الباطل ; قال تعالى: { وَأَمَّا الْقَـسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا }(1)، وهم إحدى الفئات الثلاث الّذين أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام (عليه السلام) بقتالهم بعده(2).

وسـمّاهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: " الفئة الباغية "، وسمّاهم: " الدعاة إلى النار " ; كما جاء في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشأن الصحابي الجليل عمّار بن ياسر (رضي الله عنه): " ويح عمّار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار "(3).

ومن المعلوم أنَّ عمّار (رضي الله عنه) قد قتل في يوم صِـفّين على يد جيش معاوية(4).

وقد جاء في نهج البلاغة بحـقّ معاوية وحزبه أقوال كثيرة، نقتصر هنا على ذكر شـيء يسير منها:

1 ـ من خطبة له (عليه السلام) ينبّه فيها على فضله وشرف وقته ويبيّن فتنة بني أُمية: " إنّ الفتن إذا أقبلت شبَّهت(5)، وإذا أدبرت نبَّـهت(6)، يُنكرن

____________

1- سورة الجنّ: الآية 15.

2- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 156 ; قال (عليه السلام): " ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث "، الاستيعاب 3 / 1117 ; روى من حديث عليّ وابن مسعود وأبي أيّوب أنّه (عليه السلام) أُمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين: وعن عليّ بن ربيعة الوالبي، قال: سمعت عليّاً يقول: " عهد إليَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أُقاتل بعده القاسطين والناكثين والمارقين ". قال الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 238: رواه البزّار والطبراني في الأوسـط وأحد إسنادي البزّار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد ; ووثّقه ابن حبّان.

3- راجع: صحيح البخاري 1 / 115 كتاب الصلاة ; ورواه في 3 / 207 كتاب الجهاد والسير بلفظ: " يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار ".

4- راجع: كلّ مَن ذكر سيرة الصحابي الجليل عمّار بن ياسر (رضي الله عنه) وقصّة مقتله.

5- اشتبه فيها الحـقّ بالباطل.

6- لأنّها تُعرف بعد انقضائها وتنكشف حقيقتها فتكون عبرة.


الصفحة 205
مقبلات، ويُعرفن مدبِرات، يحمن حوم الرياح، يُصبن بلداً ويخطئن بلداً، ألا وإنّ أخوفَ الفتن عندي عليكم: فتنة بني أُمية ; فإنّها فتنة عمياء مظلمة ـ إلى قوله ـ: ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشـيَّة(1) وقطعاً جاهلية، ليس فيها منار هدىً، ولا عَلمٌ(2) يرى "(3).

2 ـ وقال (عليه السلام) من كلام له يشير فيه إلى ظلم بني أُمية: " والله! لا يزالون حتّى لا يدعوا لله محرماً إلاّ استحلّوه، ولا عقداً إلاّ حلّوه، وحتّى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلاّ دخله ظلمهم ونبا به سـوء رعيهم، وحتّى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه، وباك يبكي لدنياه "(4).

3 ـ وقال (عليه السلام) في كتاب بعثه إلى معاوية: " فسبحان الله! ما أشدّ لزومك للأهواء المبتدعة، والحيرة المتعبة، مع تضييع الحقائق، وإطراح الوثائق، الّتي هي لله طلبة، وعلى عباده حجّـة..

فأمّا إكثارك الحِجاج(5) على عثمان وقتله ; فإنّك إنّما نصـرت عثمان حيث كان النصـر لك، وخذلته حيث كان النصـر له(6) "(7).

4 ـ وفي كلام للإمام (عليه السلام) مع أصحابه المتثاقلين عن الجهاد يصـف

____________

1- شوهاء: قبيحة المنظر. ومخشـية: مخوّفة ومرعبة.

2- علم: دليل يُهتدى به.

3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 183.

4- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 190.

5- الحِجاج ـ بالكسر ـ: الجدال.

6- حيث كان في الانتصار لعثمان فائدة لك الآن ; إذ اتّخذته ذريعة لجمع الناس إلى غرضك، لكن عندما كان حيّاً وكان النصر يفيده خذلته وأبطأت عنه!!

7- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 62.


الصفحة 206
معاوية بأنّه إمام الباطل: " وإنّي والله لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرّقكم عن حقّكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحـقّ، وطاعتهم إمامهم في الباطل "(1).

5 ـ وقال (عليه السلام) في كتاب بعثه إلى معاوية: " فاتّقِ الله في ما لديك، وانظر في حقّه عليك، وارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته ; فإنّ للطاعة أعلاماً واضـحة، وسُـبلا نيّرة، ومحجّـة نهجـة(2)، وغاية مطلبة، يردُها الأكياس، ويخالفها الأنكاس(3)، مَن نكب عنها جار عن الحـقّ، وخبط في التـيه(4)، وغيّر الله نعمته، وأحلّ به نقمته.

فنفسك نفسك! فقد بيّن الله لك سبيلك، وحيث تناهت بك أُمورك، فقد أجريت إلى غاية خسـر، ومحلّة كفر(5)، وإنّ نفسك قد أولجتك شـراً، وأقحـمتك غيّاً، وأوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك "(6).

6 ـ وقال (عليه السلام) في كتاب بعثه إلى عمرو بن العاص، شريك معاوية في حربه لأمير المؤمنين (عليه السلام): " فإنّك قد جعلت دينك تبعاً لدنيا امرئ ظاهر غيّه، مهتوك سـتره، يشين الكريم بمجلسه، ويسْـفَه الحليم بخلطته،

____________

1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 65.

2- المحجّة: الطريق الواضح. والنهجة: الواضحة كذلك.

3- الأكياس: العقلاء. والأنكاس: جمع نِكس ـ بكسر النون ـ وهو: الدنيء الخسيس.

4- نكب: عول. وجار: مال. وخبط: مشى على غير هداية. والتيه: الضلال.

5- أجريت مطيتك مسرعاً إلى غاية خسران.

6- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 36.


الصفحة 207
فاتّبعت أثره، وطلبت فضله، اتّباع الكلب للضرغام، يلوذ بمخالبه، وينتظر ما يلقي إليه من فضل فريسته، فأذهبت دنياك وآخرتك! ولو بالحقّ أخذت أدركت ما طلبت، فإن يمكنني الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدّمتما، وإن تعجزا وتبقيا فما أمامكما شرّ لكما "(1)..

قال ابن أبي الحديد في شـرحه: أمّا قوله: " يشين الكريم بمجلسه، ويسـفه الحليم بخلطته ": فالأمر كذلك ; فإنّه لم يكن في مجلسـه إلاّ شتم بني هاشـم وقذفهم، والتعرّض بذكر الإسلام والطعن عليه، وإن أظهر الانتماء إليه(2).

7 ـ ومن كلام له (عليه السلام) في معاوية: " والله! ما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجـر، ولولا كراهية الغدر لكنت أدهى الناس، ولكن كلّ غدرة فجـرة، وكلّ فجـرة كفرة، ولكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة "(3).

8 ـ وفي كتاب له (عليه السلام) إلى زياد بن أبيه، وقد بلغه أنّ معاوية كتب إلى زياد يريد خديعته باستلحاقه، يصف الإمام (عليه السلام) معاوية بالشيطان: " وقد عرفت أنّ معاوية كتب إليك يسـتزلّ لبّك، ويسـتفلّ غربك(4)، فاحـذره ; فإنّما هو الشيطان: يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ليقتحـم غفلته، ويستلب غرّته(5) "(6).

____________

1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 64.

2- راجع: شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 16 / 160.

3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 180.

4- يسـتزلّ: أي: يطلب به الزلل. واللبّ: القلب. ويستفل ـ بالفاء ـ: أي: فلّ غربك، أي: ثلم حدّتك. والغرب ـ بفتح فسكون ـ: الحـدّة والنشاط.

5- الغرّة ـ بالكسر ـ: خلوّ العقل من ضـروب الحيل، والمراد منها: العقل الغرّ، أي: يسلب العقل الساذج.

6- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 69.


الصفحة 208
قال الدليمي، بعد أن أورد نصوصاً أُخرى من نهج البلاغة تنحى منحى النصّ الّذي أورده أوّل مرّة، وغاية ما يريد إثباته من ذلك أنّ الإمام (عليه السلام) يعدّ الّذين قاتلهم في صِـفّين من المسلمين لا غير:

" فينبـغي على كلّ عاقل، محـبّ لدينه وأُمّـته، أن يخـرج الخلاف الّذي حصل بين الفريقين من الدين، فالدين واحد بشهادة سيّدنا وإمامنا عليّ (رضي الله عنه)، وبما أنّ القضـية خرجت من الدين ودخلت في السياسـة فقد انتهى وقتها، وأصبحت مسألة تاريخية لا فائدة من تجديد البحث فيها من دون الانتباه إلى هذا القيد. وعلينا أن نرجع جميعاً إلى الدين الواحد، الّذي كان عليه عليّ ومعاوية، وهو دين الإسلام، فالدين واحد، والربّ واحد، والنبيّ واحد، والدعوة واحدة ; فعلامَ الخلاف؟! "(1).

أقـول:

نعم، إنّ الّذين قاتلهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في " صِـفّين " كان ظاهرهم الإسلام، ولكنّهم فُتنوا وغرّتهم الحياة الدنيا، فجاروا عن الحقّ وصاروا ـ بسبب عنادهم وتعنتهم ـ بغاة ودعاة إلى النار، بشهادة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسـه..

ومع علم الإمام (عليه السلام) بذلك كلّه ; لِما أخبره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم، لم يبخـل (عليه السلام) عليهم بنصائحـه ومواعظه حين جابهوه بالمعصـية وخذلان

____________

1- ص 20.


الصفحة 209
الطاعة، وهي النصائح الّتي لم يسمع المسلمون بمثلها من أحد قبله، إلاّ من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّ أهل الشام وقائدهم معاوية لم يعتبروا بتلك النصائح الثمينة، ولم تزجرهم تلك المواعظ الشديدة، الّتي كان يبعثها الإمام (عليه السلام)إليهم، والّتي يعجـز عن الإتيان بها أبلغ البلغاء عندهم، وما أفاؤوا ـ بعد بغيهم ـ إلى أمر الله بوجوب طاعته (عليه السلام) وهو إمام زمانهم، بل ازدادوا بغياً وعدواناً..

وقد استعملوا في حربهم لأمير المؤمنين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ شتّى أساليب المكر والخديعة(1)، ومنها: حيلتهم ـ بعد أن ادركوا أنّهم سيخسرون الحرب ـ برفع المصاحف على رؤوس الرماح والدعوة إلى تحكيم القرآن، وفي ذلك يقول الإمام (عليه السلام) للخوارج الّذين فُتنوا بعد رفع المصاحف وانشـقّوا عليه:

" ألم تقولوا عند رفع المصاحف حيلةً وغيلةً، ومكراً وخديعةً: إخواننا وأهل دعوتنا، استقالوا واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه، فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم.

فقلت لكم: هذا أمرٌ ظاهره إيمان وباطنه عدوان، وأوّله رحمة وآخره ندامة ; فأقيموا على شأنكم والزموا طريقتكم، وعضُّـوا على الجهاد بنواجذكم، ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق ; إن أُجـيب أضـلَّ، وإن تُرك ذلَّ؟!

وقد كانت هذه الفعلة، وقد رأيتكم أعطيتموها(2)، والله لئن أبيتها

____________

1- وقد كان الإمام عليّ (عليه السلام) يقول لأصحابه عند الحرب: " فوالّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة! ما أسلموا، ولكن استسلموا، وأسـرُّوا الكفر، فلمّا وجدوا أعواناً عليه أظهروه " ; راجع: نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 16..

وهذه شهادة أُخرى من عليّ (عليه السلام) بنفاق مقاتليه من أهل صِـفّين.

2- أنتم الّذين أعطيتم لها صورتها هذه الّتي صارت عليها برأيكم.


الصفحة 210
ما وجـبت علَيَّ فريضـتها، ولا حمَّلني الله ذنبها، ووالله إن جئتها إنّي للمحِـقُّ الّذي يُتَّبـع، وإنّ الكتاب لمعي ما فارقته مذ صحبته، فلقد كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنَّ القتل ليدور على الآباء والأبناء والإخوان والقرابات، فما نزداد على كلّ مصـيبة وشـدّة إلاّ إيماناً ومضيّاً على الحـقّ، وتسليماً للأمر، وصـبراً على مضـض الجراح... ".

ثمّ بيّن (عليه السلام) سبب مقاتلته لأهل الشام، فقال: " ولكنّنا إنّما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزَيْغ والاعوجاج والشبْهة والتأويل، فإذا طمعنا في خصلة يلمُّ اللهُ بها شَعَثنا، ونتدانى بها إلى البقيّة في ما بيننا، رغبنا فيها وأمسكنا عمّا سواها "(1).

فهنا، في هذه الخطبة بيّن الإمام (عليه السلام) بكلّ وضوح علّة مقاتلته لأهل الشام، وقال أنّه لم يقاتلهم إلاّ لما أدخلوه في الإسلام من الزَيْغ، والاعوجاج، والشبهة، والتأويل، فاقرأ تمام كلامه (عليه السلام) في النهج لتقف على هذه الحقيقة بوضـوح أكثر.

وبعد هذا، لم أفهم مراد الدليمي من: إخراج الخلاف الّذي حصل بين الفريقين من الدين ; فهل يريد بذلك أنّ الخلاف الّذي حصل بين الفريقين ليس له مساس بأُصـول الدين وفروعه؟!

لكنّ الثابت أنّ النزاع الّذي كان بين الفريقين نزاع بشأن الإمامة والزعامة، وما كانت المطالبة بدم عثمان إلاّ ذريعة تذرّع بها معاوية لكسب قلوب العامّة في الشام ضـدّ أمير المؤمنين (عليه السلام)(2).

____________

1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 1 / 236.

2- روى محـدّث الشام الحافظ ابن عساكر في تاريخه 39 / 452: عن عبـد الله بن أبي سفيان، أنّ عليّاً قال: إنّ بني أُمية يقاتلوني يزعمون أنّي قتلت عثمان، وكذبوا إنّما يلتمس الملك ; فلو أعلم أنّ ما يذهِب ما في قلوبهم أن أحلف لهم عند المقام والله والله! ما قتلت عثمان، ولا أمرت بقتله، لفعلت، ولكن إنّما يريدون الملك..

وإنّي لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممّن قال الله عزّ وجلّ: (وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلّ إِخْوَا نًا عَلَى سُـرُر مُّتَقَـبِلِينَ). انتهى.

وفي النهج توجد أقوال كثيرة للإمام (عليه السلام) تؤكّد هذه الحقيقة، فمن كلام له (عليه السلام) بعثه إلى معاوية: " ولعمري يا معاوية! لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمنَّ أنّي كنت في عزلة عنه إلاّ أن تتجنّى ; فتجنَّ ما بدا لك ". نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 7.

وقال (عليه السلام) في كتاب آخر بعثه إليه: " وزعمت إنّك جئت ثائراً بعثمان، ولقد علمت حيث وقع دم عثمان، فاطلبه من هناك إن كنت طالباً ". نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 12.

وقال (عليه السلام) في كتاب آخر بعثه إليه جواباً: " فأمّا طلبك إليَّ الشام فإنّي لم أكن لأُعطيك اليوم ما منعتك أمس ". نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبده ـ 3 / 16.

وهذا الكتاب يؤكّد بوضـوح أنّ مطالب معاوية منحصـرة في حدود طلب الملك لا غير، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان تلك الحقيقة على لسان معاوية نفسه عند الحديث عن صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية.

وجاء عن ابن سيرين: لقد قُتل عثمان وما أعلم أحداً يتّهم عليّاً في قتله ; راجع: ترجـمة عثمان بن عفّان من تاريخ دمشـق ـ لابن عساكر ـ 39 / 390.


الصفحة 211
وقد عصى معاوية ربّه بخروجه على إمام زمانه ووليّ أمره، الّذي جعل الله طاعته كطاعة الله ورسوله، كما جاء في قوله تعالى: { أَطِيعُواْ اللَّهَ وأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ }(1)..

وكما جاء في الحديث الشريف: " مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "(2).

____________

1- سورة النساء: الآية 59.

2- ذكره التفتازاني في شرح المقاصـد 2 / 275، وجعله لدّة قوله تعالى: (وأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ) في المفاد.

وحكاه الشيخ علي القاري ـ صاحب المرقاة ـ في خاتمة الجواهر المضيّة 2 / 509 ; وقد قال في ص 457: وقوله (عليه السلام) في صحيح مسلم: " مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "، معناه: مَن لم يعرف مَن يجب عليه الاقتداء والاهتداء به في أوانه. انتهى.


الصفحة 212
بل جاء في صحيح البخاري: عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: " مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه ; فإنّه مَن فارق الجماعة شبراً فمات إلاّ مات ميتة جاهلية "(1).

وجاء في صحيح مسلم: عن أبي هريرة، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " مَن خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومَن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية، ومَن خرج على أُمّتي يضـرب برّها وفاجرها ولا يتحاشـى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه "(2).

والقوم الّذين حاربوا أمير المؤمنين (عليه السلام) في صِـفّين سواء عرفوا إمام زمانهم ـ وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) اتّفاقاً قولا واحداً ـ أم جهلوه فإنّهم قد خرجوا عليه جميعاً، وقاتلوه وقلّبوا عليه الأُمور، وذهب ضحية حربهم تلك سبعون ألفاً من المسلمين، خمسة وأربعون ألفاً من أهل الشام وخمسة وعشرون ألفاً من أهل العراق(3).

هذا إذا لم نلتفت إلى أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عليّ (عليه السلام) خاصّة بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ـ كما مرّ ذكره سابقاً(4) ـ وأنّه سيقاتل على

____________

1- صحيح البخاري: 8 / 87 و 105 كتاب الفتن وكتاب الأحكام.

2- صحيح مسلم 6 / 21 باب: الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن.

3- البداية والنهاية 7 / 304.

4- انظر ص 202.


الصفحة 213
تأويل القرآن كما قاتل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على تنزيله(1).

وأقواله (صلى الله عليه وآله وسلم) الواردة بأنّ حرب عليّ (عليه السلام) حرب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وسِلمه سلمه، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ (عليه السلام): " حربك حربي، وسِلمك سِلمي "(2)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام): " أنا حـرب لمَن حاربكم، وسِلم لمَن سالمكم "(3).

ومن المعلوم أنّ مَن حاربه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كافر بالإجماع ; فلذلك يكون، وبدلالة الأحاديث السابقة، المحارب لعليّ (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام)كافراً أيضاً.

والأُمّة بعد أن اجتمعت على بيعة عليّ (عليه السلام) لا يحقّ لأحد تفريق كلمتها، بل تجب محاربته ; وفي هذا روى أحمد بن حنبل في مسنده عن

____________

1- مسند أحمد 3 / 31، 33، المستدرك على الصحيحين 3 / 122 وصحّحه، مجمع الزوائد 5 / 186 ; قال الهيثمي: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح.

2- شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 2 / 298 و 12 / 193 و 20 / 220، شواهد التنزيل 1 / 416.

3- مسند أحمد بن حنبل 2 / 442، سُنن الترمذي 5 / 360 ح 3962 ; يرويه بسند صحيح إلى زيد بن أرقم، المستدرك على الصحيحين 3 / 161 ; قال الحاكم: هذا حديث حسن من حديث أبي عبـد الله أحمد بن حنبل عن تليد بن سليمان. ثمّ ذكر له شاهداً بلفظ: " أنا حرب لمَن حاربتم، وسِلم لمَن سالمتم "، وكلا الحديثين أقرّ الذهبي بصحّتهما، مجمع الزوائد 9 / 169 ; قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، وفيه: تليد بن سليمان، وفيه خلاف، وبقيّة رجاله رجال الصحيح. انتهى.

قلنا: تليد بن سليمان وثقّه العجلي، ولم ير أحمد به بأساً ; انظر: معرفة الثقات 1 / 257، تهذيب الكمال 4 / 1521..

ويمكن ملاحظة بقية المصادر في ما تقدّم ذكره في الفصل السابق.


الصفحة 214
النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّها ستكون بعدي هنات وهنات، فمَن رأيتموه يفرّق بين أُمّة محمّـد (صلى الله عليه وسلم) وهم جميع فاقتلوه كائناً مَن كان من الناس "(1). انتهى.

ثمّ بعد هذا، ينبغي ملاحظة أنّ الأمر الوارد في قوله تعالى: { فَقَـتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى }(2)، يفيد الوجوب، والواجبات هي إحدى الأحكام الفرعية الخمسـة الّتي عليها مدار عمل المسلمين في الفروع، والامتثال لها هو من الدين حـتماً.

كما أنّ فقهاء وعلماء المسلمين قد استندوا في تنقيحهم لأحكام مجاهدة البغاة على حربه (عليه السلام) لمعاوية وأهل الجمل والنهروان ; قال الشافعي: أخذنا أحكام البغاة من سير عليّ(3).

الأمر الّذي يدلّ على أنّ هذه القضـية هي من صـميم الدين بل لها علاقة بأُصوله وفروعه!!

قال ابن العربي في أحكام القرآن: إنّ عليّاً (عليه السلام) كان إماماً ; لأنّهم اجتمعوا عليه، ولم يمكنه ترك الناس ; لأنّه كان أحقّ الناس بالبيعة، فقبلها حوطة على الأُمّة، وأن لا تسفك دماءها بالتهارج، ويتخـرّق الأمر، وربّما تغيّر الدين، وانقضّ عمود الإسلام.

وطلب أهل الشام منه التمكين من قتلة عثمان فقال لهم (عليه السلام): ادخلوا في البيعة واطلبوا الحـقّ تصلوا إليه..

وكان عليّ (عليه السلام) أسـدّهم رأياً وأصوب قولا ; لأنّه لو تعاطى القود

____________

1- مسند أحمد بن حنبل 4 / 341، سنن النسائي 7 / 93، المستدرك على الصحيحين 2 / 169 وصحّحـه.

2- سورة الحجرات: الآية 9.

3- راجع: المقالات السنّية ـ للشيخ عبـد الله الهرري الشافعي ـ ص 204.


الصفحة 215
لتعصّـبت لهم قبائلهم، فتكون حرباً ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد البيعة العامّة ثمّ ينظر في مجلس الحكم ويجري القضاء، ولا خلاف بين الأُمّة أنّه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى ذلك إلى إثارة الفتنة وتشـتيت الكلمة.

وحـينـئذ ; فكلّ مَن خرج على عليّ (عليه السلام) باغ، وقتال الباغي واجب حتّى يفيء إلى الحقّ، وينقاد إلى الصلح.

وأنّ قتاله أهل الشام الّذين أبوا الدخول في البيعة، وأهل الجمل والنهروان الّذين خلعوا بيعته حقّ، وكان حقّ الجميع أن يصلوا إليه ويجلسوا بين يديه ويطالبوه بما رأوا، فلمّا تركوا ذلك بأجمعهم صاروا بغاة، فتناولهم قوله تعالى: { فَقَـتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ }.

ولقد عتب معاوية على سـعد بن أبي وقّاص لعدم مشاركته له فقال سـعد رادّاً عليه: لقد ندمت على تأخّري عن قتال الفئة الباغية. يعني بها: معاوية ومَن تابعه(1).

وهذا المعنى لم يخالف فيه أحد ; قال الجصّاص في أحكام القرآن: قاتل عليّ وكان محقّاً في قتاله لهم، لم يخالف فيه أحد إلاّ الفئة الباغية الّتي قابلته وأتباعها(2).

وفي روح المعاني للآلوسي: عن الحاكم والبيهقي، عن عبـد الله بن عمر، قال: ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت في نفسي من هذه الآية، وهي قوله تعالى: { فَقَـتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى... }.. الآية ; حيث إنّي لم

____________

1- أحكام القرآن ـ لابن العربي ـ 2 / 224.

2- أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ 3 / 532.


الصفحة 216
أُقاتل الفئة الباغية ـ يعني: معاوية ومَن معه من الباغين ـ على عليّ (عليه السلام)(1). انتهى.

وعليه، فأقول للدليمي: لِمَ لا تُذكر هذه السيرة لأجل الاقتداء بها في مجاهدة البغاة والدعاة إلى النار، الّذين يبغونها عوجاً؟!

وفي هذا قال أبو بكر الجصّاص في كتابه المتقدّم: ولم يدفع أحد من علماء الأُمّة وفقهائها، سلفهم وخلفهم، وجوب ذلك، إلاّ قوم من الحشو وجهّال أصحاب الحديث ; فإنّهم أنكروا قتال الفئة الباغية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسلاح.

وسـمّوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فتنة، إذا احتيج فيه إلى حمل السلاح وقتال الفئة الباغية، مع ما قد سمعوا من قول الله تعالى: { فَقَـتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ }، وما يقتضـيه اللفظ من وجـوب قتالها بالسيف وغيره.

وزعموا مع ذلك أنّ السلطان لا يُنكر عليه الظلم والجور وقتل النفس الّتي حرّم الله، وإنّما ينكر على غير السلطان بالقول أو باليد بغير سلاح، فصاروا شـرّاً على الأُمّة من أعدائها المخالفين لها ; لأنّهم أقعدوا الناس عن قتال الفئة الباغية وعن الإنكار على السلطان الظلم والجور، حتّى أدّى إلى تغلّب الفجّار، بل المجوس وأعداء الإسلام، حتّى ذهبت الثغور، وشاع الظلم، وخرّبت البلاد، وذهب الدين والدنيا، وظهرت الزندقة والغلوّ ومذهب الثنوية والخرمية والمزدكية.

والّذي جلب ذلك كلّه عليهم: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن

____________

1- روح المعاني 26 / 151.


الصفحة 217
المنكر، والإنكار على السلطان الجائر. والله المستعان(1).

أقـول:

ولعلّ الدليمي حين أراد إخراج هذه القضـية من الدين، قد أراد ذلك بلحاظ المخاطبين فقط! وهم مسلمو اليوم، باعتبار أنّ هذه القضية ليست لها الآن ـ كما يُتصـوّر ـ مساس بعقائد المسلمين وفقههم، وأنّها مسألة تاريخية لا فائدة من تجديد البحث فيها، كما عبّر عن ذلك..

لكنّ الأمر ليس كذلك ; فما زالت آثار الخلافات بين الصحابة، وخاصّة بين عليّ (عليه السلام) وخصـومه، سارية المفعول في جسد المسلمين إلى الآن، والمسلمون منقسـمون بشأنها بين مؤيد ومعارض(2)، وليس من سبب لذلك إلاّ لقرب تلك الخلافات من مصادر التشريع الإسلامي، وهما: الكتاب والسُـنّة، وخاصّة السُـنّة النبوية المبيّنة للقرآن الكريم، والّتي كان للأُمويين دور كبير في تشويهها وتحريفها بإدخال الكذب عليها، وتسخير الأقلام المأجورة لوضـع الأحاديث فيها، والطعن في أهل بيت النبوّة الّذين أمر الله المسلمين بمودّتهم، وأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّته بالتمسّك بهم من بعده مع القرآن الكريم، وجعلهم أماناً للأُمّة من الاختلاف، وهو ـ أي هذا الانقسام ـ مؤسـف حقّاً، خاصّة بعد معرفتنا بأحقيّة عليّ (عليه السلام) في مطالبه

____________

1- أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ 2 / 43.

2- انظر: منهاج السُـنّة ـ لابن تيمية ـ في عدّة مواضـع منه لتجد تحامله على الإمام (عليه السلام) لحروبه مع أعدائه..

وإن شئت فانظر: المقالات السنّية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية ـ للشيخ عبـد الله الهرري الشافعي ـ: 202 ـ 206 ; لتقف على تلك المواضع وردود الشـيخ الهرري عليها.