الفصل الحادي عشر
الوسائط المشروعة
بين الخالق والمخلوق
" يقول سيّدنا عليّ (رضي الله عنه): (اعلم إنّ الّذي بيده خزائن السموات والأرض قد أذن لك في الدعاء، وتكلّف لك بالإجابة وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه مَن يحجبه عنك، ولم يلجئك إلى مَن يشفع لك إليه). ج 3 ص 47.
ـ قال: ـ وأمّا الوسائط والشفعاء الّذين جعلهم الإنسان ـ بجهله ـ بينه وبين ربّه فقد نفاها الله تعالى في مواضع لا تحصى من القرآن، كما في قوله: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَيَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاَ ءِ شُفَعَـؤُنَا عِندَ اللَّهِ ـ إلى قوله: ـ سُبْحَـنَهُ وَتَعَـلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }(1).
وقوله: { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِى مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِير * إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ا لْقِيَـمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير }(2).
وقوله: { أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِى أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ـ إلى قوله: ـ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـذِبٌ كَفَّارٌ }(3).
____________
1- سورة يونس: الآية 18.
2- سورة فاطر: الآيتان 13 و 14.
3- سورة الزمر: الآية 3.
فلم يلجئك إلى مَن يشفع لك إليه، فادعوه فإنّه قريب مجيب لا يحتاج إلى وسـيط "(2).
أقـول:
قد لا توجد حاجة للتعليق على كلام الكاتب هنا ; لأنّ الشفاعة الاقتراحية من الناس مرفوضـة كتاباً وسُـنّةً، وقد ذكرتُ في كتاب حقيقة الوهابية في الجزء الأوّل منه، في الفصل الخاصّ بالشفاعة، جميع ما يتعلّق بهذا الموضوع..
وقد قسّمت هناك ـ استناداً إلى القرآن الكريم ـ الشفاعة إلى قسمين: قسم عادل وصحيح، وآخر ظالم وغير صحيح، وقلت ـ بعد ذكر الآيات القرآنية المتعلّقة بموضوع الشفاعة ـ: المستفاد من مجموعها أنّ الشفاعة ثابتة لله تعالى أصالة وهو المالك لها، وتكون لغيره بإذنه ورضاه، وهي لا تكون يوم القيامة إلاّ لمَن ارتضاه الله تعالى وأذن له بالشفاعة.
وهذا هو الّذي تقتضـيه القواعد العقلية ; لانحصار مالكية كلّ شيء فيه تعالى، وجميع تلك الآيات المباركة تدلّ على عدم ثبوتها لغيره عزّ وجلّ اقتراحاً من الناس ومن دون مشيئة الله وارتضائه ; فتحمل الآيات النافية للشفاعة على الشفاعة الاقتراحية للناس.
فإنّ للشفاعة أقساماً، منها: ظالم وغير صحيح، ولا وجود لهذا القسم
____________
1- سورة البقرة: الآية 186.
2- ص 29.
فالشفاعة المنحرفة وغير الصحيحة هي الّتي تكسر القانون وتتناقض معه، أمّا الشفاعة الصحيحة فهي الّتي تحفظ القانون وتؤيّده، فالشفاعة المنحرفة تحاول تعويق القانون عن طريق الوساطة، وهي تحفظ المجرم من تطبيق القانون عليه بالتوسّل بالوساطة على الرغم من القانون ومن واضـعه ; لهذا فإنّ هدف القانون إذا طُبِّقت فيه هذه الشفاعة يمسي لغواً.
وهذه الشفاعة في الدنيا ظلمٌ، وفي الآخرة مستحيلة.
والاعتراضات أو الإشكالات الّتي يوردها الوهّابيّون وأتباعهم تتّجه إلى هذا اللون من الشفاعة، وهي شفاعة مرفوضـة من القرآن الكريم.
أمّا الشفاعة المقبولة والصحيحة فهي شيء آخر، ليس فيها ترجيح ولا استثناء، ولا نقض للقوانين، ولا تستلزم قهر إرادة واضع القانون، وهذا اللون من الشفاعة أيّده القرآن الكريم ونصّ عليه(1).
وقد ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله ـ كما في صحيح البخاري وغيره ـ: " أُعطيت خمساً لم يعطَهنّ أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيّما رجل في أُمّتي أدركته الصلاة فليصـلّ، وأُحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يُبعث إلى قومه خاصّة وبعثت إلى الناس عامّة "(2).
روى الديلمي في فردوسـه، والسيوطي في الجامع الصغير: عن أبي هريرة: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " الشفعاء خمسة: القرآن، والرحم،
____________
1- راجع كتابنا: حقيقة الوهّابية 1 / 230 ـ 231.
2- صحيح البخاري 1 / 86 كتاب التيمّم، صحيح مسلم 2 / 63، سُنن النسائي 1 / 209.
وقد ورد في نهج البلاغة أكثر من مورد فيه: أنّ القرآن شافع ومشفع.
قال الشيخ عبـد الله الهرري الشافعي، مفتي الصومال، في كتابه المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية، في المقالة الخامسة: منكرو التوسل أتباع ابن تيمية يقولون: لماذا تجعلون واسطة بقولكم: اللّهمّ إنّي أسألك بعبدك فلان؟ الله لا يحتاج إلى واسطة.
فيقال لهم: الواسطة قد تأتي بمعنى: المعين والمساعد، وهو محال بالنسبة إلى الله تعالى، أمّا الواسطة بمعنى: السبب، فالشرع والعقل لا ينفيانه ; فالله تعالى هو خالق الأسباب ومسبّباتها، وجعل الأدوية أسباباً للشفاء، وهو خالق الأدوية وخالق الشفاء بها، كذلك جعل الله تعالى التوسّل بالأنبياء والأولياء سبباً لنفع المتوسّلين.
ولولا أنّ التوسّل سبب من أسباب الانتفاع ما علّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الأعمى التوسّل به(2).
____________
1- كنز العمّال 14 / 390، الجامع الصغير 2 / 85.
2- روى أحمد في مسنده 4 / 138، وابن ماجة في سننه 1 / 441، والنسائي في السُـنن الكبرى 6 / 169، والترمذي في أبواب الدعاء من جامعه بسنده عن عثمان ابن حنيف: أنّ رجلا ضرير البصر أتى النبيّ فقال: ادعُ الله أن يعافيني.
قال: " إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، فهو خير لك ".
قال: فادعه.
قال: فأمره أن يتوضّـأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء:
" اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك، نبيّ الرحمة، يا محمّـد! إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللّهمّ فشفّعه فيَّ "..
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال الطبراني بعد ذكر طرق الحديث: إنّ الحديث صحيح، هذا كلام الحافظ المنذري.
وكذا نقل تصحيح الطبراني ووافقه: الحافظ الهيثمي في باب صلاة الحاجة من مجمع الزوائد.
ووافق على تصحيح الحديث أيضاً: النووي في باب أذكار صلاة الحاجة من كتب الأذكار، والحافظ في أمالي الأذكار، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى، وابن تيمية في غير موضـع من كتبه ; ونقل تصحيحه عن الترمذي والحاكم والحافظ أبي عبـد الله المقدّسي ـ صاحب المختارة ـ وغيرهم.
وبالجملة ; فالحديث صحيح بإجماع الحفّاظ، لا مطعن فيه ولا مغمز.
راجع كتابنا: حقيقة الوهّابية 2 / 11 ـ 17، لتجد دلالة حديث الأعمى على جواز التوسّل في جميع الحالات من اثني عشر وجهاً.
ولأنّ الأسباب إمّا ضرورية، كالأكل والشرب، وإمّا غير ضرورية، كالتوسّل، والمؤمن الّذي يتوسّل بالأنبياء والأولياء لا يعتقد أنّ كونهم وسطاء بينه وبين الله، بمعنى أنّ الله يستعين بهم في إيصال النفع للمتوسّل، بل يراهم أسباباً جعلها لحصول النفع بإذنه...
فقول هؤلاء المنكرون: لِمَ تجعلون وسائط بينكم وبين الله؟ لِمَ لا تطلبون حاجتكم من الله؟ كلام لا معنىً له ; لأنّ الشرع رخّص للمؤمن أن يطلب من الله حاجته من دون توسّل، وبين أن يطلب حاجته مع التوسّل.
فالّذي يقول: اللّهمّ إنّي أسألك بنبيّك، أو بجاه نبيّك، أو نحو ذلك، فقد سأل الله، كما أنّ الّذي يقول: اللّهمّ إنّي أسألك كذا وكذا، قد سأل الله، فكلا الأمرين سؤال من العبد إلى ربّه، وكلاهما داخل في حديث: " إذا
وللإحاطة بموضوعي الشفاعة والتوسّل، بل وبما يورده الوهّابيّون وأتباعهم من إشكالات في قضايا التوحيد، ومعنى العبادة(2)، وزيارة القبور وبنائها، وغيرها، أنصح الدليمي ـ وغيره ـ بالعودة إلى كتابنا حقيقة الوهّابية بجزأيه الأوّل والثاني ; فإنّ فيه التفصيل لكلّ دليل إن شاء الله تعالى.
وأمّا قوله (عليه السلام) الوارد في وصيّته لابنه الحسن (عليه السلام): " ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه "(3)، فهو لا يدلّ على نفي الشفاعة أو حرمتها، كيف؟! وقد ثبتت بالأدلّة القاطعة من الكتاب والسُـنّة!!
وإنّما كان (عليه السلام) بصدد بيان أنّ الله عزّ وجلّ لم يجبر الإنسان على فعل المعاصي الّتي تضطرّه إلى طلب شفاعة الشافعين ; لأنّ اللجوء إلى طلب الشفاعة لا يكون إلاّ بعد اجتراء المعاصي الّتي تحصل بفعل الإنسان واختياره، لِما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: " إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي "(4).
____________
1- المقالات السنية: 239.
2- من الأُمور الّتي اشتبهت على الوهّابيّـين وأتباعهم أنّهم يحسبون كلّ نداء عبادة ; فلو قال القائل مثلا: يا عليّ! اسأل الله أن يغفر لي، قالوا: ذلك عبادة لعليّ (عليه السلام).
والحال أنّ العبادة معنىً مركّب من جزءين يتحقّق بتحقّقهما وينتفي بانتفائهما، أو بانتفاء أحدهما، وهما: الاعتقاد بالإلوهية + الخضـوع القلبي ; فمَن كان معتقداً بالإلوهية دون الخضوع القلبي ـ كإبليس مثلا ـ لا يُسمّى عابداً، ومَن كان خاضعاً بقلبه لأحـد ما، كخضوعه للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو الإمام، أو الأب، دون الاعتقاد بإلوهيّته لا يسمّى عابداً أيضاً.
3- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 47.
4- كتاب السُـنّة: 385 ; قال الألباني ـ محقّق الكتاب ـ: الحديث صحيح، ورجاله ثقات رجال البخاري غير الفضل بن عبـد الوهّاب ; فلم أعرفه، لكن الحديث صحيح بما بعده من الطرق. انتهى.
وعلى أية حال، فقد بيّـنّا سابقاً أنّ طلب دعاء الشفيع المأذون بالشفاعة من قبل الله عزّ وجلّ، كالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، أو التوسّل به أو بهم إلى الله تعالى، هو في الحقيقة لجوء إلى الله تعالى لا لجوء إلى الشفيع ; لأنّ الشفاعة المأذون بها هي من جملة الأسباب الّتي شرّعها الله لعباده من أجل نيل رحمته سبحانه.
أمّا عن اعتراض الدليمي على التوسّط بطلب الدعاء من الآخرين، وقوله: " فادعوه ; فإنّه قريب مجيب لا يحتاج إلى وسيط ".
فأقول:
ثبت أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للمسلمين: " اسألوا الله لي الوسيلة "، وهي أعلى درجة في الجنّة، فهل تراه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعلم أنّ الله عزّ وجلّ قريب مجيب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ولا يحتاج إلى وسيط فطلب سؤال المسلمين له، وعلِم بذلك الدليمي دونه؟!!
نعوذ بالله من زلل الأقلام وأيف الأفهام، ونسأله العافية، وتمام العافية، والشكر على العافية، بحقّ محمّـد وآله الكرام.
____________
1- شرح نهج البلاغة ـ لابن ميثم البحراني ـ 2 / 377.
الفصل الثاني عشر
مهمّة ولاة الأمر
في الإسلام
" يقول تعالى: { يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ ذَا لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }(1).
ـ قال: ـ فأفرد تعالى لنفسه طاعة ولرسوله (صلى الله عليه وسلم) طاعة ولم يفرد لأُولي الأمر طاعة مستقلّة بهم، إنّما طاعتهم داخلة تحت طاعة الله وطاعة رسوله، وأرشد عند النزاع أن نردّ الأمر إلى الله والرسول ولم يقل: (أُولي الأمر)، فلم يجعل لأُولي الأمر شيء عند النزاع، فليس هناك أحد يُردّ إليه الأمر عند النزاع غير الله والرسول.
وإليك ما ورد عن سـيّدنا عليّ (رضي الله عنه) في نهج البلاغة من تفسير هذه الآية طبّقه على نفسه لمّا نازعه القوم فردّهم إلى كتاب الله ولم يردّهم إلى نفسه: (ولمّا دعانا القوم إلى أن يحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولّي عن كتاب الله، وقد قال الله سبحانه: { فَإِنْ تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ; فردّه إلى الله أن نحكم بكتابه، وردّه إلى الرسول أن نأخذ بسُـنّته). ج 2 ص 5.
____________
1- سورة النساء: الآية 59.
ويقول في موضع آخر: (واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الأُمور ; فقد قال الله تعالى لقوم أحبّ إرشادهم: { يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ; فالردّ إلى الله الأخذ بمحكم كتابه، والردّ إلى الرسول الأخذ بسُـنّته الجامعة غير المفرّقة). ج 3 ص 93 ـ 94 "(1).
أقول:
اشـتبه على الكاتب هنا معرفـة مهمّة ولاة الأمـر، وحسب أنّ ولاة الأمـر لا دور لهم عند حـدوث التنازع بين المؤمنين، وأنّ الرجـوع يكون للكتاب والسُـنّة فقط، حسب ما فهمه من الآية " 59 " من سورة النساء، وغاب عنه أنّ حذف كلمة " أُولي الأمر " في عجز الآية كان اعتماداً على قرينة سابقة.
والحذف جائز، بل يجب ـ كما هو معلوم في علم البلاغة ـ إذا دلَّ على المعنى المراد دليل من قرينة لفظية أو حالية، سابقة أو مقارنة.
وقد سبق في صدر الآية أن ساوى بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة، فعُلم أنّ الردّ يكون إليهم كما يكون لله والرسول، ويؤيّد هذا المعنى ما ورد في الآية الثانية: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الاَْمْرِ
____________
1- ص 31 ـ 32.
ومهمة ولاة الأمـر في الأساس هي المحافظة على تطبيق الشريعة الإسلامية بطرفيها: الكتاب الكريم، والسُـنّة الشريفة المبيّنة له، وإيقاف المسلمين على أحكامهما، وتوضيح ما استشكل على المسلمين فهمه من أُمور دينهم، سواء ما كان منه في أُمور العقائد، أو في العبادات والمعاملات وغيرها.
وقد ورد عن أمير المومنين (عليه السلام) قوله في نهج البلاغة: " السلطان وزعة الله في أرضـه "(2)، وهذه المهمّة العظيمة لولاة الأمر لا يستطيع القيام بها على الوجه الصحيح إلاّ مَن كان معصوماً ; لذا استدلّ الفخر الرازي على عصـمة أُولي الأمر في الآية " 59 " من سورة النساء ; لمحلّ الجزم بطاعتهم، في ما نقلناه عنه سابقاً(3).
____________
1- سورة النساء: الآية 83.
2- الوزعة ـ بالتحريك ـ: جمع وازع، وهو: الحاكم يمنع من مخالفة الشريعة، والإخبار بالجمع ; لأنّ " أل " في السلطان للجنس..
راجع: نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 4 / 78.
وقد ورد عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) قوله في الإمامة أو ولاية الأمر، فالمعنى واحد:
" إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين، إنّ الإمامة أُس الإسلام النامي، وفرعه السامي..
بالإمام تمام الصلاة والزكاة والحجّ والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف..
فالإمام يحلّ حلال الله ويحرّم حرامه، ويقيم حدود الله، ويذبّ عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجّة البالغة... ".
راجع: تمام كلامه (عليه السلام) في أُصول الكافي 1 / 198.
3- انظر: ص 302 ـ 303.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوالي عليّاً من بعدي، وليوالِ وليّه، وليقتدِ بأهل بيتي من بعدي ; فإنّهم عترتي، خُلقوا من طينتي، ورُزقوا فهمي وعلمي "(2).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي "(3).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومَن عصى عليّاً فقد عصاني "(4).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " اللّهمّ مَن آمن بي وصدّقـني، فليتولّ عليّ بن أبي طالب ; فإنّ ولايته ولايتي، وولايتي ولاية الله عزّ وجلّ "(5).
____________
1- راجع مَن ذكر أنّ " أُولي الأمر " في قوله تعالى: في الآية " 59 " من سورة النساء هم: عليّ والأئمّة من ولده: الفخر الرازي في تفسيره 3 / 357، الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1 / 89، أبو حيّان الأندلسي في البحر المحيط 3 / 278، الحافظ الحنفي في ينابيع المودّة 1 / 341 و 350.
2- سبق ذكر مصادره في ص 173 ; وانظر: ص 254.
3- تقدّم ذكر مصادره بالتفصيل في الفصل الرابع من هذا الكتاب عند ذكر النصوص الواردة بالنص على عليّ (عليه السلام) بالخلافة ; انظر: ص 134.
4- سبق ذكر مصادره في ص 169.
5- تاريخ دمشق 42 / 239، كنز العمّال 11 / 611 ; يرويه عن الطبراني، مجمع الزوائد 9 / 108 ; يرويه بلفظ: " مَن تولاّه فقد تولاّني "، قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين أحسب فيهما جماعة ضعفاء، وقد وثّقوا. انتهى.
وانظر: ص 172.
وسنطبّق هذا المعنى ـ الّذي أشرنا إليه ـ من خلال الكتاب نفسـه، الّذي كان يقرأه الكاتب، وهو كتاب نهج البلاغة، بل ومن خلال النصّ الّذي جاء به أيضاً..
قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسيره لكيفيّة الردّ إلى الله والرسول الوارد في الآية الكريمة ـ " 59 " من سورة النساء ـ: " الردّ إلى الله أن نأخذ بمحكم كتابه(1)، والردّ إلى الرسول الأخذ بسُـنّته الجامعة غير المفرّقة "(2).
فإنّ الإنصات إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ كونه وليّ الأمر الواجب الطاعة في زمانه ـ في تفسيره لكيفيّة الردّ إلى الله والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عند التنازع كان يحلّ أي مشكلة يمكن أن تحصل بين المسلمين في زمانه،
____________
1- محكم الكتاب: نصّـه الصريح.
2- سُـنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّها جامعة، ولكن رويت عنه سُـنن افترقت بها الآراء ; فإذا أخذت فخُـذْ بما أُجمع عليه، ممّا لا يختلف في نسبته إليه.
نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 94.
فهل ترى أنّ مثل هذا الاختلاف يحلّ المشكلة؟!
وهل يعدّ فعلهما ردّاً إلى الله ورسوله مع أنّ كليهما حسب الظاهر ردّ إلى الله والرسول؟!!
ومن ذلك، أي ضرورة الأخذ بقول ولاة الأمر الشرعيّين وإطاعتهم، نعلم أهمّية دور أُولي الأمر في إيقاف المسلمين على البيان الصحيح للكتاب والسُـنّة، اللّذين يُعدّان المرجعين الوحيدين للمسلمين في حلّ النزاعات الدائرة بينهم ; فتدبّر!
معرفة ولاة الأمر له دخل في حسن العاقبة:
بل علمنا ـ أيضاً ـ أنّ معرفة ولاة الأمر أمر واجب على كلّ مسلم ومسلمة، وفي كلّ زمان ومكان، وأنّ لهذا الأمر دخل في حسن عاقبة المرء من عدمها..
جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: " مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "(1).
____________
1- سبقت الإشارة إلى مصادره في ص 202..
وممّا ورد في مضمون هذا الحديث قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية "..
كتاب السُـنّة: 489 ; قال الألباني: إسناده حسن، مسند أبي يعلى 13 / 366، المعجم الأوسط 6 / 70، كنز العمّال 1 / 207، مجمع الزوائد 5 / 224 و 225.
وجاء في الجامـع لأحكام القرآن ـ للقرطـبي ـ 10 / 297، والدرّ المنـثور ـ للسيوطي ـ 4 / 194: عن ابن مردويه، عن عليّ (رضي الله عنه)، قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاس بِإِمَـمِهِمْ)، قال: يُدعى كلّ قوم بإمام زمانهم وكتاب ربّهم وسُـنّة نبيّهم ". انتهى.
وهناك جملة من الأحاديث الواردة في هذا المضمون يمكن متابعتها مع مصادرها في موسوعة الغدير 10 / 272 و 273.
وقد بيّن الإمام أمير المؤمنين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في كلام له في النهج هؤلاء الأئمّة الّذين " لا يدخل الجنّة إلاّ مَن عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلاّ مَن أنكرهم وأنكروه "، إذ قال: " إنّ الأئمّة من قريش، غُرسوا في هذا البطن من هاشـم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم "(2).
وقد أخرج ابن حجر في الصواعق المحرقة عن كتاب الشفاء للقاضي عياض، بسنده عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: " معرفة آل محمّـد براءة من النار، وحـبّ آل محمّـد جواز على الصراط، والولاية لآل محمّـد أمان من العذاب "(3).
وعن الطبراني، والهيثمي، وابن حجر، والسيوطي: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)
____________
1- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 40.
2- نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 2 / 27.
3- الصواعق المحرقة: 45، وانظر: كتاب الشفا، آخر ص 47 من القسم الثاني.
راجع كذلك: الإتحاف بحبّ الأشراف ـ للشبراوي الشافعي ـ: 4، ينابيع المودّة ـ للشيخ سليمان البلخي الحنفي ـ 1 / 78.