وإن كنت تنجح لصحة التوراة الرائجة فعليك أن تفسر ما يوهم التشبيه، ويقول: إن الإنسان بصورته ومثاله خلقه الله، وعلى صورة مثال خلقه الله ذكرا وأنثى ولم يخلقه روحا مجردة.. وإن العهدين - وخصوص التوراة - لتنوه صراحتهما المكررة بوحدة الإله، فلماذا تحمل مشتبهات ألفاظها وأغلاطها على التعدد الذي يشمئز العقل والفطرة من فرض إمكانه؟! ومن لا يرضى بالعقل فيصلا في معرفة الإله كيف تقبل منه في أوهامه هذه الأغاليط المتضاعفة والغفلات المتراكمة؟!
[ 15 ]
وأما قول توراتك: (الإنسان صار كواحد منا).
فلسنا نحتاج في إبطاله نحتاج في إبطاله إلى أن نذكرك بما ذكرناه إجمالا من حال توراتكم، وخصوص هرجها ومرجها في الغلط والاضطراب بالضمائر والحروف.
بل يكفي في سخافته كونه كلام متحسر مقهور نادم مغبون، يمكن أن تستلب منه صفاته الخاصة بالقهر والاختلاس، إلا أن يتحذر عما يأتي ويحامي عن حوزة استبداده بإعمال التدابير اللازمة.
بل مقتضاه مع الكلام السابق أن آدم قد تم له دست الألوهية،
____________
(98) مز 89: 6.
(99) أش 40: 18 و 25، و 46: 5.
ثم التفت - عافاك الله - إلى قول توراتكم: (إن الله خلق آدم على صورته وشبهه) وما هي تلك الصورة؟! ولا تقدر أن تقول هي صفة المعرفة، لأن ذلك كان قبل أن يصير عارفا بالخير والشر!
[ 16 ]
وأما قول توراتكم - التي شرحنا حالها -: (هلم ننزل ونبلبل.. إلى آخره).
فهو قول من لم يفهم من صراحة توراتكم معناها السخيف، فإنها قالت قبل ذلك: (فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما، وقال الرب: هو ذا شعب واحد، ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل نبلبل.. إلى آخره) وحاصل هذه الخرافة هو أن الله القادر يقول جل شأنه: إن بناءهم لهذا الاستحكام يؤول إلى استقلال هذه الرعية، فلا بد من تدارك هذا الأمر قبل أن يحدث ما لا يمكن دفعه، وفي ذلك الحال قال: (هلم ننزل) فلا بد أن يكون قد طلب النزول ممكن لم ينزل معه.
فإن زعمت أن ذلك طلب لنزول الأقنومين اللذين بقيا في السماء ولم ينزلا معه.
قلنا: سامحناك في سخافة هذا الزعم، ولكنه دعوى بلا شاهد، ولو بمثل سخافتها! ولماذا لا يكون طلبا لنزول جند السماء وروح الكذب؟! كما ذكرت كتب إلهامكم في تاريخ (اخاب) ملك إسرائيل، أن الرب كان
[ 17 ]
وأما قولك: (ودانيال يخبرنا في كتابه أن الله قال لبخت نصر: لك نقول يا بخت نصر).
فإنه كلام اتبعت فيه غفلة المدعو بعبد المسيح، فإن الذي تنسبه لدانيال إنما نصه في الأصل العبراني (لك آمرين نبوخذ نصر، لك طاردين) والتراجم العربية والفارسية مما عندي قد تجمعت ذلك بقولها: (لك يقولون) أو (لك يقال) أو (لك قيل) مع أنها اتفقت على ترجمة (طاردين) بيطردونك (100).
[ 18 ]
وأما قولك: (إن التوراة تقول في مقام آخر: إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، فكررت لفظ الجلالة ثلاث مرات تفصيلا للجمع المتقدم، وإشارة إلى أن في هذا الموضع سرا وهو أن الله واحد ذو ثلاثة أقانيم، فثلاثة أقانيم إله واحد، وإله واحد ثلاثة أقانيم، فأي دليل أوضح، وأي نور أضوأ من هذا).
____________
(100) أنظر: دا 4: 31 و 32.
عافاك الله، فكم يوقعك الاتباع للسلف في المهاوي، فإن احتجاجك هذا لو سامحناك في جميع مقدماته - التي نسأل الله أن يعافي من وبالها كل من لم يعاند الله بالشرك - لكانت نتيجتها الشوهاء،: إما تربيع الأقانيم، أو مذهب المجوس في التثنية، فإن الذي في الأصل العبراني هكذا تعريبه. (إله آبائك إله إبراهيم إله إسحاق وإله يعقوب) (101).
فإنك إن تشبثت بتكرار لفظ الجلالة فقد تكرر أربع مرات، وإن اعتمدت على المغايرة بالعطف بالواو فليس في المقام إلا عطف واحد، أفتقول: إن الإله أربعة؟! أحدهم إله الآباء خاصة، وثانيهم إله إبراهيم خاصة، وثالثهم إله إسحاق خاصة، ورابعهم إله يعقوب خاصة، واختص بالعطف بالواو لأجل امتيازه عن الآخرين، فتقول: إنه امتاز عنهم بمصارعته ليعقوب (102) وبمؤاتاته له في أخذ البركة من إسحاق بالخديعة والكذب (103)!
أم تقول: إن المتكرر بلا عطف هو واحد، والمعطوف هو ثان كقول المجوس.. وإن المجوسي ليأخذك بمثل شطط حجتك، ويقول لك: إن توراتكم تقول (الهيم) وإن لغتها لا تميز بين التثنية والجمع، وقد تبينت هذا
____________
(101) خر 3: 6 و 15، و 4: 5.
(102) تك 32: 24 - 32.
(103) تك 27: 14 - 40.
[ 19 ]
وأما احتجاجك بقول توراتكم في شأن إبراهيم: (وظهر له الرب عند بلوطات (ممرا) وهو جالس في باب الخيمة، فرفع عينيه ونظر، إذا ثلاث رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض لاستقبالهم وسجد إلى الأرض، وقال: يا سيد، إن كنت وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك).
فإن اتباعك لغفلة المدعو بعبد المسيح قد أغفلك عن التدبر في محاورات توراتكم التي عرفت حالها، فإنها كثيرا ما تسمي الملاك بالله والرب، جهلا من كاتبها، الذي استعار لها اسم التوراة الحقيقية، أو لأنه قد دفعه إلى ذلك طوايا الوثنية وعبادة جند السماء!
أفلا تراها بينما تكرر أن الرب يسير أمام بني إسرائيل (105) إذ تقول: إن السائر هو ملاك الرب (106) وتقول: إن الذي ظهر لموسى في عليقة النار هو ملاك الرب (107)؟! كما صرح به استفانوسكم الذي تقولون: إنه ممتلئ من الروح القدس!
____________
(104) تك 28: 13.
(105) خر 13: 21 و 14: 34، وعد 14: 14، وتث 1: 32 مع 33.
(106) خر 14: 19، وعد 20: 16.
(107) خر 3: 2.
وإن سفر القضاة قد نسب إلى ملاك الرب ما نسبته التوراة إلى الله جل اسمه ففيه: (وصعد ملاك الرب من الجلجال إلى (بوكيم) وقال: قد أصعدتكم من مصر، وأتيت بكم إلى الأرض التي أقسمت لآبائكم وقلت: لا أنكث عهدي معكم إلى الأبد، وأنتم فلا تقطعوا عهدا مع سكان هذه الأرض، اهدموا مذابحهم، فلا تسمعوا لصوتي، فماذا عملتم، فقلت: لا أطردهم من أمامكم، بل يكونون لكم وتكون آلهتهم لكم شركا، وكان لما تكلم ملاك الرب بهذا الكلام) (111).
ثم قل - هداك الله وعافاك -: ما صورة احتجاجك بقصة إبراهيم؟! أتقول - عافاك الله -: إن إبراهيم كان عارفا بأن الرجال الثلاثة كانوا أقانيم الإله الواحد، ولذلك خاطبهم خطاب الواحد، لأجل أنهم وإن كانوا ثلاثة فهم واحد حقيقة، ومن أجل هذه المعرفة دعاهم إلى الضيافة ليغسلوا أرجلهم، ويتكئوا تحت الشجرة، ويسندوا قلوبهم بكسرة خبز، فعمل لهم ثلاث كيلات خبز ملة وعجلا سمينا وزبدا ولبنا ووضعها قدامهم فأكلوا؟!
____________
(108) خر 3: 16.
(109) وهو كثير في التوراة وعليه مدارها، فانظر: خر 3: 4 و 11، و 4: 10، وعد 12: 8.
(110) أع 7: 38.
(111) قض 2: 1 - 5.
أم تقول: إن إبراهيم لم يكن عارفا بأنهم أقانيم الإله الواحد، ولكن اتفاق هذه الواقعة في تعدد الرجال ووحدة الخطاب يشير إلى تثليث الأقانيم؟!
قلنا: وحاصل ما تقول إذن أن وحدة الخطاب مع تعدد الرجال كان غلطا، ولكنه يشير إلى تثليث أقانيم الإله الواحد، فبخ بخ لك في هذه الحجة، وهل يناسب الغلط أن يحتج له بغير الغلط؟!
ولكن المجوسي يحتج عليك بأقوى من حجتك ويقول: إن هذا الغلط، الاتفاقي لا يصلح حجة، ولكن الحجة هو الغلط اللازم في المرض المزمن، وهو كون الأحول يرى الواحد اثنين متماثلين، فيه إشارة إلى أن الإله الذي يعتبره الموحدون واحدا إنما هو اثنان!
ثم يجئ الوثني ويقول للمثلث والمثنى: لا ينبغي أن يحتج لمثل هذه المعرفة بالغلط، بل إن التوراة كثيرا ما خاطبت الألوف المتعددة - من بعيد - شبحا واحدا، وفي هذا كله إشارة إلى أن الإله الذي يعتبره الموحدون واحدا إنما هو ألوف من الأوثان!
عافاك الله، وليس للموحد حينئذ إلا أن يوقفه العجب موقف
[ 20 ]
وأما قولك: (قال داود: بكلمة الله صنعت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز 33: 6). فذكر الله وكلمته وروحه. الأقانيم الثلاثة).
فلم تعد فيه أن تكون تابعا لغفلة المدعو بعبد المسيح، أفلم تنظر في المزمور الذي تذكره لكي ترى فيه قوله: (في خلق الله للسماوات اسم الرب، لأنه أمر فخلقت) (112).
ألم تسمع من إنجيلكم نقله عن قول المسيح: (إنه مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله) (113) وأشير بالمكتوب إلى قول التوراة ذلك مع زيادة في النقل، فإن نص الذي في التوراة (بل بما يخرج من فم الله) (114).
أفلم تعلم من ذلك أن المراد بالكلمة هو فيض الله عليه العالم بالتكوين والتعليم والتشريع، فقيل عن الفيض: إنه كلمة.. وأمر.. وليكن.. وكلمة تخرج من فم الله.. وريح فمه، أو روح فمه، أفلا تفهم من قوله: (ريح فمه) أو (روح فمه) أنه كناية عن الفيض والمشيئة التكوينية التي يعبر عنها بكن.. ولتكن.. وكلمة، كما تذكر التوراة خلق الأشياء بقوله جل اسمه: (يهي) أي: لتكن.
عافاك الله، وقد موه قلبك عبد المسيح فأخبر جازما بأن الذي في
____________
(112) مز 148: 5.
(113) مت 4: 4، ولو 4: 4.
(114) تث 8: 3.
والحاصل أن كلمة الله، وريح فمه، ونسمة فمه، بل وروح فمه، هذه كلها كناية عن مشيئة الله التي بها أوجدت السماوات وكل جنودها.
[ 21 ]
وأما حجتك بقول المزامير: (لكلمة الله اسبح).
فإنك اتبعت فيه عبد المسيح، وهو غير معتمد في نقله، ولم نجد هذا المنقول على الاستعجال في المزامير لننظر فيه!
ولكنا نقول: هبه صدق في النقل، وهبنا أغمضنا عن مشاركة المزامير للتوراة في وجوه الخلل التي ذكرناها، فإنا يكفينا في جهالته في حجته أنه جاء في المزامير: (في كل يوم أباركك وأسبح اسمك.. دور إلى دور يسبح أعمالك وبجبروتك يخبرون) (115).
فهل تقول: إن اسم الله هو الأقنوم الرابع؟! وإن أعمال الله أقانيم لا تحصى، وهي الله؟! أم لم تدر بأنه يوجد مثل هذا أيضا في المزامير؟!!
[ 22 ]
وأما احتجاجك بقول المزامير أيضا: (تبارك الله إلهنا، تبارك الله يوما فيوما، يسهله الله علينا).
فقد سمعناه قبلك من المدعو بعبد المسيح، ولم نجد لمنقولكما في المزامير عينا ولا أثرا يشبه به إلا قولها: (مبارك السيد يوما فيوما، يحملنا إله خلاصنا، الله لنا إله خلاص) وكيف كان، فخرافة هذا الاحتجاج
____________
(115) مر 145: 2 و 4.
[ 23 ]
وأما احتجاجك بالقول المنسوب لأشعيا: (والآن السيد الرب أرسلني وروحه).
فلماذا غفلت فيه، كالمدعو بعبد المسيح، أو تغافلتما عن أن روح الرب هو الملاك الذي يكلم الأنبياء ويكون واسطة في إرسالهم؟! حتى أن التوراة الرائجة تسميه الله والرب، كما ذكرناه عن التوراة واستفانوسكم في شأن الذي كلم موسى وظهر له وسار معه.
[ 24 ]
وأما احتجاجك بما يذكره إنجيلكم عن قول المسيح: (وعمدوهم باسم الإله، واسم النبي العبد الصالح صاحب الدعوة ومبلغ الرسالة، واسم الروح القدس الملك المتوسط بين الله ورسله في الوحي.. ليعترفوا بالإله الواحد، ويصدقوا برسالة النبي ووحيه بواسطة الروح القدس، فإن الابن في اصطلاح العهدين هو الموحد والمؤمن كما سمت التوراة بني إسرائيل بالابن البكر (116) وقال الإنجيل: (لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات) (117).
وبمقتضى احتجاجاتك هذه الأربع أنك لا بد لك من تربيع
____________
(116) خر 4: 22 و 23.
(117) مت 5: 45.
[ 25 ]
وأما قولك: (وقال الكتاب المقدس: فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة، الأب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد).
فقد غشتك فيه أمانيك، وغالطك - عافاك الله - هواك، ولئن كنت لا تدري فإنا ندري بأن العهد الجديد الذي هو كملكي صاروق (119) بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداية أيام معلومة له، ولا نهاية وقوف لتقلبه، لطالما يقئ هذه الفقرة ثم يوجرها العناد في حلقه، وأن الكثير من أسلافك وقدوتك ومصلحيك قد أنكر هذه الفقرة فأسقطت حتى في التراجم المطبوعة في هذا الدور! وأن أنكر المطبوعات تجعلهما بين الخطين الهلاليين الذين هما علامة الشك فيها وعدم وجودها في أقدم النسخ وأوضحها.
[ 26 ]
وأما قولك: (وأما ألوهية المسيح فلا ينبغي بعد هذا أن يرتاب فيها ذو عقل).
فلهفي عليك فيه من غفلتك عما شرحنا لك فيما أشرت إليه:
____________
(118) 1 يو 4: 8 و 16.
(119) عب 7: 3.
| فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة | وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم (120) |
عافاك الله، إن أناجيلك هي التي تذكر في شأن المسيح ما لا يكون إلا من عبد مخلوق، حادث، فقير ضعيف، لا يقدر على شئ إلا بإقدار الله، ولا يعلم ما يعلمه الله، ولم يتخلص من غواية الشيطان، وتصرفه به، وطمعه في تكفيره إلا بعد اللتيا والتي.
[ 27 ]
وأما قولك: (إن المسيح ذاته قد كشف القناع عن ذلك باحتجاجه على اليهود في قوله لهم له المجد: أليس مكتوبا في ناموسكم، أنا قلت: إنكم آلهة. إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله ولا يمكن أن ينقض المكتوب. فالذي قدسه الأب وأرسله إلى العالم أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله).
فقد كنت أظن أن ذا الفطنة منكم يستر هذا على كتابه، أفلست ترى هذا القول يجاهر بتعدد الآلهة الكثيرة على خلاف ما تقوله التوراة، بل وجميع كتبكم؟! ولا أبهظك بذكر العقل الذي تضجر من اسمه وحكمه.
وزيادة على هذا، إن هذا المحتج - وحاشا المسيح من ذلك - لم يفهم ما في ما في المزمور الثاني والثامنين، فلم يفهم أنه مسوق للإنكار والتوبيخ، وإلا كان من أقبح الشرك، ومع سوء الفهم لم يأت بشئ في حجته المضحكة أو المبكية! فإنه بعد إن وقع في أقبح ما يكون من سوء الفهم، والشرك، ونسبته إلى الوحي، لم يثبت للمسيح إلا كونه ابن الله، وكتبكم
____________
(120) (م).
وبهذا تعرف ما في تشبثك بقول إنجيلكم: (إنه جاء صوت من السماء: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت) فإنه على سخافة مستنده لا يدل - باصطلاح العهدين - إلا على أنه مؤمن محبوب، ولكنه لا يبلغ فضل الابن البكر، وهم بنو إسرائيل!
[ 28 ]
وأما قولك: (إن وحي بولس أوضح الحجة إذ قال - لمن من الملائكة قال قط: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك -: وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا).
فنقول فيه: إن هذا الوحي انتهب نهارا جهارا وهو يحسب أنه اختلس ليلا، فإن الفقرة الأولى قد جاءت في المزمور الثاني وهي لا تنطبق على المسيح، لأن ولادته بأي نحو كانت لم تكن في اليوم الذي كتب فيه هذا المزمور، أو أوحي على زعمكم، لأن ولادات المسيح عندكم دائرة بين الولادة الأزلية، أو الولادة الكائنة في بيت لحم، أو التي عند اعتماده من يوحنا بعد ثلاثين سنة من عمره الشريف!
وأما الفقرة الثانية، فإن كتابكم صريح بأنها مقولة في سليمان بن داود (121).
وقال بعض الظرفاء: ما أشأم التسمية بالابن على التوحيد، فقد سمت التوراة الرائجة بني إسرائيل بالابن البكر، فكان منهم ما كان من تقلبهم في الشرك، وتمردهم على التوحيد، من يوم عبادة العجل إلى سبي
____________
(121) 1 أي 22: 9 و 10، و 2 صم 7: 12 - 16.
وسمى (صموئيل الثاني) و (الأيام الأول) سليمان بالابن، وقد ذكر (الملوك الأول) أن سليمان - وحاشاه - مال قلبه وراء آلهة أخرى، وذهب وراء عشتاروت آلهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين، وبنى مرتفعة لكموش الصنمين وذلك عبادة لهما.
وسمت الأناجيل المسيح بالابن، فجاء الناس من ذلك بداهية التثليث، فصار المنادون يهتفون بنعي الإله ليبشروا بالفداء والتفلت من الشريعة.
[ 29 ]
وأما تشبثك بقولك: (وإن شئت التثبت في الاستيضاح فراجع المثل الذي ضربه المسيح بغارس الكرم، إذ أرسل إلى الكرامين عبيده ثم ابنه من بعدهم).
فقد سمعنا بذلك قبلك عن أناستاس الكرملي نزيل بغداد حالا، فراجعنا المثل - عافاك الله - وإنه لو صحت الأحلام بنسبته للمسيح لما كان فيه إلا التمثيل لإرسال الأقرب منزلة بعد من هو دونه، ولا ينكر أن المسيح أقرب منزلة إلى الله مما عدا موسى من أنبياء بني إسرائيل الذين هم من أتباع موسى.
وإن الالتزام بالمطابقة بين المثل له في جميع الخصوصيات المذكورة في المثل ليفضي إلى أقبح الكفر، فإن المثل يقول: إن غارس الكرم سافر، ويقول: إنه غرته الأوهام، وقال في عملة الكرم: إنهم يهابون ابني، فخاب ظنه وضل رأيه فلم يهابوا ابنه! أفتقول ذلك في الله جل شأنه؟!
[ 30 ]
وأما قولك بأن (المسيح طلب من الأعمى الذي شفاه أن يؤمن بهذه الحقيقة قائلا: أتؤمن بابن الله؟ فأجاب الأعمى: من هو لكي أؤمن به؟ فقال له: إن الذي يتكلم معك هو هو. فقال الأعمى: أؤمن وسجد له).
فقد سمعناه قبلك أيضا من اناستاس، ولو صح هذا الكلام عن المسيح - وأنى - لما عدا أن يكون جاريا على اصطلاح العهدين من تسمية المؤمن الصالح بابن الله.
[ 31 ]
وأما قولك: (إن هذا الأعمى ومريم المجدلية ومريم أم يعقوب والتلاميذ سجدوا للمسيح ولم يردعهم، مع أن السجود لا يحق إلا لله، فكيف يرضى المسيح أن يسجدوا له لو لم يكن إلها حقيقة).
فقد سمعناه قبلك أيضا عن احتجاجات أناستاس، وكنا نعجب من أن الذي ينصب قسا ورئيسا في ديانته كيف يجهل من كتبه كثرة نقلها لسجود الأنبياء للبشر، وسجود البشر للأنبياء، وسجود النبي للنبي؟!
وإن توراتكم لتقول مكررا: إن إبراهيم خليل الله قد سجد لشعب الأرض لبني حث (122) وقد كان هؤلاء مشركين!
وإن يعقوب عند ملاقاته لعيسو سجد إلى الأرض سبع مرات، وسجد أيضا نساؤه وأولاده (123) ولسانها ينادي بأن هذا السجود كان تحية وتملقا لعيسو لئلا يبطش بهم، إذ كان يعقوب خائفا منه!
____________
(122) تك 23: 7 و 12.
(123) تك 33: 3 - 7.
وسجد يوسف أمام وجه أبيه (125).
وموسى خرج لاستقبال حميه وسجد وقبله (126) وفي الأصل العبراني: (ويشتحو ويشق لو).
وسجد داود ثلاث مرات لما ودع يوناثان ابن شاول (127).
وسجد لشاول (128).
وسجدت له ابيجايل (129).
وسجدت له بثشبع (130).
وسجد ناثان النبي لداود النبي (131).
وسجد سليمان النبي لأمه (132).
فإن قلت: إن هؤلاء كلهم قد أخطأوا وعصموا في السجود لغير الله!
قلنا: إن الاحتجاج الذي تنقله أناجيلكم عن المسيح ليخرسك عن هذه الجرأة، أولم تجد أن أناجيلكم تذكر أن المسيح لما اعترض عليه
____________
(124) تك 42: 6، و 43: 26 و 28.
(125) تك 48: 12.
(126) خر 18: 7.
(127) 1 صم 2: 21.
(128) 1 صم 42: 8.
(129) 1 صم 25: 23.
(130) 1 مل 1: 16.
(131) 1 مل 1: 23.
(132) 1 مل 2: 19.
وإن سجود داود لشاول، وسجود ابيجايل وبثشبع وناثان النبي لداود كان بعد أكله من خبز التقدمة الذي احتج المسيح به.
فإن قلت: إن داود وهؤلاء الساجدين لغير الله كلهم قد أخطأوا وعصموا بسجودهم هذا، وإن هذا الاحتجاج المنقول عن المسيح إنما هو دخيل في الأناجيل، قد زاده عبث الأيام.
قلنا: مرحبا، فما العلامة القاطعة على أن حكاية سجود التلاميذ للمسيح، وكذا توما والأعمى والمريمين قد كانت من شق فم الوحي، وفلذة من كبد الإنجيل الحقيقي، لم يلدها العبث في حجر الضلال كحكاية الاحتجاج بفعل داود؟!
وما الحجة القاطعة على أن المسيح مالأهم على السجود له؟! أولسنا نرى أن أناجيلكم قد أهمل كل واحد كثيرا مما يذكر الآخر، وإن اتفقت على مادة حكاية، أوردها كل واحد بصورة غريبة (134)؟!
وما الحجة القاطعة على أن سكوت المسيح - عند السجود له - لم يكن على نهج سكوت داود كيفما تقول فيه؟!
فإن زعمت أن الفارق ألوهية المسيح.
قلنا: هذه هي الدعوى الداهية التي ورطك بها الهوى في مزالق
____________
(133) مت 12: 2.
(134) تعرف بعض ذلك من الجزء الأول من كتاب (الهدى) صحيفة 205 - 227.