الصفحة 14
وأمير المؤمنين عليه السلام بلغ في هذه الاُصول الغاية، وتجاوز النهاية.

أمّا العلم: فوصل إليه حيث قال النبي صلّى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعليّ بابها(1).

وقال صلّى الله عليه وآله: قسّمت الحكمة عشرة أجزاء، فأعطي عليّ تسعةوالناس جزءاً واحداً(2).

وقال صلّى الله عليه وآله: أقضاكم عليّ(3)، والقضاء يستدعي العلم.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في حقّ نفسه: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً(4).

وقال عليه السلام: اندمجت على مكنون علم لو بُحت به لاضطربتم اضطرابالأرشية في الطوى(5) البعيدة(6).

وقال عليه السلام: والله لو كسرت(7) لى الوسادة لحكمت بين أهل التوراةبتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم(8).

وهذا يدلّ على أنّه بلغ في كمال العلم إلى أقصى ما تبلغ إليه القوّة البشرية، واختصاصه بعلوم ليس في قوى غيره من الصحابة الوصول إليها، وقوله عليه السلام: انّ هاهنا لعلماً جمّاً لا أجد له حملة.

____________

1- اُنظر صحيح الترمذي 5: 637 ح3723; وكفاية الطالب: 220; وكنز العمال 11: 614 ح32978; وكشف الغمة 1: 111.

2- المناقب للخوارزمي: 82 ح67; عنه كشف الغمة 1: 111.

3- المناقب للخوارزمي: 81 ح66; عنه كشف الغمة 1: 110.

4- المناقب لابن شهر آشوب 2: 38; والبحار 40: 153 ح54.

5- الأرشية: جمع رشاء بمعنى الحبل، والطوى: جمع طويّة وهي البئر، والبئر البعيدة: العميقة.

6- نهج البلاغة: الخطبة رقم 5.

7- في "ج": ثنيت.

8- راجع البحار 35: 391 ح14.


الصفحة 15
وهذا يدلّ على وصوله في العلم إلى مرتبة لا يمكن لأحد من المخلوقات من الملائكة والبشر الوصول إليها سوى رسول الله صلّى الله عليه وآله، لكونه نفسه بآية المباهلة، فإنّ الله تعالى جعل فيها نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله نفس عليّ عليه السلام حيث قال: {وأنفسنا وأنفسكم}(1)، والمراد به نفس عليّ عليه السلام كما نقله جمهور المفسّرين.

وليس المراد الحقيقة، لأنّ الاتحاد محال فيحمل على أقرب المعاني وهو المواساة له في جميع الوجوه الممكنة، وثبت له عليه السلام حينئذ جميع ما ثبت للرسول صلّى الله عليه وآله من الفضائل العلمية والعملية ما خلا النبوّة، لقوله صلّى الله عليه وآله: "لا نبيّ بعدي"، وكفى بهذه الآية دليلا واضحاً، وبرهاناً لائحاً على فضائله عليه السلام.

وقد روى المخالف والمؤالف ما ظهر عنه عليه السلام من الفتاوى المشكلة، والقضايا الصعبة التي عجز عنها كلّ من عاصره، وراجعوه في أكثر الأحكام، وقضوا بقوله، وعملوا بفتواه.

فمن ذلك انّ عمر اُتي بامرأة قد زنت وهي حامل فأمر برجمها، فقال له عليّ عليه السلام: إن كان لك عليها سلطان فليس لك سلطان على ما في بطنها، فأمر بتركها وقال: لولا عليّ لهلك عمر(2).

ومنها انّه اُتي بامرأة قد زنت وهي مجنونة فأمر برجمها، فقال له علي عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتّى يفيق، والنائم حتّى يستيقظ، والغلام حتّى يحتلم، فقال: لولا عليّ لهلك عمر(3).

ومنها انّه أرسل إلى امرأة فخافت منه فأجهضت، فاستفتى الناس فكلّ قال

____________

1- آل عمران: 61.

2- كشف الغمة 1: 110 نحوه.

3- مناقب الخوارزمي: 80 ح64; عنه كشف الغمة 1: 110; والبحار 30: 681 نحوه.


الصفحة 16
له: ليس عليك بأس، فسأل علياً عليه السلام فقال: أرى أنّ الدية على عاقلتك، فقبل فعمل بقوله(1).

ومنها انّه اُتي بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فأمر برجمها، فنهاه عليه السلام وتلا قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}(2) مع قوله تعالى: {وفصاله في عامين}(3) فأمر بتخليتها(4).

ومنها انّه لم يعرفوا حدّ المسكر حتّى قال هو عليه السلام: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وإذا افترى فاجلدوه حد المفتري، فجلدوه ثمانين جلدة. وتعديد قضاياه العجيبة، وفتاويه الصعبة الغريبة أكثر من أن تحصى، ولاشك أنّ أهل العلم كافة ينسبون إليه.

أمّا علم الكلام فأصله أبو هاشم بن محمد بن الحنفية الذي استفاده منه عليه السلام، وأمّا علم الأدب فهو الذي قسّم الكلام إلى ثلاثة أضرب، وأمر أبا الأسود بوضعه بعد أن نبّهه على أصله، وأمّا علم التفسير فأصله ابن عباس تلميذ عليّ عليه السلام، وأمّا علم الفصاحة، فهو عليه السلام علّم الناس الخطب والكلام الفصيح.

وأمّا الفقه، فانتساب الشيعة إليه ظاهر، وأبو حنيفة كان تلميذ الصادق عليه السلام، والشافعي قرأ على محمد بن الحسن الشباني تلميذ أبي حنيفة، وأحمد تلميذ الكاظم عليه السلام، ومالك قرأ على ربيعة الرأي، وربيعة الرأي قرأ على عكرمة، وعكرمة قرأ على ابن عباس تلميذ عليّ عليه السلام.

____________

1- البحار 40: 250 ح25 باختلاف.

2- الأحقاف: 15.

3- لقمان: 14.

4- المناقب لابن شهر آشوب 2: 365; عنه البحار 40: 232 ح12 نحوه، وتوضيح ذلك: انّ أقلّ الحمل أربعون يوماً وهو زمن انعقاد النطفة، وأقلّه لخروج الولد حيّاً ستّة أشهر، وذلك لأنّ النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً، ثمّ تصير علقة أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً، ثمّ تتصوّر في أربعين يوماً، وتلجها الروح في عشرين يوماً، فذلك ستة أشهر، فيكون الفطام في أربعة وشهراً، فيكون الحمل في ستة أشهر.


الصفحة 17
فقد روى المخالف والمؤالف والخاص والعام قول النبي صلّى الله عليه وآله: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدي" فإنّه يدلّ على أنّه كلّما كان لرسول الله من الفضائل والكمالات فإنّها ثابتة لعليّ عليه السلام سوى درجة النبوّة، وهذا كلّه دليل على إمامته لقوله تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذكّر اُولوا الألباب}(1).

وأمّا العفّة: فقد كان فيها الآية الكبرى، والمنزلة العظمى، ويكفيه في التنبيه على حاله مطالعة كلامه في نهج البلاغة، نحو كتابه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله بالبصرة، وقد بلغه انّه دُعي إلى وليمة قوم فأجاب إليها، وقوله فيه:

"فانظر يا ابن حنيف إلى ما تقضمه(2) من هذا المطعم(3)، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجهه فنل(4) منه، ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه(5)، ومن مطعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفّة وسداد(6).

وقوله عليه السلام: ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ(7)، ولكن هيهات هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في

____________

1- الزمر: 9.

2- قَضِمَ ـ كسمع ـ: أكل بطرف أسنانه، والمراد الأكل مطلقاً.

3- في المصدر: المقضم، وهو المأكل.

4- في "ب": فكل.

5- الطِمر ـ بالكسر ـ: الثوب الخلق البالي.

6- نهج البلاغة: الكتاب 45; عنه البحار 40: 340 ح27.

7- القزّ: الحرير.


الصفحة 18
القرص، ولا عهد له بالشبع، أأقنع [من نفسي](1) بأن يقال: أمير المؤمنين، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر، وجشوبة(2) العيش(3).

وقوله عليه السلام فيه: وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشيّة الله لاُروضنّ نفسيرياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً(4).

إلى غير ذلك من كلامه عليه السلام، ولا شك أنّه عليه السلام كان أزهد الناس، لم يشبع من طعام قط، وكان يلبس الخشن، ويأكل جريش الشعير، وإذا ائتدم فبالملح، فإن ترقّى فبنبات الأرض، فإن ترقّى فباللبن.

روي عن سويد بن غفلة، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فوجدته جالساً وبين يديه إناء فيه لبن أجد ريح حموضته، وفي يديه رغيف أرى قشار الشعير في وجهه وهو يكسره بيده ويطرحه فيه، فقال: اُدن فأصب من طعامنا، فقلت: إنّي صائم.

فقال عليه السلام: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: من منعه الصيام من طعام يشتهيه كان حقّاً على الله تعالى أن يطعمه من طعام الجنّة، ويسقيه من شرابها، قال: فقلت لفضّة وهي قريب منه قائمة: ويحك يا فضة ألا تتّقين الله في هذا الشيخ بنخل(5) هذا الطعام من نخاله التي فيه.

قالت: قد تقدّم إلينا أن لا ننخل له طعام، قال: ما قلت لها؟ فأخبرته، فقال: بأبي واُمّي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتّى قبضه الله

____________

1- أثبتناه من المصدر.

2- في المصدر: أو أكون اُسوة لهم في جشوبة العيش، والجشوبة: الخشونة.

3- نهج البلاغة: كتاب 45; عنه البحار 40: 340 ح27.

4- المصدر نفسه.

5- في "ج": ألا تنخلين.


الصفحة 19
تعالى(1).

وروي عن عدي بن ثابت قال: اُوتي أمير المؤمنين عليه السلام بفالوذج، فأبى أن يأكل منه وقال: شيء لم يأكل منه رسول الله صلّى الله عليه وآله لا اُحبّ أن آكل منه(2).

وكان عليه السلام يجعل جريش الشعير فيوعاء ويختم عليه، فقيل له في ذلك، فقال عليه السلام: أخاف هذين الولدين أن يجعلا فيه شيئاً من زيت أو سمن(3).

فانظر أيّها المنصف إلى شدّة زهده وقناعته، فإنّ ايراده الحديث وقوله: "من منع نفسه من طعام يشتهيه" دليل على رضاه بمطعمه، وكونه عنده طعاماً مشتهى يرغب فيه من يراه، وقد طلّق الدنيا ثلاثاً وقال لها: غرّي غيري لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك(4).

فدلّ ذلك على أنّه أزهد الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وإذا كان أزهد الناس كان أفضلهم، فدلّ ذلك أيضاً على أنّه هو الإمام، لقبح تقديم المفضول على الفاضل.

وأمّا الشجاعة: فإنّه لا خلاف بين المسلمين وغيرهم أنّ علياً عليه السلام كان أشجع الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأعظمهم بلاء في الحروب، تعجبت من حملاته ملائكة السماء، وبسبب جهاده ثبتت قواعد الإسلام، وجعل رسول الله صلّى الله عليه وآله ضربته لعمرو بن عبدود العامري يوم الخندق أفضل من أعمال اُمّته إلى يوم القيامة(5).

____________

1- المناقب للخوارزمي: 117 ح129; عنه كشف الغمة 1: 162; وفي البحار 40: 330 ح13.

2- المناقب للخوارزمي: 119 ح131; عنه كشف الغمة 1: 163.

3- عنه البحار 66: 322 ضمن حديث 1.


لها أحاديث من ذكراك يشغلهاعن الشراب ويلهيها عن الزاد

4- نهج البلاغة: قصار الحكم 77; عنه البحار 40: 345 ح28.

5- قال ابن شهر آشوب في المناقب 2: 298، تحت عنوان "معجزاته في نفسه": ويروى وثبته أربعون ذراعاً إلى عمرو، ورجوعه إلى خلف عشرون ذراعاً، وذلك خارج عن العادة.


الصفحة 20
ونزل جبرئيل عليه السلام يوم بدر وسمعه المسلمون كافة وهو يقول: "لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي"، ووقائعه مشهورة عند الخاص والعام في زمن النبي صلّى الله عليه وآله وبعده في حرب الجمل وصفين والنهروان.

روى الخوارزمي قال: كان أبطال المشركين إذا نظروا إلى عليّ عليه السلام في الحرب عهد بعضهم إلى بعض(1).

وبالجملة فشجاعته مشهورة عند جميع الناس حتّى صارت تضرب بها الأمثال، وإذا كان أشجع الناس كان أفضلهم لقوله تعالى: {وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً}(2) فيكون هو الإمام لقبح تقديم المفضول على الفاضل.

وأمّا العدالة: فقد بلغ فيها الغاية القصوى، ويكفيك في التنبيه عليها كلامه في نهج البلاغة أيضاً لأخيه عقيل الذي لم يكن عنده أحد أحبّ إليه منه، وهو قوله عليه السلام: والله لئن أبيت على حَسَك السعدان مسهّداً(3)، واُجَرُّ في الأغلال مصفّداً(4)، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله ظالماً لبعض العباد، أو غاصباً لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحداً لنفس تسرع إلى البلاء قفولها، ويطول في الثرى حلولها.

والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق(5) حتّى استماحني من برّكم صاعاً، ورأيت

____________

1- عنه كشف اليقين: 84; وفي المناقب لابن المغازلي: 72 ح106; وقال الراغب في محاضرات الاُدباء (3: 138): قيل: كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفاً منه.

2- النساء: 95.

3- كأنّه عليه السلام يريد من الحسك الشوك، والسعدان: نبت ترعاه الابل له شوك تشبه به حلمة الثدي، والمسهّد ـ من سهّده ـ: إذا أسهره.

4- المصفّد: المقيّد.

5- أملق: افتقر أشدّ الفقر.


الصفحة 21
صبيانه شعث الألوان من فقرهم كأنّما سوّدت وجوههم بالعِظلم(1)، وعاودني مؤكّداً، وكرّر عليّ مردداً، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ انّي أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقاً طريقتي.

فأحميت له حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئنّ من حديدة أحماها انسانها للعبه، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه، أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من لظى.

وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها(2)، ومعجونة قد شنئتُها(3) كأنّها عجنت بريق حيّة أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة، فذلك محرّم علينا أهل البيت، قال: لا ذا ولا ذا، ولكنّها هدية.

فقلت: هبلتك الهوابل(4)، أعن دين الله أتيتني لتخدعني، أمختبط أنت، أم ذي جنّة، أم تهجر، والله لو اُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وانّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعليّ ونعيم يفنى، ولذّة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل، وبه نستعين(5).

فهذه اُصول الفضائل وأمّا فروع الفضائل التي له عليه السلام فغير متناهية، روي عن النبي صلّى الله عليه وآله انّه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى ابراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته

____________

1- العظلم: سواد يُصبغ به.

2- الملفوفة: نوع من الحلواء، أهداها الأشعث بن قيس إلى علي عليه السلام.

3- شنئتها: كرهتها.

4- في المصدر و "ج": الهبول.

5- نهج البلاغة: الخطبة 224; عنه البحار 41: 162 ح57.


الصفحة 22
فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب(1).

فأثبت له ما تفرّق فيهم من الفضل والكمال الذي هو المراد من كلّ واحد منهم، وروى ذلك البيهقي أيضاً في كتابه باسناده عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، فجلّ من أنعم عليه بالعلم والخلق والعُلى، وجميع ما تشتت في الورى.


ليس من الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد

فصل
[في عبادته وزهده]


واعلم انّه إذا نظرت إلى العبادة وجدته أعبد الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، منه تعلّم الناس صلاة الليل والتهجّد والأدعية المأثورة، ولقد كان يُفرش له بين الصفَّين والسهام تتساقط حوله، وهو لا يلتفت عن ربّه ولا يغيّر عادته [ولا يفتر عن عبادته](2).

وكان إذا توجّه إلى الله تعالى توجّه بكلّيته، وانقطع من الدنيا نظره وما فيها حتّى لا يبقى يدرك الألم، لأنّهم كانوا إذا أرادوا اخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتّى يصلّي، فإذا اشتغل بالصلاة وأقبل على الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحسّ به، فإذا فرغ من صلاته يرى ذلك فيقول لولده الحسن عليه السلام: إن هي إلاّ فعلتك يا حسن.

ولم يترك صلاة الليل قط حتّى في ليلة الهرير، وكان عليه السلام يوماً في حرب صفّين مشتغلا بالحرب والقتال وهو مع ذلك بين الصفَّين يراقب الشمس،

____________

1- كشف الغمة 1: 111 عن فضائل الصحابة للبيهقي; ومناقب الخوارزمي: 83 ح70.

2- أثبتناه من "ج".


الصفحة 23
فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين ما هذا الفعل؟ قال عليه الصلاة والسلام: أنظر إلى الزوال حتّى نصلّي(1)، فقال له ابن عباس: وهل هذا وقت صلاة؟ إنّ عندنا لشغلا بالقتال عن الصلاة، فقال عليه السلام: على ما نقاتلهم؟ إنّما نقاتلهم على الصلاة(2).

وبالجملة انّ العبادات الخمس: الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد، فقد أتى بها جميعاً، وبلغ الغاية في كلّ واحد منها، ومقاماته العظيمة في التهجّد والخشوع والخوف من الله تعالى لم يسبقه إليها سوى رسول الله(3)، حتّى أنّه عليه السلام قال:

____________

1- في "ب": اُصلّي.

2- عنه البحار 83: 23 ح43.

ولله درّ القائل:


يسقي ويشرب لا تلهيه نشوتهعن النديم ولا يلهو عن الكأس
أطاعه سكره حتّى تمكّن منفعل الصحاة فهذا أفضل الناس

3- روى المجلسي في البحار 41: 11 ح1، عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال: كنّا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله، فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم ألا اُخبركم بأقلّ القوم مالا، وأكثرهم ورعاً، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟ فقالوا: من؟ قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلاّ معرض عنه بوجهه، ثمّ انتدب له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها، فقال أبو الدرداء: يا قوم إنّي قائل ما رأيت وليقل كلّ قوم منكم ما رأوا، شهدت عليّ بن أبي طالب بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه، واستتر بمغيلات النخل، فافتقدته وبَعُدَ عليّ مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول: "إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمّل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك".

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر، فإذا هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثمّ فرغ إلى الدعاء والبكاء والبثّ والشكوى، فكان ممّا به الله ناجاه أن قال: "إلهي اُفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي"، ثمّ قال: "آه إن أنا قرأت في الصحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا اُذن فيه بالنداء" ثمّ قال: "آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزّاعة للشوى، آه من غمرة ملهبات لظى".

قال: ثمّ أنعم في البكاء، فلم أسمع له حسّاً ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، اُوقظه لصلاة الفجر، قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحرّكته فلم يتحرّك، وزويته فلم ينزو، فقلت: "إنّا لله وإنّا إليه راجعون" مات والله عليّ بن أبي طالب، قال: فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم، فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصّته؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه حتّى أفاق ونظر إليّ وأنا أبكي، فقال: ممّا بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فقلت: ممّا أراه تنزله بنفسك، فقال: يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني ودُعي بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ، وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار، قد أسلمني الأحبّاء، ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية، فقال أبو الدرداء: فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله.


الصفحة 24
الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنّة، فإنّ الجنّة فيها رضى نفسي والجامع فيه رضى ربي.

أفلا تنظروا إلى ما وصفه ضرار بن ضمرة الليثي من مقاماته عليه السلام حيث(1) دخل على معاوية فقال له: صف لي عليّاً، فقال: أولا تعفيني من ذلك؟ فقال: لا أعفيك، فقال: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق(2) الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته.

كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّه، ويحاسب(3) نفسه، ويناجي ربّه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكنّا مع دنوّه منّا وقربنا منه لا نكلّمه لهيبته، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فإن تبسّم فعن(4) مثل اللؤلؤ المنظوم.

يعظم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل

____________

1- في "ج": حين.

2- في "ج": تنطلق.

3- في "ج": يخاطب.

4- في "ج": ظهر أسنانه.


الصفحة 25
سدوله(1)، وغارت نجومه، وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته، يتململ تململ السليم(2)، ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا دنية أبي تعرّضت؟ أم بي تشوّقت؟ هيهات هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد بنتك(3) ثلاثاً لا رجعة لي فيها، فعمرك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه آه من قلّة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق، وعظم المورد.

فوكفت دموع معاوية على لحيته، فنشفها بكمّه، واختنق القوم بالبكاء، ثمّ قال: كان والله أبو الحسن كذلك، فكيف صبرك عنه يا ضرار؟ قال: صبر من ذبح واحدها(4) على صدرها، فهي لا ترقئ عبرتها، ولا تسكن حرارتها، ثمّ قام فخرج وهو باك، فقال معاوية: أما انّكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثني عليّ مثل هذا الثناء، فقال بعض من كان حاضراً: الصاحب على قدر صاحبه(5).

وروي أنّه عليه السلام لمّا كان يفرغ من الجهاد يتفرّغ لتعليم الناس والقضاء بينهم، فإذا تفرّغ من ذلك اشتغل في حائط له يعمل فيه بيده، وهو مع ذلك ذاكراً لله تعالى جلّ جلاله(6).

وروى الحكم بن مروان، عن جبير بن حبيب قال: نزل بعمر بن الخطاب نازلة قام لها وقعد وترنح وتقطر، ثمّ قال: معاشر المهاجرين ما عندكم فيها؟ قالوا: يا عمر أنت المفزع والمهرع، فغضب ثمّ قال: {يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولا سديداً}(7) أما والله أنا وإيّاكم لنعرف أين نجدتها والخبير بها.

____________

1- السدول جمع السدل، شبّه ظلم الليل بالأستار المسدولة.

2- تململ: تقلّب، والسليم: من لدغته الحيّة.

3- في "ب" و "ج": طلّقتك.

4- في "ج": ولدها.

5- عنه البحار 41: 120 ح28; ونحوه كنز الفوائد: 270.

6- عنه مستدرك الوسائل 13: 25 ح14636.

7- الأحزاب: 70.


الصفحة 26
قالوا: كأنّك أردت ابن أبي طالب؟ قال: وأنّى يعدل بي عنه، وهل لقحت حرّة بمثله، قالوا: فلو بعثت إليه، قال: هيهات، هناك [شيخ من بني](1) هاشم ولحمة من الرسول وأثرة من علم يؤتى لها ولا تأتي، امضوا إليه.

فأفضوا إليه وهو في حائط له عليه ثياب، يتوكّأ على مسحاته وهو يقول: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من منيّ يُمنى * ثمّ كان علقةً فخلق فسوّى}(2) ودموعه تهمل على خدّيه، فأجهش القوم لبكائه، ثمّ سكن وسكنوا وسأله عمر عن مسألته، فأصدر جوابها، فلوى عمر يديه ثمّ قال: أما والله لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك، فقال له: يا أبا حفص عليك من هنا ومن هنا(3)، انّ يوم الفصل كان ميقاتاً، فانصرف وقد أظلم وجهه، كأنّما ينظر من ليل(4).

وقد عرفت قول النبي صلّى الله عليه وآله: لمبارزة عليّ بن أبي طالب عمر بن عبدود العامري أفضل من عمل اُمّتي إلى يوم القيامة(5).

ولقد نقل المؤرّخون انّ مبارزاته كانت اثنين وسبعين مبارزة، فإذا فكّر العاقل انّ قسماً واحداً من أصل اثنين وسبعين قسماً من أصل خمسة أقسام ـ وهي العبادات الخمس ـ، من أصل قسمين ـ وهي العمل والعلم لأنّ العلم أيضاً عمل نفساني ـ أفضل من عمل الاُمّة إلى يوم القيامة عرف من ذلك أنّه مجهول القدر، وإذا كان أعبد الناس كان أفضلهم، فتعيّن أن يكون هو الإمام بعد النبي صلّى الله عليه وآله.

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- القيامة: 36-38.

3- في "ب": هاهنا.

4- البحار 40: 122 ح12; عن الفضائل لابن شاذان: 136.

5- راجع البحار 36: 165 ح147.