الصفحة 113

أَوَليس الله بأنظر لخلقه منهم لأنفسهم، وأحسن رعاية لمصالحهم العامة والخاصة؟! وهو القدّوس الحكيم الذي أحاط بكلّ شيء علماً، والغنيّ المطلق، واللطيف الرؤوف الرحيم.

وإنّ اختياره للإمام هو روح الرعايةِ لعامةِ البشر وصلاح أمرهم، والنظر إلى المستقبل في شؤون الإمام والرعية، وهو الجامع لكلّ حكمة وفائدة تفرض في اجتماع الآراء، والمنـزَّه من نقائص البشرية، من حيث الجهل والخداع والتدليس والاستبداد والاسـتئثار والضغط والمحاباة والمَيل وجرّ النار إلى القرص والاسـتعجال واغتنام الفرص.

إذاً فالإمامة على مبدأ الشيعة تجري على أرقى وأحسن وجه في صلاح البشر، والرعاية لحقوقهم، ومساواة الضعيف بالقـوي.

وهل تُـنكر بعد هذا ـ أيّها الكاتب ـ وجوب خضوع الأُمّة لهذه الوصية المستندة إلى الرسول وتعيينه واختياره القائم بحقيقة الصلاح العـامّ؟!

وقد كتب الشيعة مبدأهم هذا ودوّنوه في كتبهم مدعوماً بالبراهين وموازين المنطق ونواميـس المعقول(1)، فإنْ كانت لك

____________

1- راجع مثلا: أوائل المقالات: 64 ـ 65، الذخيرة في علم الكلام: 409 وما بعـدها، تجريد الاعتقاد: 221 وما بعدهـا.


الصفحة 114
مناقشـة في ما دوّنوه، فهلمّ إلى البحث النزيه، فإنّ الحقيقةَ بِنـتُـه!

  وأمّـا تعرّضك لقول الشـيعة بوصيّة الرسـول (صلى الله عليه وآله وسلم)بإمامـة عليّ.. فـدع أمر هذه الوصيّـة لِمـا مضى، وإنْ كانت رغمـاً عـن الكـوارث المتـتابعـة تُـثبـت وجودهـا، وتُـظهر ذاتهـا بالمظاهـر الجليّـة، مـن خصـوص روايـات أهل السُـنّة في مسـانيدهم وجوامعهـم، وغيـر ذلك من كـتبهم، تتجـلّى منـه أحاديث: الغـديـر(1)، والـمنـزلـة(2)، والولايـة(3)،

____________

1- مرّ تخريجه مختصراً في الصفحة 106 ـ 107 هـ 1.

2- إشارة إلى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ (عليه السلام): " أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ من بعدي "، وقد روي الحديث في أُمّهات مصادر الجمهور.. فانظر مثلا:

صحيح البخاري 5 / 89 ـ 90 ح 202 و ج 6 / 18 ح 408، صحيح مـسـلـم 7 / 120 ـ 121، سـنـن الـتـرمـذي 5 / 598 ـ 599 ح 3730 و 3731، سنن ابن ماجة 1 / 45 ح 121، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 44 ـ 45 ح 8138 ـ 8143 و ص 107 ـ 108 ح 8399 و 8399 م و ص 119 ـ 125 ح 8429 ـ 8449، مسند أحمد 1 / 179 و ج 3 / 32، مسند البزّار 3 / 276 ـ 277 ح 1065 و 1066 و ص 278 ـ 279 ح 1068 و ص 283 ـ 285 ح 1074 ـ 1076، مسند أبي يعلى 2 / 86 ـ 87 ح 738 و 739 و ص 99 ح 755، المعجم الكبير 1 / 146 ح 328 و ص 148 ح 333 و 334 و ج 5 / 221 ذ ح 5146.

وراجع الجزءين 17 و 18 من موسوعة " نفحات الأزهار " ففيه كلّ ما يتعلّق بالحديث وما يرتبط به من بحوث علمية.

3- إشارة إلى أحاديث كثيرة، منها قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عليّ (عليه السلام): " هو وليّ كلّ مؤمن بعدي "، انظر مثلا:

سنن الترمذي 5 / 590 ح 3712، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 126 ح 8453، مسـند أحمـد 4 / 438، المعجم الكبير 18 / 128 ح 265، الإحسـان بترتيـب صـحيـح ابن حبّـان 9 / 41 ـ 42 ح 6890 و 6891، المستدرك على الصحيحين 3 / 119 ح 4579، تاريخ دمشق 42 / 197 ـ 199 ح 8662 ـ 8665.

وراجع الجزءين 15 و 16 من موسوعة " نفحات الأزهار " ففيه كلّ ما يتعلّق بالحديث وما يرتبط به من بحوث علمية.


الصفحة 115
والخلافـة(1)، والوصيّـة(2)، والـثـقلين(3)، وغير ذلـك..

وإنّـا بالنسـبة للوئام وتوحيد الكلمة أشدّ احتياجاً منّـا إلى إيراد الأدلّة والإدلاء بالحجـج على هذه الحقيقة..

____________

1- إشارة إلى أحاديث للرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة في حقّ أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، منها يوم الدار قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا "، انظر مثلا:

مسند أحمد 1 / 111، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 126 ح 8451، تاريخ الطبري 1 / 542 ـ 543، تاريخ دمشق 42 / 49 ـ 50 ح 8381 و 8382، مجمع الزوائد 9 / 113، كنز العمّال 13 / 131 ـ 133 ح 36419.

2- إشارة إلى أحاديث كثيرة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عليّ (عليه السلام)، قالها في مواطن متعدّدة، منها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لكلّ نبيّ وصيٌّ ووارث، وإنّ عليّـاً وصيّي ووارثي " وفي لفظ: " إنّ وصيّي ووارثي عليّ بن أبي طالب "، فانظر مثلا:

مناقب الإمام عليّ (عليه السلام) ـ لابن المغازلي ـ: 192 ح 238، فردوس الأخبـار 2 / 192 ح 5047، مناقـب الإمام عليّ (عليه السلام) ـ للخوارزمي ـ: 84 ـ 85 ح 74، ذخائر العقبى: 131 ـ 132، تاريخ دمشق 42 / 392 ح 9005 و 9006.

3- وحديث الثقلين من الأحاديث المتواترة، وله طرق عديدة وألفاظ مختلفة، ومن ألفاظه أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يرِدا علَيَّ الحوض، فانظروني بم تخلفوني فيهما "، انظر مثـلا:

صحيـح مسـلم 7 / 122 ـ 123، سـنن الترمذي 5 / 621 ح 3786 و ص 22 6 ح 3788، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 45 ح 8148 و ص 130 ح 8464، سنن الدارمي 2 / 292 ح 3311، مسند أحمد 3 / 14 و 17 و 26 و 59، مصنّف ابن أبي شيبة 7 / 418 ح 41، مسند البزّار 3 / 89 ح 864، مسند أبي يعلى 2 / 297 ح 1021 و ص 303 ح 1027، صحيح ابن خزيمة 4 / 62 ـ 63 ح 2357، المعجم الكبير 5 / 154 ح 4923 و ص 166 ـ 167 ح 4969 ـ 4971.

وانظر ما سطره العلاّمة الشيخ محمّـد حسن المظفّر (قدس سره) من بحث علميّ رصين حول الحديث في كتابه القيّم دلائل الصدق 2 / 187 و ج 6 / 235 وما بعـدها.

وراجع ما كتبه العلاّمة السيّد عليّ الحسيني الميلاني ـ حفظه الله ورعاه ـ في الأجزاء 1 ـ 3 من موسوعته " نفحـات الأزهـار "، من بحوث علمية في ما يتعلّق بالحديث وما يرتبط به.

وأمّا في ما يخصّ لفظ " كـتاب الله وسُـنّتي " فانظر:

ما كتبه السيّد عليّ الحسيني الميلاني في كـتابه الآخر: حديث الثقلين: تواتره، فقهه.. كما في كتب السُـنّة.

ورسالته في حديث الوصيّـة بالثقلين: الكتاب والسُـنّة.

وكذلك ما كـتبه الشيخ جلال الدين الصغير ـ حفظه الله ورعاه ـ في كـتابه: عصمة المعصوم (عليه السلام) وفق المعطيات القرآنية: 205 ـ 242.


الصفحة 116

الصفحة 117
نعم، قد اعترضت الفترة(1) في نفوذ الإمامة الشرعية الدينية بأسباب بشرية، إذ عرقل الناس مساعيها الكريمة، حيث إنّ الله لا يُلجئ عبادَه في أفعالهم وتروكهم، بل يريـد منهم الطاعة الاختيارية، لكي يرتقوا باختيارهم إلى معارج الكمال وسعادة الحال والمستقبل، بعد أن أرشدهم إلى سبيل الرشاد، وأقام لهم علَم الهدى بتبليغ الرسول المتكرّر المؤكِّد كما يقتضيه لطفه ورحمتـه.

وعندئذ فالشيعة يقولون ـ كسائر المتمدّنين ـ: إنّ الزعامة السياسية الزمنية المدنية، القائمة بالأمن العامّ وانتظام المدنية، والمكافِحة لموبقات الفوضوية، من شأنها وواجبها أن تُطرح أمام الجمهور وعامّة الرعية لإبداء رأيهم الحرّ فيها، من دون تدخّل كيت وكيت في أمرها، كما تشير إليه احتياطات الحكومة المتمـدّنة في الانتخابات للاختيار والتأسـيـس.


*  *  *

____________

1- الـفَـتْـرَةُ: ما بين كلّ نبيَّـين، وما بين كلّ رسولين من رسل الله عزّ وجلّ من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة ; انظر: لسان العرب 10 / 174 مادّة " فتر ".

والمعنى هنا: هو عدم تمكّن الإمام (عليه السلام) من تولّي الخلافة بلا فصل وبسط يده على العباد والبلاد، أو المراد هو زمان الـغَيـبة.


الصفحة 118

[ قيـام الإمام الحسـين (عليه السلام) ]

  وقـال الكـاتـب: " قـام الحسـين بـن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) مدفوعاً بإغـراء الشـيعـة بأنّـها (أي الإمامـة) من حـقّـه الطبـيعي، فاعـتبره يزيد ـ الخليفة الأُموي، القائم بالأمر وقتـئذ ـ ثائراً، فأرسل إليه جيشـاً هزمه وقتله في وقعة كربـلاء سنة 61، فهزّ قتل الحسـين بناء الإسلام هزّاً عنيفـاً، كان من نتائجه أن اضطربت الدولة في جميع الأرجاء.

فمن الطبيعي ـ والحالة هذه ـ أن يلجأ الناس إلى العناية الإلهيّـة، وما لبثوا أن ساد الاعتقاد بأنّه لا بُـدّ لقمع تلك الفوضى من رجل يرسله الله فيهدي القوم ".

لم يقم الحسـين (عليه السلام) لمنصب الإمامة والطلب بحقّها إلاّ لعلمه بأنّه الإمام المنصوب من الله، والمعهود له بالإمامة بعد أخيـه الحسـن (عليه السلام)..

والمنـصـوص عـليـه ـ مـع ذلـك ـ بـقـول الـرسـول الأميـن (صلى الله عليه وآله وسلم): " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا "(1)..

____________

1- انظر: مناقب آل أبي طالب 3 / 445 وفيه: " واجتمع أهل القِـبلة على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الحسـن والحسـين إمامان قاما أو قعدا "، فرائد السمطين 1 / 55 ذ ح 19 وفيه: " والحسن والحسين إماما أُمّتي بعد أبيهما "، نزهة المجالس: 228 وفيه ـ مخاطباً الحسـنين عليهما السلام ـ: " أنتما الإمامان ولأُمّكما الشفاعة "، ومثله في الإتحاف بحبّ الأشراف: 129 إلاّ أنّ فيه: " الأمان " بدل "الإمامان " وهو تصحيف كما يـبدو.


الصفحة 119
والعَلم الشاخص الهادي في وقته..

وعديل كتاب الله من العترة، أهل البيت، المنصوص عليهم في حديث الثقلين أو الخليفتين، وهو الحديث المروي بالأسانيد المتعدّدة الكثيرة العالية، عن نـيّف وعشرين صحابـيّـاً(1)..

وهو الخامس من أهل الكساء، الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، كما روي بطرق متعدّدة متضافرة من كلّ من الفريقيـن(2)..

____________

1- تقـدّم تخريجـه في الصفحة 113 هـ 3.

2- من الثابت المسلَّم به بين الفريقين نزول آية التطهير (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهلَ البيت ويطـهّركم تطهيراً) [ سورة الأحزاب 33: 33 ] فـي الرسـول الأكـرم وعليّ وفاطمـة والحسـن والحسـين صلوات الله وسلامه عليهم خاصّـة، وخروج بقية بني هاشم وأقرباء النبـيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجاته من مراد الآية..

أمّـا ما في مصادرنا فنحن في غنىً عن ذِكره لإثباته ; لأنّ ذلك من أوضح الواضحات، ومن ضروريّات مذهبنا..

وأمّـا ما ورد في مصادر الجمهور، فانظر مثلا: صحيح مسلم 7 / 130، سنن الترمذي 5 / 327 ـ 328 ح 3205 و ص 621 ح 3787 و ص 656 ـ 657 ح 3871، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 107 ـ 108 ح 8399، مسـند أحمد 1 / 331 و ج 3 / 259، فضـائل الصحابة ـ لابن حنبل ـ 2 / 726 ـ 728 ح 994 ـ 996، مسند البزّار 3 / 324 ح 1120، مسند أبي يعلى 7 / 59 ـ 60 ح 1223 و 1224 و ج 12 / 313 ح 6888، المعجم الكبير 3 / 52 ـ 56 ح 2662 ـ 2673، المعجم الأوسط 3 / 39 ح 2281 و ج 7 / 369 ح 7614، المعجم الصغير 1 / 65 و 135، مسند الطيالسي: 274 ح 2059، مصنّف ابن أبي شـيبة 7 / 501 ح 39 ـ 40 و ص 527 ح 4، مسـند عبـد بن حميد: 173 ح 475 و ص 367 ـ 368 ح 1223، التـاريخ الكبير / الكنى 8 / 25 ـ 26 رقم 205، السُـنّة ـ لابن أبي عاصم ـ: 589 ح 1351، مشكل الآثار 1 / 227 ـ 231 ح 770 ـ 785، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9 / 61 ح 6937، المستدرك على الصحيحين 2 / 451 ح 3558 و 3559.

وانظر: دلائل الصدق 4 / 351 ـ 380 مبحث آية التطهير.

وراجع: نفحات الأزهار 20 / 71 ـ 111 ففيه كلّ ما يتعلّـق بالحديث وما يرتبط به من بحوث علمية..

وكـتاب: مع الدكتور السالوس في آية التطهير..

وكذا المبحث الخاصّ بآية التطهير من كتاب: عصمة المعصوم (عليه السلام)وفـق المعطيات القرآنيّـة: 130 ـ 190.


الصفحة 120
وسيّد شباب أهل الجنّـة، كما أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حبّـان ; عن حذيفـة، عنـه (صلى الله عليه وآله وسلم)(1)..

____________

1- مسند أحمد 5 / 391، سنن الترمذي 5 / 619 ح 3781، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 80 ـ 81 ح 8298، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9 / 55 ح 6921.

وانظر: كنز العمّال 12 / 96 ح 34158 و ص 102 ح 34192.


الصفحة 121
وأحمد، وأبو يعلى، وابن حبّـان، والطبراني، والحاكم في " المسـتدرك " ; عن أبي سـعيد، عنـه (صلى الله عليه وآله وسلم)(1)..

والطبراني، وأبو نعيم ; عن عليّ، عنـه (صلى الله عليه وآله وسلم)(2)..

والديلمي ; عن أنس، عنـه (صلى الله عليه وآله وسلم)(3)..

ومن سادات أهل الجنّـة، كما مـرّ في الحديث الحادي عشـر(4).

وهذا كلّـه متواتر النقل وقطعِـيّه من طرق الشـيعة.

وقد رأى (عليه السلام) أنّ استبداد يزيد ـ مع أحواله المعلومة(5) ـ

____________

1- مسند أحمد 3 / 3 و 62 و 64 و 82، مسند أبي يعلى 2 / 395 ح 1169، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9 / 55 ح 6920، المعجم الكبير 3 / 38 ـ 39 ح 2610 ـ 2615، المستدرك على الصحيحين 3 / 182 ح 4778.

وانظر: سنن الترمذي 5 / 614 ح 3768، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ 5 / 50 ح 8169 و ص 149 ـ 150 ح 8525 ـ 8528.

2- المعجم الكبير 3 / 35 ـ 36 ح 2599 ـ 2603، المعجم الأوسط 1 / 173 ـ 174 ح 368 عن الإمام الحسـين (عليه السلام)، حلية الأولياء 4 / 140.

3- فردوس الأخبار 1 / 355 ح 2624 عن أبي سعيد.

4- راجع الصفحـة 95.

5- فمن موبقاته التي اسـتوجب عليها اللعن، علاوة على نزوه على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتسلّطه على رقاب المسلمين بغير حقّ، وقتله ريحانة النبيّ وسـبطه الإمام الحسـين (عليه السلام)، وأسـره وسـبيه وتسـييره للهاشميّات وأهل بيت النبوّة والرسالة (عليهم السلام)، وقوله الكـفـرَ شعراً بعد وضع رأس الإمام الحسـين (عليه السلام) بين يديه، وكونه من بني أُميّة الشجرة الملعونة في القـرآن:

رمي الكعبة المشرّفة بالمنجنيق وهدمها وإحراقها، وقتل النفوس المحترمة، حتّى قتل أكثر من عشرة آلاف نفس في وقعة الحرّة، واسـتباحة المدينة المنوّرة ثلاثة أيّام، وشرب الخمر، وترك الصلاة، واللعب بالطنابير والكلاب، ونكاح المحارم، ونهب الأموال، وهتك الأعراض والحرمات... وغيرها كـثير.

انظر مثلا: الردّ على المتعصّب العنيد: 53 ـ 62، تذكرة الخواصّ: 259 ـ 261.


الصفحة 122
ممّا لا يسوغ له أن يتساهل في أمره، ويعجّل بسبب يسير من الاضطرار إلى بيعته الجائرة قبل واجب المدافعة والمماطلة، إلى أن يرى ما تقتضيه المصالح الوقتية والظروف، فلعلّما يرجع الحقّ إلى نصابه وتنال الأُمّةُ حقوقَها المغتصبة.. فتنحّى عن بيعة يزيد الجائرة.

ولمّا استغاث به المسلمون، ووعدوه الطاعة والقيام بالنصرة، وأعطوه المواثيق، لم يجد بُـدّاً من المطالبة بحقوق الإسلام والمسلمين ولازمِ الدفاع لطاغوت الظلم والمنكَر، فقام ولسان حاله يقول ما قاله أبوه أمير المؤمنين: " لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، لألقيتُ حبلها على غاربها، وسقيتُ آخرَها بكأس أوّلِـها "(1)..

____________

1- نهج البلاغة: 50 الخطبة 3.


الصفحة 123
ودعا إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأقام الحجج، وأنار البراهين، مع الثبات الهائل والبأس المروّع، ودافع عن حقوق الدين والمسلمين بأحسن ما يفتخر به التاريخ من صادق الجدّ والتفادي في سبيل الله والإصلاح، إلى أن جرى على الإسلام والمسلمين في يوم الطفّ مثل ما جرى في واقعة أُحـد:


ولا مثلَ يومِ الطفِّ يومَ فجيعةلذِكراه في الأيّامِ ينقصمُ الظهرُ
يُذيبُ سُوَيدا القلبِ حزناً فعاذِرإذا سفحت من ذوبها الأدمعُ الحمرُ(1)

وما كـنت أحسـب أنّ واحداً من الناس ـ حتّى ممّن عـرّقت فيه هند أو سـميّة ـ يجـترئ بكذبه، ويسوّد وجه المطبوعات بقوله في شأن الحسين (عليه السلام): " فاعتبره يزيد ـ الخليفة الأُموي، القائم بالأمر وقتـئذ ـ ثائراً، فوجّه إليه جيشاً هزمه وقـتله "!!

____________

1- البيتان من قصيدة للشيخ البلاغي (قدس سره)، نظمها ردّاً على قصيدة أحد علماء بغـداد المنكرين لوجود الإمام الثاني عشر، المهديّ الغائب المنتظَر (عليه السلام)، والتي بعثها إلى علماء النجف الأشرف عام 1317 هـ، كما ذكرنا سابقاً.

انظر: مقـدّمة الإعداد والتحقيـق، الصفحـة 25 ـ 30.


الصفحة 124
ليت الكاتب يقول: إنّ يزيد خليفة مَن؟؟!!

ومتى قام بالأمر؟!

ومتى طُرحت حكومته أمام الجمهور؟!

ومتى رضي به المسلمون؟!

أليس أوّل ما مات معاوية، وأراد أن يتسلّق إلى الزعامة الجائرة، قامت عليه قيامة المسلمين من ها هنا وها هنا، كما يشهد به التاريخ في أسباب وقعة كربلاء، ووقعة الحرّة، ووقعة هدم الكعبة؟!

ألَم يكن الحسـين قد حبس يده الكريمة ـ في جملة الناس ـ عن البيعة الجائرة، وخرج من المدينـة كما خـرج رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكّة، وأَمَّ الكوفة كما أَمَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينـة؟!

ولكن لمّا استفحل الجور والاستبداد، فوهن لذلك المسـتغيثون به، وغدروا به، جاشَ عليه الجيشُ الـعَرمرم(1) في

____________

1- جاشَت القِدر: إذا بدأت تغلي ولم تَغْلِ بعد، أو إذا غَلَت، وكذلك الصدر إذا لم يقدر صاحبه على حبس ما فيه.. وكلّ شيء يغلي فهو يجيـش، حتّى الهَمّ والغُصّة في الصدر.

وجاشَ البحرُ جَيْشاً وجُيُوشاً وجَيَشاناً: هاجَ فلم يُـسْـتَـطَـع ركوبُـه.

وجاشَ الوادي يَجيـشُ جيشاً: زَخَـرَ وامتـدَّ جـدّاً.

وجاشَـت الحربُ بينهم: إذا بدأت تغلي، وهو مجاز.

انظر مادّة " جيش " في: لسان العرب 2 / 435، تاج العروس 9 / 77 ـ 79.

والمعنى المراد هنا على الكناية والمجاز: أنّ الجيش الكبير الجرّار قد تجمّع في أرض كربلاء وتهيّـأ للحرب الحقودة.

والـعَـرَمْـرَم: الجيـش الكـثير ; انظر: القاموس المحيط 4 / 151 مادّة " عرام "، تاج العروس 17 / 473 مادّة " عرم ".


الصفحة 125
كربلاء، وهو في ثلّـة يسـيرة من أهل بيته وصفوة صحبه، فسامَـه(1) الأعداء أن يسـتـسلم ضارعاً لطاعة يزيد وحكم ابن مرجانة، ويخضع لبيعة الضلال..


فأبى أن يعيـشَ إلاّ عزيـزاًأو تُجلّى الكفاح وهو صريعُ(2)

فوقف في وجه الحرب وأدار رحاها ثابت الجَنان، ماضي العزيمة، على بصيرة من أمره..


أَقَـرُّ على الأرضِ مِن ظَهرِهاإذا مَلْمَـلَ الرعبُ أقرانَها
تزيدُ الطلاقةُ في وجهِهِإذا غَـيّـرَ الـرَّوعُ ألوانَها(3)

____________

1- السَّـوْم: أن تُـجَـشِّـمَ إنساناً مشقّـة أو سوءاً أو ظلماً ; انظر: لسان العرب 6 / 440 مادّة " سوم ".

2- ديوان السـيّد حيدر الحلّي ـ القسم الحسـيني ـ: 33.

والبيت من قصيدة بعنوان " كلّ عضو في الروع منه جموع "، مطلعها:


قد عهدنا الربوعَ وهي ربيعُأينَ لا أينَ أُنسُها المجموعُ

3- ديوان السـيّد حيدر الحلّي ـ القسم الحسـيني ـ: 48.

وفي الديوان: " الخوفُ " بدل " الروعُ " من البيت الثاني.

والبيتان السابقان والأبيات الأربعة الآتية من قصيدة للسيّد حيدر الحلّي بعنوان " فنفس الأبيّ وما زانها " يرثي بها أبا الأحرار سيّد الشهداء الإمام الحسـين (عليه السلام)، مطلعها:


تَركتَ حَشاكَ وسُلوانَهافَخَلِّ حَشايَ وأحزانَها


الصفحة 126
حتّى قال أحد أعدائه من جيـش ابن سعد: " فوالله ما رأيت مكـثوراً قطّ قد قُتل وُلدُه وأهلُ بيتِه وصحبُه أربطَ جأشاً منـه "(1).


ولمّا قضى للعُـلا حقَّهاوشَـيّـدَ بالسـيفِ بُنيانَها
ترجَّلَ للموتِ عن سابح(2)لهُ أخْلَتِ الخيلُ مَيدانَها

*  *  *

غريباً أرى يا غريبَ الطُّفوفِتَوَسُّدَ خَدِّكَ كُثبانَها
وقَتْلَكَ صَبراً بأَيْد أبوكَثَنـاها وكَـسّرَ أوثانَها

وليت شعري مَن ذا الذي اجترأ وقال قبل هذا الكاتب:

____________

1- انظر: تاريخ الطبري 3 / 334 حـوادث سـنة 61 هـ، مقـتل الحسـين ـ للخوارزمي ـ 2 / 44، النهاية في غريب الحديث والأثر 4 / 152 ـ 153 مادّة " كثر " وفيه:

" ومنه حديث مقتل الحسـين (رضي الله عنه): (ما رأينا مَـكْـثوراً أَجرأَ مَقْدَماً منه).. المكـثور: المغلوب، وهو الذي تكاثر عليه الناس فقهروه، أي: ما رأينا مقهوراً أجرأَ إقداماً منه ".

2- في الديوان: " سابق " بدلا من " سابح ".

والسَّـابِـحُ: هو من الخيل الذي يحسن مَـدّ يديه في الجَـرْي.

والسَّـابِـقُ: هو الذي يسـبق من الخيل.

انظر: لسان العرب 6 / 143 و 161 مادّتَي "سبـح " و "سـبق ".


الصفحة 127
" إنّ جيش يزيد هزم الحسـين "؟!

من أين هزمه؟! وإلى أين هزمه؟!!..

ولعمري إنّ قتل الحسـين (عليه السلام)، وانتهاك حرمة الرسول والإسلام بقتله، قد هزّ بناء الإسلام هزّاً عنيفاً، ولكنّه رفع الخداع، وأماط الستار عن الحقيقة، ومحّص الأمر، وأزال التمويه، وبصّر المرتاب، ونـبّه الغافل، وأثار أهل الدين، فانجلى بذلك غياهب كانت متراكمة، وفتح للرشد أبواباً كانت موصـدة!

فإن لم يكن الحسين قد فتح بانتصاره، فقد فتح باب الهدى بقتله، وأزال عن الدين معاثر التدليـس، وكان من نتائج ذلك أن ثار الناس للتحرّر من الاسـتبداد القاسي، وطرح ذلك الـنِّـيْـر(1) الجائر عن أعناق الأُمّـة المسكينة.

ومهما كان من الأمر، فإنّ العراقيل من سياسات تلك العصور لم تعرقل روح الحقّ من أن ينتعش في البصائر انتعاشاً جديداً باهراً، لم يزل ينمو على مرور الأيّـام.

____________

1- الـنِّـيْـرُ: هو الخشـبة المعترضة على عُنقَي الثورين المقرونَين للحراثة ; انظر: لسان العرب 14 / 348 مادّة " نير ".

والمعنى: الظلم والقهر والهيمنة والتسلّط بغير حقّ ; على المجاز هنـا.


الصفحة 128

[ الاعتـقاد بالمهديّ (عليه السلام) ]

  وأمّا قول الكاتب أخيراً: " فمن الطبيعي ـ والحال هذه ـ أن يلجأ الناس إلى العناية الإلهـيّـة، وما لبثوا أن ساد الاعتقاد... " إلى آخـره.

فقد أوضحنا في صدر الكلام أنّ هذا الاعتقاد إنّما هو من التعاليم الدينية بالبشرى الإلهيّـة.. مَن ذا الذي يجحدها أو يسـتهزئ بها؟!

  ثمّ قال: " أمّا المسلمون فيعتقدون أنّ هذا المهديّ سيظهر بعد اختفائه، أي إنّه لم تعترِه الوفاة ".

لا يخفى أنّ هذا هو اعتقاد الشيعة الاثني عشرية، وقد وافقهم عليه عدّة من أهل السُـنّة وعرفائهم، وذكروه في كتبهم(1)..

____________

1- ومن جملة هؤلاء الّذين قالوا بولادته (عليه السلام) في 15 شعبان 255 أو 256 هـ:

1 ـ أبو نصر سهل بن عبـد الله البخاري (كان حيّـاً سـنة 341 هـ)، في سـرّ السلسلة العلوية: 39.

2 ـ فخر الدين الرازي (606 هـ)، في الشجرة المباركة في أنساب الطالبية: 92.

3 ـ ابن الأثير علي بن محمّـد الجزري (630 هـ)، في الكامل في التاريخ 6 / 249 ـ 250 في آخر حوادث سـنة 260 هـ.

4 ـ محيي الدين ابن العربي (560 ـ 638 هـ) في " الفتوحات المكّية " باب 366، ونُقل ذلك عنه في مشـارق الأنوار ـ للشـيخ حسن العدوي الحمزاوي ـ: 131، وفي اليواقيت والجواهر ـ للشـعراني ـ 2 / 144 ـ 145.

5 ـ شـمس الدين التبريزي (582 ـ 645 هـ)، كما في ينابيع المودّة 3 / 348.

6 ـ ابن طلحة الشافعي (582 ـ 652 هـ)، في مطالب السؤول: 311.

7 ـ سبط ابن الجوزي (581 ـ 654 هـ)، في تذكرة الخواصّ: 325.

8 ـ الكنجي الشافعي (658 هـ)، في البيان في أخبار صاحب الزمان: 521 ب 25.

9 ـ ابن خلّـكان (608 ـ 681 هـ)، في وفيات الأعيان 4 / 176 رقم 562.

10 ـ الجويني الخراساني (644 ـ 730 هـ)، في فرائد السـمطين 2 / 336 ـ 338 ح 590 و 591.

11 ـ ابن الصبّاغ المالكي (784 ـ 855 هـ)، في الفصول المهمّة: 291.

12 ـ ابن طولون الدمشقي الحنفي (880 ـ 953 هـ)، في الأئمّة الاثنا عشر: 117.

13 ـ عبـد الوهّاب الشعراني الشافعي (973 هـ)، في لواقح الأنوار في طبقات الأخيار 2 / 139 رقم 25 ترجمة الشيخ حسن العراقي، واليواقيت والجواهر 2 / 143، ونقل ذلك عنه في اسـتقصاء الإفحام: 92.

14 ـ ابن حجر الهيتمي المكّي (974 هـ)، في الصواعق المحرقة: 314.

15 ـ الشبراوي الشافعي (1171 هـ)، في الإتحاف بحبّ الأشراف: 179.

16 ـ عبـد الحقّ الدهلوي (959 ـ 1052 هـ)، في " مناقب وأحوال أئمّـه أطهار "، ونقل ذلك عنه في اسـتقصاء الإفحام: 106.

17 ـ العطّار النيسابوري، في " مظهر الصفات "، ونقل ذلك عنه في ينابيع المودّة 3 / 348 و 350 و ص 397 ح 50 و 51.

18 ـ سليمان القندوزي الحنفي (1220 ـ 1294 هـ)، في ينابيع المودّة 3 / 171.

19 ـ الشبلنجي (1308 هـ)، في نور الأبصار: 187.

20 ـ عبـد الرحمن باعَلَوي (1320 هـ)، في بغية المسترشدين: 296.

21 ـ خير الدين الزركلي (1310 ـ 1396 هـ)، في الأعلام 6 / 80.

وانظر كذلك: كشـف الأسـتار: 46 ـ 93، وكتاب " الإمام الثاني عشـر (عليه السلام) "، ففيهما ذِكر لكلمات مجموعة ممّن ذكرناهم أو غيرهم.


الصفحة 129

الصفحة 130
أمّـا باقي أهل السُـنّة فيقولون: إنّـه سـيولد(1).


*  *  *

____________

1- كما هو المشهور المتداول بين الجمهور!