الصفحة 131

[ ابن سـبأ والسرداب ]

  ثمّ قال الكاتب: " فقد قام رجل يسمّى عبـد الله بن سبأ أسلم في خلافة عثمان "..

وقال: " إنّ الإمام الثاني عشـر من أئمّـة الشـيعة، وهو: محمّـد بن الحسـن العسكري، دخل في سرداب بدارهم في الحِلّة وغاب هناك، وسـيخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض عـدلا، وقد تبـع ذلك الرجل في رأيه جماعـة من الشـيعة، وهم الآن ينـتـظرونه، ولذا يسمّونه المنتـظَر، ويقـفون كلّ ليلة بـباب ذلك السـرداب الذي يزعمون أنّ الإمام اختبأ بداخله فيهتـفون باسـمه ويدعونه للخروج حتّى يغشاهم الليل، فينفـضّون ويرجئون الأمر إلى الليلة الثانيـة ".

وقد ذكرنا هذا الكلام على طوله، لكي يبتهج بصدقه وأمانته ومعارفه أبناء هذا العصر! وتفتخر المطبوعات بمثل هذه التحريرات الراقية!

بَخ بَخ! زِهْ زِهْ(1)! فإنّ هذا الكاتب يقول: إنّ عبـد الله بن

____________

1- بَخ: كلمة فَخْر، وتقال عند تعظيم الإنسان، وعند التعجّب من الشيء، وعند المدح والرضا بالشيء ; وقد تستعمل للإنكار.

انظر مادّة " بخخ " في: لسان العرب 1 / 329 ـ 330، تاج العروس 4 / 257.

زِهْ: كلمة تقال عند التعجّب والاستحسان بالشيء ; انظر: تاج العروس 19 / 41 مادّة " زهه ".


الصفحة 132
سبأ، الذي أسـلم في أيّـام عثمان، وقـتله عليٌّ في أيّـامه بالكوفـة من أجل إصراره على الغلوّ والكفر، فإنّه ادّعى ألوهيّة عليّ (عليه السلام)، وأصرّ على ذلك..

هذا الرجل الذي أسلم في أيّام عثمان، وقتله عليٌّ (عليه السلام)قبل سنة الأربعين من الهجرة(1)، نهض بعد سنة سـتّين ومئتين وقـال بالقول المذكور!!

فيا للأسف على الإنسانية وشرفها وكرامة العلم والتاريخ!!

ولا ينبغي أن يخفى على أحد أنّه لم يُعهد لأحد من الأئمّـة الاثني عشر، ولم يُعرف له مكث في الحلّة، ولا سكنىً، ولا دار، ولا سرداب! بل لم تكن الحلّـة في زمانهم موجـودة!!(2).

____________

1- انظر: ميزان الاعتدال 4 / 105 رقم 4347، إختيار معرفة الرجال 1 / 323 رقم 170 و 171، نقد الرجال 3 / 108 ـ 109 رقم 3091.

2- فإنّ أوّل من بنى مدينة الحلّة بالجامعين وسكنها هو سـيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي، وذلك في سنة 495 هـ، وإنّما كان يسكن هو وآباؤه ومن قبله في البيوت العربية.

انظر: الكامل في التاريخ 9 / 60 حوادث سنة 495 هـ.


الصفحة 133
وإنّما مكث الهادي والعسكري عليهما السلام في سرّ من رأى بجلب الملك العبّـاسي وحبسه لهما فيها بحبس النظر، وفيها وُلد المهديّ سنة مئتين وسـتّ وخمسين(1).

وكان آخر ما ظهر من شؤونه فيها هو أنّ الملك العبّـاسي صار يتتبّع آثار المهديّ بعد أبيه بالطلب الحثيث، ومن ذلك أنّ شرطته هجموا على المهديّ في السرداب، فجَرَت له كرامة حجبتهم عنـه(2)، فكانت للسرداب بتلك الكرامة مزية عند الشـيعة.

ولا ينبغي أن يجهل أحدٌ أنّ اعتقاد الشيعة هو أنّ المهديّ قاطن على وجه الأرض، يتمتّع بحياته بين الناس، وهو

____________

1- الكافي 1 / 431 ح 1 باب مولد الصاحب (عليه السلام).

2- انظر: الخرائج والجرائح 1 / 460 ح 5، كشف الغمّة 2 / 499 ـ 500، بحار الأنوار 52 / 52 ح 37 عن الخرائج، الفصول المهمّة: 293.

وللميرزا النوري (رحمه الله) شرح وتوضيح لمسألة السرداب وما أُثير حوله من أقاويل جدير بالقراءة ; انظر: خاتمة كتابه كشف الأستار: 209 ـ 240.

وللأعلام: الشيخ محمّـد جواد البلاغي والسيّد محسن الأمين والشيخ محمّـد حسين كاشف الغطاء (رحمهم الله) ردود منظومة على ما حيك من شبهات حول السرداب، نظموها ردّاً على القصيدة التي وردت النجف الأشرف من أحد علماء بغداد، التي أشرنا إليها سابقاً ; انظر: كـشف الأسـتار (ملحق الكتاب): 241 ـ 288.


الصفحة 134
محـجوب عن معرفتهم له، إلى أن يأذن الله له بالظهور.

فالشيعة إذا زاروا مرقد الهادي والعسكري عليهما السلام في سرّ من رأى قصدوا السرداب المذكور، ليلا أو نهاراً، لأجل بركته بتلك المزية المذكورة، فيصلّون فيه، ويدعون الله بالفـرج وظهور المهديّ، على جاري عادتهم من اغتنام الدعاء في مظانّ الإجابة من الأزمنة الشريفة والأماكن المباركة.

ولا ينبغي للكاتب ـ في مثل هذا العصر ـ أن يبدي قيمة أمانته ومعارفه بمثل هذه التواريخ الكاذبة المتهافتة السخيفة!

ولا عذر له في ذلك، وإنْ سبقه فيه بعض المصنّفين في الملل والنحل من بعض ذوي الشهرة!(1).

وإنْ كانت لأحد مناقشة في معارف دين الإسلام، أو في أمر المهديّ، فَـلْـيُـبْدِ للحقّ صفحتَه ; لنورد عليه أدلّتنا من المعقول والمنقول، والله المعين، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

وفي شأن الاعتقاد بأمر المهديّ وظهوره، يقول الكاتب المذكور ـ في بعض كلامه المشار إليه ـ: " وكان لهذه العقيدة نتيجة سـيّـئة في الأُمم الإسلامية، إذ ساغ لكثير من الدجّالين أو المعتوهين أن يدّعوا أنّهم ذلك المهديّ المختبـئ ".

____________

1- انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل 3 / 114، منهاج السُـنّة 1 / 44 ـ 45.


الصفحة 135
مهلا أيّها الكاتب! فإنّ أمثال هذه النتيجة جرت في أمر الإلهيّـة، حيث ادّعاها البشر الناقصون أو ادُّعيت لهم..

وجرت في أمر النبوّة والرسالة، حيث ادّعاها بعد الإسلام مسيلمة وسَجاحِ(1) و.. و.. و..

والعهد القديم والعهد الجديد يتعرّضان لكثرة المدّعين للنبـوّة كذبـاً!(2).

وإنّ مثل هذه النتائج إنّما هي نتائـج التدجيـل والضـلال، لا نتائج الحقائـق!

إذاً فماذا تقول في أمر الإلهيّـة والنبوّة والرسالة مع ما ذكرناه من نتائج السـوء؟!

وسـبحان ربّـك ربّ العزّة عمّا يصفون..

ولنكـتفِ بهذا المقدار، والله الهادي، وهو المسـتعان.


النجف(ب)


*  *  *

____________

1- انظر مثلا: تاريخ الطبري 2 / 268 ـ 271.

2- انظر: سفر التثنية: الأصحاح 18 / 19، سفر الملـوك الأوّل: الأصحاح 22 / 5 ـ 23، سفر أرميا: الأصحاح 14 / 14 و 15، سفر أرميـا: الأصحـاح 23 / 14، رسـالة بطـرس الثانيـة: الأصحـاح 1 / 20 و 21.


الصفحة 136


( 3 )


البـلاغ المبـين





الصفحة 137

الصفحة 138


كلمـة الناشــر
في الطبعـة الأُولى





الصفحة 139

الصفحة 140

بسـمه تعـالى

كلمـة الناشـر

الحمد لله، والصلاة على نبيّه وآله الكرام.

وبعـد..

فقد ألّف القدماء طريقة الجدل الأُولى في محاوراتهم ومباحثهم، فصاروا مقيّدين بها، وأصبح النظر إلى تحقّق أُصول المنطق ومبادئ النظريّات الفلسفية في البراهين العقلية لازم قبل المادّة التي عُيّنت غرضاً وأُخذت غاية..

وهذا ما جعل مطالعة الكتب القديمة غير مألوفة لناشـئة العصر الجديد، وغير متّبعة في تحرّي الحقائق والبحث عن المواضيع.

أضف إلى ذلك أنّ الاستدلالات الدينية والشواهد المجرّدة كانت تؤخذ بنظر الاعتبار، وحتّى في مقام المناظرة لإثبات أُصول الدين نفسه.

وهذا مسلك ربّما لا يطمئنّ إليه الباحثُ، ولا يتجشّم صعوبة النظر فيه المحقّـقُ.


الصفحة 141
وقد اسـتمرّت هذه الطريقة مألوفة وحتّى في رسائل المتأخّرين!

أمّا الرسالة التي نضعها بين يدَي القرّاء الكرام الآن، والتي نقدّمها كهدية نسدّ بها فراغ الوقت الذي تحتجب فيه " الهدى " في عطلتها، فحَرِيّة بأن تكون الأُولى في بابها، وجديرة بأن تُعدّ السابقة في وضعها، وخليقة أن تعتبر خطّتها في البحث والنظر المجدِّدة.

ونظنّ أنّ القارئ الكريم سـيجد في مطالعتها لذّة، ومن تتبُّع مواضيعها فائدة، لِما انطوت عليه فصولها من البحث الملذّ، وجمعته من الفوائد الغزيرة، مع ما اتّبعه المؤلّف فيها من الاعتماد على أدلّة العقل، والاسـتشهاد بمظاهر الكون ومخترعات العصر الحديث ; فهي أنفس هديّة تُقدّم إلى القرّاء الكرام، وأحسن سلوة يُسدّ به فراغ العطلة..

نمّقها يراع أحد النياقدة الأعلام من جهابذة كُـتّاب النجف الأشرف، وهو الذي ما كتب في موضوع إلاّ وأعطاه حقّه، وإنّما لم أُصرّح باسمه الشريف امتثالا لأمره المطاع.

والله هو المسـتعان في كلّ قصد، وإنّه وليّ التوفيق.


عبـد المطّلب الحسـيني الهاشمي
صاحب مجلّة (الهدى)     


الصفحة 142


بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمـد، وهو المسـتعان،
والصلاة والسلام على جميع أنبيائه ورسله،
وخصوص خاتمهم، وآله الطاهرين.





الصفحة 143

الصفحة 144

لسان حال.. وتخييل

عبـد الله: جمعتني مرحلة هذه النشأة مع مسافر لا يَعرفُ غايتَه.. وغير غريب من عاطفة الإنسانية وحبّ الخير للبشر وواجب الحقيقة، أن تلجئني إلى إدارة الكلام بيني وبينه في الشؤون النافعة.. لعلّما نستثمر من مَخض الكلام زبدةً، ونجني من غراسه ثمراً ; فقلت له:

هل لك ميل إلى المحادثة في ما يُرجى نفعه ويُؤدّى به واجب هذا السفر وهذه الصحبة؟

رمزي: أجل! وليكن الكلام في ما نقضي به الوقت وأنال به لـذّة!

عبـد الله: إنّ العقلاء من البشر يعملون أعمالهم ويتكلّمون بكلامهم لأجل أن تكون غراساً صالحاً للاستثمار في المستقبل، في نظام الحياة، ونيل الفضيلة في المعارف والأخلاق الفاضلة.

وأمّا ما لا غاية فيه إلاّ اللـذّة الوقتية وتقضّي الوقت، فإنّ العمر الشريف يذهب به ضياعاً.. وربّما تعدّى عنه الخسـران إلى رذيلة الانحطاط والضرر الباهظ في المسـتقبل!

رمزي: ما علينا بكيت وكيت.. حدِّثني بما يؤنسـني من

الصفحة 145
التاريخ وأحوال البلدان.

عبـد الله: مـن الممكـن أن أُؤدّي واجـب الحقيقـة وأُؤانسـك.

رمزي: يا صاحبي! ما اسمك؟

عبـد الله: اسمي عبـد الله.

رمزي: أليس من العجيب أنّ الإنسان يُلقي نفسه في أسر العبودية وقيود المحكومية؟!

عبـد الله: هل تسمح بأن نخوض في هذا الشأن.. وتُقْبِل على كلامي بسمعك وشعورك؟

رمزي: لا يهون علَيَّ أن أُكدِّر صفاء لذّاتي، وأُهدّد حرّيّتي بما تحاول أن تجعلني به تحت نير عبودية، وأغلال طاعة، وقيودِ: افعل هذا، لا تفعل هذا.. حدِّثني بما يؤنسـني من التاريخ وأحوال البلدان.

عبـد الله: نعم.. ومن الممكن أن لا يكون الحديث أجنبيّـاً عمّا يجب علَيَّ للحقيقة والإنسانية.

كان أهل البصرة يشـترون كثيراً من العبـيد والإماء من سودان إفريقا، ويجعلونهم عَمَلةً في بساتينهم وسفنهم النهرية والبحرية وفي محالّ تجارتهم، ويزوّجون العبيـد بالإماء محافظةً على عفّتهم، فيتناسلون ويكونون ذوي بيوت وأولاد وإدارات،

الصفحة 146
وكلّهم يأكلون من نفقات مواليهم، ويتدرّجون بالتعليم والتربية قليلا قليلا في الحضارة وآداب المدنيـة.

رمزي: إنّي قرأت في المدرسة جغرافية البصرة الطبيعية، فأتمِم حديثك في جغرافيتها الاقتصادية؟

عبـد الله: وقد كان في بساتين شخص من أهل البصرة وسفنه ومواقع تجارته جماعة كثيرة من هؤلاء السودان، ومن جملتهم جماعة ممّن نشأ في وطنه من بلاد السودان وآنَسَ بعاداتهم الوحشية، وكلّ واحد من هؤلاء يتألّم كثيراً ويشكو إلى أبناء جلدته من قيود عادات البصرة، من نحو تأديب الموالي، وتعليمهم للعبـيد آداب الحضارة، ومن تعلّم الأعمال والأشغال، والاشتغال بتحصيل الأموال، وترتيب إدارة البيت، والنظر في العواقب، ومداراة العيال والأولاد، وتربية الأولاد وتأديبهم..

وكثيراً ما كانت هذه الجماعة يتمنّون الفرار من هذه الأحوال المدنية التي يرونها قيوداً باهظة، فيتلهّفون على الرجوع إلى وحشية إفريقا، ويدور ذلك في حديثهم مع أصحابهم السودان المتولّدين في البصـرة.

رمزي: وما هي وضعية السودان وحالهم في براري إفريقا؟

عبـد الله: قبائل البمباس والزنج في براري إفريقا، كلّهم

الصفحة 147
رجالا ونساءً، عراة ليس عليهم لباس ولا ساتر أصلا!

نعم، المرأة منهم في أيّام حيضها تضع على عورتها ورقة من بعض الشجر علامة على أنّها حائض.

وإنّ الرئيس منهم لا يزيد على أن يتوشّح بوشاح من قماش أبيض لا يزيد عرضه على أربعة أصابـع أو خمسة، يجري مجرى حمائل السيف ; لكي يكون وساماً للرئاسة.

وربّما يكون بعضهم خادماً عند النزلاء في جزيرة زنجبـار، فيلجئه المخدوم إلى ستر عورته فيتّزر بمئزر، فإذا سخط على مخدومه، وعزم وجزم على مفارقته والرجوع إلى أرضه ووحشيّته، كانت العلامة على إصراره على المفارقة النهائية أن يحلّ المئزر وينزعه من وسطه، ويطويه ويرمي به في وجه مخدومه!!

ولهم في طرف النهار مسارح رقص، يجتمعون فيها رجالا ونساءً، ويسمّون هذه المراقص: " هيوة "، ولهم مسكر مخصوص يسمّونه: " بوزة "، وبحالة السكر وطرب الهيوة ـ وهم عراة على العادة ـ يرقص نساؤهم ورجالهم معـاً!

ومن أحوال رقصهم، أن يلصق كلٌّ منهم عجيزته بعجيزة الآخر، سواءً كان رجلا أم امرأة!

ومن شدّة السكر والطرب والرقص الماعزي السخالي

الصفحة 148
تزبـد أفواههم، فيعلو من ذلك على شفاههم ووجوههم السود مـا يكون له منظر غريب مضحك!

رمزي: إنّ هذا لتوحّـش غريب!

عبـد الله: يا للعجب! أَوَأنت تقول ذلك؟!!

رمزي: وماذا كان من حكاية سودان البصرة؟

عبـد الله: ولم يزل أُولئك السودان الناشئون في إفريقا يحاورون أصحابهم من السودان الناشئين في البصرة، ويحسّـنون لهم أحوال بلادهم في إفريقا وأوضاع السودان هناك، حتّى حصلوا على موافقتهم في الرأي، واسـتقرّ رأيهم جميعاً على الفرار..

فعيّنوا لهم سفينة بحرية من سفن مولاهم، وخصّصوا واحداً منهم ربّاناً للسفينة وبعضهم نواتي (ملاّحين) ; لكي يصلوا بأجمعهم من طريق البحر سريعاً إلى براري السودان من إفريقـا..

وبعد هزيع من الليل خرجوا جميعاً، رجالا ونساءً وأطفالا، من غير اسـتعداد للسفر ولا زاد، ودخلوا السفينة وقد شربوا من مسكرهم (البوزة) حتّى أخذهم السكر.. وفي خيالات السكر رفعوا شراع السفينة من دون أن يحلّوا رباطتها ويقلعوا مراسيها وأناجرها.


الصفحة 149
هـذا، وخيال السكر والحمق السوداني يخيّلان لهم أنّ السفينة تجري بسرعة فائقة، مع أنّها واقفة راسية لا تزول من مقرّها إلاّ بمقدار ما تهزّها الأمواج العادية.

وبعد سويعة سألوا الربّان قائلين: أين وصل بنا سيرنا السريع؟

فقال: قد تجاوزنا الفاو(1) ودخلنا البحـر.

فعند ذلك صفّـقوا تصفيقاً حادّاً، ونزعوا بأجمعهم ـ رجالا ونساءً ـ كلَّ ما عليهم من اللباس ورموا به في الماء، وصاروا بأجمعهم عراة بلا ساتر للعورة، واشـتغل رجالهم ونساؤهم بالرقص والنشـيد السوداني.

رمزي: وماذا كان نشـيدهم؟ ألا تترجمه لي بالعربيـة؟!

عبـد الله: نَشـيدُهم: نمضي بحرّيّـتنا أحراراً.. وليس لنا مولى.. كلّ واحد حرّ.. برئنا من الملابس.. من هو المولى ومن يكون؟! ما هي البصرة؟! ما هي الدار والغرف؟! ما هي البسـتان؟! ما هي التجارة؟! ما هي الأعمال والصناعات؟! نحن غزلان الفلاة.. لتحيا الهيوة.. لتحيا البوزة!

رمزي: وماذا صار من أمرهم؟

____________

1- الفاو: مدينة في أقصى جنوب العراق، تقع على مصبّ شطّ العرب بالخليج العـربي.


الصفحة 150
عبـد الله: وإذ كانت الريح تلاعب الشراع من سفينتهم الواقفة، أخذهم الأُنس والطرب، وخَيّل لهم السكرُ أنّ السفينة تسـير بهم كالبرق الخاطف! فسألوا الربّان قائلين: أين بلغ بنا هذا السـير السريع السعيد؟

فنظر الربّان بخيال السكر إلى دور العَـشّار(1) والنخيل، فقال: ما لكم؟! ألا تنظرون ذات اليمين إلى دور البحرين ونخيلها؟!

ثمّ مضت سويعة، فسألوا الربّان قائلين: أين بلغ بنا سـيرنا السريع المبارك؟

فنظر ذات اليسار، فرأى شـبح الجانب الشرقي المقابل للعَشّار، فقال: قد قابلنا بندر عبّاس(2)، وقارَبْنا بوغاز هرمز(3)!

وبعد ساعة غلب النعاس وخيالات السكر على عينَي الربّان فصاح بالنواتي: غَـيِّروا وضع الشراع، غَـيِّروا وضع الشراع سريعاً، لكي نبعد عن مَسقط، فإنّ في قربنا إلى مَسقط مخاطرة كبيرة، ولعلّنا قبل الصبح بهذا السـير السريع السعيد نجاوز باب المندب إلى سواحل إفريقا فنسـتريح من بحر العرب وأخطاره..

____________

1- العَشّار: حيٌّ من أكبر أحياء البصـرة.

2- بندر عبّـاس: من أكبر موانئ إيران، يقع إلى الجنوب الغربي منها على شواطئ الخليج العـربي.

3- هو مضيق هرمز.


الصفحة 151
صفِّـقوا صفِّـقوا.. ارقصوا ارقصوا!

فلمّا أصبح الصباح، جاء أهل العَشّار إلى الشاطئ فرأوا سفينة راسية واقفة مربوطة، وشراعها مرفوع يخفق، وهي مملوءة من أشباه الماعز والسخال، من السودان العراة، وهم مشغولون بالتصفيق والرقص والنشـيد بأشنع منظر مضحك!

فجاء خدّام مولاهم، فساقوا أُولئك السود بأجمعهم كقطيع الماعز، على تلك الحالة الشـنيعة المضحكة إلى مولاهم ونكال الجـزاء!

رمزي، صار يضحك كثيراً ويقول: يا للعجب من وحشـية هؤلاء وعدم شعورهم!

عبـد الله ـ يقول له(1) ـ:


عجباً!! ينـظر في مرآتهثمّ لا يعرف منها صورته!!

رمزي: قد فرغنا من هذا الحديث المضحك ; فقل لي ما معنى تسميتك بعبـد الله؟

عبـد الله: إنّي منزعج من أحوال بعض الأشخاص، بحيث لم يُـبْـقِ لي الانزعاج حالا وفِكراً لردّ جوابك.. وسأذكر لك حال هذا الشخص لكي تعتبر وتعرف أنّه إلى أيّ حـدّ يبلغ اتّـباع الهوى والضلال والشقاء وعدم الحياء!

____________

1- أي يقول له في نفسه، ولم يُـبْـدِه له.


الصفحة 152
رمزي: نعم.. إنّ حال بعض الناس في الغيّ لا يكاد يوزن بميزان، ولا يقف في السوء على حدّ محدود ; فاذكر لي حال هذا الشخص الذي أزعجك.

عبـد الله: هذا ولد يعيش بالرغد والرفاهية في نعمة أبيه الرؤوف، وأبوه ذو علم وكمال فائقَين، ومن أجل كماله ورأفته وحبّه للخير هيّـأ لولده جميع أسـباب الرقيّ والسعادة والتربية الصالحة، فأعدّ لولده معلِّمِين كاملين ومرشدِين صالحين، وجعل له صاحباً ملازماً ناصحاً عاقلا مشفقاً خبيراً، وعرّفه جميع أسـباب الترقّي والانحطاط والسعادة والشقاء..

وأكملَ ذلك بكلّ ما يبعث على أعمال الخير والصلاح من الترغيب والوعد الصادق بالجزاء، وبكلّ ما يزجر عن أعمال السوء من الإرهاب والوعيد والإنذار.

وهذا الولد لا اسـتغناء له عن نعمة أبيه في حال من الأحوال.. وهذا الأب لا حاجة له إلى هذا الولد بوجه من الوجـوه.. ولـم يكـن لـه في تكميـل الولـد وتهذيـبـه حاجـة ولا غرض إلاّ حبّه للخير والصلاح والكمال وترقّي الولد في معارج السعادة.. والولد يعرف هذا كلّه.. فإنّه أمر لا تسـتره الغبـاوة..

ولكنّ هذا الولد الشقيّ لا يزال يقابل هذا الأب الكامل

الصفحة 153
المحسن الرؤوف بأنواع أعمال السوء والفحشاء، وبالأخلاق الرذيلة بتمام الصلافة وعدم الحياء..

ومن الاتّـفاق أنّي رأيت هذا الولد مشغولا ـ بمرأىً ومسمع ومحضر من الأب ـ بأعمال الشرّ والقبائح والفساد والأخلاق القبـيحة!..

فقلت للولد: يا للعجب!! حتّى متى تتمادى في هذا الغيّ؟! أما تسـتحي من هذا الأب الجليل الكامل، وليّ نعمتك والرؤوف بك، ولا تخاف من غضبه ونكاله وأنت تعمل بمحضره ومرآه كلَّ ما تريد من الأعمال الرديئة الذميمة من دون حياء ولا مبالاة؟!!

فقال لي: لا أرى لي أباً!

فقلت له: ليس بـينك وبينه مسـافة بعيـدة، ولا حـائل، ولا ظلام، وها هي الشمس مشرقة، فكيف لا ترى أباك؟!

فقال: لا أراه أصلا ورأساً! وإنّ الشمس إلى الآن لم تظهر من الأُفق!

فقلت له: ها هي الشمس مشرقةً في وسط السماء، وليس بينك وبينها حاجب أو غيم!

فقال: لا أرى شمساً أصلا!

فتخيّلت من كلامه هذا أنّه قد فاجأه العمى فعميت عيناه

الصفحة 154
دفعـةً واحـدة! فأردت أن أمتحـنه وأسـتعلم الحال، فقلت له: إنّ معي مكتوباً ضئيل الكتابة جدّاً فهل تقدر على قراءته؟

فقال: هل في قراءة الكـتابة عجب؟!

قلت: هل معك نظّارة مكـبّرة؟ فإنّ معي خاتماً ضئيل الكـتابة جدّاً.

فأخذه وقرأه من دون نظّارة! وأجريت معه من هذا القبيل امتحانات كثيرة، وهو في جميع ذلك يبصر إبصاراً حسناً!

وقال: هل عندك فوق هذا ممّا تمتحن به بصري؟! لماذا لا أُبصـر أمثال هذه؟! والحال أنّ عينَيَّ صحيحتان قويّتان، والجوّ صاف منير، والشمس مشرقة في وسط السماء قريب الهاجِـرة(1)!

فقلت له: إذاً كيف قلت قبل سويعة: إنّي لا أرى لي أباً، ولا أرى شمساً؟!

فقال: دع عنك هذه الأقاويل التي تريد أن تكـدّر بها صفاء لذّاتي وحرّيّتي في شهواتي.. أنا ليس لي أب! خرجت من ثقب الجدار! اتركني لحالي لكي أنال لذّاتي براحة فكر، من دون تصوّر تهديد وعراقيل مكـدّرة لعيش الأهواء.

____________

1- الهاجرة: نصف النهار عند اشـتداد الحرّ ; انظر: لسان العرب 15 / 34 مادّة " هجر ".


الصفحة 155
رمزي: يا للعجب لهذا الإنسان الساقط الذي لا حسّ له ولا شعور، ولا شرف إنسانية ولا حياء.

عبـد الله:


عجباً!! ينـظر في مرآتهثمّ لا يعرف منها صورته!!

رمزي: إنّي أسألك سؤالا.. وأنت تلهيني وتحيد عن جوابي، وتحكي لي قصّة إنسان ساقط، عديم الشعور والشرف والوجدان.. قل لي ما معنى تسميتك بعبـد الله؟!

عبـد الله: ما ألهيتُك ولا حِدْت عن جوابك، وما خرجت عن مقام الجواب، ولكـنّي أُكـرّر قولي ويا للأسف:


عجباً!! ينـظر في مرآتهثمّ لا يعرف منها صورته!!

رمزي: لا تتكلّم بالألغاز حياداً عن الجواب.. أجبني عن سؤالي بالصراحة!

عبـد الله: قبل مئتَي سنة، هل كـنّا أنا وأنت موجودين؟!

وهذه النخيل والأشجار والحبوب، التي نأكل منها طعاماً شهيّـاً وثماراً جَنِـيّـة، هل كانت موجودة؟!

وهذا الصوف والحرير والقطن، التي اتّخذنا منها لباسـنا، هل كانت موجودة؟!

رمزي: لماذا تقول: قبل مئتَي سـنة؟! كلّ هذا الذي ذكرتَ لم يكن موجوداً قبل مئة سـنة.


الصفحة 156
عبـد الله: الأشـياء التي لم تكن موجودة قبل مئة سـنة، أفلا تحتاج في وجودها إلى علّة توجدها؟!

رمزي: أجل.. لا شكّ في أنّ الموجود الحادث بعد عدمه محتاج إلى علّة موجدة له ; فإنّ الموجود الحادث لا يُمكن ولا يُتصوَّر أن يوجَد بلا علّة توجده ; وإنّ جميع الموجودات العالمية جارية على هذا المجرى.

وهذا الأمر بديهي وفطري، يجري على فطريّته حتّى الأطفال الرضّع والحيوانات.. ترى الطفل الرضيع والحيوان إذا سمع صوتاً أو جَلَبة فإنّه يعلم أنّه له علّة أوجدته ; ومن أجل ذلك يصير يتجسّـس عن العلّة لكي يعرف ما هي! فيسـتنتج نتيجته في رجائه وخوفه ومسـتقبله.. هذا أمر بديهي ليس لأحد فيه كلام.

عبـد الله: إذاً فالعلّة والمُوجِد ـ الذي أوجدني وأوجدك وأوجد كلَّ إنسان وحيوان ونبات، وجميع العالم العلوي والسفلي ـ هذا هو: الإله ربّ العالمين، ومِن أسمائه المقدّسة: " الله ".

إذاً فأنا وأنت، وكلّ إنسان، وحياةُ كلِّ حيّ وبقاؤه، ولوازم المعيشة، وأنواع الفوائد والمنافع ; هذه كلّها من نعمة هذا الإله الخالق ; فكلّ إنسان هو: " عبـد الله ".. ولأجل شكر النعمة

الصفحة 157
والاعتراف بالحقيقة سمّاني أبواي " عبـد الله ".

رمزي: من أين علمتَ أنّ علّة الإيجاد وموجِد العالَم أوجدَ الكائنات بإرادة وعلم وحكمة لكي يكون خالقاً منعماً؟!

ولعـلّ علّـة الإيجـاد تُعلَّـل بالتعليـل الطبـيعي بلا إرادة، ولا شـعور بالغايـة، ولا عـلم، ولا حكمـة.. وفي هذه الصورة لا يكون في البين إنعامٌ، ولا خالقٌ بإرادة، ولا منعمٌ!!

عبـد الله: إنّي قد قلت ما قلته عن علم وحجّة واضحة ; فاصغِ إليَّ بسمعك، وتوجّه إليَّ بشعورك وقلبك، لكي أُنبّهك على حجّتي في ما قلته لك، فإنّ ما أقوله واضح جليّ لا يحتاج إلى تعمّق في الحجّة وإتعاب للفكر.

نعم، لا ينبغي للإنسان ها هنا أن يعشو عشوة الخفّاش في ضياء الشمس، ولا يطفر بعناده طفرات عديمي الشـرف بالجحود الأعمى.

رمزي: لا تتعب نفسك.. فإنّه يقال: لا علّة لوجود العالَم إلاّ الطبيعة العمياء البكماء عديمة الشعور والإرادة، ولا تعليل إلاّ بالتعليل الطبيعي.. فأين الخالقية بالإرادة؟! وأين الخالق؟! وأين الإنعام والمنعِم؟!

أفلا ينبغي الأسف على إنسان عاقل إذ يجعل نفسه باختياره ـ من دون وجه ولا داع ـ في أسر العبودية لهذه الطبيعة